دايمًا تخطر في بالي فكرة كيف ممكن يتحول نص روائي قوي إلى شاشة حية، و'
برهان العسل' يضعني في نفس الحماس لأن القصة تبدو — على الورق — غنية بصريًا ودراميًا.
الواقع أن السؤال هل سيقدّم المخرج عملًا عن 'برهان العسل' يعتمد على عدة عوامل عملية أكثر من كونها قرارًا فنيًا فقط. أولًا، لابد من توافر حقوق النشر والتحويل إلى صورة سينمائية أو تلفزيونية؛ هذا قد يأخذ وقتًا ويعتمد على مدى تعاون صاحب الحقوق أو الورثة. ثانيًا، نجاح أي مشروع يحتاج دعمًا ماليًا ومنتِجًا يراهن على عائد الاستثمار، خصوصًا إذا كانت الرواية ذات طابع أدبي عميق يتطلب ميزانية للاقتباس الجيد — مواقع التصوير، التصميم الفني، أزياء معينة، موسيقى مركّبة. ثالثًا، يتوقف الأمر على ميول المخرج نفسه: هل يميل لصياغات مخلّتفة وتجريبية أم لاقتباسات محافظة تحافظ على
لغة الرواية وشخوصها؟ بعض المخرجين يبحثون عن نصوص تمنحهم مساحة بصريّة كبيرة، وبعضهم يفضل الأعمال التي تسمح بالغوص النفسي العميق.
إذا أردت تصوّرًا عمليًا، أفضل صيغة ممكنة لـ'برهان العسل' لو كانت الرواية تملك سردًا متعدد الطبقات وتفاصيل نفسية واسعة هي أن تتحوّل إلى سلسلة محدودة من حلقات قصيرة (حدود 6-8 حلقات). هذا يعطي وقتًا لتطويل العلاقات والشخصيات بدون اختزال سريع قد يجرّح صلب الحبكة. أما لو كانت الرواية أكثر تكثيفًا وذات قوس درامي واحد، ففيلم طويل مُتقَن يمكن أن يكون الخيار الأنسب. عند تحويل نص أدبي إلى شاشة، أهم شيء أن يحافظ المخرج والسيناريست على روح العمل: النبرة، التناقضات الداخلية للشخصيات، واللحظات التي جعلت القرّاء يتعلّقون بالرواية.
كمشاهِد ومحب للمحتوى، أحب أن أرى مخرجًا يأخذ مخاطرة فنية مدروسة — يعني ليس مجرد نقل حرفي للنص، ولا تغيير جذري يمحو جوهره، بل قراءة سينمائية ذكية تُعيد ترتيب عناصر الرواية بحيث تتناغم مع لغة التصوير والمونتاج. أتخيّل أيضًا موسيقى تزيد من نسق المشاهد الحميمية، واستخدام الألوان والضوء لتعكس حالات الشخصيات. وطبعا، اختيار الممثلين مناسب جدًا: وجوه قادرة على حمل ثقل النص عاطفيًا، وممثلون شباب قادرون على إضفاء طاقة جديدة على المشاهد.
في النهاية، لا أملك تأكيدًا أن المخرج سيقدّم عملًا عن 'برهان العسل' لأن هذه القرارات تأخذ دورها في أروقة الصناعة ببطء، لكن كل المؤشرات الفنية والتسويقية يمكن أن تجعل من هذه الرواية مادة جذّابة جدًا لتحويلها إلى شاشة. لو طلع المشروع قادمًا، سأتابعه بشغف وأحب أن أرى كيف سيتعامل المخرج مع الروح الأدبية للنص وكيف سيحوّلها إلى تجربة مرئية تلامس الناس كما فعلت الكتابة الأصلية.