كان زقاق "حي القلعة" يضيق بجدرانه المتهالكة كلما اقتربت سمية من دكان "أحمد". لم يكن مجرد محل للبقالة؛ كان ثقباً أسود يبتلع براءة العابرين. قبل أن تطأ قدماها العتبة الخشبية المتآكلة، كانت الرائحة هي التي تستقبلها، مزيج نفاذ يهاجم الحواس: رائحة التوابل القديمة المخزنة في أكياس الخيش، ممزوجة برائحة التبغ الرخيص "اللف" الذي لا يفارق شفتي صاحب الدكان. دخلت سمية، فاهتز الجرس الصغير المعلق فوق الباب، معلناً عن وصول الضحية أو "الصيد الثمين" كما كان يراها أحمد. كان أحمد رجلاً خمسينياً، اشتعل رأسه شيباً ليس وقاراً، بل اشتعالاً يشي بنيران الرغبة الكامنة خلف نظراته الثاقبة. كان يقف خلف منضدته الخشبية التي تراكمت عليها دهون السنين، يمسحها بخرقة متسخة بحركات دائرية بطيئة، وعيناه لا ترتفعان عن الأرض إلا لتخترقا ثياب سمية المدرسية الرقيقة. "أهلاً بسكر الحي.. أبطأتِ علينا اليوم يا سمية، حتى ظننت أنكِ نسيتِ عمكِ أحمد،" قالها بصوت أجش، خرج مع زفرة دخان كثيفة. كانت كلماته تقطر عسلاً مسموماً. لم تكن نبرته أبوية كما يدعي، بل كانت مشبعة بإيحاءات تفهمها الأنثى في طور التكوين غريزياً، حتى لو عجز عقلها عن تف
Last Updated : 2026-02-19 Read more