النهاية في الأدب الجيد تعمل كمرآة متعددة الوجوه، وكل ناقد يختار زاوية يقترب منها ليقرأ ما بين السطور في '
بساتين عربستان'. بالنسبة لعدد كبير من النقاد، النهاية لا تُغلق الرواية بقطع نهائي، بل تفتح فضاءات تداخل الذاكرة والتاريخ والرمز. هذا التفسير يضع التأكيد على الطابع التعددي للنص: البساتين لا تعود مجرد مكان جغرافي، بل تصبح رمزًا للرغبة في الخلاص والاحتضار معًا، ومشهدًا تتقاطع فيه الآلام الشخصية مع المصائر الجمعية.
من زاوية سياسية واجتماعية، يرى فريق من النقاد أن اختتام الرواية يعبر عن نقدٍ حادّ للسياسات التي أفرغت المكان من روحه وحوله إلى ساحة
صراع الهوية والسلطة. النهاية هنا تُقرأ كقائمٍ على المرارة: لا انتصار واضح ولا هزيمة مفصلة، بل خسارة مستمرة تُعاد فيها قراءة الماضي لتكشف عن تتابع إسقاطات السلطة على الأرض والإنسان. البعض يذهب أبعد في القول إن البساتين في الختام تستعيد شكلها كرمز للذاكرة الوطنية المهدورة؛ أمكنة تبدو فيها محاولات الإصلاح أو المقاومة وكأنها تتلاشى أمام منطق الزمان والاقتصاد وال
هيمنة.
على الصعيد النفسي والرمزي، يركز نقاد آخرون على الطابع الحالم والنوستالجي للنهاية. بدلاً من اعتبارها استسلامًا، يرونها فعلًا تأمليًا: الشخصية أو الشخصيات ترجع إلى الداخل، إلى الحكايات العائلية والجذور، وتكتشف أن الخلاص يمكن أن يكون شخصيًا أكثر مما هو جماعي. هنا يصبح الاختتام مساحة لإلقاء الضوء على الذاكرة والندم والحنين، وعلى فكرة أن الحديث عن المكان يمكن أن يتحول إلى حكاية عن الذات. تُستغل الصور النباتية — الأشجار، الظلال، الفاكهة — لتجسيد مأزق التواصل بين الأجيال، وفي النهاية يبقى السؤال مفتوحًا حول إمكانية التجدّد الحقيقي.
من منظور شكلي وسردي، يوجد اتجاه نقدي يعجب بالنهاية المفتوحة كخيار جمالي. هذا التيار يرى أن الكاتب عمد لترك نقاط التماس غير مغلقة كي يُجبر القارئ على المشاركة في عملية البناء والتأويل؛ النهاية ليست حذفًا للحبكة بل تحويلًا من خطاب سردي إلى خطاب تأملي. بعض النقاد يقارنون أسلوب الختام بتيار السرد الحديث والرمزي الذي يقوِّي الحضور اللغوي والصوري على حساب الحلول التقليدية، ما يجعل الرواية تبقى في الذهن بعد الانتهاء منها، وتدعو إلى قراءات متكررة.
شخصيًا، أجد أن قوة نهاية 'بساتين عربستان' تكمن في قدرتها على التعايش مع التناقض: هي حزينة ومضيئة في آنٍ واحد، تفضّل الأسئلة على الإجابات، وتترك أثرًا يشبه عبق حديقة قد تكون مزروعة بالألم والذكريات والأمل. أي تفسير واحد وحده لن يفيها حقها؛ وهذا بالضبط ما يجعل النقاش حول نهايتها غنيًا وممتعًا للعقل والقلب.