Chapter: الليلة السادسةوقف شقيق الطبيب في ركنٍ منزوٍ من صالة الوصول بالمطار، يجاوره الفتى «حمزة»، ابن شقيقهم المقتول «مصطفى» الذي قُطف زهر شبابه بغتةً وذهبت روحه هباءً على يد «كريم الجبالي». كانوا يرقبون بآمالٍ متعبة انشقاق رداء العتمة عن مسافرهم المنتظر. ولم يكن الانتظار هناك دعةً ولا راحة، بل احتقاناً ثقيلاً تدور تحت ظلاله الظنون، ولا سيّما أنّ العائد هو الطبيب النفسي الحاذق «بشر شوكت المصري»، الشهير بـ«باشا». فقد طار إليه في بلاد الغرب نعيُ أخيه وهو في صدارة مؤتمرٍ طبيّ حافل، يصول فيه ويجول بين أطباء الإفرنج، فقلبت الفاجعة المباغتة مجالس علمه مآتم، وعاد على عجلٍ يحمل بين جنبيه لوعةً كاوية وثأراً مبيّتاً.وما إن أطلّت قامته المديدة من بين بوّابات الخروج حتى شخصت إليه الأبصار مهابةً. فلم يكن «بشر» ممّن تفيض مآقيهم بالدمع عند الخطوب، بل كان ظهوره آيةً في السكينة الجافة الباردة. لم يبدُ منه في وهلة اللقاء سوى نظراتٍ ساكنة كبحرٍ لجّيّ، وأنفاسٍ كادت تتسارع من فرط الوجد المكبوت والمفاجأة القاسية لولا أنه لجمها بوقاره الطاغي، فابتلع حشرجة الأسى، وارتسمت على محيّاه ملامح جافية كأنها قُدّت من صخر. وكان تحوّلاً مبا
ปรับปรุงล่าสุด: 2026-10-12
Chapter: الليلة الخامسةتسمّرت أقدام فتية «صخر» الخمسة عند باب غرفة الطوارئ، وشخصت أبصارهم نحو الباب الموصد، وقد تملّكهم لغوب الانتظار الممزوج بآمالٍ واهية في أن ينقشع هذا الكابوس على لسان الطبيب بكلمة طمأنينة تخفّف مأساة تلك الليلة البهيمة. فلمّا انشقّ رداء العتمة وخرج الطبيب من الغرفة بخطىً متهالكة، انبرى له «سليم» مستوقفاً إياه بنبرةٍ ترتعش هلعاً:«طمّني عليه.»بيد أنّ الطبيب لم يلتفت إليه بكثير اهتمام، بل مضى واضعاً كفّيه في جيبي معطفه الأبيض، بنظراتٍ لاهية خالية من الاكتراث، إذ كانت أروقة المشفى تموج بحالاتٍ حرجة أخرى تستدعي عجلته. فألقى إليهم بكلماتٍ جافة مقتضبة:«كان عنده جلطة قلبية وسيّحناها، وهننقله الإفاقة.»* * *وفي تلك الأثناء، داخل شقة آل «الجبالي» التي ران عليها بؤس الفجيعة، كانت «كارين» تجلس واجمةً قبالة بناتها، تكاد عيناها تطرفان بذهولٍ يلامس حافة الجنون. وقد تملّكتها لوعة الخديعة المريرة جرّاء ما اقترفته يدا زوجها الراحل في الخفاء، فتمتمت بنبرةٍ مخنوقة بالغِلّ:«متجوز وعنده تلات بنات في السرّ، وأنا المغفّلة اللي نايمة على وداني!»وعلى حين غرّة، انتبه وعيها الجريح إلى الكلمات الحاسمة التي أل
ปรับปรุงล่าสุด: 2026-10-12
Chapter: الليلة الرابعةانفجر البيت الجباليّ في تلك الليلة انفجارَ صدرٍ كظيم احتبس في غياهبه دخانُ الأسرار الثقيلة عقوداً طوالاً حتى غصّت بها جنباته. فما إن تهاوى «صخر» بجسده الفارع على أرضية الشقة، وقد أصابه وقع الكلمات كعمودٍ رخاميّ تصدّع في قلب معبدٍ أثريّ عتيق، حتى تلاشت طمأنينة السكون الزائفة. وتحوّلت الجدران التي طالما استترت خلفها ضوضاء العائلة بأوهام التماسك الظاهري إلى مسرحٍ مشحون بذهول الفزع وعويل النساء ووجوم الترقّب المريب. اندفع الجميع نحوه في وهلةٍ واحدة، تحرّكهم غريزة الذعر البدائي التي تصيب البشر حين يعاينون القويَّ صريعاً لأول مرة، ويرون الجبل الأشمّ الذي استندوا إليه يتداعى مستسلماً أمام أعينهم. وكان «سليم» أول من اخترق جدار تردّده المعهود، فألقى بنفسه على ركبتيه إلى جوار أبيه المسجّى، وانحنى بقامته اليافعة فوقه، وعيناه متسعتان بذعرٍ حقيقيّ لم يذق قلبه المستهتر طعمه من قبل. دسّ ذراعه الغضّة تحت كتفي أبيه المنهك ورفعه بعجلةٍ شابها الارتباك، كمن يخشى أن تسبقه يدُ المنون المتسلّلة في العتمة، وأنفاسه المتقطّعة تضرب جدار صدره بوعيدٍ موجع. لم يعد في تلك الدقيقة الرهيبة خصماً عنيداً يبتغي التمرّد،
ปรับปรุงล่าสุด: 2026-10-10
Chapter: الليلة الثالثةتسمّرت قدما «سليم» في مكانهما، وقد غشيته سحابةُ خيبةٍ مريرة حين أبصر «الحاجة فاطمة» تنفضّ من حوله وتتخلّى عن نصرته. وتمكّنت منه لوعةٌ على أمٍّ سيعتصر الحزنُ قلبها كمداً عليه، في الوقت الذي انطلقت فيه نظرات الزهو والانتصار من عيون زوجة عمّه الراحل وبناتها، يرمقنه بها ويُجهزن بها على ما بقي من كرامته. وفي تلك السكينة الموتورة، انسلّ كلبُ «سليم» من غياهب الغرفة واقتحم الردهة، فارتجّ المكان بصرخةٍ فزعت لها «صافي» وقفزت فوق المقعد بهلعٍ طفولي. انحنى «سليم» بجسده اليافع يربّت على رأس أليفه في هدوء، وحرّك حدقتيه في نظراتٍ ذات مغزى استقرّت عند عيني «صافي» الواجفتين. هتفت «الحاجة فاطمة» بنبرةٍ آمرة: «اربط الكلب يا سليم.» فلاعب «سليم» حاجبيه باستهانةٍ ومرح، وهتف مشاكساً: «هو ده اللي هيربّيها.» وعلى عتبة المستودع الغارق في عتمته، وقف «صخر» شامخاً بملامح وقورة، وقال بجديّةٍ قاطعة: «خلّينا نتكلم في المستودع أحسن.» وما إن دلف ودخلت خلفه «مياسين» وبناتها الثلاث بخطىً مثقلة بالريبة، حتى صدح صوته ينادي والده. فخرج الشيخ الكبير من جوف الشادر المنصوب للعزاء، وقد ارتسمت على وجهه علامات الاستفهام، و
ปรับปรุงล่าสุด: 2026-10-10
Chapter: الليلة الثانيةعادت النسوة إلى شقة عائلة «الجبالي»، تطاردهنّ في العتمة أسئلةٌ قلقة لم تجد لها جواباً شافياً. وكانت «ورد» تجاهد لتستوعب هذا التحوّل المباغت في مجرى الأحداث، فخرقت الصمت المتوجّس بسؤالٍ امتزجت فيه الدهشة بالاستنكار: «كريم بيعمل إيه هنا من غير أمه؟» شرع «الحاج صالح» يقصّ عليهنّ تفاصيل ذلك اللقاء الخاطف العاصف الذي جمعه بزوجة نجله الراحل. فلطمت «الحاجة فاطمة» صدرها بكفٍّ مرتجفة، وفي حركتها العفوية ثِقلُ أسىً موروث، وهتفت بنبرةٍ مثقلة بالتوجّس: «أمه مش هتسكت.» غير أنّ غريزة الأمومة والجدّة سرعان ما غلبت مخاوفها، فبسطت ذراعيها لذلك الصغير الذي صار ريشةً في مهبّ صراعات الكبار، وناحته بحنانٍ دافق يحاول أن يمحو خوفه: «تعالى يا كريم.» وفي أسفل البناية، كان شادر العزاء قد نُصبت أعمدته الخشبية وفُرشت جنباته بالأقمشة الداكنة، ليتلقّى آل الجبالي العزاء في فقيدهم «كريم». وكان الشارع يعجّ بالحركة والضجيج المعتادين في الحارة العتيقة، والجميع يترقّبون تشييع الجنازة ومراسم الدفن. نزل «الحاج صالح» درجات السلم بخطىً وئيدة يكسوها الوقار، يتبعه ابنه «صخر» وأحفاده، حتى وقف قبالة «كارين» التي كانت
ปรับปรุงล่าสุด: 2026-10-10
Chapter: الليلة الأولياستجمعت "شهرزاد" أنفاسها المتقطعة بعدما كادت قبضة "شهريار" الغليظة حول عنقها أن تزهقها، فأخذت نفساً عميقاً ارتجّ له صدرها المضطرب، ثم رفعت إليه عينين امتزج فيهما دهاء الأنثى بتحدي الفارس الذي لا ينكسر. رأت في سواد عينيه شغفاً مستعراً بمعرفة ما تخبئه لها الأقدار في طيات حكاياتها. وما إن ارتخت قبضته وتلاقت نظراتهما في صمتٍ بليغ، حتى أدرك أنها لن تكفّ عن إغوائه بالسرد، فاستوى جالساً على أريكته وأشار إليها أن تبدأ الحكاية من جديد. كان صراع إرادتين خفياً يتجاوز حدود الحكاية، ليغدو معركة بقاءٍ بين ذكائها المتوقد ورغبته الجامحة. بعد أن ووري جثمان الفقيد "كريم الجبالي" الثرى، وانقضت مراسم الدفن، بدأت مراسم العزاء المثقلة بالضغائن. تقدّم "سليم" ومدّ يده بواجب العزاء في وقارٍ صامت، واصطف خلفه أشقاؤه الأربعة كالبنيان المرصوص. أما والده "صخر" فوقف خلف الباب، يراقب بعينين حادتين تلك النظرات المتطايرة من "كارين"، زوجة أخيه الراحل، التي كانت تغالب انكسارها بكبرياءٍ زائف. قال سليم بصوتٍ خفيضٍ يقطر وقاراً: "الباقية في حياتك يا صافي." نظرت إليه "صافي" بقلبٍ أعماه حقدٌ دفين، وهي تتساءل في سرّها عن ذلك
ปรับปรุงล่าสุด: 2026-10-10