حارة العاشقين

حارة العاشقين

last updateLast Updated : 2026-10-12
By:  حارة العاشقين Updated just now
Language: Arab
goodnovel18goodnovel
Not enough ratings
6Chapters
12views
Read
Add to library

Share:  

Report
Overview
Catalog
SCAN CODE TO READ ON APP

أمام مرآةٍ قديمة في قصرٍ عتيق تحوّل بفعل القسوة إلى سجنٍ معتم، وقفت «كارين» تتأمل وجهاً أنهكته الدموع والليالي الطويلة حين غاب «كريم» فجأة لم تدرك أن رحيله لن يكون فقدَ سندٍ فحسب، بل بدايةَ حربٍ لا تعرف الرحمة فما إن وُوري جثمانه الثرى حتى أطلّ الطمع من وجه شقيقه «صخر»، الرجل الذي نشأ على القسوة ولم يتعلّم يوماً كيف تلين القلوب .. أحكم «صخر» قبضته على التركة كلها لم يكتفِ بحرمانها من حقها، فجمّد حساباتها المصرفية ببرودٍ تام، ثم قطع عن بيتها الماء والكهرباء ليدفعها إلى الركوع واستغل نفوذه وثغرات القانون ليفرض وصايةً تعسفية، يمهّد بها لانتزاع رضيعها من بين ذراعيها .. وجدت «كارين» نفسها محاصَرة في زاويةٍ ضيقة، بلا مالٍ ولا معيل، ولا سلاح سوى كبرياءٍ جريح وأنوثةٍ لم تعرف يوماً مدى قوتها وفي تلك الليلة الحالكة وُلدت في رأسها خطةٌ مجنونة: أن تلعب بالنار أن تقترب من «صخر» بجمالها ودلالها المصطنع، فتكسر حصونه الحجرية وتستعيد حقها وحق طفلها، بأن توقعه في شباك فتنتها،لكنها نسيت ما تدركه العواطف المتأججة بعد فوات الأوان: من يقترب من النار يحترق بها، لم تتخيل أن عقد الزواج الذي وقّعته بيدها ليكون مجرد حيلةٍ ووثيقة خداعٍ مؤقتة، سيتحول إلى قيدٍ حديدي يلتف حول عنقها، وأنها ستجد نفسها الزوجة الرابعة في ذلك البيت المخيف، تعيش بين نساءٍ سبقنها وعيونٍ تراقب كل خطوة.. كان «صخر» متزوجاً من ثلاث نساء قبلها، لكلٍّ منهن حكايتها ووجعها وحقها في قلبه، وكان كلما رأى سعيها وكأنه كيدٌ نسائي صغير ازداد عناداً وازدادت هي إصراراً على أن تثبت له أن النار قد تحرق صاحبها ، وبين كبرياءٍ لا ينحني وقلبٍ يخونها كل يوم، أصبحت أيامها معركةً صامتة لا تعرف كيف تنتهي.. ومع كل نظرةٍ حادة، وكل همسة تحدٍّ، بدأت الغيرة العمياء تسرق استقرار قلبها، وحين أدركت الحقيقة أخيراً أصابها الهلع؛ فاللعبة التي رسمتها للانتقام ابتلعتها هي، وصارت أسيرةً حقيقية للرجل الذي ظنّت أنها ستصطاده.. "فمن سيحترق أولاً .. الصياد أم الفريسة؟" و من

View More

Chapter 1

الليلة الأولي

استجمعت "شهرزاد" أنفاسها المتقطعة بعدما كادت قبضة "شهريار" الغليظة حول عنقها أن تزهقها، فأخذت نفساً عميقاً ارتجّ له صدرها المضطرب، ثم رفعت إليه عينين امتزج فيهما دهاء الأنثى بتحدي الفارس الذي لا ينكسر. رأت في سواد عينيه شغفاً مستعراً بمعرفة ما تخبئه لها الأقدار في طيات حكاياتها. وما إن ارتخت قبضته وتلاقت نظراتهما في صمتٍ بليغ، حتى أدرك أنها لن تكفّ عن إغوائه بالسرد، فاستوى جالساً على أريكته وأشار إليها أن تبدأ الحكاية من جديد. كان صراع إرادتين خفياً يتجاوز حدود الحكاية، ليغدو معركة بقاءٍ بين ذكائها المتوقد ورغبته الجامحة.

بعد أن ووري جثمان الفقيد "كريم الجبالي" الثرى، وانقضت مراسم الدفن، بدأت مراسم العزاء المثقلة بالضغائن. تقدّم "سليم" ومدّ يده بواجب العزاء في وقارٍ صامت، واصطف خلفه أشقاؤه الأربعة كالبنيان المرصوص. أما والده "صخر" فوقف خلف الباب، يراقب بعينين حادتين تلك النظرات المتطايرة من "كارين"، زوجة أخيه الراحل، التي كانت تغالب انكسارها بكبرياءٍ زائف.

قال سليم بصوتٍ خفيضٍ يقطر وقاراً: "الباقية في حياتك يا صافي."

نظرت إليه "صافي" بقلبٍ أعماه حقدٌ دفين، وهي تتساءل في سرّها عن ذلك الإعجاب الساكن في أعماقها تجاهه، رغم كل ما يفرق بينهما من فجوات. ثم جلست على مقعدها في وضعيةٍ تنضح بالتحدي، واضعةً ساقاً فوق الأخرى بصلفٍ لا يليق بجلال الموقف، وهتفت بنبرةٍ متعالية:

"لسة فاكرين تسألوا علينا؟"

هزّ "صخر" رأسه تأييداً لموقفها المترفع، ثم أردف بغلظةٍ زادت من لوعة قلبها الحزين:

"عندك حق، لكن كريم كان مانعكم تزورونا علشان إحنا عايشين في حارة."

ابتسمت صافي ابتسامةً باهتة، وشردت عيناها في أفقٍ بعيد وهي تلقي بإجابتها الصادمة:

"ولما مات ظهرتوا فجأة."

انطلقت ضحكة شقيقتها "جيهان" مفعمةً بالسخرية المرة، وقالت بنبرةٍ جارحة:

"جايين لما مات علشان الميراث؟"

تجهمت ملامح "صخر" وعلت وجهه غبرة الغضب، فأجاب بنبرةٍ تحذيريةٍ حاسمة:

"أنا ساكت احتراماً لوجود الحاج صالح، وأننا في بيت كريم."

هنا تدخل "الحاج صالح" بصوتٍ جهوريٍّ صارمٍ لا يقبل المراجعة ولا الجدال، لينهي تلك الملاسنات بحزمٍ أبويّ:

"صوتك ما يعلاش وأنا موجود ومينفعش وجودكم لوحدكم هنا، أنتِ وبناتك. هتيجوا تعيشوا معانا في بيت الجبالي."

كادت أنفاس "كارين" أن تنقطع من شدة الغضب المكتوم، وهي التي لم تعتد الإذعان، فصرخت في وجهه بإصرارٍ مستميت:

"أسيب بيتي وأجي أعيش في بيت الجبالي؟ أنت أكيد مش في وعيك!"

غير أن الحاج صالح لم يتراجع، بل دوّى صوته بقوةٍ زلزلت كيانها، وهو يلوّح بقدرته على انتزاع حفيده منها بقوة القانون:

"خليكِ هنا براحتك، لكن أحفادي محتاجين أب، وخصوصاً كريم. أنا ممكن بجلسة محكمة أحرمك منه."

وحين حاولت كارين أن تدافع عن نفسها، شعر صخر بقلبه ينفطر لمرأى الأسى في عينيها، لكنه لم يملك إلا أن يصدّق نبرتها الواثقة وهي تهتف باسم الأمومة الأقدس:

"ماحدش يقدر ياخد كريم مني!"

ازدردت "جيهان" ريقها بصعوبةٍ بالغة، وبدا القلق جلياً في نبرتها وهي تقول:

"إحنا مش موافقين نعيش معاكم في بيت الجبالي. هو بالعافية؟! إحنا ما نعرفكمش غير أن بابا كان بيحكي لنا عنكم حكايات مش عايزين نعرفها ولا نصدقها."

رمقها الحاج صالح بنظرةٍ حادةٍ اخترقت ثباتها، ثم قال بهدوءٍ ثقيل الوطأة:

"أنا هقولك إحنا مين."

وبخفةٍ وحزم، حمل الحاج صالح حفيده بين ساعديه، فكادت كارين تنفجر لوعةً وهي تصرخ: "سيب كريم!"

فأجابها بصرامةٍ قاطعة وهو يهمّ بالمغادرة: "حفيدي هيتربى في حضني، ومفيش محكمة هتوافق أنه يعيش مع أمه الأرملة وجده عايش."

ثم تبعه ابنه الأكبر وأحفاده الخمسة، وأغلقوا الباب خلفهم بقوةٍ دوّت في أرجاء الصمت الثقيل.

اتسعت عينا كارين ذهولاً أمام سطوة ذلك الشيخ وقوة منطقه الذي لا يرحم، فاستندت بكفيها إلى سطح الطاولة كغريقٍ يتشبث بالقشّ، وهتفت بأسىً يمزق الروح:

"أنا عايزة ابني! أنا موافقة أعيش في بيت الجبالي، لكن كريم ما يبعدش عني."

اعترضت صافي بنبرةٍ حادةٍ ترفض الخضوع لهذا المصير:

"لأ يا مامي، ده مش قرارك لوحدك! أنا مش هقدر أعيش في بيت الجبالي، هفضل في الفيلا."

في تلك الأثناء كان "صخر" يقود سيارته عبر دروب المدينة، والحاج صالح يحتضن حفيده الصغير بين ذراعيه، فسأله صخر بصوتٍ يملؤه التوجس من عواقب هذا القرار:

"إحنا ما ينفعش نحرمها من ابنها يا حاج."

تجهم وجه الحاج صالح، ثم أجاب بنبرةٍ هادئةٍ تخفي وراءها دهاءً فطرياً ومكراً لا يلين:

"كارين عنيدة، وهتعمل أي حاجة علشان ترجع ابنها. أنا عايزك تسبق وتكلم المحامي يوقف حساباتهم في البنك، ويقطع عليهم المياه والكهربا."

عقّب سليم بنبرةٍ مشوبةٍ بالاستياء مما لمسه من جفاء:

"أنا مش عارف إيه أسباب كرههم لينا. شفتوا صافي وجيهان بيكلمونا إزاي!"

وبعد رحيل آل الجبالي، انفجرت كارين في نحيبٍ مرير، ثم طلبت من بناتها الاستعداد للرحيل القسري:

"هنروح بيت الجبالي، هحاول أقنعهم."

لكن "صافي" عادت تعترض بصلابتها المعهودة:

"لأ يا مامي، ده مش قرارك لوحدك! أنا هفضل هنا في الفيلا!"

صاحت كارين بلوعةٍ حارقة والدموع تترقرق في عينيها، زاجرةً ابنتها بحدة:

"أنتِ مش بتحسي! أخوكِ عايزين ياخدوه بالمحكمة!"

ثم لوّحت بسبابتها في حركةٍ تحذيريةٍ قاطعة: "هتيجي معانا غصب عنك."، قبل أن تلتفت إلى جيهان قائلة: "مش عايزين جدال معاهم. الطريقة دي هتخليهم يعاندوا."

طأطأت صافي رأسها بخجلٍ غير معهود، وهتفت بهدوءٍ لم تألفه: "حاضر يا مامي."

قالت كارين وهي تكظم غضبها ويأسها المتصاعد: "هكلم المحامي، ممكن يقدر يتصرف معاهم.. جهزوا شنطكم، وأنا هكلم المحامي."

وبينما كانت كارين تجري اتصالها الهاتفي، حملت نبرتها انكساراً مهذباً: "أستاذ كمال، مساء الخير."

أجابها المحامي: "البقاء لله يا مدام كارين."

ردت بصوتٍ مثقلٍ بالهموم: "حياتك الباقية.. أستاذ كمال، عيلة الجبالي عايزين يرفعوا دعوى ياخدوا مني كريم."

فشرح لها المحامي مرارة الواقع القانوني بكلماتٍ كأنها نصل سكين: "لو جد الطفل رفع دعوى وصاية، القاضي هيحكم له من أول جلسة، لأن حضرتك أرملة وهو أحق واحد بتربيته، وبعدها الوصاية بتروح لأخو الزوج المتوفي."

تنهدت بضيقٍ شديد، وقالت بحنقٍ مكتوم: "مرتب حضرتك موجود زي ما هو حتى بعد وفاة كريم."

فابتسم المحامي بأسى، ثم زفّ إليها الخبر الذي قصم ظهر صمودها:

"مدام كارين، حساباتكم في البنك اتجمدت. أنا رأيي تتكلمي معاهم بهدوء علشان توصلوا لحل."

خرج سليم إلى ساحة المستودع ليشرف على العمال، حيث توقفت شاحنة ضخمة لتفريغ كراسي الجلد وكشافات الإنارة الكبيرة والسجاد الذي سيغطي الأرض، تمهيداً لاستقبال القارئ الذي سيرتّل آيات الذكر الحكيم عبر مكبرات الصوت المعلّقة في كل زاوية، ليكون كل شيءٍ مهيأً على أكمل وجهٍ لاستقبال المعزين.

وما إن وصلت النسوة إلى "حارة الجبالي" حتى توقفت "جيهان" بسيارتها في منتصف الطريق، فتسببت في اختناقٍ مروريٍّ حاد. اقترب "أرغد" بخطواتٍ واثقة ونقر بأصابعه على زجاج النافذة، مشيراً إليها بلهجةٍ لا تخلو من الحدة: "ارجعي ورا بالعربية."

أومأت برأسها بعد أن أنزلت الزجاج: "ثانية، أركن العربية."، لكنه تجاهلها ببرود وأكمل حديثه مع سليم.

وعندما ابتعد سليم ليتصل بوالده، أومأت كارين لبناتها وقالت بمرارة من يجرّ أذيال الهزيمة: "سليم بيكلم صخر، بيقوله أننا خوفنا وسمعنا كلامهم. جاهزين يا بنات؟"

ترجّلن من السيارة وحملن حقائبهن لمواجهة هذا المصير المجهول بين جدران بناية الجبالي. وفي الأفق كانت نذر مواجهةٍ داميةٍ تلوح، فاندفعن إلى الداخل كمن يفرّ من رصاصٍ وشيك.

ـ نهاية الليلة الأولى

Expand
Next Chapter
Download

Latest chapter

More Chapters
No Comments
6 Chapters
الليلة الأولي
استجمعت "شهرزاد" أنفاسها المتقطعة بعدما كادت قبضة "شهريار" الغليظة حول عنقها أن تزهقها، فأخذت نفساً عميقاً ارتجّ له صدرها المضطرب، ثم رفعت إليه عينين امتزج فيهما دهاء الأنثى بتحدي الفارس الذي لا ينكسر. رأت في سواد عينيه شغفاً مستعراً بمعرفة ما تخبئه لها الأقدار في طيات حكاياتها. وما إن ارتخت قبضته وتلاقت نظراتهما في صمتٍ بليغ، حتى أدرك أنها لن تكفّ عن إغوائه بالسرد، فاستوى جالساً على أريكته وأشار إليها أن تبدأ الحكاية من جديد. كان صراع إرادتين خفياً يتجاوز حدود الحكاية، ليغدو معركة بقاءٍ بين ذكائها المتوقد ورغبته الجامحة. بعد أن ووري جثمان الفقيد "كريم الجبالي" الثرى، وانقضت مراسم الدفن، بدأت مراسم العزاء المثقلة بالضغائن. تقدّم "سليم" ومدّ يده بواجب العزاء في وقارٍ صامت، واصطف خلفه أشقاؤه الأربعة كالبنيان المرصوص. أما والده "صخر" فوقف خلف الباب، يراقب بعينين حادتين تلك النظرات المتطايرة من "كارين"، زوجة أخيه الراحل، التي كانت تغالب انكسارها بكبرياءٍ زائف. قال سليم بصوتٍ خفيضٍ يقطر وقاراً: "الباقية في حياتك يا صافي." نظرت إليه "صافي" بقلبٍ أعماه حقدٌ دفين، وهي تتساءل في سرّها عن ذلك
last updateLast Updated : 2026-10-10
Read more
الليلة الثانية
عادت النسوة إلى شقة عائلة «الجبالي»، تطاردهنّ في العتمة أسئلةٌ قلقة لم تجد لها جواباً شافياً. وكانت «ورد» تجاهد لتستوعب هذا التحوّل المباغت في مجرى الأحداث، فخرقت الصمت المتوجّس بسؤالٍ امتزجت فيه الدهشة بالاستنكار: «كريم بيعمل إيه هنا من غير أمه؟» شرع «الحاج صالح» يقصّ عليهنّ تفاصيل ذلك اللقاء الخاطف العاصف الذي جمعه بزوجة نجله الراحل. فلطمت «الحاجة فاطمة» صدرها بكفٍّ مرتجفة، وفي حركتها العفوية ثِقلُ أسىً موروث، وهتفت بنبرةٍ مثقلة بالتوجّس: «أمه مش هتسكت.» غير أنّ غريزة الأمومة والجدّة سرعان ما غلبت مخاوفها، فبسطت ذراعيها لذلك الصغير الذي صار ريشةً في مهبّ صراعات الكبار، وناحته بحنانٍ دافق يحاول أن يمحو خوفه: «تعالى يا كريم.» وفي أسفل البناية، كان شادر العزاء قد نُصبت أعمدته الخشبية وفُرشت جنباته بالأقمشة الداكنة، ليتلقّى آل الجبالي العزاء في فقيدهم «كريم». وكان الشارع يعجّ بالحركة والضجيج المعتادين في الحارة العتيقة، والجميع يترقّبون تشييع الجنازة ومراسم الدفن. نزل «الحاج صالح» درجات السلم بخطىً وئيدة يكسوها الوقار، يتبعه ابنه «صخر» وأحفاده، حتى وقف قبالة «كارين» التي كانت
last updateLast Updated : 2026-10-10
Read more
الليلة الثالثة
تسمّرت قدما «سليم» في مكانهما، وقد غشيته سحابةُ خيبةٍ مريرة حين أبصر «الحاجة فاطمة» تنفضّ من حوله وتتخلّى عن نصرته. وتمكّنت منه لوعةٌ على أمٍّ سيعتصر الحزنُ قلبها كمداً عليه، في الوقت الذي انطلقت فيه نظرات الزهو والانتصار من عيون زوجة عمّه الراحل وبناتها، يرمقنه بها ويُجهزن بها على ما بقي من كرامته. وفي تلك السكينة الموتورة، انسلّ كلبُ «سليم» من غياهب الغرفة واقتحم الردهة، فارتجّ المكان بصرخةٍ فزعت لها «صافي» وقفزت فوق المقعد بهلعٍ طفولي. انحنى «سليم» بجسده اليافع يربّت على رأس أليفه في هدوء، وحرّك حدقتيه في نظراتٍ ذات مغزى استقرّت عند عيني «صافي» الواجفتين. هتفت «الحاجة فاطمة» بنبرةٍ آمرة: «اربط الكلب يا سليم.» فلاعب «سليم» حاجبيه باستهانةٍ ومرح، وهتف مشاكساً: «هو ده اللي هيربّيها.» وعلى عتبة المستودع الغارق في عتمته، وقف «صخر» شامخاً بملامح وقورة، وقال بجديّةٍ قاطعة: «خلّينا نتكلم في المستودع أحسن.» وما إن دلف ودخلت خلفه «مياسين» وبناتها الثلاث بخطىً مثقلة بالريبة، حتى صدح صوته ينادي والده. فخرج الشيخ الكبير من جوف الشادر المنصوب للعزاء، وقد ارتسمت على وجهه علامات الاستفهام، و
last updateLast Updated : 2026-10-10
Read more
الليلة الرابعة
انفجر البيت الجباليّ في تلك الليلة انفجارَ صدرٍ كظيم احتبس في غياهبه دخانُ الأسرار الثقيلة عقوداً طوالاً حتى غصّت بها جنباته. فما إن تهاوى «صخر» بجسده الفارع على أرضية الشقة، وقد أصابه وقع الكلمات كعمودٍ رخاميّ تصدّع في قلب معبدٍ أثريّ عتيق، حتى تلاشت طمأنينة السكون الزائفة. وتحوّلت الجدران التي طالما استترت خلفها ضوضاء العائلة بأوهام التماسك الظاهري إلى مسرحٍ مشحون بذهول الفزع وعويل النساء ووجوم الترقّب المريب. اندفع الجميع نحوه في وهلةٍ واحدة، تحرّكهم غريزة الذعر البدائي التي تصيب البشر حين يعاينون القويَّ صريعاً لأول مرة، ويرون الجبل الأشمّ الذي استندوا إليه يتداعى مستسلماً أمام أعينهم. وكان «سليم» أول من اخترق جدار تردّده المعهود، فألقى بنفسه على ركبتيه إلى جوار أبيه المسجّى، وانحنى بقامته اليافعة فوقه، وعيناه متسعتان بذعرٍ حقيقيّ لم يذق قلبه المستهتر طعمه من قبل. دسّ ذراعه الغضّة تحت كتفي أبيه المنهك ورفعه بعجلةٍ شابها الارتباك، كمن يخشى أن تسبقه يدُ المنون المتسلّلة في العتمة، وأنفاسه المتقطّعة تضرب جدار صدره بوعيدٍ موجع. لم يعد في تلك الدقيقة الرهيبة خصماً عنيداً يبتغي التمرّد،
last updateLast Updated : 2026-10-10
Read more
الليلة الخامسة
تسمّرت أقدام فتية «صخر» الخمسة عند باب غرفة الطوارئ، وشخصت أبصارهم نحو الباب الموصد، وقد تملّكهم لغوب الانتظار الممزوج بآمالٍ واهية في أن ينقشع هذا الكابوس على لسان الطبيب بكلمة طمأنينة تخفّف مأساة تلك الليلة البهيمة. فلمّا انشقّ رداء العتمة وخرج الطبيب من الغرفة بخطىً متهالكة، انبرى له «سليم» مستوقفاً إياه بنبرةٍ ترتعش هلعاً:«طمّني عليه.»بيد أنّ الطبيب لم يلتفت إليه بكثير اهتمام، بل مضى واضعاً كفّيه في جيبي معطفه الأبيض، بنظراتٍ لاهية خالية من الاكتراث، إذ كانت أروقة المشفى تموج بحالاتٍ حرجة أخرى تستدعي عجلته. فألقى إليهم بكلماتٍ جافة مقتضبة:«كان عنده جلطة قلبية وسيّحناها، وهننقله الإفاقة.»* * *وفي تلك الأثناء، داخل شقة آل «الجبالي» التي ران عليها بؤس الفجيعة، كانت «كارين» تجلس واجمةً قبالة بناتها، تكاد عيناها تطرفان بذهولٍ يلامس حافة الجنون. وقد تملّكتها لوعة الخديعة المريرة جرّاء ما اقترفته يدا زوجها الراحل في الخفاء، فتمتمت بنبرةٍ مخنوقة بالغِلّ:«متجوز وعنده تلات بنات في السرّ، وأنا المغفّلة اللي نايمة على وداني!»وعلى حين غرّة، انتبه وعيها الجريح إلى الكلمات الحاسمة التي أل
last updateLast Updated : 2026-10-12
Read more
الليلة السادسة
وقف شقيق الطبيب في ركنٍ منزوٍ من صالة الوصول بالمطار، يجاوره الفتى «حمزة»، ابن شقيقهم المقتول «مصطفى» الذي قُطف زهر شبابه بغتةً وذهبت روحه هباءً على يد «كريم الجبالي». كانوا يرقبون بآمالٍ متعبة انشقاق رداء العتمة عن مسافرهم المنتظر. ولم يكن الانتظار هناك دعةً ولا راحة، بل احتقاناً ثقيلاً تدور تحت ظلاله الظنون، ولا سيّما أنّ العائد هو الطبيب النفسي الحاذق «بشر شوكت المصري»، الشهير بـ«باشا». فقد طار إليه في بلاد الغرب نعيُ أخيه وهو في صدارة مؤتمرٍ طبيّ حافل، يصول فيه ويجول بين أطباء الإفرنج، فقلبت الفاجعة المباغتة مجالس علمه مآتم، وعاد على عجلٍ يحمل بين جنبيه لوعةً كاوية وثأراً مبيّتاً.وما إن أطلّت قامته المديدة من بين بوّابات الخروج حتى شخصت إليه الأبصار مهابةً. فلم يكن «بشر» ممّن تفيض مآقيهم بالدمع عند الخطوب، بل كان ظهوره آيةً في السكينة الجافة الباردة. لم يبدُ منه في وهلة اللقاء سوى نظراتٍ ساكنة كبحرٍ لجّيّ، وأنفاسٍ كادت تتسارع من فرط الوجد المكبوت والمفاجأة القاسية لولا أنه لجمها بوقاره الطاغي، فابتلع حشرجة الأسى، وارتسمت على محيّاه ملامح جافية كأنها قُدّت من صخر. وكان تحوّلاً مبا
last updateLast Updated : 2026-10-12
Read more
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status