Masukقالت مريم بنت ريان وهي تضحك ضحكة مشروخة:"سمعتُ أنه مات… مات وهو ينادي اسمك."لم تُجبها ليلى بنت ناصر.تابعت مريم بعينين متقدتين:"أتدرين كيف عشتُ هذه الخمس عشرة سنة؟ كنتُ أراكِ تصعدين درجة بعد درجة، ابنك صار ولي العهد، وأنتِ أصبحتِ الملكة الأم.… أما أنا، فكنتُ ككلبٍ يُترك ليموت هنا!"قالت ليلى بهدوء:"ذلك جزاؤك."صرخت مريم:"جزائي؟ نعم، جزائي! لكن أنتِ… هل كنتِ سعيدة؟"أجابتها ليلى:"وهل يهم؟"قالت مريم بصوت مبحوح:"يهم! أريد أن أعرف… خسرتُ، لكنكِ لم تفوزي! أحببتِ من كرهك، وكرهتِ من مات، وستبقين وحيدة إلى الأبد!"سكتت ليلى طويلًا، ثم قالت:"أخطأتِ يا مريم. لم أرد يومًا أن أفوز على أحد. أردتُ فقط أن أعيش… بكرامة."وقفت عند النافذة، تنظر إلى الساحة المهجورة:"حين دخلتُ القصر قبل ثمانية عشر عامًا، كنتُ أبحث عن قلب صادق. لم أجده، فطلبتُ الكرامة. وحين سُلبت مني الكرامة، لم يبقَ لي إلا السلطة. السلطة ثقيلة وباردة، لكنها تحميني، وتحمي من أحب، وتجعلني أقف وأتكلم… بلا ركوع."نظرت إليها مريم مذهولة.ابتسمت ليلى ابتسامة متعبة:"أنتِ محقة، لم أكن سعيدة. لكنني لم أعد أخاف. لا أخاف من الركوع في ا
انتشر خبر عودة القرينة ليلى بنت ناصر إلى القصر كالصاعقة، كحجر ضخم أُلقي في بحيرة ساكنة فأثار أمواجًا لا تُحصى.اهتزت أركان الدولة، وضجّ الحريم، لكن الملك سالم بن عيسى قمع كل اعتراض بقبضة من حديد.أعلن أن الملكة السابقة كانت ضحية مؤامرة، اضطرت إلى التظاهر بالموت لتنجو، والآن وقد تكشّف الحق، وجب أن تُعاد إلى مكانها.لم يجرؤ أحد على الاعتراض، إذ كانت الملكة المخلوعة مريم بنت ريان لا تزال في جناح العزل، وكل من تورط معها قد أُعدم، ولم يشأ أحد أن يكون التالي.عادت ليلى إلى روضة القصر، وكل شيء بقي كما كان، سوى آثار طفليها: حصان يوسف الخشبي، وطبلة الصغيرة دُرّة، متناثرة في أرجاء القاعة.في يومها الأول، اختبأ يوسف خلف مرضعته، ينظر إليها بخوف.قال الملك سالم وهو ينحني إلى ابنه برفق:"يوسف، هذه أمك الملكة."رمش الطفل بعينيه، ثم اندفع فجأة إلى حضنها:"أمي! قال أبي إنكِ ذهبتِ بعيدًا… هل عدتِ حقًا؟"احتضنته ليلى، واغرورقت عيناها بالدموع:"نعم… أمك عادت."أما دُرّة، فما زالت صغيرة لا تميّز الوجوه، لكنها التصقت بها بعفوية، تضحك فوق كتفها.في تلك اللحظة، شعرت ليلى أن كل ما عانته من ألم وظلم صار محتملًا
كان يوم تنصيب وليّ العهد يوسف محددًا عند الاعتدال الخريفي.اجتمع الوزراء وكبار رجال الدولة، واحتشد الناس لمشاهدة المراسم.وقف الطفل ذو الثلاثة أعوام، مرتديًا ثوبًا أصفر ملكيًّا، يمسك بيد أبيه الملك سالم بن عيسى، ويصعد بخطوات ثابتة درجات العرش البيضاء.رغم صغر سنه، بدا في ملامحه وقار يفوق عمره، وفي عينيه بريق يشبه عيني أمه ليلى بنت ناصر.بعد المراسم، أقيمت وليمة كبرى في القصر، غنّت فيها الجواري ورقصت الفرق، لكن قلب الملك كان فارغًا.تذكّر العام الماضي حين كانت ليلى تجلس في صدر المجلس، تستمع بصمت إلى الغناء، ولم يكن يلتفت إليها.أما الآن، وقد أراد أن يراها، لم يجدها بجانبه.بعد ثلاثة أيام، وصل إلى القصر كتاب صغير من ليلى، فيه جملة واحدة:"القرينة ليلى بنت ناصر، تلتمس لقاء الملك."لم ينتظر طويلًا، بل خرج بنفسه مسرعًا إلى دار آل ناصر.دخل وهو يترنح، حتى وقف أمامها، فرآها بملابس بسيطة، واقفة بهدوء، تنظر إليه بعينين باردتين.تجمّد في مكانه، كأنما استيقظ من حلم طويل.قال بصوت مرتجف:"ليلى… أأنتِ حقًا؟"انحنت له قائلة:"مولاي، أحييك."اقترب منها يريد أن يحتضنها، لكنه تراجع، ووقف يائسًا، عيناه
قال والدها:"ثم ماذا بعد؟"أجابته ليلى بعينين ثابتتين:"ثم أريد أن يصبح ابني يوسف وليّ العهد الشرعي، الأمير الذي سيحمل هذا الملك، ويكون امتدادًا لآل ناصر."ارتجف قلب الوزير الأكبر ناصر الدين وهو يسمع كلماتها.قالت بهدوء:"أبي، إن تراجعتُ خطوة، سأسقط في هاوية بلا قرار. وإن تقدمتُ، ربما أجد طريقًا للحياة."سألها:"وهل طريقك في القصر؟"ابتسمت ابتسامة باردة:"طريقي في يدي أنا. القصر أو خارجه لا فرق. ما دام ابني حيًّا، وما دام آل ناصر قائمين، سأعيش بكرامة."ثم جلست عند قدميه، وأمسكت بيده قائلة:"أبي، أعلم أنك تخاف عليّ، لكن ثق بي. هذه المرة لن أكون ضحية أحد."نظر إليها فرأى في عينيها نارًا باردة، فهز رأسه موافقًا:"حسنًا… سأقف إلى جانبك."ابتسمت وقالت:"شكرًا لك يا أبي."ثم أخذت كتاب خطط الممالك من رف المكتبة، وقالت:"علينا أن نفعل ثلاث خطوات."الأولى: استغلال سقوط الملكة مريم بنت ريان لتصفية نفوذ آلها في البلاط. كل وزير أو كاتب مرتبط بهم يجب أن يُقصى.الثانية: جمع كبار رجال الدولة والعائلة المالكة لرفع عريضة تطالب بتنصيب يوسف وليًّا للعهد. فالملك الآن غارق في الندم، وليس له ولد غيره، وهذه
وصل خبر عزل الملكة مريم بنت ريان إلى دار آل ناصر، حيث كانت ليلى بنت ناصر تجلس في الحديقة تحت الشمس، تقرأ بهدوء.دخلت وصيفتها صفاء مسرعة تحمل رسالة سرية، وعلى وجهها ابتسامة لا تخفى:"مولاتي، لقد صدر المرسوم! الملكة عُزلت، وأُرسلت إلى قصر العزلة!"رفعت ليلى عينيها عن الكتاب وقالت بهدوء:"نعم."استغربت صفاء:"مولاتي… ألا تشعرين بالفرح؟"قالت ليلى بصوت بارد:"بالطبع أشعر بالفرح، ولمَ لا؟"لكن وجهها ظل خاليًا من أي ابتسامة.قالت صفاء مترددة:"الآن سيعرف الأمير والأميرة أنك أمّهما الحقيقية، وربما بعد حين… قد تعودين إلى القصر؟"قاطعتها ليلى:"أعود؟ لأكون من جديد جارية في قصره؟"سكتت صفاء، بينما أغلقت ليلى الكتاب ونظرت إلى الثلج المتبقي على الأغصان اليابسة.قالت بصوت هادئ:"صفاء، هل تظنين أنني انتصرت؟"أجابت صفاء بحماس:"طبعًا! الملكة سقطت، والملك منحك لقب الملكة دُرّة الصدق، وأولادك سيعرفونك علنًا. هذا نصر كامل!"عاد الوزير الأكبر ناصر الدين إلى الدار عند الغروب، فوجد ابنته تقرأ تقارير سرية عن ردود فعل البلاط بعد صدور مرسوم العزل.سألته دون أن ترفع رأسها:"ماذا قال لك الملك؟"أجاب:"سألني عنك
بعد ثلاثة أيام، دخل الوزير الأكبر ناصر الدين القصر وقد بدا عليه المرض والإنهاك، شعره ازداد بياضًا وعينيه مثقلتان بالدموع.استقبله الملك سالم بن عيسى في قصر العرش، وهو يشعر بمرارة الذنب.قال له وهو يسكب له الشاي بنفسه:"يا وزير، اصبر واحتسب."لكن ناصر الدين لم يلمس الكأس، وقال بهدوء:"مولاي، ما الذي استدعاني لأجله؟"أجاب الملك:"لقد منحتُ ليلى بنت ناصر لقب الملكة دُرّة الصدق، وأمرتُ أن تُدفن في المدافن الملكية. هل بلغك ذلك؟"قال الوزير بصوت متماسك:"بلغني، وأشكر مولاي على هذا الإكرام."ثم أضاف الملك بصوت خافت:"أريد أن أعرف عنها أكثر… قبل دخولها القصر، كيف كانت؟ ماذا كانت تحب أو تكره؟"نظر إليه الوزير طويلًا، ثم قال:"كانت ذكية منذ طفولتها، تحفظ الشعر في الثالثة، وتكتب المقالات في السابعة. لكنها كانت تقول دائمًا: المرأة العاقلة تخفي علمها، ولا تُظهره للناس.""كانت تحب القراءة، خصوصًا كتب التاريخ، وتقول: من يقرأ التاريخ يعرف أسباب النهوض والسقوط.""كانت بارعة في الرسم، وخاصة رسم الجبال والوجوه. آخر لوحة رسمتها قبل دخول القصر قالت إنها تصور بطلًا.""كانت تبدو هادئة، لكنها في داخلها قوية،