Short
أثقل الشجون في حضن القمر

أثقل الشجون في حضن القمر

By:  عاشق الرداء القرمزيCompleted
Language: Arab
goodnovel4goodnovel
21Chapters
986views
Read
Add to library

Share:  

Report
Overview
Catalog
SCAN CODE TO READ ON APP

"الملكة ما زالت تتوق إلى طفل آخر." قال الملك سالم بن عيسى وهو يزيح ثوبها عن كتفيها: "أنتِ خصبة، فامنحيني وليدًا جديدًا." ومضت تسعة أشهر، فإذا بـ ليلى بنت ناصر تضع طفلة صغيرة. القابلة قصّت الحبل السري، ولم تدعها حتى تلمسها، بل حملتها مسرعة إلى الخارج، وكأنها تخشى أن يراها أحد بين ذراعي أمها. كانت هذه الطفلة الثانية. وفي أروقة القصر، ترددت الهمسات: لولا أن الملكة مريم بنت ريان أصابها العجز يوم خرجت مع الملك في حملاته، فلم تعد قادرة على الإنجاب، لما كان في هذا القصر مكان لامرأة أخرى. أما ليلى بنت ناصر، ابنة الوزير الأكبر، فلم تكن في نظرهم سوى وعاءٍ للدم الملكي، أداةً لاستمرار السلالة، جسدًا يُستغل ثم يُهمّش، لا أكثر.

View More

Chapter 1

الفصل الأول

قبل ثلاث سنوات، حين وضعت ليلى بنت ناصر اﻷمير اﻷكبر، لم يُسمح لها حتى أن تلقي عليه نظرة.

الملك سالم بن عيسى حمل الطفل بنفسه، ولم يترك لها سوى عبارة واحدة:

"هذا الطفل سيكون ابن الملكة الشرعي، فلا تشغلي بالك."

في ذلك الوقت، كان لديها ما يكفي من القوة لتبكي وتتوسل، حاولت أن تنهض من فراشها لتتبعه، لكن الوصيفات أمسكن بها بقوة.

لاحقًا، تعلمت القواعد، فكانت تذهب يوميًا إلى جناح الملكة مريم بنت ريان لتؤدي التحية، فقط لتسمع من وراء الستار صوت ابنها الصغير وهو يثرثر.

في البداية وافق الملك، لكن حين قالت الملكة إن اﻷمير اﻷكبر يحتاج إلى الراحة، لم تره بعدها أبدًا.

واليوم، الطفلة الثانية أيضًا أُخذت منها.

استلقت على سرير الولادة الملطخ، كقشرة فارغة سُحبت منها الروح، حتى الدموع لم تعد قادرة على الانسياب.

لم يمضِ شهرها بعد، حتى جاءت الوصيفة المدبرة من جناح الملكة لتأمرها بالذهاب صباحًا ومساءً لأداء التحية.

توكأت ليلى بنت ناصر على جسدها المرهق، وسارت إلى قصر "العنقاء".

كانت الملكة مريم بنت ريان تحتضن الأميرة الصغيرة وتداعبها، وحين رفعت بصرها ورأت وجه ليلى الشاحب، ارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة:

"جاءت القرينة ليلي ؟ وجهك يبدو بائسًا، هل تحملين ضغينة ضدي؟"

قالت ليلى بخضوع:

"لا أجرؤ."

ابتسمت الملكة برضا، وسلمت الطفلة إلى المرضعة، ثم رتبت أكمامها ببطء:

"حين دخلتِ القصر، كان عليك أن تفهمي قدرك. الملك تزوجك لأنه أراد مكانة والدك الوزير الأكبر ناصر الدين بين رجال الدولة. أما أنتِ… فأنتِ مجرد أداة للإنجاب، قيمتك الوحيدة أن تمنحي هذا القصر أبناءً."

بدأ الثلج يتساقط خارج القاعة.

فجأة، تلاشت ابتسامة الملكة وقالت بحدة:

"حين دخلتِ، عقدتِ حاجبيك، وهذا إهانة لي. اركعي في الثلج حتى تستفيقي."

أُجبرت ليلى على الركوع فوق الأحجار المغطاة بالثلج، بينما الملكة تحتضن طفلتها وتغني لها، بحركات تبدو وكأنها أمها الحقيقية.

ركبتاها انتقلت من الألم إلى الخدر، ثم إلى فقدان الإحساس تمامًا.

وقبل أن تغيب عن وعيها، سمعت صوت الخادم الملكي يعلن:

"قدوم الملك!"

دخل الملك سالم بن عيسى بخطوات سريعة، فسأل بحدة:

"لماذا تركتموها تركع في الثلج؟"

أجابت الملكة بدلال:

"كنت أعلمها بعض القواعد، لكنها تظاهرَت بالضعف. أنت تعرف أنني صريحة، لا أعرف تلك الحيل."

آخر ما وعته ليلى قبل أن تفقد وعيها كان صوت الملك يقول:

"كفى، أعيدوها إلى جناحها."

حين أفاقت، كان الغروب قد حلّ.

جلس الملك بجوار سريرها، وحين فتحت عينيها، ارتسمت الراحة على وجهه:

"استيقظتِ؟ الطبيب قال إنك ضعيفة بعد الولادة، والبرد زاد حالتك سوءًا. الملكة لم تقصد الأذى، فلا تحملي الأمر في قلبك."

نظرت إليه بصمت.

هذا الرجل كان يومًا بطل أحلامها، كتبت له الشعر، ورسمت له الصور.

واليوم، يجلس أمامها مرتديًا ثوب الملك، ينطق بأقسى الكلمات.

قالت بهدوء:

"أفهم. الملكة هي زوجتك الأولى، وأنا لا أجرؤ على إظهار أي ضغينة."

كلماتها كانت مستقرة، خالية من أي انفعال.

توقف الملك لحظة، متفاجئًا.

فهو يتذكرها تبكي وتتوسل لرؤية طفلها، ثم تصمت بأسى حين يرفض، والضوء يخبو في عينيها. أما الآن، فقد صارت نظراتها خاوية، كبركة راكدة بلا حياة.

حاول أن يجد كلمات:

"الأطفال يُربَّون تحت اسم الملكة، ليكونوا أبناء شرعيين…"

قاطعت حديثه بابتسامة باردة:

"ذلك من حسن حظهم. أنا حقيرة، أن يُربَّى أبنائي تحت رعاية الملكة هو نعمة منكما."

كلمة "نعمة" علقت في حلقه كغصة.

ثم جاء صوت الخادم الملكي من الخارج:

"مولاي، الملكة أعدت حساء الجينسنغ بيديها، وتدعوك لتدفئة جسدك في هذا البرد، والابن الصغير ينتظرك أيضًا."

نهض الملك، نظر إليها مرة أخيرة، ثم قال:

"ليلى، الملكة لا تستطيع الإنجاب، وأنا مدين لها. أنتِ عاقلة، تحمليها. اعتني بنفسك، وإن رزقتِ بحمل جديد، سأدع الطفل يبقى معك."

لم تجبه، فقط حدقت في سقف السرير، تستمع إلى وقع خطواته وهو يغادر.

وبعد صمت طويل، التفتت إلى وصيفتها صفاء وسألت بصوت خافت:

"لقد مضى ثلاث سنوات على تولي الملك الحكم، أليس كذلك؟"

أجابت صفاء:

"نعم يا سيدتي."

قالت:

"هل يعم السلام البلاد؟"

أجابت:

"الشمال آمن، والفيضانات في الجنوب تمت السيطرة عليها، والوزير الأكبر يقود رجال الدولة، ورغم بعض الخلافات مع القادة العسكريين، فالأمور مستقرة."

ابتسمت ليلى ابتسامة باهتة، كأوراق ذابلة في آخر الشتاء:

"هذا جيد… أخيرًا يمكنني أن أموت."

Expand
Next Chapter
Download

Latest chapter

More Chapters
No Comments
21 Chapters
الفصل الأول
قبل ثلاث سنوات، حين وضعت ليلى بنت ناصر اﻷمير اﻷكبر، لم يُسمح لها حتى أن تلقي عليه نظرة.الملك سالم بن عيسى حمل الطفل بنفسه، ولم يترك لها سوى عبارة واحدة:"هذا الطفل سيكون ابن الملكة الشرعي، فلا تشغلي بالك."في ذلك الوقت، كان لديها ما يكفي من القوة لتبكي وتتوسل، حاولت أن تنهض من فراشها لتتبعه، لكن الوصيفات أمسكن بها بقوة.لاحقًا، تعلمت القواعد، فكانت تذهب يوميًا إلى جناح الملكة مريم بنت ريان لتؤدي التحية، فقط لتسمع من وراء الستار صوت ابنها الصغير وهو يثرثر.في البداية وافق الملك، لكن حين قالت الملكة إن اﻷمير اﻷكبر يحتاج إلى الراحة، لم تره بعدها أبدًا.واليوم، الطفلة الثانية أيضًا أُخذت منها.استلقت على سرير الولادة الملطخ، كقشرة فارغة سُحبت منها الروح، حتى الدموع لم تعد قادرة على الانسياب.لم يمضِ شهرها بعد، حتى جاءت الوصيفة المدبرة من جناح الملكة لتأمرها بالذهاب صباحًا ومساءً لأداء التحية.توكأت ليلى بنت ناصر على جسدها المرهق، وسارت إلى قصر "العنقاء".كانت الملكة مريم بنت ريان تحتضن الأميرة الصغيرة وتداعبها، وحين رفعت بصرها ورأت وجه ليلى الشاحب، ارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة:"جاءت ا
Read more
الفصل الثاني
منذ ثلاث سنوات، في الليلة التي أُخذ فيها اﻷمير اﻷكبر من بين ذراعيها، فكرت ليلى بنت ناصر في الموت.هي الابنة الوحيدة للوزير الأكبر ناصر الدين، نشأت بين الكتب والقصائد، وذاع صيتها في أرجاء العاصمة.لو لم يعتلِ الملك سالم بن عيسى العرش وسط اضطراب الدولة، لما دخلت القصر أصلًا؛ كان يمكنها أن تتزوج شاعرًا أو أديبًا، لتعيش حياة هادئة كريمة.لكن دخولها القصر لم يكن رغبتها.كان والدها يرى أن "الوزراء يجب أن يكونوا سندًا للملك"، فدفعها إلى الزواج لتكون رمزًا للتحالف بين العرش والوزراء.ومع ذلك، في أعماق قلبها، كان هناك بريق خفي من الأمل، لأنها كانت قد أحبّت يومًا ذلك القائد العائد من الشمال، البطل الذي أخمد الفتن، ووقف شامخًا في قاعة العرش.دخلت القصر وهي تحمل هذا الأمل، ظنّت أنها ستنال بعض الصدق في المشاعر.لكن في الشهر الرابع من حملها، سمعت الملك يقول للملكة مريم بنت ريان خلف صخرة في الحديقة:"لا تقلقي يا ريمو، قلبي لا يعرف غيرك. ليلى ليست إلا وعاءً للدم الملكي، وحين يولد الطفل، سيكون بين يديك لتربيه."كانت الكلمات كالسكاكين، مزّقت كل أوهامها.في تلك الليلة جلست حتى الفجر، بلا دمعة واحدة.أدرك
Read more
الفصل الثالث
في تلك الليلة، جاء الملك سالم بن عيسى وقد اقترب منتصف الليل.كانت ليلى بنت ناصر تستعد للنوم، وحين سمعت إعلان الخادم الملكي، ارتدت ثوبها وجلست.دخل الملك محمّلًا ببرودة الشتاء، ورآها بثوبها الداخلي وشعرها المنسدل، فتوقف لحظة.قالت بخضوع:"مولاي."أجابها:"انهضي."جلس عند الطاولة، صب لنفسه شايًا، ثم قال:"الملكة اختارت اسمًا للأميرة: آمنة. لكنكِ أمها، أردت أن أسألك."خفضت بصرها:"الملكة هي أمها، والاسم الذي تختاره لا بد أن يكون حسنًا."شدّ الملك قبضته على الكأس.ثم تابع:"اﻷمير اﻷكبر بلغ الثالثة، وسيبدأ تعليمه. الملكة ستختار له المعلم. وأنتِ… الأفضل ألا تقتربي منه كثيرًا. الطفل صغير، لو عرف أن له أمًا أخرى، قد يثير ذلك الفوضى. فليعرف الملكة وحدها كأمه."رفعت رأسها، نظرت إليه بعينين ساكنتين، كبركة خريفية بلا موج:"أطيع الأمر."شعر الملك بالضيق.كان يفضل أن تبكي، أن تغضب، أن تسأله لماذا، كما كانت تفعل من قبل.أما الآن، فهي مجرد ظل مطيع بلا روح.قال بحدة:"هل تحملين ضغينة؟"أجابت:"لا أجرؤ."اشتعل صدره غضبًا، وقال:"ما دمتِ تحملين ضغينة، فكيف أطمئنّ إلى أن تنجبي أبناءً للأسرة الملكية؟"ابت
Read more
الفصل الرابع
في صباح اليوم التالي، وقبل أن يشرق النهار، جاءت الوصيفة الكبرى من قصر العنقاء.قالت إن الملك خرج من جناح ليلى البارحة بوجه غاضب، فلا بد أنها قصّرت في خدمته، والملكة تريد أن تعلّمها الأدب.كان الطريق مغطى بطبقة رقيقة من الثلج، والبرد يلسع كالسكاكين.وحين وصلت ليلى إلى ساحة القصر، وجدت الملكة مريم بنت ريان جالسة تحت الرواق، ترتدي فرو الثعلب وتحمل مدفأة صغيرة.قالت الملكة ببطء:"هل تعلمين ذنبك يا قرينة؟"لم تكن وحدها، بل كان هناك بعض الوصيفات الأخريات، وعدد من الخدم المارين.تابعت الملكة وهي تعبث بأظافرها:"سمعت أن الملك خرج منك غاضبًا. أنتِ قرينة، كان عليك أن تبهجيه، لا أن تثيري غضبه. هكذا علمك والدك الوزير الأكبر؟ هكذا تكون أخلاق أولى نساء العاصمة؟"خفضت ليلى رأسها، وأصابعها ترتجف داخل كمّها.قالت الملكة بحدة:"يبدو أنكِ لا تزالين متكبرة. حسنًا، سأعلّمك الأدب بنفسي. ستبقين راكعة هنا، وتردّدين كتاب وصايا النساء وكتاب التعليم الداخلي مئة مرة. لن تنهضي حتى تنتهي. وليشهد الجميع أن من يهين الملك أو يتجرأ على الملكة، هذا مصيره."كان البرد قاسيًا، والساحة فارغة، لكن كل من مرّ رأى ليلى راكعة عل
Read more
الفصل الخامس
"ما الذي يحدث هنا؟!"جاء الصوت غاضبًا من مدخل القصر.كان الملك سالم بن عيسى قد أنهى مجلسه للتو، ولم يبدّل ثياب العرش بعد.نظر إلى ليلى الراكعة على الأرض الباردة، وجهها متورّم من صفعة، ثم إلى الملكة مريم بنت ريان التي كانت تغلي غضبًا.في لحظة، غيّرت الملكة ملامحها، واقتربت بعينين دامعتين:"مولاي، انظر إلى هذه القرينة! لم أُرد سوى أن أعلّمها الأدب، لكنها رفعت اسم والدها لتقهرني، وردّت عليّ بلا خضوع. غضبتُ، فصفعتها."وقع نظر الملك على وجه ليلى، والاحمرار على بشرتها البيضاء كان كطعنة في قلبه.شعر بألم داخلي، لكنه حين التفت إلى الملكة، تذكّر عجزها عن الإنجاب وتضحياتها، فكبَت شعوره.لم يستطع أن يهين الملكة أمام الجميع.فقال بصرامة:"ليلى، هل تعلمين ذنبك؟ الملكة مسؤولة عن القصر، وتأديب الوصيفات من واجبها. أما أنتِ، فقد تجرأتِ عليها، وهذا خطأ جسيم."رفعت ليلى عينيها إليه.كانت نظرتها أبرد من الثلج، وأقسى من الريح، تخترق قلبه بلا كلمة.لا غضب، لا توسّل، فقط فراغ كامل.انحنت برأسها حتى لامس الأرض، وقالت بصوت هادئ كالموت:"أعترف بذنبي. وأترك لمولاي والملكة أن يقرّرا عقابي."كلمة "العقاب" وقعت علي
Read more
الفصل السادس
قبل رحيله إلى غرب الجبال، مرّ الملك سالم بن عيسى على قصر العزلة.وجد ليلى بنت ناصر جالسة في فناء القصر تستقبل شمس الشتاء، فقامت لتحييه.قال بصوت خافت:"سأغيب أيامًا قليلة… عليك أن تحسني الاعتناء بنفسك."نظر إلى وجهها الذي ما زال يحمل آثار الضرب، أراد أن يقول شيئًا لكنه ابتلع كلماته.أخرج من جيبه قارورة صغيرة:"هذا مرهم للكدمات… استعمليه."أخذتها دون أن ترفع عينيها إليه:"شكرًا يا مولاي."رحل، وبقيت هي تحدّق في القارورة حتى غاب صوت الموكب.ثم أفلتتها من يدها، فتهشمت على الأرض، وانسكب الدواء.صرخت خادمتها صفاء:"مولاتي!"قالت ببرود:"امسحيه… ودعيه."بعد ثلاثة أيام، انتشرت في القصر شائعات كالنار في الهشيم:أن ليلى كان لها حبيب قبل دخولها القصر، وأنها بكت أمام صورة شاب وسيم ليس الملك.استغلت الملكة مريم بنت ريان الفرصة، فأمرت بإحضار ليلى إلى قصر العنقاء.قالت بلهجة مسمومة:"أي جرأة هذه؟ الملك يغيب يومًا واحدًا، فتملأ القصر فضائحك؟ هل ضاق صدرك بالعزلة أم أن بيتكم أصلًا فاسد؟"لكن ليلى أجابت بثبات:"الشائعات باطلة، والملكة أدرى بالحق."غضبت مريم، اقتربت منها حتى كادت تلمس أنفها:"أكنتِ تتظاه
Read more
الفصل السابع
المعسكر في غرب الجبال كان يبعد ثلاثمائة ميل عن العاصمة.الملك سالم بن عيسى لم ينتظر موكبه، بل امتطى جواده مسرعًا، ومعه عشرات من حرسه المخلصين، يقطعون الليل بلا توقف.حين وصل إلى أبواب القصر، كان الفجر لم يكتمل بعد، والدخان الأسود ما زال يتصاعد من جهة قصر العزلة، ورائحة الاحتراق تملأ الهواء.اندفع مباشرة إلى هناك.النيران أُخمدت، لكن الجناح الجانبي لم يبقَ منه سوى هياكل سوداء متفحمة، والأعمدة ما زالت تنفث دخانًا أبيض.الوصيفات والخدم والخدم الملكيون جاثون على الأرض يرتجفون.صرخ بصوت مبحوح:"أين هي؟!"اقترب كبير الخدم مرتجفًا:"مولاي… النار كانت عاتية، حين أدركنا الأمر كان الجناح قد انهار…"ركله الملك بغضب:"أنتم خرجتم سالمين، لماذا لم تخرج هي؟!"تقدمت وصيفة صغيرة تبكي:"مولاي، الملكة أمرت ليلة أمس بإغلاق القصر، ومنعت الدخول والخروج، حتى الحراس كانوا يحملون أمرًا مكتوبًا… لم نستطع إنقاذها."تجمد الملك:"الملكة؟ لماذا أغلقت القصر؟!"ساد الصمت، حتى قال شيخ من الخدم الملكيين بصوت مرتعش:"مولاي، قبل أيام أمرت الملكة بجلد القرينة ليلي ثلاثين جلدة، وقالت إنها أفسدت القصر…"ارتجف الملك، وكاد يس
Read more
الفصل الثامن
"وإن هجرني بلا رحمة، فلن أخجل."حين كتبت ليلى هذه الكلمات، بأي قلب كانت تكتب؟هل كانت تتوقع أن يُلقى بها يومًا بلا رحمة، ومع ذلك تتمسك بضعفها بأن "لا تخجل"؟في تلك الليلة، حين قال لها الملك: "أنا والملكة بيننا عهد قديم"، كيف كان وقع هذه الكلمات على قلبها وهي تنظر إلى تلك الصورة؟اقتربت الملكة مريم بنت ريان، وجهها شاحب كالأوراق، تحاول أن تمسك بثوب الملك:"مولاي، لم أكن أعلم أن هذه الصورة…"صرخ الملك وهو يزيح يدها بعنف، عيناه محمرتان:"أنتِ لا تعلمين؟! انظري إلى هذه الصورة! إلى هذا الخط! أي فساد في القصر؟ هذه صورتي أنا!"ثم رمى الصورة أمامها:"أخبِريني، إن كانت تخفي صورتي وتنظر إليها ليلًا ونهارًا، فما ذنبها؟!"ارتجفت الملكة وتراجعت:"لقد سمعتُ من الخدم…"ضحك الملك ضحكة أشد مرارة من البكاء:"بضع كلمات من الخدم، فجلدتِها؟ أغلقتِ القصر؟ تركتِها وحيدة في الجناح، حتى التهمتها النار؟!"وأشار إلى الخراب من حوله، صوته مبحوح:"مريم، هناك روحان أُزهقتا! ليلى أنجبت آمنة منذ شهرين فقط! هل كرهتِها إلى هذا الحد؟ هل أردتِ موتها؟!"صرخت الملكة:"لم أشعل النار! كان حادثًا!"رد الملك بحدة:"الحادث؟ أنتِ
Read more
الفصل التاسع
أخذ الملك سالم بن عيسى تلك الصورة وعاد بها إلى قصر العرش.أمر أن تُضاء القاعة بالمزيد من المصابيح، وعلّق الصورة في أبهى مكان داخل جناحه.في الصورة، فارس شاب يمتطي جواده وسط الثلج، يلتفت بعينين حادتين، مفعمًا بالعزم والفتوة.كان ذلك هو نفسه قبل ثلاث سنوات، كما كانت تراه ليلى.أما الآن، وهو جالس على عرش بارد مرتديًا ثوب الملك، لم يعد يجد في نفسه تلك الروح المتقدة.صرف الحاشية، وجلس وحيدًا تحت الأضواء، يحدق في الصورة حتى غامت عيناه.تدفقت الذكريات:يوم دخلت ليلى القصر، كانت تقطف زهور الياسمين وتضعها في المزهرية، تحدثه بخجل، وتسرق النظر إليه في الولائم.يوم حملت أول مرة، وضعت يدها على بطنها وسألته: "مولاي، هل تفضل أن يكون ابنًا أم ابنة؟"فأجابها: "الملكة تحب أن يكون ابنًا، فليكن ابنًا."أظلمت عيناها، لكنها ابتسمت وقالت: "أتمنى أن يكون ابنًا، ليخفف عنك."لكن حين وُلد الطفل، دخل هو بنفسه وأخذه منها، وهي تبكي متوسلة، ممسكة بثوبه: "لماذا؟"قال لها: "هذا الطفل سيكون ابن الملكة الشرعي، لا تفكري أكثر."تركت ثوبه، وانطفأ نور عينيها إلى الأبد.منذ ذلك اليوم، لم تعد تسأله عن الأبناء، لم تعد تقطف الز
Read more
الفصل العاشر
في ضواحي العاصمة، في دار آل ناصر.كان الليل ساكنًا، لكن مصابيح المكتبة ما زالت مضاءة.جلس الوزير الأكبر ناصر الدين على كرسيه العريض، ينظر إلى ابنته الواقفة أمامه، وعيناه اللتان طالما كانتا صارمتين في مجلس الحكم، امتلأتا هذه الليلة بالألم والغضب.كانت ليلى بنت ناصر ترتدي ثوبًا بسيطًا، وجهها شاحب، جسدها نحيل كأن الريح تكاد تطيح به.على ظهرها آثار السياط، رغم العلاج والضماد، ما زالت حركتها متيبسة.قالت بخفوت:"أبتاه…"اقترب منها، رفع يده ليلمس وجهها، ثم توقف في منتصف الطريق.هذه اليد التي طالما أشارت في البلاط، ووجهت مصائر البلاد، ترتجف الآن، لا تجرؤ أن تلمس ابنته.قال بصوت مبحوح:"الخطأ خطئي. أنا من أدخلك القصر، ظننت أن الملك سيحفظك لأجلي، لكنه لم يفعل. كنتُ ساذجًا."أجابته بهدوء:"لا لوم عليك يا أبي. يومها كانت الدولة مضطربة، وأردتَ أن تحمي البلاد، فأدخلتني القصر. أنا أفهم."ابتسم بمرارة:"تفهمين؟ لكنك تحملتِ ثلاث سنوات من الإهانة. وأنا في الجنوب أسمع أخبارًا مطمئنة، لا أعلم أنك ركعتِ في الثلج، ولا أن طفلتكِ آمنة سُلبت منك، ولا أنكِ جُلدتِ أمام الناس. هذا تقصير مني، هذا عجز مني!"كان صو
Read more
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status