Masukلم يتحرك أحد.كان الرجل الواقف أعلى الدرج يشبه إيفان إلى درجة جعلت عيون الجميع تتوقف عنده للحظات، وكأن المدينة نفسها أخرجت من الماضي نسخة حية من الرجل الذي يقف بينهم الآن. الملامح ذاتها، الشعر ذاته، وحتى الطريقة التي أمسك بها السيف المكسور كانت مألوفة بشكل مخيف. لكن شيئًا واحدًا كان مختلفًا؛ ملابسه كانت أقدم، ممزقة عند الأطراف، وعليها آثار غبار وبقع داكنة لا يمكن معرفة مصدرها. أما عيناه فكانتا أكثر برودة، خاليتين من ذلك التردد الذي ظهر في عيني إيفان عندما لمس السيف.رفع إيفان سيفه ببطء، ولم يبعد عينيه عن الرجل.قال بصوت منخفض: «لا أحد يتحرك.»تقدم راين نصف خطوة، ثم أوقفه إيفان بإشارة من يده.«قلت لا أحد.»نظر سيلان إلى إيريان، ثم همس: «إنه يشبهه فعلًا.»رد إيريان دون أن يبعد عينيه عنه: «ليس يشبهه... إنه إيفان.»وصلت الكلمات إلى الرجل أعلى الدرج، لكنه لم يبدُ متفاجئًا. بل مال برأسه قليلًا، وكأنه كان ينتظر أن يقول أحدهم ذلك.ثم نظر إلى إيفان مباشرة.«إذًا... ما زلت تحمل ذلك السيف.»تجمد إيفان.كانت الجملة بسيطة، لكنها أصابته في مكان لم يفهمه أحد غيره.نظر إلى سيفه المكسور، ثم إلى الرجل.
بقيت يد إيفان فوق مقبض السيف، لكنه لم يسحبه.كان الجميع يراقبه بصمت. لم يعد الضوء الأخضر يضيء كما كان، بل أصبح خافتًا ومستقرًا، وكأن البرج نفسه توقف عن الحركة في انتظار قرار إيفان. أما كايرن فظل واقفًا إلى جواره، يتذكر كلمات داريوس الأخيرة.«إيفان... لا تدعه يأخذ السيف.»لم يكن تحذيرًا عاديًا. داريوس لم يقل إن السيف خطير، ولم يقل إن الرجل الذي ظهر يجب أن يُهزم. قال فقط: لا تدعه يأخذ السيف.قال كايرن: «إيفان، انتظر.»توقف إيفان.«ماذا؟»«داريوس حذرك من هذا السيف.»نظر إيفان إليه.«سمعته.»«إذن لا تلمسه.»خفض إيفان عينيه إلى المقبض.«لو كان داريوس هنا، لقال الشيء نفسه.»«إذن لماذا لا تتراجع؟»صمت إيفان.ثم قال: «لأنني أعتقد أنني أمضيت سنوات أهرب من شيء لا أفهمه.»رفع عينيه إلى كايرن.«وأنا تعبت من الهرب.»قالت إيلارا: «لكن هذا لا يعني أن عليك لمس كل شيء تجده في هذه المدينة.»ابتسم إيفان ابتسامة صغيرة.«أنت لم تتغيري.»«وأنت تغيرت كثيرًا.»نظر إليها.لم تكن في صوتها قسوة، بل حزن خفيف.قالت: «عندما كنت أبحث عنك، كنت أعتقد أنني سأجد أخي الذي اختفى. لكنك عدت وأنت تحمل كل هذه الأشياء وحدك، و
لم يتحدث أحد لعدة دقائق بعد أن خرجوا من الغرفة. كان البرج الذي ظهر فوق أنقاض المدينة القديمة يلفت الأنظار بطريقة يصعب تجاهلها؛ لم يكن مرتفعًا بما يكفي ليصل إلى السماء، لكنه بدا أقدم من جميع الأبنية المحيطة به، وكأن أجزاء المدينة بُنيت ثم تهدمت حوله بينما بقي هو واقفًا في مكانه. وفي قمته كان الضوء الأخضر يضيء وينطفئ ببطء، مرة كل عدة ثوانٍ، وكأنه إشارة لا يعرفون لمن وُجهت.قال راين: «هل كان البرج موجودًا عندما دخلنا المدينة؟»هز إيفان رأسه.«لا.»نظر سيلان إلى الأنقاض المحيطة.«إذن ظهر الآن.»أجابه إيفان: «أو ربما كان هنا طوال الوقت، لكن المدينة لم تسمح لنا برؤيته.»قال إيريان: «بدأت أكره هذه المدينة.»ابتسم راين رغم التوتر.«بدأت؟ أنا أكرهها منذ أول باب تكلم معنا.»لم يشاركهم كايرن الابتسامة. كان ينظر إلى الضوء الأخضر، ويحاول أن يفهم سبب شعوره بأنه رآه من قبل. لم يكن في ذاكرته شيء واضح، مجرد إحساس غامض يشبه اللحظة التي تسبق تذكر حلم قديم. كلما حاول الإمساك به اختفى.لاحظت إيلارا ذلك.«هل تذكرت شيئًا؟»هز كايرن رأسه.«لا. مجرد شعور.»قالت: «إذن لا تضغط على نفسك.»نظر إليها.«لماذا؟»«لأ
لم يتحرك أحد بعد أن انفتح الباب.كان الضوء القادم من الغرفة ضعيفًا، لكنه كان أكثر دفئًا من برودة الممر، وكأن هناك مكانًا مأهولًا خلفه رغم أن المدينة القديمة لم تُظهر أي علامة على وجود سكان فيها منذ دخولهم. بقي إيفان واقفًا أمام الباب، وعيناه مثبتتان على الظلام، بينما كانت إيلارا تقف خلفه مباشرة. لم يكن الخوف هو ما ظهر على وجهه، بل شيء أقرب إلى عدم التصديق.قالت إيلارا بهدوء: «إيفان... من هناك؟»لم يجب.رفع كايرن يده قليلًا، إشارة إلى الجميع بالبقاء في أماكنهم، ثم اقترب خطوة من الباب.جاء الصوت من الداخل مرة أخرى:«هل ستظل واقفًا هناك؟»كان صوت رجل في منتصف العمر، هادئًا بصورة غريبة، وكأنه لم يفاجأ بوصولهم على الإطلاق.قال إيفان أخيرًا: «من أنت؟»جاء الرد بعد لحظة صمت:«أنت تعرفني.»تغير وجه إيفان.قال كايرن: «هل تعرفه؟»أجاب إيفان دون أن يلتفت:«لا أريد أن أعرفه.»ثم أمسك مقبض الباب وفتحه بالكامل.ظهرت غرفة واسعة، تتوسطها طاولة حجرية عليها مصباح قديم. وعلى الجدران رفوف مليئة بقطع معدنية، ونقوش، وأجزاء من سيوف مختلفة. لم يكن المكان يبدو كغرفة سجـن أو قاعة قديمة، بل أقرب إلى ورشة لشخص أ
ظل كايرن واقفًا أمام الباب المغلق، وعيناه معلقتان بالعلامة التي اختفت تدريجيًا من سطحه. كان صوت داريوس لا يزال يتردد في ذهنه، خصوصًا كلماته الأخيرة عن الصندوق الخشبي، لكنه حاول ألا يندفع وراء الأسئلة التي لم يجد لها إجابات. فقد اعتاد أن تقوده كل إجابة يحصل عليها إلى أسرار أكثر تعقيدًا، حتى أصبح يشعر أحيانًا أن بحثه عن الحقيقة لا يقرّبه منها، بل يجعله يدور حولها.اقترب راين منه ووضع يده على كتفه.«هل كان داريوس بخير؟»أومأ كايرن ببطء. «لم يبدو مصابًا، لكنه لم يكن قادرًا على مغادرة الغرفة.»قال سيلان وهو يتفحص الباب: «ربما علينا البحث عن طريق آخر للوصول إليه. لا يمكننا البقاء هنا حتى يقرر هذا المكان فتح الباب مجددًا.»أجابه إيفان: «لن يفيدنا البحث عن طريق آخر ما دمنا لا نعرف كيف تعمل هذه الأبواب. لقد حاولت ذلك من قبل، وكل ممر وجدته كان يعيدني إلى المكان نفسه.»التفت إليه كايرن. «قلت إنك رأيت داريوس هنا منذ سنوات، وإنك تثق به. لكنك لم تخبرني كيف تعرفه.»نظر إيفان إلى الباب لحظة، ثم أدار ظهره له وسار نحو الممر الذي دخلوا منه. لم يبدُ راغبًا في الحديث، لكنه توقف عندما لاحظ أن كايرن يتبعه.
لم يتحرك كايرن.كان الباب أمامه ينفتح ببطء، وكل شبر من الخشب القديم يصدر صوتًا منخفضًا كأن المكان نفسه يحاول مقاومة ما يحدث. ومن الجهة الأخرى جاء صوت داريوس مرة أخرى، أكثر وضوحًا هذه المرة.«كايرن... لا تدخل.»وفي اللحظة نفسها، جاء الصوت الآخر من الظلام:«تأخرت.»شد راين قبضته على سيفه، بينما تقدم إيفان خطوة ووضع نفسه أمام إيلارا دون أن يشعر، أما سيلان وإيريان فبقيَا على جانبي كايرن، يراقبان الباب بحذر.قال إيفان: «لا أحد يتحرك.»نظر كايرن إليه.«إنه صوت داريوس.»أجابه إيفان: «أعرف.»«إذن لماذا لا نفتح الباب؟»«لأن الصوت الآخر يعرف ذلك أيضًا.»سكت كايرن.كانت تلك الجملة كافية.فهو لم يعد يثق بالأصوات التي تأتي من خلف الأبواب، خصوصًا بعد كل ما حدث منذ دخولهم المدينة القديمة. ربما كان صوت داريوس حقيقيًا، وربما كان شيئًا يستخدم صوته، وربما كان الاثنان حقيقيين، لكن كل واحد منهما يريد شيئًا مختلفًا.اقترب إيفان من الباب ومد يده نحوه، لكنه لم يلمسه.قال: «داريوس لم يكن يثق بهذه الغرفة.»«كيف تعرف؟»«لأنني رأيته هنا منذ سنوات.»رفع كايرن رأسه بسرعة.«ماذا؟»نظر إيفان إلى الباب.«قبل أن أختفي