رماد الأندلس

رماد الأندلس

last updateDernière mise à jour : 2026-06-24
Par:  SamMis à jour à l'instant
Langue: Arab
goodnovel12goodnovel
Notes insuffisantes
18Chapitres
21Vues
Lire
Bibliothèque

Partager:  

Report
Overview
Catalog
Scanner le code pour lire sur l'application

تدور أحداث الرواية في أواخر عهد الأندلس قبيل سقوط غرناطة، وتسلط الضوء على البطلة الشابة "مريم" التي تجد نفسها فجأة وسط شبكة معقدة من المؤامرات السياسية والخيانة المحيطة بقصر الحمراء. بعد تعرض والدها العالم الفلكي للاعتقال على يد وزير خائن يسعى لبيع العلوم الأندلسية للأعداء، تحمل مريم على عاتقها مهمة مصيرية؛ وهي حماية "مخطوط النجوم السبعة" (إرث والدها العلمي الجغرافي). برفقة الشاب "يوسف"، تخوض مريم رحلة محفوفة بالمخاطر للهروب بهذا الإرث وإنقاذ ما تبقى من هوية وطنها العلمي والتاريخي قبل أن يتحول إلى رماد.

Voir plus

Chapitre 1

الجزء الأول: أطياف غرناطة الآفلة

الجزء الأول: أطياف غرناطة الآفلة

كانت الشمس تميل نحو المغيب، وتلقي بأشعتها الذهبية الباهتة فوق أسطح غرناطة، وكأنها تودع المدينة وداعاً أخيراً لا رجعة فيه. في ذلك الزقاق الضيق المؤدي إلى حي "البيازين"، كانت النوافذ الخشبية المشبكة تبدو كأعين حزينة تراقب المارة بحذر. الهواء كان ثقيلاً، مشحوناً برائحة الخوف والترقب، وصوت الأذان يرتفع من مآذن المدينة متعباً، يتردد صداه بين الجبال المحيطة كأنه أنين يبحث عن مجيب.

​في الطابق العلوي من منزل قديم تفوح منه رائحة الورق العتيق والزعفران، كانت "مريم" تقف خلف النافذة، تمسك بطرف حجابها الحريري وتراقب الشارع بنظرات قلقة. مريم، الفتاة التي لم تتجاوز ربيعها العشرين، كانت تحمل في عينيها السوداوين الواسعتين ذكاءً يفوق سنها بكثير، ذكاءً ورثته عن والدها، الشيخ "أبو جعفر الإدريسي"، أحد أبرز علماء الفلك والطب والمخطوطات في أواخر عهد مملكة غرناطة.

​التفتت مريم نحو الغرفة، حيث كان والدها يجلس منحنياً فوق طاولة خشبية ضخمة، يحيط به ركام من الكتب واللفائف والخرائط الفلكية. كان ضوء شمعة وحيدة يتراقص على وجهه الشاحب، ملقياً بظلال طويلة وغامضة على الجدران المليئة بالرفوف. السعال الجاف الذي كان يمزق صدر الشيخ بين الحين والآخر كان يقطع صمت الغرفة، ويزيد من وتيرة القلق في قلب ابنته.

​"يا أبي، عليك أن ترتاح قليلاً"، قالت مريم وهي تتقدم نحوه بخطوات هادئة، حاملة في يدها كوباً من الأعشاب الدافئة. "لقد قضيت الليل كله والنهار بطوله وأنت تنسخ هذه المخطوطات. جسدك لم يعد يحتمل كل هذا العناء، والمدينة تغلي بالخارج."

​رفع الشيخ أبو جعفر رأسه ببطء، ونظر إلى ابنته بعينين متعبتين، لكنهما كانتا تشعان بإصرار غريب. ابتسم بوهن وقال بصوت متهدج: "الراحة يا مريم؟ كيف أرتاح والوقت يداهمنا؟ إنها ليست مجرد أوراق يا ابنتي، هذا هو إرث أمة كاملة. علم الفلك، أسرار الطب، وخرائط النجوم التي قضينا عقوداً في تطويرها... إذا سقطت غرناطة، وأخشى أن سقوطها بات قريباً جداً، فإن أول ما سيفعله القشتاليون هو إحراق هذه الكتب وتحويل علمنا إلى رماد."

​وضعت مريم الكوب على الطاولة، وجثت على ركبتيها بجانب مقعده. نظرت إلى المخطوط الذي كان يعمل عليه، ورأت معادلات فلكية معقدة ورموزاً كيميائية لا يفهمها سوى قلة من العلماء في هذا العصر. كانت مريم قد تعلمت على يد والدها منذ صغرها، حتى أصبحت تفهم هذه الرموز كأنها لغتها الأم، بل إنها كانت تساعده في تدقيق الحسابات ورسم الخرائط بدقة متناهية.

​"أعلم يا أبي، وأعلم أيضاً أن الأوضاع في قصر الحمراء لا تبشر بالخير"، همست مريم وهي تتلفت حولها وكأن للجدران آذاناً. "الإشاعات تملأ الأسواق. يقولون إن السلطان أبا عبد الله في مفاوضات سرية مع ملك قشتالة، وأن هناك وزراء في ديوانه يبيعون أسرار المدينة مقابل صكوك أمان وذهب."

​تنهد الشيخ تنهيدة عميقة خرجت من أعماق قلبه، ووضع قلمه الريشي جانباً. "الخيانة يا مريم... الخيانة هي السوس الذي ينخر في عظام هذه المملكة قبل أن تضربها سيوف الأعداء. الوزير 'أبو القاسم بن عبد المليك' يتردد على القصر كثيراً هذه الأيام، وعيناه لا تفارقان مرصدي ولا مكتبي. إنه لا يريد الذهب فقط، بل يريد الاستيلاء على 'مخطوط النجوم السبعة'، ذلك الكتاب الذي يحتوي على حسابات دقيقة لوجهات السفن وأسرار جغرافية لم تكتشف بعد. إنه يريد تقديمه قرباناً لملوك قشتالة ليضمن لنفسه منصباً وثروة بعد السقوط."

​شعرت مريم بقشعريرة تسري في جسدها. "مخطوط النجوم السبعة" ليس مجرد كتاب علمي، بل هو حصيلة عمر والدها، وسر العائلة الأكبر. إذا وقع هذا المخطوط في الأيدي الخطأ، فلن يضيع إرث والدها فحسب، بل قد يُستخدم لتدمير ما تبقى من الروابط بين المسلمين في الأندلس والمغرب.

​وفجأة، قطع حوارهما صوت طرقات عنيفة ومفاجئة على الباب الخشبي الثقيل في الأسفل.

​توقفت أنفاس مريم، ووقفت بسرعة وهي تنظر إلى والدها بذعر. الطرقات لم تكن طرقات زائر عادي، بل كانت ضربات متتالية ومستبدة تنبئ بالشر. السعال عاود الشيخ بشدة، فحاول كتمه بكم ثوبه وهو يشير بيده المرتعشة إلى خزانة سرية خلف الرفوف.

​"مريم... خذي المخطوط الرئيسي... اذهبي من الممر الخلفي المؤدي إلى السرداب"، قال الشيخ بصوت مبحوح وخافت، وهو يحاول النهوض بصعوبة.

​"لن أتركك يا أبي! كيف أرحل وأدعك وحدك؟" صاحت مريم بدموع محبوسة في عينيها، وهي تمسك بكتفيه الثقيلين.

​"اسمعيني جيداً يا ابنتي!" قال الشيخ بنبرة حازمة لم تعهدها منه من قبل، وأمسك بوجهها بين يديه المرتعشتين. "أنا رجل عجوز، وقدمي في القبر. حياتي لا تهم، لكن هذا العلم يجب أن يعيش. أنتِ حامية هذا الإرث الآن. إذا أخذوني، فابحثي عن 'يوسف'، ابن صديقي القديم في حي الفخارين، هو الوحيد الذي يمكنكِ الوثوق به. اذهبي الآن... أرجوكِ!"

​تحطم الباب السفلي بصوت مدوٍ، وسمعت مريم أصوات أقدام ثقيلة تقتحم المنزل، تلتها أصوات صراخ بلغة عربية ركيكة، وأصوات أخرى بلغة قشتالية. لم يعد هناك وقت للتفكير.

​بسرعة فائقة ودموعها تنهمر على وجنتيها، التقطت مريم المخطوط الثمين الذي لفه والدها بقطعة من الجلد المقاوم للماء، ودسته داخل ثيابها بحرص. ألقت نظرة أخيرة مفجوعة على والدها الذي جلس على كرسيه محاولاً استجماع ما تبقى من وقاره وهدوء أسلوبه، ليوجه الأنظار إليه ويمنحها ثوانٍ معدودة للفرار.

​اندفعت مريم نحو الزاوية المظلمة من الغرفة، ودَفعت لوحاً خشبياً سرياً في الجدار، وتسللت عبر الفتحة الضيقة لتغلقها خلفها تماماً في اللحظة التي انفتح فيها باب الغرفة العلوي بعنف. من خلال شق صغير في الجدار الخشبي، رأت مريم رجالاً مسلحين يرتدون دروعاً حديدية، يتقدمهم رجل ملثم يرتدي عباءة أندلسية فاخرة... رجل عرفت مشيته وقامته جيداً، إنه الوزير الخائن نفسه.

​حست مريم بقلبها ينبض في حلقها وهي تسمع الخائن يقول لوالدها بصوت بارد: "أين المخطوط يا أبا جعفر؟ سلمنا إياه وتنعم بحياتك، وإلا فإنك لن ترى شروق شمس الغد."

​كتمت مريم صرختها بيدها، وتحاملت على ركبتيها المرتجفتين، وبدأت بالهبوط في الممر المظلم المؤدي إلى باطن الأرض، تاركة خلفها حياتها المستقرة، لتبدأ رحلة محفوفة بالمخاطر والخيانة، رحلة ستغير مصيرها ومصير ما تبقى من الأندلس.

Déplier
Chapitre suivant
Télécharger

Dernier chapitre

Plus de chapitres

Vous vous intéresseriez aussi à

Pas de commentaire
18
الجزء الأول: أطياف غرناطة الآفلة
الجزء الأول: أطياف غرناطة الآفلةكانت الشمس تميل نحو المغيب، وتلقي بأشعتها الذهبية الباهتة فوق أسطح غرناطة، وكأنها تودع المدينة وداعاً أخيراً لا رجعة فيه. في ذلك الزقاق الضيق المؤدي إلى حي "البيازين"، كانت النوافذ الخشبية المشبكة تبدو كأعين حزينة تراقب المارة بحذر. الهواء كان ثقيلاً، مشحوناً برائحة الخوف والترقب، وصوت الأذان يرتفع من مآذن المدينة متعباً، يتردد صداه بين الجبال المحيطة كأنه أنين يبحث عن مجيب.​في الطابق العلوي من منزل قديم تفوح منه رائحة الورق العتيق والزعفران، كانت "مريم" تقف خلف النافذة، تمسك بطرف حجابها الحريري وتراقب الشارع بنظرات قلقة. مريم، الفتاة التي لم تتجاوز ربيعها العشرين، كانت تحمل في عينيها السوداوين الواسعتين ذكاءً يفوق سنها بكثير، ذكاءً ورثته عن والدها، الشيخ "أبو جعفر الإدريسي"، أحد أبرز علماء الفلك والطب والمخطوطات في أواخر عهد مملكة غرناطة.​التفتت مريم نحو الغرفة، حيث كان والدها يجلس منحنياً فوق طاولة خشبية ضخمة، يحيط به ركام من الكتب واللفائف والخرائط الفلكية. كان ضوء شمعة وحيدة يتراقص على وجهه الشاحب، ملقياً بظلال طويلة وغامضة على الجدران المليئة با
last updateDernière mise à jour : 2026-06-14
Read More
الجزء الثاني: أزقة الخوف والهروب الكبير
الجزء الثاني: أزقة الخوف والهروب الكبيرانحدرت مريم في الممر المظلم، وكانت الأنفاس تتصاعد من صدرها متلاحقة كضربات طبول الحرب. كان السرداب ضيقاً، تفوح منه رائحة الرطوبة والعفن والتراب القديم الذي لم تطأه قدم منذ سنوات. بيدٍ ترتجف، أخرجت من جيب ثوبها مشعلاً صغيراً كانت قد أعدته للطوارئ، وأشعلته لتنير به عتمة هذا النفق المجهول. انعكس ضوء المشعل الأصفر على جدران الحجر الجيري، بينما كانت تلمس بيدها الأخرى المخطوط الثمين "مخطوط النجوم السبعة" المخبوء تحت عباءتها، وكأنها تستمد منه القوة، فهو كل ما تبقى لها من رائحة والدها وإرث عائلتها.​كانت أصوات الجنود والوزير الخائن "أبو القاسم" تدوي في الأعلى، تصل إليها عبر الشقوق الخشبية كصوت رعد بعيد يتوعد بالهلاك. شجاعتها لم تكن شجاعة مقاتل يحمل سيفاً، بل كانت شجاعة فتاة بريئة وضعت الأقدار على عاتقها مصير علمٍ بأكمله. استمرت في السير، شبه راكضة، والدموع تجف على وجنتيها لتترك مجاري ملوحة تعكس ضوء النار. سلكت المنعطفات التي وصفها لها والدها ذات مرة في قصصه القديمة، حتى بدأت تشعر بنسمات هواء بارد تداعب وجهها، علامة على اقتراب مخرج السرداب.​أخيراً، وصلت
last updateDernière mise à jour : 2026-06-14
Read More
الجزء الثالث: في قلب حي الفخارين
الجزء الثالث: في قلب حي الفخارينلم يكن هناك وقت للكلام أو لتبادل عبارات الشكر؛ فالرجلان الملقيان على الأرض بدآ يستعيدان وعيهما ببطء، وأصوات دوريات الحرس بدت وكأنها تقترب من الشارع المجاور. أمسك يوسف بمعصم مريم بخفة ولكن بحزم، وبدأ يقودها عبر دهاليز حي البيازين المتشابكة كالمتاهة. كانت مريم تجر قدميها المتعبتين جراً، والآلام تنهش ركبتيها المصابتين، لكن الخوف من ضياع المخطوط كان أقوى من أي ألم جسدي.​استمر يوسف في تغيير اتجاه مسارهما، يسلك أزقة ضيقة لا تتسع لشخصين معاً، ويعبر تحت أقواس حجرية قديمة تخفي خلفها غياهب الظلام، حتى وصلا أخيراً إلى منحدر يؤدي إلى "حي الفخارين". كان هذا الحي يتميز برائحة الطين المحروق والفرن التقليدي، وتنتشر في جنباته أعداد لا تحصى من الجرار والأواني الخزفية المترصعة على جوانب الطرقات. في هذا الوقت من الليل، كان الحي يبدو كامداً وساكناً، يلفه ضباب خفيف قادم من نهر حدرة القريب.​توقف يوسف أمام باب خشبي صغير وبسيط، لا يوحي بأي تميز مقارنة بأبواب المنازل المجاورة. طرق الباب ثلاث طرقات متتالية، ثم صمت لثوانٍ، وطرق طرقتين سريعتين. كان هذا رمزاً متفقاً عليه. انفتح ا
last updateDernière mise à jour : 2026-06-14
Read More
الجزء الرابع: شفرة النجوم وجدران الحمراء
الجزء الرابع: شفرة النجوم وجدران الحمراءمرت ثلاثة أيام على اختباء مريم في دهاليز حي الفخارين. كانت الأيام تبدو كأنها دهور كاملة تحت الأرض، حيث لا يقطع صمت المكان سوى حفيف الأوراق وصوت قطرات الماء التي تنبثق من سقف السرداب الرطب. انهمكت مريم بكل جوارحها فوق "مخطوط النجوم السبعة"، مستعينة بضوء شمعة نحيلة تكاد تنطفئ مع كل نسمة هواء عابرة. كانت تعيد حساب المعادلات الرياضية والفلكية التي تركها والدها، محاولةً العثور على الرابط الخفي الذي يجمع بين مواقع النجوم وحسابات الملاحة البحرية.​"السر ليس في النجوم وحدها يا أبي... أنت تبحث عن شيء أبعد من ذلك"، همست مريم لنفسها وهي تمرر أصابعها الرقيقة فوق الدوائر الفلكية المتداخلة المرسومة بماء الذهب. وفجأة، لاحظت شيئاً لم تنتبه له من قبل؛ الدوائر لم تكن متطابقة تماماً، بل كان هناك انحراف بسيط بمقدار درجتين في رسم كوكب المريخ بالنسبة لبرج العقرب. تذكرت كلمات والدها عندما كان يعلمها الفلك في ليل غرناطة الصافي: "إذا انحرف الكوكب الأحمر عن مساره المعهود في الحساب يا ابنتي، فاعلمي أن هناك سراً يُراد إخفاؤه عن أعين العبث."​قامت مريم بجرأة بالغة بإحضار و
last updateDernière mise à jour : 2026-06-14
Read More
الجزء الخامس: التسلل إلى برج العقاب
الجزء الخامس: التسلل إلى برج العقابكانت ليلة شديدة الظلمة، وغابت النجوم خلف غمام أسود كثيف وكأن السماء تواطأت مع مريم ويوسف لتغطية تحركاتهما. في دهليز حي الفخارين، كانت مريم تراجع تفاصيل الخريطة التي رسمتها بناءً على حسابات والدها، بينما كان يوسف يجهز الأدوات: حبل متين من الكتان، ومجموعة من المفاتيح المقلدة، وخناجر صغيرة أخفاها في طيات ثيابه.​"الخطة تعتمد كلياً على التوقيت يا مريم"، قال يوسف بصوت خفيض وهو يربط حزام ثوبه بإحكام. "الحارس 'أحمد الزواوي' هو صديق والدي القديم، وسيكون في نوبة الحراسة عند البوابة الخلفية لبرج العقاب عند منتصف الليل. سيترك البوابة مواربة لمدة عشر دقائق فقط. إذا تأخرنا، أو إذا كُشف أمرنا، فلن يتردد حراس الوزير في قطع رؤوسنا فوراً."​نظرت مريم إلى يوسف، وكان قلبها ينبض بشدة، لكن عينيها كانتا تفيضان بعزيمة لا تلين. "لن نتأخر يا يوسف. لقد حفظت مسارات البرج الداخلية كما وصفها لي أبي في رسائله القديمة. سأرتدي ثياب فتى من عمال النظافة لكي لا يلاحظ أحد قوامي إن مررنا بضوء خافت."​قامت مريم بقص خصلات من شعرها، ولفّت عمامة عمّالية بسيطة فوق رأسها، وارتدت ثوباً فضفاض
last updateDernière mise à jour : 2026-06-14
Read More
الجزء السادس: أنفاس الحصار والسر المكتوم
الجزء السادس: أنفاس الحصار والسر المكتومتصلبت الدماء في عروق مريم وهي تسمع وقع الأقدام الحديدية تقترب كأنه سيل جارف لا يمكن صده. ضوء المشاعل الحمراء بدأ ينعكس على الجدران الرطبة، وصوت الوزير أبو القاسم كان يتردد بنبرة متعجرفة ومليئة بالغل: "فتشوا كل زاوية! إذا وجدتم أحداً مع الشيخ، فلا تترددوا في قتله، لكن أريد الفتاة والمخطوط حيين!"​التفت يوسف بسرعة ونظر إلى باب الزنزانة، ثم إلى الشيخ أبي جعفر الذي كان يلهث بصعوبة ولا يقوى على السير الخطوة الواحدة. "الممر الرئيسي أُغلق تماماً يا مريم"، قال يوسف بصوت خفيض ونبرة حاسمة وهو يستل خنجره ويقف مستعداً للمواجهة الأخيرة. "لا يمكننا مواجهة فصيل كامل من الجنود في هذا الممر الضيق ونحن نحمل الشيخ."​في تلك اللحظة، رغماً عن شدة التعب والوهن الذي كان يثقل كاهله، تمسك الشيخ أبو جعفر بياقة ثوب مريم وجذبها نحوه، مشيراً بيده المرتعشة إلى الجدار الخلفي للزنزانة، حيث كانت هناك لوحة حجرية قديمة نُقش عليها شعار بني نصر القديم: (لا غالب إلا الله).​"مريم... ابنتي"، همس الشيخ بصوت متقطع يملأه الأمل الأخير. "هذا البرج لم يُبنَ للسجن فقط... بل بُني ليكون ملاذ
last updateDernière mise à jour : 2026-06-14
Read More
الجزء السابع: رحيل تحت ظلال الرماد
الجزء السابع: رحيل تحت ظلال الرمادمع أولى خيوط الفجر الصادق، كانت غرناطة تبدو كعروس تُساق إلى حتفها. لم يكن النور هادئاً، بل كان ممزوجاً بضباب كثيف يحمل رائحة الحرائق البعيدة وأنفاس الحرب المقتربة. سار يوسف ومريم، يسندان الشيخ أبا جعفر الذي كان يتحامل على ألمه، متسللين بمحاذاة ضفاف النهر حتى وصلوا إلى الأطراف الخلفية لحي الفخارين. كان الصمت الذي يلف الحي صمتاً مخيفاً، ينبئ بأن العاصفة أوشكت على الانفجار.​دخلوا المخبأ بسرعة، حيث كان الشيخ مبارك الفخار ينتظرهم على أحر من الجمر، وعيناه غائرتان من شدة القلق. بمجرد أن رأى صديق عمره أبا جعفر حياً، دمعت عيناه وضمه إلى صدره في عناق قصير اختصر عقوداً من الأخوة.​"أبا جعفر! الحمد لله الذي ردك إلينا سالماً"، قال مبارك بنبرة متهدجة. "لكن ليس لدينا وقت للبكاء أو الراحة. عيون الوزير أبو القاسم بدأت تنتشر في الحي منذ نصف ساعة، والجنود يفتشون المنازل واحداً تلو الآخر. لقد علموا بفراركم من البرج."​التفت يوسف نحو مريم وقال بحزم: "مريم، استخرجي المخطوط فوراً. علينا أن نتحرك قبل أن يضربوا حصاراً كاملاً على الحي ويغلقوا المنفذ الوحيد المتبقي لنا."​اند
last updateDernière mise à jour : 2026-06-14
Read More
الجزء الثامن: مطاردة في أحراش البشرات
الجزء الثامن: مطاردة في أحراش البشراتكانت السهام تتساقط خلفهم كالمطر الأسود، تغرس أسنّتها الحديدية في جذوع أشجار الزيتون العتيقة وتثير الغبار حول أقدامهم المسرعة. تغلغل يوسف ومريم والشيخ أبو جعفر في عمق جبال البشرات، حيث بدأت التضاريس تصبح أكثر وعورة والمسارات تضيق شيئاً ففشيئاً. كانت أشجار البلوط البري والصنوبر الكثيفة تشكل سقفاً أخضر يحجب أشعة الشمس التي بدأت تشرق بخجل، ملقية بظلال طويلة ومتشابكة على الأرض الصخرية.​كان الشيخ أبو جعفر يلهث بصوت مسموع، وجسده النحيل يرتجف بثقل فوق كتف يوسف الذي كان يبذل قصارى جهده للحفاظ على توازنه فوق الصخور الزلقة. أما مريم، فكانت عباءتها القرمزية قد تمزقت أطرافها بفعل الأشواك البرية، لكنها كانت تتحرك بخفة مدفوعة بخوف جارف على والدها وعلى "مخطوط النجوم السبعة" الذي كان يضغط على صدرها مع كل خطوة، كأنه قلب ثانٍ ينبض بالمسؤولية.​"يوسف... اسمعني يا بني"، قال الشيخ أبو جعفر بصوت متقطع وواهن، وهو يحاول إيقاف يوسف. "قواي تخور... أنزلني هنا وتواريا خلف الصخور. الخيالة سيصلون إلينا حتماً إذا استمررتم في حملي."​"لن نتركك يا عمي أبا جعفر!" أجاب يوسف بإصرار
last updateDernière mise à jour : 2026-06-14
Read More
الجزء التاسع: طريق الساحل وظلال الحراس
الجزء التاسع: طريق الساحل وظلال الحراساستمر الأبطال الثلاثة في الاختباء داخل الكهف الصخري خلف ستارة الشلال حتى مالت الشمس نحو الغروب، وبدأت ظلال الجبال العتيقة تتمدد كأذرع سوداء تحمي الهاربين. كان هذا التوقيت هو الأنسب للتحرك؛ فالحراس والخيالة يعودون عادة إلى معسكراتهم مع حلول الظلام لخوفهم من وعورة المسارات الجبلية ليلاً، وخصوصاً في جبال البشرات المعروفة بكهوفها ومتاهاتها التي تخبئ المقاومين والثوار.​خرج يوسف أولاً من خلف المياه، ممسكاً بهراوته وعيناه تتفحصان المكان بحذر. لحقت به مريم وهي تسند والدها الشيخ أبا جعفر، الذي بدا أن الراحة القصيرة خلف الشلال قد أعادت إلى جسده النحيل بعضاً من الطاقة، وإن كان سعاله الجاف لا يزال ينبثق بين الحين والآخر كمؤشر مقلق على وضعه الصحي.​"الطريق هادئ الآن"، همس يوسف وهو يلتفت نحوهما. "لكن الرحلة نحو ميناء المنكب تتطلب منا النزول عبر الوديان المفتوحة، وتلك الوديان تسيطر عليها أبراج مراقبة أندلسية وقشتالية مشتركة. الخيانة لم تترك شبراً في هذه البلاد إلا وباعت أسراره."​نظرت مريم إلى والدها، ثم أحكمت لف ثوبها القرمزي الممزق وثبتت حقيبة المخطوط. "العل
last updateDernière mise à jour : 2026-06-14
Read More
الجزء العاشر: شاطئ المنكب والمواجهة الأخيرة
الجزء العاشر: شاطئ المنكب والمواجهة الأخيرةكان صخب أمواج البحر الأبيض المتوسط يتردد في أرجاء الخليج الصخري لميناء "المنكب" المهجور، كأنه نشيد أزلي يرحب بالهاربين من جحيم الخيانة. الهواء هنا كان مختلفاً؛ لم يكن محملًا برائحة بارود المدافع أو رماد الحرائق كما في غرناطة، بل بنسمات مالحة باردة تعيد الحياة إلى الصدور المتعبة. كانت الصخور الشاهقة المحيطة بالشاطئ تحجب المكان تماماً عن الأنظار، وتحول دون رؤية أي حركة من جهة الطريق الساحلي الرئيسي.​تنفس يوسف الصعداء وهو يضع يده فوق مقبض خنجره، ويلتفت نحو مريم والشيخ أبي جعفر اللذين كانا يستندان إلى جدار صخري عتيق. "لقد وصلنا إلى حافة الأندلس يا مريم"، قال يوسف بصوت خفيض حمل نبرة من الأمل والحزن معاً. "البحر أمامنا، لكن التحدي الأكبر الآن هو العثور على صياد أو مركب يقبل بالمخاطرة والإبحار بنا في هذا الليل الدامس نحو شواطئ المغرب."​أخرجت مريم "مخطوط النجوم السبعة" من حقيبتها الجلدية، وتحت ضوء القمر الفضي الذي انعكس على صفحات الرق، أشارت إلى رمز معين رسمه والدها على الخريطة البحرية. "أبي لم يترك شيئاً للمصادفة يا يوسف"، قالت مريم وعيناها تلمعا
last updateDernière mise à jour : 2026-06-15
Read More
Découvrez et lisez de bons romans gratuitement
Accédez gratuitement à un grand nombre de bons romans sur GoodNovel. Téléchargez les livres que vous aimez et lisez où et quand vous voulez.
Lisez des livres gratuitement sur l'APP
Scanner le code pour lire sur l'application
DMCA.com Protection Status