Masukلمس نديم رأس أخته وتابع "لكنني واثق من أن إيلين قادرة على الفصل بين الأمور، وأنها لا تحكم على الناس جميعًا من خلال علاقاتهم السابقة أو خلافاتهم الشخصية. لقد رأينا الليلة كيف تعاملت مع الحاضرين، وكيف حافظت على احترافيتها رغم اختلاف المواقف والآراء. وهي تبدو من النوع الذي يقدّر الموهبة والاستعداد الحقيقي للتعلم" تنفست نرمين بارتياح، وكأن كلماته أزاحت جزءًا من القلق الذي كانت تحمله، لكنها قالت إنها لا تزال تخشى أن تكون العلاقة السابقة بين إيلين ومراد سببًا يجعلها ترفض اللقاء من البداية. لم يطلب منها نديم تجاهل هذا الاحتمال، بل أوضح أن من حق إيلين أن تختار الأشخاص الذين ترغب في التعامل معهم، وأنه لا ينبغي لأحد أن يتوقع منها قبول أي طلب لمجرد أن صاحبه ينتمي إلى عائلة تعرفها.ثم أضاف أن أفضل طريقة للتعامل مع الأمر هي أن يُطلب اللقاء بصورة طبيعية ومحترمة، دون ضغط أو افتراضات مسبقة، وأن تُترك لها حرية الموافقة أو الاعتذار. فإذا رحبت إيلين بالفكرة، فسيكون ذلك بداية جيدة، وإذا لم ترغب في اللقاء، فلن يكون هناك ما يستدعي الإلحاح عليها.ارتاحت ملامح نرمين قليلًا، ثم عادت إليها
استمع نديم إليها باهتمام، بينما ظهرت على وجهه ابتسامة رضا هادئة، فقد كان يتوقع أن تترك إيلين هذا الانطباع لديها، خصوصًا أن نرمين لا تنبهر بسهولة بالمظاهر أو بالكلمات المنمقة، بل تهتم بما يقف خلفها من معرفة حقيقية وقدرة على الفهم.تابعت نرمين حديثها وقد ازدادت دهشتها كلما استرجعت تفاصيل الحفل، ثم أضافت: "لم تكن تبدو كمن يحاول استعراض معرفته أمام الحضور، بل كانت تتحدث بصورة طبيعية للغاية، وكأن هذه التفاصيل جزء من طريقة تفكيرها. أتساءل كيف استطاعت الإحاطة بكل تلك المجالات إلى هذا الحد. لقد بدا الأمر وكأنها درستها جميعًا، وربما تعمقت فيها أكثر مما نتخيل."كان نديم يستمع إليها بابتسامة رضا هادئة، وقد أسعده أن أخته بدأت تلاحظ بنفسها ما حاول هو فهمه منذ فترة. لم يكن يريد أن يلقنها استنتاجات جاهزة، ولا أن يدفعها إلى تبني رأيه لمجرد أنه أخوها الأكبر، بل كان يفضل أن تكتشف بنفسها أن الصورة التي رسمها بعض الناس عن إيلين لم تكن بالضرورة الحقيقة كاملة. تابعت نرمين حديثها قائلة: "ما أدهشني أكثر لم يكن مجرد قدرتها على استخدام المصطلحات المتخصصة، بل الطريقة التي شرحت بها العلاقات ب
بعد خروجهم من غرفة تيم، توقف مراد في الممر، والتفت نحو نديم الذي كان يسير بجوار نرمين، وقد بدا على ملامحه أنه لم يعد يرغب في تأجيلء الحديث الذي ظل يشغله منذ عودتهم إلى القصر.ثم قال بنبرة حاسمة: "لنجتمع قليلًا، هناك أمور أريد أن نتحدث بشأنها."أبطأ نديم خطواته، ألقى نظرة سريعة نحو باب غرفة تيم المغلق، ثم نظر إلى ابن عمه قبل أن يجيبه بهدوء: "ليس الآن، نحن جميعًا متعبون، وأعتقد أن الأفضل أن نرتاح هذه الليلة، ثم نجتمع عندما يعود زين ويستعيد تيم عافيته، لكن..." كاد نديم يستأنف سيره، لكنه توقف فجأة، وكأن فكرة طرأت إلى ذهنه جعلته يعيد النظر في قراره. بقي صامتًا لحظات، وعيناه تستقران على مراد، بينما بدا أنه يرتب الكلمات التي يريد قولها قبل أن ينطق بها. توقف للحظة، وكأن الكلمات التي يريد قولها لم تكن سهلة الترتيب في ذهنه، ثم أخذ نفسًا طويلًا، واستدار نحو مراد ليواجهه مباشرة. "أخي الأكبر، أريد أن أقول لك أمرًا مهمًا، وأتمنى أن تفكر فيه بتمعن، بعيدًا عن أي انفعال أو حكم مسبق."عقد مراد حاجبيه، منتظرًا أن يكمل، بينما تابع نديم بنبرة لم تحمل اتهامًا بقدر ما حملت رجاءً صادق
فتح تيم عينًا واحدة ونظر إليها، ثم قال: "إذا كان الطعام جزءًا من القصة، فلن أنسى شيئًا."ضحكت نرمين مرة أخرى، بينما هز نديم رأسه مبتسمًا، وألقى مراد نظرة على الطبيب الذي أشار إليهم أن يتركوا تيم يرتاح قليلًا. نظر تيم إلى نديم، وكأنه يبحث لديه عن إجابة أكثر وضوحًا، لكن نديم اكتفى بالقول إن هناك الكثير مما يمكن الحديث عنه، وإنه سيخبره بما يحتاج إلى معرفته عندما يستعيد عافيته. ثم أضاف بنبرة حاسمة أن الأولوية الآن هي أن يتعافى، لأنهم لن يسمحوا له بأن يحوّل كل خبر يسمعه إلى ذريعة لنسيان تعليمات الطبيب.تنهد تيم باستسلام مصطنع، ثم قال إنهم جميعًا يتصرفون وكأنهم اتفقوا على حرمانه من أي شيء ممتع حتى يشفى، وإنه سيضطر إلى استعادة صحته سريعًا حتى يتمكن من معرفة ما يخفيه هذا الاجتماع العائلي عنه. ردت نرمين بأن أفضل ما يمكنه فعله لتحقيق ذلك هو أن ينام، لا أن يضع خططًا للتحقيق معهم، ثم طلبت منه أن يغلق عينيه ويترك الحديث إلى وقت لاحق.حاول تيم الاعتراض، لكنه لم يجد ما يكفي من الطاقة لمواصلة الجدالوبعد دقائق، وصل الخادم حاملًا صينية صغيرة عليها وعاء العصيدة وكوب من الماء
ثم التفت نديم إليها بنظرة جانبية، ثم قال إن شخصًا واحدًا على الأقل في هذه الغرفة يحتاج إلى سماع تلك التعليمات، قبل أن يعيد نظره إلى تيم ويخبره بأن الطبيب أوصى بالراحة، وهذا يعني أنه لن يسمح له بمغادرة الفراش أو الانشغال بأي شيء حتى تنخفض حرارته تمامًا.رفع تيم حاجبه بصعوبة، وقال إن نديم يتعامل معه وكأنه طفل صغير، ثم أضاف أنه لا يتذكر أن أحدًا عامله بهذه الصرامة عندما كان مريضًا في الماضي. ردت نرمين سريعًا بأن السبب ربما يعود إلى أنه لم يكن يمنح أحدًا فرصة للاهتمام به أصلًا، فقد كان يصر على أنه بخير حتى عندما يكون واضحًا للجميع أنه ليس كذلك، ثم يكتشف في النهاية أن جسده لا يلتزم بتعليماته مهما حاول إقناعه.ابتسم تيم وهو ينظر إليها، وقال إن ذاكرة نرمين تبدو نشطة على نحو مزعج، وإنه بدأ يشك في أنها تحتفظ بسجل كامل لكل أخطائه لتستخدمه ضده في مثل هذه اللحظات. أجابته بأنها لا تحتاج إلى سجل، لأن تصرفاته وحدها كافية لتذكيرها بكل شيء، ثم جلست على المقعد المقابل لنديم، وقد بدا عليها الارتياح قليلًا بعدما رأته يستعيد قدرًا من نشاطه المعتاد، حتى وإن ظل التعب ظاهرًا على ملامحه.
بعد الاطمئنان على ماجي، توجه نديم ونرمين ومراد إلى الغرفة التي يقيم فيها تيم داخل القصر. كان تيم قد استيقظ في وقت سابق وهو يعاني من ارتفاع في درجة الحرارة، ولم تتحسن حالته بالقدر الذي يسمح له بمغادرة الفراش، لذلك طلب الطبيب المعالج منه الراحة التامة، مع الاهتمام بتناول السوائل والالتزام بالأدوية الموصوفة. صعد الثلاثة إلى غرفة تيم، وطرق نديم الباب طرقة خفيفة قبل أن يفتحه. كانت الغرفة هادئة، والستائر مسدلة جزئيًا لتخفيف الضوء، بينما تمدد تيم فوق سريره وقد غطى جسده بغطاء خفيف. جلس طبيب العائلة بالقرب منه، يتابع حالته، فيما وقف الخادم المكلف برعايته إلى جوار السرير، يبدل الكمادات الموضوعة على جبينه بعناية. بدت ملامح تيم مرهقة، ووجهه أكثر شحوبًا من المعتاد، لكنه كان يتنفس بانتظام، وقد هدأت حركته بعد أن قضى معظم اليوم بين النوم والاستيقاظ.اقترب نديم من الطبيب وسأله بصوت منخفض حتى لا يزعج أخاه: "كيف حالته الآن؟ هل انخفضت الحرارة؟"رفع الطبيب رأسه وأجابه: "هناك تحسن مقارنة بالصباح، ودرجة حرارته بدأت تستقر بعد العلاج والكمادات، لكنه ما زال يحتاج إلى الراحة. الحمى
لم يكن الصباح مختلفًا في شكله… لكنه كان مختلفًا في معناه. جلست إيلين الشهاب أمام مكتب خشبي أنيق داخل غرفة هادئة، تتوسطها طاولة زجاجية واسعة. أمامها وُضعت عدة أوراق مرتبة بعناية، كل صفحة تحمل بنودًا واضحة، محددة… ونهائية. لم تمد يدها فورًا. فقط نظرت اسمها لم يكن في الأعلى هذه المرة… بل في الأسف
أما آدم، فظل يراقب إيلين فقط.لأنه الوحيد الذي يعرف الحقيقة كاملة.يعرف أن فتاة في الخامسة عشرة من عمرها جلست يومًا داخل غرفة مغلقة… وصممت نظامًا جعل جهات كاملة تعيد بناء أنظمتها الأمنية من الصفر.ويعرف أيضًا أن الدولة نفسها أخفت اسمها عمدًا بعد ذلك.بموجب الاتفاقية السرية واخفاء
لم يكن في العودة من المقابر ما يشبه الرجوع العادي.الطريق نفسه بدا أطول، أو ربما كانت المسافة هذه المرة تُقاس بما تُرك خلفهم لا بما ينتظرهم. جلست إيلين في المقعد الخلفي، ساكنة على نحو لا يُفسَّر بالهدوء، بل بشيء أقرب إلى الحسم. لم تكن تنظر إلى الخارج بقدر ما كانت تنظر إلى الداخل، إلى نقط
لم يكد صندوق المخمل يُغلق حتى تغيّر إيقاع الجلسة بالكامل، كأن اللحظة نفسها قررت أن تعلن عن معناها الحقيقي دون مواربة. لم يعد الأمر مجرد هدية فاخرة أو لفتة عابرة، بل بدا وكأنه إعلان صامت عن شيء أكبر، شيء فهمه الحاضرون جميعًا دون أن يُقال صراحة.كانت الأنظار تتنقل بين العقد المستقر حول عنق







