Home / التاريخ الافتراضي / رماد الأندلس / الجزء الخامس: التسلل إلى برج العقاب

Share

الجزء الخامس: التسلل إلى برج العقاب

Author: Sam
last update publish date: 2026-06-14 04:41:46

الجزء الخامس: التسلل إلى برج العقاب

كانت ليلة شديدة الظلمة، وغابت النجوم خلف غمام أسود كثيف وكأن السماء تواطأت مع مريم ويوسف لتغطية تحركاتهما. في دهليز حي الفخارين، كانت مريم تراجع تفاصيل الخريطة التي رسمتها بناءً على حسابات والدها، بينما كان يوسف يجهز الأدوات: حبل متين من الكتان، ومجموعة من المفاتيح المقلدة، وخناجر صغيرة أخفاها في طيات ثيابه.

​"الخطة تعتمد كلياً على التوقيت يا مريم"، قال يوسف بصوت خفيض وهو يربط حزام ثوبه بإحكام. "الحارس 'أحمد الزواوي' هو صديق والدي القديم، وسيكون في نوبة الحراسة عند البوابة الخلفية لبرج العقاب عند منتصف الليل. سيترك البوابة مواربة لمدة عشر دقائق فقط. إذا تأخرنا، أو إذا كُشف أمرنا، فلن يتردد حراس الوزير في قطع رؤوسنا فوراً."

​نظرت مريم إلى يوسف، وكان قلبها ينبض بشدة، لكن عينيها كانتا تفيضان بعزيمة لا تلين. "لن نتأخر يا يوسف. لقد حفظت مسارات البرج الداخلية كما وصفها لي أبي في رسائله القديمة. سأرتدي ثياب فتى من عمال النظافة لكي لا يلاحظ أحد قوامي إن مررنا بضوء خافت."

​قامت مريم بقص خصلات من شعرها، ولفّت عمامة عمّالية بسيطة فوق رأسها، وارتدت ثوباً فضفاضاً داكناً. لم تعد مريم تلك الفتاة الوديعة التي تجلس بين الكتب، بل تحولت إلى مقاتلة تسعى لإنقاذ والدها وإرث وطنها. قبل خروجهما، وضعت "مخطوط النجوم السبعة" في صندوق حديدي صغير، ودفنته في أعمق نقطة من سرداب الفخارين تحت ركام من الطين الجاف، فالكتاب يجب ألا يخرج من المخبأ مهما حدث.

​انطلق الاثنان تحت جنح الظلام، يتسللان بين ظلال أشجار الزيتون المحيطة بالأسوار الخارجية لقصر الحمراء. كانت المسافة بين حي الفخارين وأسوار القصر تبدو أطول من المعتاد، وكل حفيف شجر كان يجعلهما يتوقفان ويلتصقان بالأرض. وصلا أخيراً إلى الجدار الخلفي الشاهق لبرج العقاب، وهو برج مربع ضخم مبني من الحجارة الحمراء القاسية، يرتفع كعملاق يحرس أسرار الخيانة.

​عند الزاوية المظلمة، لمحا ظلاً يتحرك ببطء ويهز مشعلاً ثلاث هزات خفيفة؛ إنه أحمد الزواوي. تقدم يوسف ومريم بخطوات سريعة وصامتة.

​"أسرعا"، همس الحارس الزواوي بنبرة مرتعشة من الخوف وهو يفتح البوابة الحديدية الضيقة. "الوزير أبو القاسم موجود في الجناح القريب، وقد أمر بزيادة الحراسة على السرداب السفلي لأن خبيراً بالخطوط شوهد يدخل القصر قبل ساعة. الشيخ أبا جعفر في حالة صحية سيئة، وعليكما إخراجه الآن وإلا مات تحت الأرض."

​شكر يوسف الحارس بامتناع، واندفع مع مريم داخل الممر الحجري الضيق للبرج. كانت الجدران تنضح بالبرودة، وصوت قطرات الماء يتردد بانتظام مرعب. نزلا السلالم اللولبية الملتوية التي تؤدي إلى أعماق البرج، حيث الزنازين المظلمة.

​توقف يوسف عند نهاية السلم، وأشار لمريم بيده لكي تتوقف. على بعد خطوات قليلة، كان هناك حارسان من رجال الوزير الشخصيين يجلسان حول طاولة خشبية صغيرة، يلعبان النرد ويشربان، وسلوكهما ينم عن الغطرسة واللامبالاة.

​"يجب أن نتخلص منهما دون إحداث جلبة"، همس يوسف في أذن مريم. أومأت مريم برأسها، والتقطت حجراً صغيراً من الأرض، وقذفته بقوة نحو الممر المعاكس.

​تعالى صوت ارتطام الحجر بالصخر، فانتفض الحارسان ووقفا بسرعة. "ما هذا الصوت؟" قال أحدهما وهو يستل سيفه. "اذهب وتحقق، سأبقى أنا هنا."

​تسلل الحارس الأول نحو مصدر الصوت، وفي اللحظة التي عبر فيها الزاوية، انقض عليه يوسف من الخلف كالبرق، ممسكاً برقبته وضغط عليها بقوة حتى فقد وعيه وسقط أرضاً دون أن يصدر صوتاً. أما الحارس الثاني، فقد شعر بحركة غريبة والتفت بسرعة ليصيح، لكن مريم، وبحركة سريعة ومفاجئة لم تتوقعها هي نفسها، دفعت برميلًا خشبيًا ثقيلًا كان مستنداً إلى الجدار باتجاهه.

​تعثر الحارس بالبرميل وسقط على ظهره، وقبل أن يستوعب ما حدث، كان يوسف فوقه، موجهاً له ضربة بمقبض خنجره على فكه، أطاحت بوعيه تماماً.

​تنفست مريم الصعداء، وشعرت بركبتيها ترتجفان، لكنها تمالكت نفسها بسرعة. أخذ يوسف حزمة المفاتيح الضخمة من حزام الحارس المغمى عليه، واندفعا نحو الزنزانة الحديدية الكبيرة في نهاية الممر.

​أدخل يوسف المفتاح الأكبر في القفل الثقيل، ودار القفل بصوت معدني مدوٍ انطلق في أرجاء السرداب. فتحا الباب، واندفعت مريم إلى الداخل وهي تهمس: "أبي! أبي!"

​في زاوية الغرفة المعتمة الرطبة، وعلى كومة من القش البالي، كان الشيخ أبو جعفر الإدريسي مستلقياً. كان وجهه شاحباً كالأموات، وثيابه ممزقة، وعلامات التعب واضحة على جسده النحيل. رفع رأسه بصعوبة بالغة ونظر نحو النور الخافت القادم من الممر.

​"مريم؟... هل هذا طيفكِ أم أنا أحلم؟" قال الشيخ بصوت واهن ومبحوح يكاد لا يُسمع.

​"أنا هنا يا أبي، أنا مريم!" ارتمت مريم في أحضانه تبكي بحرقة، وهي تقبل يده المرتعشة. "جئنا لنقذك، يوسف وأنا. المخطوط في أمان، وقد فككت شفرته."

​لمعت عينا الشيخ العجوز ببريق من الفخر والأمل، وحاول النهوض بمساعدة يوسف الذي أمسكه من تحت إبطه. "بارك الله فيكِ يا ابنتي... كنت أعلم أن ذكاءكِ سينقذ إرثنا. لكن عليكما الخروج فوراً، فالوزير..."

​وقبل أن يكمل الشيخ كلماته، تردد في الممر الخارجي صوت خطوات عسكرية متعددة وثقيلة، وتصاعد ضوء المشاعل ليملأ المكان بحمرة منذر بالخطر. سُمع صوت حاد ومألوف يصيح بغضب من أعلى السلالم: "أيها الحراس! هناك خرق في البوابة الخلفية! فتشوا السرداب فوراً!"

​إنه صوت الوزير الخائن، أبو القاسم بن عبد المليك، ومعه فصيل كامل من الجنود المسلحين. لقد أُغلق مخرج السلالم، وحوصرت مريم ويوسف والشيخ العجوز داخل أعماق برج العقاب.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رماد الأندلس   الجزء الرابع والستون (الأخير): إرث النور الخالد عبر القرون

    الجزء الرابع والستون (الأخير): إرث النور الخالد عبر القرون​"تتشابه اللعنات والمظالم في تاريخ البشرية، لكن الأثر الذي يتركه الفكر الصادق لا تمحوه مياه البحار ولا طيات العصور. لم تكن الأندلس مجرد قطعة أرضٍ خُسرت في دورة الزمان، بل كانت فكرةً عصيةً على الفناء؛ جمرةً توارثتها الأفئدة حتى استحالت في أفق العالم الجديد قلعةً للعلم ودراعاً للحق. حين تسكت أصداء المبارزات وتتوقف صيحات الملاحين، يبقى الحبر المكتوب على الرقوق الصافية شهادةً حية: إن الرماد حين يحتضن الإيمان والعقل، ينبت منه فجرٌ لا تغرب شمسه أبداً."​مرت العقود تلو العقود على تتويج "عصر الأفق الذهبي"، وتحولت "مدينة النور" فوق الهضبة الساحلية إلى شريان الحياة العلمية والملاحية لكوكب الأرض بكامله.​لم تعد الجامعة مجرد مبنى يضم بضع مئات من الطلاب، بل أضحت صرحاً هائلاً تمتد أروقته وقبابه المقرنصة بالزليج الموريسكي بين حدائق المرجان ومراصد الفلك. كانت أساطيل "أمان النور" المصفحة بمركب "دم الأرض" تطوف المحيطات الأربعة، تحرس سفن التجار، وتحمي البعثات العلمية، وتؤمن سلامة المكتبات والمراكز الفلكية من سواحل فاس وإسطنبول إلى موانئ العالم ا

  • رماد الأندلس   الجزء الثالث والستون: العودة المظفرة وتتويج عصر الأفق الذهبي

    الجزء الثالث والستون: العودة المظفرة وتتويج عصر الأفق الذهبي​"حين يعود الربّان الذي احتضنته أهوال البحار وأحاطت به كَمائن الشرق والغرب، لا يحمل في جِرابه دروعاً وفولاذاً فحسب، بل يحمل شرعاً جديداً صيغ بالحبر والدم والإيمان. إن المعرفة إذا فاضت من منابعها الحرة وشابكَتْ مراكز العالم القديم بالعالم الجديد، تخلع عن وجه الأرض أسمال العزلة ورهبة المحيطات. لم تكن عودة الأسطول إلى 'مدينة النور' خاتمةً لقصة مهجرين أخرجوا من ديارهم بغير حق، بل كانت الإعلان الأخير عن قيام حضارة إنسانية عابرة للقارات، تلتقي فيها مآذن إسطنبول وفاس بقباب الأفق، وتُصان فيها حرية الفكر بسلاح العلم والدبلوماسية الأبدية."​شقّت السفينة القيادية "أندلس الأفق" وأخواتها المصفحة مياه المحيط الكهرماني عائدةً نحو الهضبة الذهبية، تتقدمها بيارق "أمان النور" الخضراء والمذهبة وهي ترفرف بكبرياء تحت شمس المغيب.​كانت السفن تحمل في أمعائها أثمن كنزٍ عرفته الملاحة؛ ألوف النسخ المطبوعة حديثاً في مطابع إسطنبول الهمايونية من "خارطة العالم الكروية المكتملة"، والبوصلات المطلقة المصنوعة بشراكة أطباء وفلكيي المشرق والمغرب، فضلاً عن "معاه

  • رماد الأندلس   الجزء الثاني والستون: مؤامرة البسفور وتطهير العاصمة الهمايونية

    الجزء الثاني والستون: مؤامرة البسفور وتطهير العاصمة الهمايونية​"حين تسطع أنوار الحق في القمم والعواصم، لا تستسلم الظلال لسيادة النور بسهولة؛ بل تنكفئ على ذاتها لتنسج في الخفاء أشد الخدع مَكراً وأكثرها ضغينة. لم تكن 'إسطنبول' العظيمة بمأمنٍ مطلق من أذرع 'أخوية الصلبان السوداء' التي امتدت كالأفاعي عبر خطوط التجارة وموانئ التبادل. غير أن العقل الذي خَبِرَ سراديب إشبيلية وفكك شفرات صهريج المياه، لا تُباغته الخيانة في زوارق البسفور؛ بل يستبق الضربات، ليبرهن للكون أن حماية المعرفة لا تتوقف عند تدوين الرقوق، بل تمتد لتطهير عواصم الأرض من دنس الماكرين."​تنساب مياه "البسفور" الصافية بين ضفتي آسيا وأوروبا في سكينة تتلألأ تحت ضياء القمراء. غير أن هذه السكينة الظاهرة كانت تُخفي خلفها حركة استخباراتية محمومة؛ إذ أثار إعلان "الميثاق الهمايوني للبحار الحرة" وتأسيس "المعهد البحري الموحد" ذعراً هائلاً لدى قيادة "أخوية الصلبان السوداء" في مدريد وروما.​في أطراف حي "غالاطة" القديم، داخل سرداب معتم أسفل برج نحاسي مهجور يطل مباشرة على مياه القرن الذهبي، كان الجاسوس القشتالي رفيع المستوى الكونت "ألفونسو

  • رماد الأندلس   الجزء الواحد والستون: شقّ المضيق والاستقبال المهيب في إسطنبول

    الجزء الواحد والستون: شقّ المضيق والاستقبال المهيب في إسطنبول​"حين تشقّ أشرعة النور عباب البحر الأبيض المتوسط، تستعيد الأمواج ذاكرة أساطيلٍ طالما زأرت في أزمنة المجد. لم تكن 'بعثة المشرق الكبرى' مجرد استعراضٍ للسيادة الملاحية، بل كانت عودةً للمنطق التاريخي الذي أُريد له أن يُطمس؛ أن ينقشع ظلام الحصار القشتالي أمام إرادة الفكر والفولاذ. فوق هذه المياه التي شهدت محارق الكتب ودموع التهجير، كان على 'البوصلة المطلقة' ودروع 'دم الأرض' أن تخوض اختراقاً خاطفاً يكسر طوق 'مضيق جبل طارق'، لتبحر السفن المصفحة نحو التاج العثماني، وتعلم 'إسطنبول' أن غرناطة لم تمت، بل بعثت في أفق العالم الجديد أمّةً عصيةً على الانكسار."​تجمعت سحب الغسق الداكنة فوق مياه "مضيق جبل طارق"، واشتدت التيارات البحرية العاتية وهي تتدافع بين صخرة طارق الشامخة وسواحل الريف المغربي. كان هذا المعبر المائي الضيق يشهد استنفاراً غير مسبوق؛ إذ حشدت "أخوية الصلبان السوداء" أساطيلها القشتالية في طوقٍ حربي مكثف من السلاسل النحاسية الغاطسة والسفن الحريبة ذات المدافع الثقيلة، لمنع أي ارتباط بين أحرار العالم الجديد وعواصم المشرق.​لكن ا

  • رماد الأندلس   الجزء الستون: عهد البوصلة المطلقة والشرارة نحو المشرق

    الجزء الستون: عهد البوصلة المطلقة والشرارة نحو المشرق​"لم تكن البوصلة في يد الملاح الأندلسي مجرد إبرةٍ تترنح بين الجهات، بل كانت عيناً ترى بها الأمة مسارها في أحلك الظلمات. حينما يتزاوج الفولاذ المصفّح بحرارة 'دم الأرض' مع أسرار القطب المغناطيسي، تتلاشى أوهام المجهول وتنفتح المحيطات كصفحات كتابٍ مفتوح. إن القوة التي أزهرت في العالم الجديد وثبتت أركانها في جبال فاس وسراديب إشبيلية تمتد اليوم لتصل الغرب بالشرق، معلنةً أن شمس الحكمة حين تشرق من أفق الأحرار، لا يملك ظلام العالم أن يطفئ نورها."​دخلت "كسّارة الأفق" مياه الميناء الذهبي لـ "مدينة النور" كأنها مَلَكٌ ينسلّ من بين أساطير المحيط. كانت أخشابها المصفحة تلألأ تحت شمس الأصيل الدافئة، تحيط بها أطياف البخار البركاني الخفيف الذي حماها من زمهرير العاصفة القطبية.​احتفلت المدينة بعودة منصور وغرناطة والبعثة الاستكشافية احتفالاً مهيباً. وعلى منصة المرصد العالي، أزيح الستار عن الاكتشاف الملاحي الأبرز في العصر الحديث: "البوصلة المطلقة".​كان الجهاز عبارة عن كرة نحاسية مجوفة معلقة داخل ثلاثة أطواق حركة مرتكزة على زئبق مكيّف كيميائياً. في مر

  • رماد الأندلس   الجزء التاسع والخمسون: قلب العالم المغناطيسي وعاصفة الأزرق الأبدي

    الجزء التاسع والخمسون: قلب العالم المغناطيسي وعاصفة الأزرق الأبدي​"حيث ينتهي شجر الأرض ويسكت صداء البشر، يبدأ صمت الجليد الأبدي ليعلن حضور الحقائق الكبرى. لم تكن القارة الجنوبية مجرد صخور مكسوة بالثلج، بل كانت العصب الخفي الذي يشدّ بوصلة الكوكب ويحفظ توازنه بين الأجرام. حينما يطأ الأحرار بأقدامهم أرضاً لم تطأها قبلهم بعثةٌ من البشر، لا يسعون لغزوٍ أو امتلاك، بل لاستكمال خريطة النور. إن الإيمان الذي يمنح القلوب دفأها هو ذاته العلم الذي يحيل العواصف العاتية إلى ملاذات آمنة، ويفك أسرار الطبيعة ليظل شراع المعرفة يرفرف حراً."​وطأت أقدام منصور وغرناطة وأعضاء البعثة أرض "القارة المغناطيسية" وسط هيبة صامتة تلف المدى. كانت الطبقة الثلجية فائقة الصلابة كأنها الرخام المسقول، تتلألأ تحت أطياف الشفق القطبي الأخضر الممتد في السماء الداكنة.​تسنّم الفوارس والأطقم أجهزة القياس والبوصلات المعلقة في حياض الزئبق السائل، والتحفوا بعباءاتهم المبطنة بمركب "دم الأرض" الحراري الذي كان يبعث دفئاً منتظماً يقيهم وطأة البرودة القارسة التي تحول الأنفاس إلى بلورات ثلجية فور خروجها.​بدأت المجموعة صعود الهضبة الب

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status