الجزء الأول: أطياف غرناطة الآفلةكانت الشمس تميل نحو المغيب، وتلقي بأشعتها الذهبية الباهتة فوق أسطح غرناطة، وكأنها تودع المدينة وداعاً أخيراً لا رجعة فيه. في ذلك الزقاق الضيق المؤدي إلى حي "البيازين"، كانت النوافذ الخشبية المشبكة تبدو كأعين حزينة تراقب المارة بحذر. الهواء كان ثقيلاً، مشحوناً برائحة الخوف والترقب، وصوت الأذان يرتفع من مآذن المدينة متعباً، يتردد صداه بين الجبال المحيطة كأنه أنين يبحث عن مجيب.في الطابق العلوي من منزل قديم تفوح منه رائحة الورق العتيق والزعفران، كانت "مريم" تقف خلف النافذة، تمسك بطرف حجابها الحريري وتراقب الشارع بنظرات قلقة. مريم، الفتاة التي لم تتجاوز ربيعها العشرين، كانت تحمل في عينيها السوداوين الواسعتين ذكاءً يفوق سنها بكثير، ذكاءً ورثته عن والدها، الشيخ "أبو جعفر الإدريسي"، أحد أبرز علماء الفلك والطب والمخطوطات في أواخر عهد مملكة غرناطة.التفتت مريم نحو الغرفة، حيث كان والدها يجلس منحنياً فوق طاولة خشبية ضخمة، يحيط به ركام من الكتب واللفائف والخرائط الفلكية. كان ضوء شمعة وحيدة يتراقص على وجهه الشاحب، ملقياً بظلال طويلة وغامضة على الجدران المليئة با
Last Updated : 2026-06-14 Read more