تطايرت الرمال تحت حوافر الخيل، وارتفعت أصوات السيوف وهي تصطدم بالدروع، بينما كان رجال بني عبس يحاولون إعادة تنظيم صفوفهم أمام هجوم فرسان درعان. لم تكن المعركة متكافئة؛ فقد باغت المهاجمون القافلة قبل وصول الحراس، واستغلوا ضيق الطريق بين الصخور ليمنعوا فرسان عبس من الالتفاف حولهم.
كان شداد يقاتل في مقدمة رجاله، يضرب بسيفه كل من يقترب، لكنه كان يعرف أن المعركة تسير في اتجاه خطير.
صرخ في رجاله:
«احموا الطريق إلى المضارب! لا تدعوهم يتجاوزون الوادي!»
لكن صوته ضاع وسط الضجيج.
وفجأة، سمع الجميع صهيلًا قويًا قادمًا من الجهة الشرقية.
ظهر فارس على حصان أسود، يندفع كأنه سهم انطلق من قوس عملاق. لم يكن يرتدي درعًا كاملًا، ولم يحمل راية قبيلة، بل كان يضع عباءة داكنة تتطاير خلفه، وفي يده رمح طويل.
كان عنترة.
رآه أحد فرسان عبس فصاح بدهشة:
«إنه ابن زبيبة! ماذا يفعل هنا؟»
لم يجب أحد، لأن الفارس الأسود كان قد اندفع بالفعل نحو صفوف المهاجمين.
رفع عنترة رمحه، واستهدف الرجل الذي كان يصرخ بالأوامر في وسط المعركة. حاول ذلك الرجل تفادي الضربة، لكن الرمح أصاب درعه وأسقطه عن فرسه. وقبل أن يستعيد المهاجمون توازنهم، كان عنترة قد سحب سيفه واندفع بينهم، يضرب بيد ثابتة ويتحرك بخفة لم يتوقعها أحد.
لم يكن يقاتل بحثًا عن مجد يراه الآخرون، بل كان يقاتل وكأنه يريد أن ينتزع من العالم كله حقه في الوجود.
رجل بعد آخر تراجع أمامه.
لم تكن قوته وحدها هي التي أرعبتهم، بل الطريقة التي يقاتل بها. لم يندفع بلا حساب، ولم يضرب لمجرد الضرب. كان يراقب حركة خصمه، ينتظر اللحظة التي يخطئ فيها، ثم يهاجم دون تردد.
لاحظ شداد ما يحدث، فتوقف لحظة عن القتال.
لقد رأى ابنه يقاتل من قبل، لكنه لم يره بهذه الشراسة قط.
كان في كل حركة من حركات عنترة شيء من الغضب القديم، شيء يشبه الصرخة التي حبسها سنوات طويلة.
صرخ شداد:
«عنترة! لا تتقدم وحدك!»
لكن عنترة لم يسمعه، أو ربما سمعه واختار ألا يجيبه.
فجأة، ظهر ثلاثة فرسان من خلف الصخور، وأحاطوا به. كان الأول يحمل رمحًا قصيرًا، والثاني سيفًا منحنيًا، أما الثالث فكان ضخم الجسد، يحمل فأسًا ثقيلة.
قال صاحب الفأس ساخرًا:
«انظروا من جاء! عبد يريد أن يصبح سيدًا!»
ابتسم عنترة ابتسامة باردة.
«إن كنت ترى أنني عبد، فلماذا تحتاج إلى ثلاثة رجال لمواجهتي؟»
اندفع صاحب الرمح أولًا، فمال عنترة بجسده، وتفادى الطعنة، ثم ضربه بمقبض سيفه على وجهه. سقط الرجل وهو يصرخ.
هاجمه الثاني من الجانب، لكن عنترة صد ضربته، ودفعه بكتفه حتى اختل توازنه. وفي اللحظة نفسها، رفع صاحب الفأس سلاحه فوق رأسه.
لم يكن أمام عنترة وقت للتراجع.
ألقى بنفسه إلى الجانب، فارتطمت الفأس بالأرض، وتناثرت الرمال والحصى. استغل عنترة اللحظة، وضرب ذراع الرجل بحد سيفه، فسقطت الفأس من يده.
ثم وضع نصل سيفه عند عنقه.
«من أرسلكم؟»
بصق الرجل في الرمال.
«لن تعرف شيئًا.»
ضغط عنترة بالسيف قليلًا.
«أعد السؤال مرة أخرى، وستكون إجابتك الأخيرة.»
نظر الرجل إليه، ثم قال:
«درعان يريدك حيًا.»
تجمدت ملامح عنترة.
«لماذا؟»
ضحك الرجل رغم الألم.
«اسأله عن أمك.»
في تلك اللحظة، جاء صوت شداد من بعيد:
«عنترة! ابتعد عنه!»
لكن عنترة لم يرفع سيفه.
كانت الكلمات تدور في رأسه.
اسأله عن أمك.
لماذا يذكر درعان أمه؟ وما علاقة زبيبة بهذه الغارة؟ وهل كان الهجوم على القافلة مجرد ذريعة للوصول إليه؟
قبل أن ينتزع إجابة أخرى من الأسير، انطلق سهم من بين الصخور، وأصاب الرجل في صدره.
سقط على الأرض، وتوقفت كلماته إلى الأبد.
رفع عنترة رأسه نحو مصدر السهم، فرأى فارسًا يختفي خلف المرتفعات.
لم يكن هناك وقت لمطاردته.
فقد استغل رجال درعان الاضطراب الذي أحدثه ظهور عنترة، وبدأوا الانسحاب حاملين بعض الإبل، بينما كان فرسان بني عبس يطاردونهم حتى حدود الوادي.
انتهت المعركة بعد ساعات بدت كأنها يوم كامل.
عاد رجال عبس وهم يحملون جرحاهم، لكنهم لم يعودوا بالهزيمة التي توقعها المهاجمون. لقد أنقذ عنترة القافلة من السقوط الكامل، ومنع درعان من الوصول إلى الطريق المؤدي إلى المضارب.
غير أن أحدًا لم يفكر في شكره فورًا.
كان الجميع ينظرون إليه.
بعضهم بدهشة، وبعضهم بإعجاب، وبعضهم بغيرة لم يحاول إخفاءها.
اقترب فارس مسن اسمه عوف، كان قد شهد حروبًا كثيرة في حياته، وقال:
«والله، ما رأيت رجلًا يقاتل بهذه الشجاعة منذ أعوام.»
ثم التفت إلى شداد.
«ابنك أنقذ رجالنا.»
لم يرد شداد.
كانت كلمة «ابنك» أثقل عليه من صوت السيوف.
أما عنترة، فقد نزل عن فرسه، ومسح الدم عن نصل سيفه بقطعة قماش. لم يشعر بالنصر، ولم يشعر بالفخر. كل ما كان يشغله هو الرجل الذي مات قبل أن يكشف له سر أمه.
اقترب من شداد.
«أريد إجابة.»
كان شداد متعبًا، وجرح صغير ينزف من أعلى ذراعه.
«ليس الآن.»
«بل الآن.»
نظر إليه شداد بغضب.
«لقد خالفت أمري، وخرجت إلى المعركة دون إذني، وكدت تقتل نفسك.»
قال عنترة:
«لكنك رأيت ما فعلت.»
«رأيت أنك ما زلت تندفع خلف غضبك.»
ضحك عنترة بمرارة.
«غضبي؟ هل هذا ما يزعجك؟ أنني غاضب لأنك تعاملني كغريب؟»
اقترب شداد منه حتى لم يبق بينهما إلا خطوات قليلة.
«احذر كلماتك.»
«لقد حذرت نفسي منها سنوات. تعبت من الصمت.»
تدخل عوف محاولًا تهدئة الموقف.
«يكفي يا رجلين. نحن في أرض المعركة، والرجال يحتاجون إلى الراحة.»
لكن عنترة لم يرفع عينيه عن شداد.
«الرجل الذي واجهته قال إن درعان يريدني حيًا، وإن الأمر يتعلق بأمي. أريد أن أعرف ماذا يخفي.»
تغير وجه شداد.
لم تكن الحركة كبيرة، لكنها كانت واضحة لمن يعرفه جيدًا.
رآها عنترة.
وقال بصوت منخفض:
«إذًا أنت تعرف.»
لم يجب شداد.
اقترب عنترة خطوة أخرى.
«أبي…»
خرجت الكلمة من فمه دون أن يقصد.
وللمرة الأولى، لم يقلها في سره، ولم يدفنها خلف الغضب.
قالها أمام الرجال.
أبي.
ساد الصمت.
نظر بعض الفرسان إلى شداد، وانتظروا أن ينكر. كان يستطيع أن يفعل ذلك بسهولة، كما فعل مرات كثيرة من قبل. كان يستطيع أن يصرخ في عنترة ويأمره بالابتعاد.
لكنه ظل صامتًا.
وكان صمته هذه المرة أقرب إلى الاعتراف.
⸻
عندما عاد الرجال إلى مضارب بني عبس، كانت أخبار المعركة قد سبقتهم.
خرجت النساء لاستقبال الجرحى، وهرع الصبية نحو الفرسان، بينما وقف الشيوخ عند مداخل الخيام يتبادلون الأسئلة.
أما عبلة، فكانت تقف قرب خيمة أبيها.
كانت قد قضت ساعات طويلة في القلق، وكلما سمعت وقع حوافر في البعيد، خرجت لتبحث عن الفارس الأسود بين العائدين.
وحين رأته أخيرًا، شعرت أن الهواء عاد إلى صدرها.
كان على ذراعه جرح طويل، ووجهه مغطى بالغبار، لكن عينيه كانتا ثابتتين.
ركضت نحوه دون أن تفكر في نظرات الآخرين.
«عنترة!»
التفت إليها.
لم يقل شيئًا، فمدت يدها نحو ذراعه.
«أنت مصاب!»
«جرح بسيط.»
«هذا ليس بسيطًا! انظر إلى الدم!»
ابتسم رغم تعبه.
«لقد رأيت رجالًا يعودون من المعارك بأكثر من هذا.»
قالت بغضب:
«وهل تريد أن أراك تعود بلا ذراع حتى تقتنع أنني أخاف عليك؟»
اختفت ابتسامته.
لم يكن معتادًا أن يخاف أحد عليه بهذه الطريقة.
قال بهدوء:
«أنا بخير يا عبلة.»
نظرت إليه طويلًا، ثم خفضت صوتها.
«كنت أعرف أنك ستذهب رغم أمر عمك.»
«لم يكن أمامي خيار.»
«كان أمامك أن تعود حيًا.»
نظر إلى الجرح، ثم إليها.
«لقد عدت.»
أغمضت عينيها لحظة، وكأنها تحاول منع دموعها من الظهور أمام الناس.
ثم قالت:
«لا تجعلني أعيش هذا الخوف مرة أخرى.»
لم يعده بشيء.
كان يعرف أن طريقه لن يكون آمنًا بعد اليوم.
وقبل أن تقول عبلة شيئًا آخر، ظهر مالك خلفها.
«ابتعدي عنه.»
التفتت إليه.
«أبي…»
«قلت ابتعدي.»
وقف عنترة في مكانه.
نظر مالك إلى الجرح في ذراعه، ثم قال ببرود:
«يبدو أن الغارات أصبحت وسيلة جيدة ليحصل بعض الرجال على إعجاب النساء.»
تحولت ملامح عبلة إلى الغضب.
«لقد أنقذ رجال القبيلة!»
«لم أطلب منه أن يفعل ذلك.»
أجابه عنترة:
«ولم أفعله من أجلك.»
اقترب مالك منه.
«إذًا من أجل ماذا؟»
قال عنترة:
«من أجل الرجال الذين كانوا سيموتون لو لم أذهب.»
«وهل تظن أن هذا يجعلك واحدًا منا؟»
لم يجب عنترة.
فقال مالك:
«لا تجعل معركة واحدة تنسيك مكانك. البطولة لا تمنحك نسبًا، والشجاعة لا تمنحك ابنتي.»
توقفت عبلة عن التنفس للحظة.
أما عنترة، فقد نظر إلى مالك نظرة لم يرها فيه من قبل.
لم تكن نظرة رجل مهزوم، ولا نظرة فتى يطلب الاعتراف.
كانت نظرة رجل بدأ يكتشف أن العالم لن يمنحه ما يريد مهما فعل.
قال بهدوء:
«لن أطلب ابنتك منك اليوم.»
ابتسم مالك بازدراء.
«ولا غدًا.»
رد عنترة:
«لكن سيأتي يوم تقف فيه أمامي، ولن يكون بوسعك أن تنظر إليّ من فوق.»
ثم استدار وغادر.
لم يلحق به أحد.
⸻
في منتصف الليل، استدعاه شداد إلى خيمته.
كان المكان خاليًا إلا منهما، والنار في الوسط توشك أن تنطفئ. وعلى الأرض وُضعت قطعة قماش نظيفة وبعض الأعشاب لعلاج الجروح.
أشار شداد إلى المكان المقابل له.
«اجلس.»
جلس عنترة، لكنه لم يخلع سيفه عن خصره.
قال شداد:
«ما حدث اليوم سيغير أشياء كثيرة.»
«لقد تغيرت أشياء كثيرة قبل اليوم.»
تنهد شداد.
«درعان ليس رجلًا عاديًا. إنه يعرف أسرارًا عن القبائل، ويستغل الخلافات بينها ليزيد نفوذه. قبل سنوات، كان يتاجر بالأسرى، ويتنقل بين الأسواق، ويبيع الرجال والنساء لمن يدفع أكثر.»
شد عنترة قبضته.
«أمي كانت أسيرة.»
«نعم.»
«هل عرفها؟»
لم يجب شداد فورًا.
ثم قال:
«حين وصلت زبيبة إلى بيتنا، كانت قد مرت بأيام قاسية. لم تكن تتحدث كثيرًا عن ماضيها، وكانت تخشى أن يسألها أحد عن المكان الذي جاءت منه.»
شعر عنترة بشيء ثقيل في صدره.
«ولماذا؟»
«لأنها كانت تحمل سرًا.»
اقترب عنترة منه.
«أي سر؟»
رفع شداد عينيه إليه.
«قبل أن تقع زبيبة في الأسر، كانت تنتمي إلى قوم تعرضوا لهجوم في ليلة اختفت فيها فتاة صغيرة من بيت أحد السادة. انتشرت الشائعات يومها، وقيل إن بعض تجار الأسرى أخذوا الفتاة وباعوها بعيدًا.»
«وما علاقة أمي بذلك؟»
«كانت زبيبة آخر من شوهد مع الفتاة.»
ساد الصمت.
لم يفهم عنترة في البداية.
ثم قال ببطء:
«هل تتهم أمي بخطف طفلة؟»
«لم أقل ذلك.»
«لكنّك تلمح إليه.»
ضرب شداد كفه بالأرض.
«أنا أحاول أن أشرح لك لماذا يلاحقنا درعان!»
نهض عنترة.
«ومنذ متى تعرف هذا؟»
صمت شداد.
كانت الإجابة في وجهه.
«منذ متى؟» كرر عنترة.
قال شداد أخيرًا:
«منذ سنوات.»
شعر عنترة كأن الأرض اختفت من تحته.
«وعشت كل هذه السنوات وأنا أُهان بسبب أمي، بينما كنت تعرف أن هناك سرًا وراء قصتها؟»
«لم أكن أعرف الحقيقة كاملة.»
«لكنّك لم تحاول البحث عنها!»
«كنت أحاول حماية البيت.»
ضحك عنترة ضحكة قصيرة موجعة.
«البيت؟ أم اسمك؟»
لم يجب شداد.
اقترب عنترة من مدخل الخيمة، ثم توقف.
«سأعرف الحقيقة، سواء ساعدتني أم لا.»
قال شداد خلفه:
«إذا فتحت هذا الباب، فلن تستطيع إغلاقه.»
التفت عنترة.
«لقد تركتني خلف باب مغلق طوال حياتي. والآن تريدني أن أخاف من فتحه؟»
خرج دون أن ينتظر الإجابة.
وبقي شداد وحده أمام النار، مدركًا أن الفتى الذي حاول إبعاده عن المجد أصبح الآن أقرب إلى الحقيقة مما ينبغي.
⸻
قبل الفجر بقليل، دخل رجل غريب إلى أطراف المضارب.
كان يرتدي عباءة سفر رمادية، ويقود فرسًا متعبًا. لم يتوقف عند حراس القبيلة، بل طلب مقابلة شداد مباشرة.
وعندما أُدخل إلى الخيمة، أخرج من ثيابه قطعة معدنية صغيرة، ووضعها أمامه.
كانت القطعة تحمل نقشًا قديمًا: رأس أسد تحيط به دائرة من الخطوط المتقاطعة.
تغير وجه شداد فورًا.
«من أين حصلت على هذا؟»
قال الغريب:
«وجدته بين متعلقات رجل قُتل قبل ثلاثة أيام قرب سوق قديم للأسرى.»
«ومن كان الرجل؟»
«رجل كان يعرف زبيبة قبل وصولها إلى بني عبس.»
وقف شداد.
«هل مات؟»
«نعم. لكنه ترك رسالة.»
أخرج الغريب ورقة جلدية مطوية، ووضعها أمامه.
فتحها شداد بيد مرتجفة.
لم يكن فيها سوى سطر واحد:
«الفتاة التي ضاعت لم تمت، وابن زبيبة هو المفتاح.»
شحب وجه شداد.
وفي الخارج، كان عنترة يقف خلف طرف الخيمة، وقد سمع الكلمات الأخيرة.
لم يعد السؤال هو لماذا يريد درعان الإمساك به.
بل أصبح السؤال:
من هي الفتاة التي ضاعت؟
ولماذا كان مصيرها مرتبطًا بمصير عنترة نفسه