حين خرج الغريب من خيمة شداد، تبعه حتى وصل إلى بئر بعيدة عن المضارب، حيث لا يجتمع الناس عادة إلا لجلب الماء أو إراحة الدواب.
كان الرجل يربط فرسه عندما سمع صوتًا خلفه.
«أريد أن أتحدث معك.»
التفت بسرعة، ووضع يده على مقبض سكينه.
رأى عنترة واقفًا على بعد خطوات، وسيفه عند خصره، وعيناه لا تفارقان وجهه.
قال الغريب:
«أنت عنترة، أليس كذلك؟»
«أنت تعرف اسمي. وأنا سمعت ما جئت من أجله. أخبرني عن الفتاة.»
تردد الرجل.
«لا أعرف كل شيء.»
«إذًا أخبرني بما تعرفه.»
نظر الغريب حوله، ثم اقترب منه.
«اسمي ربيعة. عملت سنوات طويلة في القوافل التي تمر بين الحجاز ونجد. قبل نحو عشرين عامًا، كانت هناك جماعة تتاجر بالأسرى، يقودها رجل يدعى جابر. كان جابر يختطف المسافرين، ثم يبيعهم في أسواق بعيدة. وقد اشترى عددًا من الأسرى من بينهم امرأة اسمها زبيبة.»
«أمي.»
«نعم. لكن زبيبة لم تكن امرأة عادية في نظر جابر. كانت تعرف طريقًا سريًا إلى واحة قديمة، وكان يعتقد أنها تخفي شيئًا ثمينًا هناك.»
سأله عنترة:
«ما الشيء؟»
«لا أعرف. لكنه كان يكرر أن زبيبة لن تنجو ما لم تخبره بالحقيقة.»
شعر عنترة بالغضب يتصاعد داخله.
«ولماذا لم يخبرها أحد أن تتكلم؟»
قال ربيعة:
«لأنها لم تكن تعرف ما الذي يبحث عنه أصلًا، أو هكذا قالت. ثم هربت من إحدى القوافل، وبعد أشهر وصلت إلى أرض بني عبس.»
«وكيف عرفتَ كل هذا؟»
«لأنني كنت أعمل لدى جابر.»
تراجع عنترة خطوة، واشتد وجهه.
«كنت واحدًا منهم؟»
خفض ربيعة رأسه.
«نعم.»
«كم امرأة بعتها؟ وكم طفلًا تركتهم في الأسر؟»
لم يجب الرجل.
اقترب عنترة منه، وأمسك بثوبه.
«انظر إليّ وأجب!»
قال ربيعة بصوت مكسور:
«أكثر مما أستطيع تذكره. كنت جبانًا، وكنت أظن أنني لن أستطيع تغيير شيء. وحين أدركت حجم ما فعلناه، حاولت الهرب. لم أستطع إنقاذ الجميع، لكنني ساعدت بعضهم على الفرار.»
تركه عنترة ببطء.
لم يكن يريد سماع اعترافات رجل آخر. كان يريد الحقيقة.
«ما علاقة الفتاة بأمي؟»
قال ربيعة:
«كانت هناك فتاة صغيرة اختفت في الليلة التي هوجم فيها قوم زبيبة. كان اسمها ليلى. لم تكن ابنة زبيبة، لكنها كانت قريبة منها. وفي الليلة نفسها، اختفى صندوق صغير يحمل ختمًا ملكيًا قديمًا.»
«ختم ملكي؟»
«ختم يعود إلى بيت عربي عريق اندثر نفوذه منذ سنوات. كان الختم يثبت نسبًا وحقًا في ميراث كبير، ولهذا كان كثيرون يبحثون عنه.»
ضحك عنترة بسخرية.
«وهل تظن أنني سأصدق أن حياتي كلها مرتبطة بختم وصندوق؟»
أجاب ربيعة:
«لا أطلب منك أن تصدقني. أطلب منك أن تبحث عن الحقيقة قبل أن يسبقك إليها درعان.»
«ولماذا يريد درعان ذلك الختم؟»
«لأنه يعتقد أن العثور عليه سيمنحه نفوذًا على رجال كثيرين. وإذا كان يعرف ما أعرفه، فهو يعلم أن زبيبة لم تكشف السر لأحد.»
سكت ربيعة قليلًا، ثم أضاف:
«وهناك شيء آخر. جابر لم يكن يعمل وحده. كان هناك رجل من بني عبس يرسل إليه الأخبار عن القوافل.»
شعر عنترة بأن الدم تجمد في عروقه.
«رجل من بني عبس؟»
«نعم. رجل قريب من بيت شداد.»
تراجع عنترة، ثم نظر نحو المضارب البعيدة.
لم يكن يريد أن يصدق أن الخطر جاء من داخل القبيلة، لكنه تذكر التغير الذي ظهر على وجه شداد حين سمع اسم أمه، وتذكر كيف ظل صامتًا أمام كل اتهام وتهديد.
قال:
«من هو؟»
أجاب ربيعة:
«لا أملك دليلًا قاطعًا. لكنني رأيت الرمز نفسه على خاتم رجل كان يزور جابر سرًا. كان الخاتم يحمل علامة الأسد داخل الدائرة.»
أخرج عنترة القطعة المعدنية التي أخذها من خيمة شداد دون أن يراه أحد.
رفعها أمام ربيعة.
«هل تقصد هذا؟»
اتسعت عينا الرجل.
«من أين حصلت عليه؟»
«وجدته في متعلقات رجل مات مؤخرًا.»
أمسك ربيعة القطعة، وتأملها تحت ضوء الفجر.
ثم قال بصوت خافت:
«إذًا بدأوا يتحركون من جديد.»
«من هم؟»
لم يجب ربيعة.
كان ينظر خلف عنترة، نحو الطريق الذي يمر بين الصخور.
استدار عنترة، فرأى ثلاثة رجال يقتربون على خيولهم.
كانوا يرتدون عباءات داكنة، ووجوههم مغطاة بأوشحة تخفي ملامحهم.
قال ربيعة بسرعة:
«يجب أن نغادر.»
«لن أهرب قبل أن أعرف من هم.»
«إنهم رجال درعان. إذا أمسكوا بي، فلن أخرج حيًا. وإذا أمسكوا بك، فلن يسمحوا لك بالعودة إلى عبس.»
سحب عنترة سيفه.
«إذًا سنجعلهم يندمون على مجيئهم.»
⸻
اقترب الفرسان الثلاثة، وتوقفوا على مسافة قصيرة.
تقدم أحدهم، وكان يحمل رمحًا أسود.
«ربيعة. لقد بحثنا عنك طويلًا.»
قال ربيعة:
«لا أعرفكم.»
ضحك الرجل.
«لكننا نعرفك جيدًا. ونعرف ما الذي تحمله.»
ثم نظر إلى عنترة.
«أما أنت، فقد وفرت علينا عناء البحث.»
رفع عنترة سيفه.
«إذا كنت تريدني، فتقدم.»
لم ينتظر الرجل دعوة أخرى.
اندفع بفرسه نحو عنترة، ورفع رمحه. مال عنترة إلى الجانب، وصد الضربة بسيفه، ثم ضرب الفارس على كتفه، فاختل توازنه وسقط عن فرسه.
لكن الفارسين الآخرين هاجما في اللحظة نفسها.
تراجع عنترة حتى وصل إلى جانب البئر، حيث ضاقت المساحة أمام الخيل. حاول أحدهما الالتفاف حوله، بينما نزل الثاني عن فرسه وهاجمه بالسيف.
كان الرجل الثاني سريعًا، ويعرف كيف يستخدم سلاحه. تبادل الاثنان ضربات متلاحقة، وكلما حاول عنترة توجيه ضربة حاسمة، تراجع خصمه بخفة.
قال الرجل وهو يبتسم:
«سمعت أنك قوي، لكنني لا أرى سوى شاب غاضب.»
أجابه عنترة:
«الغضب ليس كل ما أملكه.»
ثم ترك نفسه يتراجع خطوة، وكأنه فقد توازنه.
اندفع خصمه مستغلًا الفرصة.
وفي اللحظة التي اقترب فيها، تحرك عنترة إلى الجانب، وضرب ساقه بمقبض السيف. سقط الرجل على ركبة واحدة، فانتزع عنترة سلاحه وأبعده عنه.
أما الفارس الثالث، فقد أمسك بربيعة ووضع سكينًا عند عنقه.
«ألقِ سلاحك!»
توقف عنترة.
كان ربيعة ينظر إليه، وعيناه تحملان خوفًا شديدًا.
قال الرجل:
«ضع السيف على الأرض، وإلا قتلته.»
أنزل عنترة سيفه ببطء.
ثم رفع يديه.
اقترب الرجل منه، وابتسم.
«هكذا أفضل. يبدو أن ابن زبيبة يعرف أخيرًا متى ينحني.»
لكن ابتسامته لم تدم طويلًا.
فقد سمع الجميع صوت سهم يشق الهواء.
أصاب السهم ذراع الرجل، فسقطت السكين من يده. انتزع ربيعة نفسه من قبضته، وابتعد مترين، بينما استعاد عنترة سيفه في لحظة.
ظهر فارس عند قمة التل.
كانت عبلة.
لم تكن ترتدي ثياب النساء المعتادة، بل عباءة سفر قصيرة، وتحمل قوسًا ورمحًا صغيرًا. كان وجهها شاحبًا، لكن عينيها كانتا ثابتتين.
صرخ عنترة:
«عبلة! ماذا تفعلين هنا؟»
أجابته:
«أنقذ حياتك، كما يبدو!»
لم يكن الوقت مناسبًا للجدال.
اندفع الرجل المصاب نحو عبلة، لكنها تراجعت خلف صخرة، وأطلقت سهمًا آخر أجبره على الاحتماء. وفي الوقت نفسه، انقض عنترة على خصمه الثاني، وضرب سلاحه حتى سقط، ثم دفعه بعيدًا.
لم تستمر المواجهة طويلًا.
عندما أدرك الرجال أن خصومهم لن يستسلموا بسهولة، حاولوا الوصول إلى خيولهم. تمكن اثنان منهم من الفرار، بينما بقي الثالث على الأرض، ممسكًا بذراعه المصابة.
اقترب منه عنترة.
«من أرسلك؟»
بصق الرجل على الأرض.
«لن أخبرك بشيء.»
أمسك عنترة بثوبه.
«هل تريد أن تموت من أجل رجل لا يعرف اسمك؟»
تردد الرجل.
ثم قال:
«درعان يريد ربيعة حيًا. وأنت أيضًا.»
«لماذا؟»
نظر الرجل إلى عبلة، ثم عاد بعينيه إلى عنترة.
«لأن دمك أغلى مما تظن.»
قبل أن يتمكن عنترة من سؤاله عن المزيد، عض الرجل شيئًا كان يخفيه في فمه، ثم سقط فاقدًا للوعي.
انحنى ربيعة نحوه، وفحصه سريعًا.
«لقد ابتلع السم.»
ابتعد عنترة، والغضب يملأ صدره.
«كلما اقتربت من الحقيقة، وجدت رجلًا آخر مستعدًا للموت حتى لا أعرفها.»
قالت عبلة:
«إذًا لا بد أن الحقيقة أخطر مما تتصور.»
التفت إليها.
«كان عليك ألا تأتي.»
«ولو لم آتِ، لربما كنت الآن أسيرًا.»
«كان يمكن أن يقتلوك.»
رفعت ذقنها.
«وأنت؟ ألا يمكن أن تُقتل؟ أم أن حياتك لا تساوي شيئًا عندك؟»
لم يجد جوابًا.
كانت عبلة تنظر إليه بغضب وخوف، لكنه أدرك أن خلف غضبها شيئًا أعمق. لقد خاطرَت بنفسها لأنها لم تستطع تركه يواجه الخطر وحده.
قال بصوت هادئ:
«لا أريد أن يصيبك أذى بسببي.»
أجابته:
«إذًا لا تبعدني عنك كلما خفت عليّ.»
ساد الصمت بينهما.
كان ربيعة يراقبهما، ثم قال:
«إذا انتهيتما من الجدال، فعلينا أن نتحرك. سيعود رجال درعان، ولن يكونوا ثلاثة هذه المرة.»
⸻
اتجه الثلاثة نحو واحة صغيرة تقع على بعد ساعات من مضارب بني عبس.
كان ربيعة يعرف المكان؛ فقد مر به قبل سنوات، عندما كان يعمل في القوافل. وهناك، تحت جذع نخلة قديمة، أخفى كيسًا صغيرًا يحتوي على بعض الأوراق وقطعة قماش مطرزة.
جلس عنترة أمامه بينما كانت عبلة تراقب الطريق.
فتح ربيعة الكيس وأخرج ورقة جلدية قديمة.
كانت الورقة تحمل أسماء متفرقة، وبعضها مطموس بفعل الزمن، لكن اسم زبيبة ظهر في منتصف السطر، وإلى جواره اسم آخر: شداد بن قراد.
توقف عنترة عن التنفس للحظة.
«اسم أبي؟»
قال ربيعة:
«هذا ما وجدته قبل سنوات. لم أكن أعرف ما العلاقة بينهما. كنت أظن أن شداد اشترى زبيبة من السوق، كما كان يفعل كثير من السادة. لكنني اكتشفت لاحقًا أن هناك اتفاقًا سريًا بينه وبين جابر.»
«أي اتفاق؟»
«لا أعرف كل تفاصيله. لكن جابر كان يطالب شداد بشيء مقابل إبقاء زبيبة في بيته.»
شعر عنترة بأن الكلمات تضيق حوله.
«أبي اشترى أمي من تاجر أسرى. فما الغريب في ذلك؟»
قال ربيعة:
«الغريب أنه لم يدفع ثمنها كاملًا، وأن جابر لم يطالبه بالمال. كان يريد وعدًا.»
«وعدًا بماذا؟»
نظر ربيعة إلى الورقة.
«بأن يحتفظ شداد بسر زبيبة، وألا يسمح لها بمغادرة أرض عبس.»
نهض عنترة فجأة.
«كفى!»
تراجع ربيعة.
«أنا أخبرك بما أعرفه.»
«أنت لا تعرف شيئًا! كل ما تعرفه أسماء وأوراق ورجال ماتوا!»
قالت عبلة بهدوء:
«عنترة، استمع إليه.»
التفت إليها.
«كيف تريدين مني أن أستمع؟ لقد عشت طوال عمري أظن أن أبي يكرهني لأنه يخجل من أمي، والآن أكتشف أن هناك اتفاقًا سريًا وراء حياتنا كلها!»
اقتربت عبلة منه.
«أنت لا تعرف الحقيقة كاملة بعد.»
«وماذا لو كانت الحقيقة أسوأ؟»
أجابته:
«ستظل الحقيقة. وأنت تستحق أن تعرفها.»
خفض عنترة رأسه.
كان يخشى ما قد يسمعه، لكنه كان يخشى أكثر أن يعيش عمره كله أسيرًا للأسئلة.
عاد إلى ربيعة.
«أريد أن أعرف أين توجد زبيبة الآن.»
«إنها في مضارب بني عبس.»
«أقصد المكان الذي جاءت منه.»
أخرج ربيعة خريطة صغيرة مرسومة على قطعة جلد.
«هناك واحة قديمة إلى الجنوب، اسمها عين السرو. يقال إن بعض الناجين من تلك الجماعة عاشوا فيها بعد الهجوم. إذا كانت هناك معلومات عن الفتاة ليلى، فربما نجدها هناك.»
نظر عنترة إلى الخريطة.
ثم قال:
«سنذهب إلى عين السرو.»
اعترضت عبلة:
«لن تذهب وحدك.»
«هذا الطريق خطر.»
«أعرف.»
«قد لا نعود.»
«أعرف ذلك أيضًا.»
حدق فيها طويلًا.
ثم قال:
«لماذا تصرين على مرافقتي؟»
أجابته:
«لأنني أحبك. ولأنني لا أريد أن أراك تائهًا بين الأكاذيب وحدك.»
لم يحاول هذه المرة أن يخفي تأثره.
مد يده وأمسك بيدها للحظة.
«إذا حدث لك شيء، فلن أسامح نفسي.»
قالت:
«إذًا احرص على أن نعود معًا.»
⸻
في المساء، وصل خبر غياب عنترة إلى مالك.
كانت عبلة قد اختفت أيضًا، ولم يجد أحد أثرًا لها قرب الخيام. أما شداد، فقد اكتشف اختفاء القطعة المعدنية والورقة التي تركها ربيعة.
عرف عندها أن ابنه بدأ يبحث عن السر.
دخل مالك خيمة شداد غاضبًا.
«أين ابنتي؟»
قال شداد:
«لا أعرف.»
«لا تكذب عليّ! لقد خرجت خلف عنترة، وأنت تعرف إلى أين ذهب.»
«لو كنت أعرف، لأعدته.»
ضرب مالك عصاه بالأرض.
«إذا أصاب عبلة مكروه، فسأحمّلك المسؤولية.»
رفع شداد عينيه إليه.
«أنت الذي دفعتها بعيدًا عنه حتى صارت تخاطر بحياتها لتبقى إلى جواره.»
احمر وجه مالك.
«لا تتحدث عن ابنتي بهذه الطريقة!»
قال شداد:
«إذًا توقف عن التعامل معها كأنها جزء من صفقة بين الرجال.»
لم يجد مالك جوابًا.
كان الغضب في عينيه يتحول إلى خوف، لكنه لم يكن مستعدًا للاعتراف بذلك.
في تلك اللحظة، دخل أحد الحراس مسرعًا.
«يا سيدي! هناك فرسان عند مدخل المضارب.»
خرج الرجلان إلى الخارج.
كان القادمون يحملون راية بيضاء، ويتقدمهم فارس طويل يرتدي عباءة حمراء.
درعان.
نزل عن فرسه، ونظر إلى شداد ومالك.
«جئت لأعقد اتفاقًا.»
قال شداد:
«لا اتفاق بيننا.»
ابتسم درعان.
«ستتغير نظرتك عندما تعرف ما الذي أريده.»
«وماذا تريد؟»
اقترب درعان منه، وخفض صوته، لكنه تعمد أن يسمعه مالك.
«أريد عنترة.»
تجمد شداد.
تابع درعان:
«سلّمني ابنك، وسأعطيك ما لم تحلم بالحصول عليه. ذهبًا، وإبلًا، وحماية لقبيلتك من كل أعدائها.»
قال شداد:
«عنترة ليس للبيع.»
ضحك درعان.
«غريب أن أسمعك تقول ذلك، وأنت الذي تركته يعيش سنوات وكأنه لا ينتمي إليك.»
شعر شداد بأن الكلمات طعنته.
لكن درعان لم ينتهِ.
اقترب أكثر، وقال:
«أنت تعرف لماذا أبحث عنه. وتعرف أن زبيبة لم تكن مجرد أسيرة عادية. سلّمني الفتى، وسأترك الماضي مدفونًا.»
أجابه شداد:
«لن تحصل عليه.»
اختفت الابتسامة عن وجه درعان.
«إذًا سأعود ومعي رجال أكثر. وعندما أصل إلى الحقيقة، لن يكون بوسعك حماية نفسك، فضلًا عن حماية ابنك.»
صعد إلى فرسه، ثم استدار نحو الطريق.
وقبل أن يغادر، قال:
«تذكر يا شداد، ليست كل الأسرار التي ندفنها تموت. بعضها ينتظر فقط أن يكبر أصحابها.»
انطلق الفرسان، تاركين خلفهم غبارًا كثيفًا.
وقف شداد في مكانه، بينما كان مالك ينظر إليه بريبة.
«ما الذي يخفيه عنترة؟»
لم يجب شداد.
لكن في أعماقه، كان يعرف أن المواجهة القادمة لن تكون بين قبيلتين فقط.
ستكون بين أبٍ قضى عمره يحاول حماية اسمه، وابنٍ قرر أخيرًا أن ينتزع اسمه بيده.
وفي الجنوب، كانت عين السرو تنتظر وصول عنترة وعبلة.
هناك، بين أطلال البيوت القديمة وبقايا الآبار الجافة، كان السر الذي طارد زبيبة طوال حياتها ينتظر أن يظهر من جديد.
ولم يكن أحد يعلم أن العثور عليه لن يمنح عنترة حريته فحسب، بل سيضعه أمام اختيار قد يغير مصير بني عبس كلها.