All Chapters of وريثة الرماد : Chapter 31 - Chapter 40

63 Chapters

الفصل العشرون: ميزان الحساب

لم تذق إيلين طعم النوم في تلك الليلة؛ قضت ساعاتها وهي تتأمل المفتاح الذهبي والورقة الصغيرة، وكأنها تستمد منهما القوة لمواجهة الشياطين التي تنتظرها خلف أبواب القصر. عندما أشرقت شمس الصباح، ارتدت إيلين بدلة رسمية سوداء حادة الزوايا، وجمعت شعرها بصرامة تعكس حزمها، ثم توجهت مع آريان وزين نحو القصر. في مكتب رفيق، كان الهواء ثقيلاً برائحة التبغ والتوتر. كان رفيق يجلس خلف مكتبه الضخم، وأمامه نادين التي كانت تحاول إخفاء ارتعاش يديها بتمثيل دور المنشغلة بترتيب الأوراق. على الطاولة، كانت العقود النهائية مجهزة، تنتظر توقيعاً واحداً لتعلن سيطرة رفيق المطلقة. — "أهلاً بكِ يا آنسة إيلين،" قال رفيق بنبرة واثقة وهو يشير إلى المقعد المقابل له، "أتمنى أن تكون رحلة باريس قد أقنعتكِ بأن الوقت قد حان لننظر للمستقبل بدلاً من مطاردة أوهام لا وجود لها." جلست إيلين بهدوء، ووضعت حقيبتها على الطاولة ببطء شديد. لم تنظر للعقود، بل كانت عيناها مثبتتين على رفيق ببرود جعل الابتسامة تتجمد على شفتيه. — "المستقبل يُبنى على أسس متينة يا سيد رفيق،" ردت إيلين بصوت هادئ، "وأنا لا أوقع على بياض قبل أن أتأكد من أن كل الث
Read more

الفصل الحادي والعشرون: كمين الأضواء

ساد الصمت الغرفة، وكأن الهواء تجمد بين نظرات إيلين الحادة وارتجاف نادين المكتوم. رفيق، الذي كان يحاول لملمة شتات كبريائه الجريح، لم ينزل عينيه عن المفتاح الذهبي. كان يعلم أن هذا الجسم الصغير هو "القنبلة" التي ستدمر كل ما بناه فوق جثث آل الراوي. كسرت إيلين الصمت وهي تسحب العقود القديمة وتدفعها بعيداً عنها: — "لن أوقع على هذه الأوراق اليوم يا رفيق. الشروط تغيرت تماماً. سأمنحك مهلة ثمان وأربعين ساعة فقط لإعادة صياغة الشراكة؛ أريد نسبة 60% من الأرباح، وحق الإدارة الكاملة للمصنع الجديد، بالإضافة إلى كشف كامل بجميع الأصول التي كانت ملكاً لسليم الراوي قبل الحريق." انتفض رفيق من مقعده، وصاح بصوت مخنوق: — "هذا جنون! أنتِ تطلبين تجريدي من سلطتي! وما المقابل؟" ابتسمت إيلين ببرود وهي تضع المفتاح في حقيبتها: — "المقابل هو صمتي. سأذهب إلى باريس بمفردي لفتح الصندوق. إذا وجدتُ فيه ما يثبت براءتك من الاختلاس، سنوقع على العقود الجديدة وتستمر شراكتنا. أما إذا وجدتُ ما أخشاه.. فالمفتاح سيذهب مباشرة إلى النائب العام." نظر رفيق إليها، وكان عقله يعمل بسرعة البرق. أومأ برأسه ببطء، وفي عينيه لمعة غدر ل
Read more

الفصل الثاني والعشرون: لمسات ما قبل العاصفة

توقفت إيلين عن ترتيب أغراضها، ونظرت إلى المفتاح الذهبي القابع في علبة مخملية صغيرة. أمسكت به، وشعرت ببرودته تنتقل إلى أصابعها. — "أعلم يا آريان. رفيق سيحاول ضربي في باريس لأنه يعتقد أنني هناك سأكون مقطوعة الجذور. هو لا يفهم أنني في باريس أكون أقوى، لأن كل زاوية في تلك المدينة تذكرني لماذا بدأتُ هذه الحرب." اقترب آريان منها، وبصوت خفيض سألها: — "وماذا عن نادين؟ إنها خائفة، والخائف قد يرتكب حماقات غير متوقعة." ابتسمت إيلين ابتسامة غامضة وهي تضع جهاز تشويش صغيراً داخل بطانة حقيبتها: — "نادين هي الحلقة الأضعف، ورفيق يعلم ذلك، لذا سيبقيها بجانبه ليراقبها. خطتنا تعتمد على استدراجهم للظن بأنهم هم من يطاردوننا. سنعطيهم إشارات خاطئة، وسنجعلهم يظنون أننا نسير في فخهم، بينما نحن من يرسم حدود الساحة." أخرجت إيلين هاتفاً مشفراً كانت قد أعدته مسبقاً، ومررت لآريان جهازاً مشابهاً: — "منذ هذه اللحظة، اتصالاتنا ستكون عبر هذه الأجهزة فقط. زين لديه أوامر واضحة؛ إذا تعرضنا لأي خطر، فلن يتدخل إلا في اللحظة التي يحددها هو. تذكر يا آريان، في باريس، نحن لسنا سياحاً ولا مستثمرين.. نحن صائدو حقيقة." في
Read more

الفصل الثالث والعشرون: سراديب الماضي

مع أولى خيوط الفجر، كان الضباب يلف مبنى "بنك باريس الدولي" الأثري، محولاً أعمدته الحجرية الضخمة إلى ما يشبه الحراس الصامتين. نزلت إيلين من السيارة بخطوات ثابتة، يرافقها آريان الذي كانت نظراته تشتعل بالترقب، بينما اتخذ زين موقعه في المحيط الخارجي لتأمين المداخل.تقدمت إيلين نحو موظف الاستقبال، وأبرزت بطاقتها والمفتاح الذهبي، لكن الموظف تجمد بعد أن أدخل البيانات في حاسوبه، ونظر إليها بأسف:— "معذرة يا آنسة فانس، لقد تلقينا أمراً قانونياً عاجلاً قبل نصف ساعة فقط من وكيل رسمي يدعى السيد رفيق.. الحساب والصندوق رقم (05.10.1995) تحت التحفظ المؤقت لوجود نزاع قضائي."اتسعت عينا آريان بصدمة، وهمس بغضب: "لقد فعلها الجبان! استخدم علاقاته القديمة لعرقلتنا قانونياً."لم تبتسم إيلين ولم تتراجع، بل مالت نحو الموظف وقالت بنبرة حادة وصوت خفيض للغاية:— "اتصل بمدير الفرع فوراً، وأخبره أن المستثمرة 'إيلين فانس' تملك تفويضاً موقعاً من سليم الراوي نفسه قبل وفاته، وإذا لم يدخلني إلى غرفة الخزائن خلال دقيقتين، سأسحب كافة استثمارات مجموعتي من مصرفكم قبل نهاية اليوم."أثمرت لهجة الثقة القاتلة؛ وبعد دقيقة واحدة
Read more

الفصل الرابع والعشرون: قناع الرماد

استغلت إيلين حالة الفوضى العارمة التي أحدثتها صفارات الإنذار والغاز المتصاعد في الممرات. في تلك الأثناء، كان زين قد نجح في اختراق نظام التحكم الرقمي للبنك من الخارج، وضغط على زر الطوارئ ليفتح الباب الهيدروليكي الخلفي للأقبية. انسلّت إيلين وآريان عبر المخرج الضيق، تاركين جول ورجاله يتخبطون في الظلام الدامس تحت تأثير الغاز، قبل أن تطوقهم قوات الشرطة الفرنسية التي هرعت للمكان.انطلقت السيارة التي يقودها زين بسرعة جنونية عبر جادات باريس، حتى وصلت إلى شقة سرية آمنة تقع في ضواحي المدينة، بعيداً عن أعين رفيق وجواسيسه.بمجرد إغلاق الباب، ساد صمت ثقيل لم يقطعه سوى أنفاس آريان المتلاحقة. جلس على المقعد ووضع يديه على رأسه، وكأن عقله عاجز عن استيعاب حجم الصدمات التي تلقاها في الساعات الأخيرة. نظر إلى إيلين التي كانت تقف عند النافذة، تتأمل المطر الخفيف الذي بدأ يغسل زجاج النافذة.— "هذا الشريط غير كل شيء يا إيلين،" قال آريان بصوت متهدج، "رفيق لا يملك شيئاً.. القصر، المصنع، الأصول.. كلها مجرد حبر على ورق. الملكية الحقيقية تعود لنور الراوي! لكن كيف سنواجهه بهذا؟ نور ماتت في الحريق منذ سنوات، وسجلات
Read more

الفصل الخامس والعشرين: جدار السحاب

اهتزت الطائرة التابعة للخطوط الفرنسية وهي تخترق جداراً من السحب الكثيفة فوق البحر الأبيض المتوسط، متجهة نحو الشرق. في درجات رجال الأعمال، كان الصمت يبدو أثقل من محركات الطائرة نفسها. جلست نور في مقعدها بجانب النافذة، وقد أعادت النظارات الشمسية الداكنة والعدسات الرمادية إلى عينيها، عائدة بكامل إرادتها إلى قناع "إيلين فانس" البارد. كانت تضم حقيبة يدها الجلدية إلى صدرها بقوة، حيث يقبع الملف الأصفر والشريط، وكأنها تخشى أن يختطفا منها في أعالي السماء.على المقعد المجاور، كان آريان يحدق في شاشة حاسوبه المحمول المطموسة، لكن أصابعه لم تكن تكتب شيئاً. التفت نحوها، وخفض صوته إلى حد الهمس لكي لا يتجاوز حدودهما:— "إيلين.. أو نور.. لا أدري أي الاسمين أختار الآن. لكن منذ أن غادرنا مطار شارل ديغول وأنا أشعر أننا نطير نحو حبل المشنقة بأقدامنا. هل فكرتِ جيداً في تبعات هذه العودة؟"التفتت إليه نور ببطء، ولم تنزع نظارتها:— "الحرب تحتاج إلى ساحة يا آريان، وساحتنا هناك تحت الرماد القديم."— "أنا لا أتحدث عن الشجاعة، بل عن القانون،" قال آريان بنبرة حادة يملؤها القلق التام، مائلاً نحوها أكثر، "أنتِ استم
Read more

الفصل السادس والعشرون: أطياف الياسمين

لم تتوجه نور وآريان إلى الفنادق الفاخرة وسط العاصمة؛ فالأعين هناك كثيرة، وجواسيس رفيق يملؤون الردهات. بدلاً من ذلك، قادهما آريان إلى منزل ريفي قديم مهجور يقع على أطراف المدينة، تحيط به أشجار الزيتون المتشابكة. كان هذا المنزل ملكاً لعائلته في الماضي، ومكاناً يحمل الكثير من الأسرار التي دفنها الغبار.انسحب زين بحجة تأمين المحيط الخارجي وفحص كاميرات المراقبة المحمولة، تاركاً نور وآريان وحدهما في ردهة المنزل التي تفوح منها رائحة الخشب القديم والذكريات الراحلة.جلست نور على مقعد خشبي متآكل، ونزعت نظارتها الشمسية لتعود عيناها البنيتان لتأمل المكان. تقدم آريان نحوها بخطوات بطيئة، وأشعل شمعة صغيرة وضعها على الطاولة، لتنعكس ظلالهما على الجدران العتيقة. نظر إليها طويلاً، وكأنه ما زال يرمم الصورة المشوهة في عقله.— "هذا المكان.. ألا يذكركِ بشيء يا نور؟" همس آريان، وصوته يحمل بحة حزن قديم.نظرت نور حولها، وابتسامة باهتة لا كبرياء فيها ارتسمت على شفتيها:— "هنا.. تحت شجرة الياسمين في الحديقة الخلفية، قدمتَ لي خاتم الخطوبة قبل الحريق بأسبوع واحد. كنتُ أرتدي فستاناً أبيض، وكنتَ أنت تخطط لمستقبلنا في
Read more

الفصل السابع والعشرون: طريق العتمة

انطلقت السيارة عبر الطرقات الريفية الملتوية، تخترق ظلام الليل الكثيف الذي يلف القرى النائية. كانت ليلى تجلس في المقعد الأمامي بجانب زين الذي يحرك عجلة القيادة بحذر وشبح صمت يخيم على ملامحه، بينما جلس آريان ونور في الخلف. كان هواء الليل البارد يتسلل من نوافذ السيارة، محصناً المشاعر الداكنة التي تحكمت في الجميع.التفتت نور نحو ليلى، وسألتها بصوت خفيض يعكس جديتها:— "ليلى، كيف علم والدكِ بعودتنا من باريس؟ القضية طُويت منذ سنوات، ومحاولات نبشها كانت شبه مستحيلة."ترددت ليلى للحظة، ونظرت إلى الطريق قبل أن تجيب:— "والدي لم ينسَ قضية والدكِ يوماً يا آنسة إيلين... كان يعلم أن المحضر زُوّر تحت ضغط وتخويف، وعاش طوال هذه السنوات في عزلة خوفاً من انتقام رفيق، لكنه تلقى اتصالات وتلميحات سرية مؤخراً من مصدر لا أعرفه، تحثه على الاحتفاظ بالوثائق الأصلية لأن صاحب الحق سيعود قريباً."التمع شريط الشك في ذهن آريان، فنظر إلى زين من المراه العاكسة:— "مصدر لا نعرفه؟ زين، هل تعتقد أن هناك طرفاً آخر يلعب في الخفاء لمصلحتنا؟ أم أنه فخ منصوب؟"أجاب زين بثبات دون أن يلتفت:— "المهم الآن هو الوصول إلى الأوراق
Read more

الفصل الثامن والعشرون: ظلال في العتمة

انقبضت أنفاس الجميع في فناء المنزل الخارجي، بينما ساد صمت مطبق خنق أصوات الريح الليلية التي كانت تداعب أوراق الأشجار العالية. كانت ليلى تتنفس بسرعة وتكتم شهقاتها، متشبثة بذراع نور التي كانت تقف بكبرياء وثبات رغماً عن تسارع دقات قلبها في تلك العتمة الشديدة. أشار زين بيده موضحاً لآريان ضرورة الالتفاف حول السور الخارجي لتأمين أي مخرج خلفي قد يفر منه المقتحمون، أو يستغلونه للهرب إذا ما اشتد الخناق داخل البيت.انسلّ آريان بخطوات حذرة كالفهد نحو الزاوية المظلمة للمنزل، ممسكاً بسلاحه بثبات، وعيناه تراكبان أي حركة مريبة بين الظلال. في هذه الأثناء، تقدم زين بحرص شديد نحو الباب الخشبي الموارب، دافعاً إياه ببطء شديد دون أن يصدر أي صوت قد ينبه الخصوم في الداخل.في داخل الصالة الرئيسية للمنزل الريفي، كانت المحتويات مبعثرة على الأرض بشكل فوضوي يبعث على الشفقة؛ خزانة الكتب الخشبية العتيقة مقلوبة ومكسورة، والملفات الممزقة متناثرة في كل مكان على السجاد القديم، بينما كان رجلان يرتديان معاطف داكنة يفتشان الممر المؤدي إلى الغرف الخلفية باستخدام مصابيح يدوية ذات إضاءة خافته وقوية.— "ابحث جيداً في كل زاوي
Read more

الفصل التاسع والعشرون: أشباه الأنقاض

انطلقت السيارة مجدداً تخترق عتمة الليل متجهة نحو أطراف المدينة الصناعية القديمة، حيث يقبع المعمل المهجور الذي شهد قبل سنوات أليمة الحريق الرهيب الذي غير مجرى حياة عائلة الراوي للأبد. كانت ليلى تجلس في المقعد الخلفي، تحاول استيعاب حجم المخاطر التي أقحمت نفسها فيها، بينما كانت نور ترقب شريط الطريق المظلم من النافذة، وشريط الذكريات المريرة يعاد أمام عينيها بقسوة شديدة؛ رائحة الدخان، أصوات صراخ العمال، ونيران الخيانة التي التهمت أحلام طفولتها.التفت آريان نحو نور، ونظر إلى ملابسها الخفيفة ونظاراتها التي نزعتها جانباً، ثم قال بنبرة هادئة يملؤها الحرص والقلق الصادق:— "نور.. المكان هناك ليس مجرد أنقاض وبقايا حجارة سوداء. المعمل القديم يُعتبر منطقة خطرة تقنياً ومغلقة برسم القانون بعد الحادثة. بالإضافة إلى أن رفيق يحافظ على وجود حراس دوريين في المحيط الخارجي لمنع أي شخص من الاقتراب أو التفتيش في الموقع. يجب أن نكون على درجة عالية جداً من الحذر والتنسيق."ردت نور بصوت خفيض لكنه يحمل نبرة صلابة لا تنكسر:— "لا يهمني كم حارساً يضع رفيق هناك يا آريان. ذلك المكان يحمل ذكرياتي الآلمة، وهو المكان ذا
Read more
PREV
1234567
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status