All Chapters of خلف اسوار اوزبروك : Chapter 141 - Chapter 150

189 Chapters

الفصل ١٤١

حين دخل فارس القبو في الليلة التالية، لم يتبادل مع فهد أي تحية. جلس في مكانه المعتاد، بينما وقف كرم خلفه بصمته الصارم، واضعاً يده على مقبض سيفه. رفع فهد رأسه ببطء، ثم قال بصوت خافت: — يبدو أنك عدت... وهذا يعني أنك أدركت أن ما بدأته معي لا يمكنك التراجع عنه الآن. أجابه فارس ببرود شديد: — قلت لك من قبل إنني لا أملك ترف الاستماع إلى القصص الطويلة. تجاوز المقدمات، وحدثني عن النقطة التي غيرت حياتك، أما ما سبقها فقد سمعته بما يكفي. ابتسم فهد ابتسامة باهتة. — كنت أعلم أنك ستنفد صبراً... حسناً، سأوصلك إلى الليلة التي مات فيها الرجل الذي قضى عمره يكرهني. ساد الصمت. ثم بدأ يتحدث، لكن صوته هذه المرة كان مختلفاً؛ أكثر هدوءاً، وأكثر ثقلاً. — في شتاء ذلك العام، كان المرض قد التهم جسده تماماً. لم يعد قادراً على الوقوف، ولا حتى على الصراخ كما اعتاد. كنت أدخل غرفته كل صباح لأغير الضمادات وأقدم له الماء، لا حباً فيه، بل لأن أمي كانت ترجوني ألا أتركه يموت وحيداً مهما فعل بنا. كنت أراه يحتضر أمامي، والغريب أنني لم أشعر بالشفقة ولا بالفرح... كنت فقط أراقب رجلاً أفنى عمره في كراهيتي، ولم أفهم حتى
Read more

الفصل ١٤٢

في اليوم التالي دخل فارس القبو بخطوات ثابتة، لكن الهدوء الذي ارتسم على وجهه كان هذه المرة أشبه بالهدوء الذي يسبق انهيار جبل كامل. وقف أمام فهد طويلًا دون أن يجلس. أما فهد، فقد رفع رأسه إليه، وتأمل وجهه بصمت، ثم قال بابتسامة مريرة: — أرى أن الليلة الماضية لم تكن سهلة عليك... يبدو أن كلمات رجل يحتضر استطاعت أن تهز ما عجزت عنه سنوات طويلة من العداء بيننا. قال فارس بصوت بارد: — لقد سمعت روايتك... لكن روايتك لا تبرر شيئًا. حتى لو خان والدك صديقه، وحتى لو كنت ضحية تلك الخيانة، فما فعلته بي وبعائلتي لا يمكن أن يسمى سوى جريمة. ضحك فهد ضحكة قصيرة متعبة. — جريمة؟ وهل تعرف متى تبدأ الجريمة يا فارس؟ إنها تبدأ عندما يقرر الأقوياء دفن الحقيقة، ثم يطالبون الضعفاء بأن يعيشوا فوق قبورها بصمت. اقترب فارس خطوة. — اختصر حديثك. رفع فهد عينيه مباشرة إليه، وقال بنبرة لم يعد فيها شيء من السخرية: — عندما مات ذلك الرجل، لم يترك لي مالًا ولا اسمًا ولا بيتًا... ترك لي صندوقًا ورسائل، وترك سؤالًا واحدًا ظل يطاردني كل ليلة: لماذا يعيش أبناء آل الكيلاني أمراء فوق الأرض، بينما يعيش الابن الآخر من الدم نف
Read more

الفصل ١٤٣

ظل وجه فارس الكيلاني متجمداً كقطعة من الرخام البارد، بينما كانت كلمات فهد الأخيرة تتردد داخل رأسه كصدى لا يريد أن ينتهي. لم يعد يسمع صوت الرجل أمامه، ولا وقع أنفاسه المتقطعة، ولا صرير القيود الحديدية التي تكبل معصميه. كان يسمع شيئًا واحدًا فقط... تحطم عالمٍ عاش عمره كله يؤمن بأنه الحقيقة.رفع عينيه ببطء نحو فهد.حدق فيه طويلاً.حتى إن فهد نفسه لم يعد قادراً على قراءة تلك النظرة الجامدة التي خلت من الغضب ومن الشماتة ومن أي شعور بشري.ثم استدار دون كلمة دون تهديد.ودون أن يمنح عدوه متعة رؤية ما أحدثته اعترافاته في داخله.وقف كرم سريعًا وهو يراقب سيده يخرج من القبو بخطوات ثابتة، لكنها كانت أثقل من أي وقت مضى.لحق به خارج الغرفة وقال بقلق لم يستطع إخفاءه:— سيدي... ماذا قال؟ وهل اعترف أخيرًا باسم ذلك الرجل؟توقف فارس لحظة.ظل ظهره إلى كرم.ثم قال بصوت خافت، بارد، لا يحمل أي انفعال:— ضاعف الحراسة... ولا تسمح لأحد بالدخول إليه.ساد الصمت.ثم أضاف دون أن يلتفت:— حتى أنا... لن أراه الليلة مرة أخرى.لم يفهم كرم شيئًا.لكنه انحنى بصمت، مدركًا أن سيده خرج من تلك الغرفة رجلاً مختلفًا.انطلقت ال
Read more

الفصل ١٤٤

أشرقت شمس الصباح على قصر آشبورن، لكن نورها لم ينجح في تبديد الظلام الذي كان يعصف بروح فارس الكيلاني. عاد إلى القصر بملامح هادئة كما اعتاد الجميع أن يروه، إلا أن ذلك الهدوء لم يكن سوى قناع محكم يخفي وراءه زلزالاً عنيفاً لم يشهد له مثيلاً في حياته. لم يتجه إلى قاعة الاستقبال الكبرى، ولم يدخل مكتبه حيث تنتظره المراسلات وشؤون الضيعة، بل انعطف بصمت نحو الممر الحجري المؤدي إلى السراديب القديمة الواقعة أسفل القصر، ذلك المكان الذي حُفظت فيه مقتنيات والده الراحل بعيداً عن أيدي الجميع منذ يوم وفاته.فتح الباب الخشبي الثقيل، فانبعثت رائحة الورق العتيق و الخشب المعتق و الرطوبة التي تراكمت عبر السنين. ظل واقفاً للحظات يتأمل الصناديق المرصوصة والأرفف التي ازدحمت بدفاتر الحسابات القديمة، وسروج الخيل، و خرائط الضياع، و بعض المقتنيات التي كانت تخص والده. لم يكن يبحث عن ذكرى، بل كان يبحث عن دليل واحد... دليل ينفي ما سمعه من فهد، أو يؤكده، حتى لو كان الثمن انهيار العالم الذي عاش يؤمن به.بدأ يفتح الصناديق واحداً تلو الآخر بصبر قاتل. قلب الدفاتر، ومرر أصابعه فوق الأغلفة الجلدية، وفتح
Read more

الفصل ١٤٥

تحركت صفاء بخطوات وادعة،و هي ترتدي ثوباً أرستقراطياً قاتم اللون، وعلى وجهها ابتسامة دافئة لم تتغير رغم مرور الأعوام.ابتسمت و هي تنظر إلى ولدها، ثم قالت بحنان ماذا هناك لماذا تبدو شارد اليوم قال فارس بصوت منخفض ثابت:— ليس في الأمر ما يستدعي القلق يا والدتي... كنت أفتش بين بعض الأوراق القديمة المتعلقة بأملاك الضيعة و حدودها، فقد ظهرت أمامي مسائل تستوجب مراجعة بعض الوثائق القديمة، فظننت أنني قد أجد هنا ما يعينني على إتمامها.ابتسمت صفاء برقة، وكأنها صدقته دون أدنى شك.ثم بدأت تتجول مره اخري بين الرفوف ببطء، تمرر أصابعها فوق المقتنيات بحنان بالغ، حتى توقفت أمام ساعة جيب ذهبية كانت موضوعة إلى جوار الصندوق.رفعتها بين كفيها، و تأملتها طويلاً، ثم ابتسمت ابتسامة امتزج فيها الحنين بالألم.وقالت بصوت خافت لكنه مليء بالعاطفة:— أتذكر هذه الساعة يا فارس؟ لقد أهديتها لوالدك في الذكرى الخامسة لزواجنا، ولم يكن يفارقها لحظة واحدة، حتى إن رجال الضيعة كانوا يمزحون معه قائلين إن الساعة أصبحت جزءاً من ثيابه، فيبتسم ويجيبهم بأن الإنسان قد ينسى الذهب، وقد ينسى السلاح، لكنه لا ينسى هدية خرجت من
Read more

الفصل ١٤٦

خيّم الليل بثقله فوق أطراف مدينة آشبورن، بينما كانت عربة فارس الكيلاني تشق الطريق الحجري بصمت مهيب لا يقطعه سوى وقع حوافر الخيل. جلس فارس داخل العربة بملامح جامدة، و عينين غارقتين في ظلام أعمق من ظلام الطريق نفسه. لم يكن ذاهباً هذه الليلة لينتقم، و لا ليقتص، بل ليضع حداً أخيراً لحكاية امتدت سنوات طويلة، و أثقلت حاضر الأحياء بخطايا الموتى.توقفت العربة أمام المخبأ المعزول.ترجل فارس بهدوء، و تبعه كرم و عدد من رجاله، ثم فتح الباب الخشبي الثقيل و دلف إلى الداخل.كان فهد ما يزال جالساً في الزاوية، تبدو عليه آثار الضرب و الإرهاق، لكن عينيه بقيتا تحملان ذلك البريق المتمرد الذي لم تستطع الهزائم كلها أن تطفئه.رفع رأسه ببطء عندما رأى فارس يقترب.صمت القبو لثواني و حاول فهد تحريك فكه الدامي و ابتسم ساخرا بمرارة و استهزاء هز سكون المكان و قال بنبره تملؤها التشفي هل اقتنعت اخيرا انك اخي اصغر ؟لم فارس ينطق بكلمة ظل ينظر اليه ببرود حاد كالسكين أشار فارس إلى كرم.فتقدم الأخير و وضع فوق الطاولة صندوقاً خشبياً صغيراً، ثم تراجع خطوة إلى الخلف.تعلقت عينا فهد بالصندوق، قبل أن تعودا إلى
Read more

الفصل ١٤٧

اقترب فارس خطوة واحدة، و قال بنبرة ثابتة لا تعرف التردد:— لو أردت قتلك لفعلت ذلك يوم دخلت وكرَك و أنقذت ليان من بين يديك. و لو أردت أن أراك تتعذب حتى الموت، لكنت تركتك في أقبية الدائنين. أما الآن... فلم يعد في موتك ما يغير شيئاً، لأن الرجل الذي كنت أحاربه قد انتهى منذ اللحظة التي اعترفت فيها لنفسك بأنك لم تعد تطلب العدالة، بل الانتقام فقط.اتسعت عينا فهد قليلاً.أما فارس، فأشار إلى الصندوق الموضوع فوق الطاولة.و قال ببرود :— داخل هذا الصندوق ما يكفي لتبدأ حياة جديدة بعيداً عن هذه المقاطعة. ليس لأنه حق لك عندي، و لا لأنه ميراث من آل الكيلاني، بل لأنه آخر ما سأقدمه لإنهاء هذه الحكاية. ستغادر اوزبروك قبل طلوع الشمس، و لن تعود إليها ما حييت، و لن تحاول الاقتراب من أسوارها أو من أي فرد ينتمي إلى هذا البيت، و لكن إن فعلت... فلن تجد مني هذه المرة رحمة، و لن يكون بيننا حديث آخر.نظر فهد إلى الصندوق طويلاً.ثم رفع رأسه ببطء، و قال بصوت خافت فقد كثيراً من حدته:— أتعلم ما يؤلمني حقاً يا فارس؟ ليس أنني سأرحل... بل أنني أمضيت عمري كله أعتقد أنني حين أصل إليك سأشعر بالانتصار، ف
Read more

الفصل ١٤٨

دلفت ليان إلى الطابق العلوي من قصر آشبورن بخطوات هادئة متزنة، و هي تحمل بين يديها صينية فضية صغيرة استقرت فوقها قطع من البسكويت الذهبي تفوح منها رائحة الزبدة و الفانيليا و العسل الدافئ . كانت ابتسامة خجولة ترتسم على شفتيها كلما اقتربت من باب مكتب فارس، فقد أمضت جزءًا كبيرًا من صباحها داخل مطبخ القصر تحاول إعداد الحلوى التي سمعت امينه ذات يوم تقول بأنها المفضلة لدى السيد فارس ، و لم تكن تعلم إن كانت قد نجحت في صنعها كما ينبغي ام لا، طرقت الباب طرقات خفيفة. جاءها صوته الرخيم من الداخل:— ادخل. فتحت الباب برفق. كان مكتب فارس يغرق في هدوء مهيب؛ أشعة الشمس تتسلل عبر النوافذ العالية، فتنعكس فوق الأرفف الخشبية المكدسة بالكتب و الخرائط، بينما جلس فارس خلف مكتبه العريض يتصفح بعض الوثائق بعينين شديدتي التركيز، قبل أن يرفع رأسه عندما شعر بحضورها. و ما إن وقعت عيناه عليها حتى تبدلت قسوته المعتادة إلى دفء خفي لم يكن يسمح لأحد برؤيته. تقدمت ليان بخجل حتى وقفت أمام مكتبه، ثم وضعت الصينية برفق و قالت وهي تخفض رأسها بابتسامة عفوية: — أعلم أنك لم تتناول شيئًا منذ ا
Read more

الفصل ١٤٩

انفتح باب المكتب فجأة. ترك فارس يد ليان بسرعه و اعتدل في وقفته دخل يزيد بخطوات سريعة و هو يقول بعفوية: — أخي فارس، كنت أبحث عنك منذ... ثم توقف في منتصف الجملة. اتجهت عيناه تلقائيًا إلي ليان. ساد صمت قصير. ابتسم يزيد ابتسامته الدافئة المعتادة، ثم التفت إلى ليان و قال بلطف صادق: — صباح الخير يا ليان كيف حالك اليوم ، انخفض رأس ليان خجلًا و قالت بصوت مرتبك: — صباح الخير ي سيد يزيد. أما فارس، فعاد إلى هدوئه المعتاد، واتجه نحو مكتبه و كأن شيئًا لم يحدث. وقال ل يزيد بنبرة رزينة:— ماذا هناك؟ اقترب يزيد وهو يحمل لفافة صغيرة من الورق. و قال بحماس لم يستطع إخفاءه: — وصلت صباح اليوم مجموعة من الرسامين الإيطاليين الذين يجوبون المدن لتعليم الرسم والنحت لأبناء الأسر الراقية، وقد دعاني صديقي للانضمام إليهم في جولة تستمر عدة أيام خارج المدينة، وأردت أن أستأذنك قبل أن أرافقهم، لأنني منذ سنوات أحلم بأن أتعلم هذا الفن على أيدي أساتذة حقيقيين. ما إن انتهى من كلامه... حتى تبدلت ملامح فارس اختفى دفؤه تمامًا. و حل مكانه ذلك الجمود الأرستقراطي المعروف. نظر إلى أخيه طويلًا
Read more

الفصل ١٥٠

أُغلق باب المكتب بهدوء خلف يزيد، لكن الصمت الذي خلفه كان أثقل من أي ضجيج. بقي فارس واقفًا في مكانه، وعيناه معلقتان بالباب لثوانٍ، قبل أن يعود ببطء إلى مكتبه وكأن شيئًا لم يحدث. أما ليان... فلم تستطع أن تنزع عن ذهنها صورة يزيد وهو يغادر بخيبة أمل واضحة، ولا الكلمات القاسية التي أنهت حلمه في لحظات. التفتت نحو فارس، ولم يكن في عينيها الخضوع المعتاد ، بل شيء من العتاب الصامت. قالت بهدوء حاولت أن تخفي وراءه استنكارها: — هل تسمح لي يا سيدي أن أسألك سؤالًا؟ لقد رأيت في عيني السيد يزيد حزنًا لم يستطع إخفاءه مهما حاول، ولذلك لم أفهم... لماذا كنت قاسيًا معه إلى هذا الحد؟ لقد كان يطلب أن يتعلم شيئًا يحبه ، ولم يكن يطلب أن يتخلى عن عائلته أو يتمرد عليك. رفع فارس رأسه إليها و قد توقف في مكانه و نظر إليها و قد عاد اليه بروده مره اخرى وكان الدفء الذي ملأ ملامحه قبل دقائق قد اختفى تمامًا، و عادت إلى وجهه تلك الصرامة الأرستقراطية التي يعرفها عنه الجميع. قال بنبرة جافه قاطعه ، قطعت المسافات بينهم : — و من قال إنني سأناقش معك هذا الأمر يا ليان؟ ما يدور بيني و بين إخوت
Read more
PREV
1
...
1314151617
...
19
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status