All Chapters of خلف قناع الصمت: Chapter 11 - Chapter 20

69 Chapters

حبر وقيد

تأملتُ الريشة الفضية القابعة بين أصابعي المرتجفة، وكان ملمس معدنها البارد يبدو وكأنه نصل مسلط فوق عنقي. نظرتُ مجدداً إلى ورقة العقد الممتدة أمامي، ثم زحفت عيناي تلقائياً نحو صورتي الشخصية المثبتة في أعلى الملف الجلدي الأسود. ثوانٍ معدودة مرت، واستوعب عقلي المشحون بالرعب ثغرة جعلت الدماء تتجمد في عروقي أكثر؛ كيف وصل هذا الملف إلى هنا؟ لقد تركتُه بالأعلى على الطاولة الخشبية في الجناح المستباح، وسط دماء الحارس المصاب وهجوم المسلحين المجهولين! فكيف يربض الآن بكامل صفحاته فوق هذا المكتب الحديدي في عمق الأرض؟ هل قام كرم بسحبه بخفة وسرعة خاطفة في العتمة دون أن أنتبه من شدة ذهولي؟ أم أن هذا القصر محكوم بشبكة مخفية وأنظمة مراقبة تجعل كل ما يخصني يدور في فلكه بلمح البصر؟ نظرتُ إلى انعكاس صورتي الجانبية في ملامحه الصارمة المحفورة من صخر، وأدركتُ أنني لا أواجه مجرد رجل أعمال نافذ، بل أواجه عقلاً يحسب خطوات الموت قبل وقوعها طالما كان الأمر يتعلق بتملكه. "يدكِ ترتجف يا شام،" ترقرق فحيحه الناعم والرخيم بالقرب من منحنى أذني، ليعيدني بقسوة إلى الواقع الخانق. كان لا يزال يحاصرني بكامل ضخامته من الخ
last updateLast Updated : 2026-06-28
Read more

أنفاس خانقة

انقبضت أصابع كرم حول خصري بقوة مفرطة تزامناً مع الدوي الأول لصفارات الإنذار التي بدأت تخترق الجدران الخرسانية السميكة بجرسها الحاد والمتقطع. لم يكن الصوت مجرد تحذير عادي؛ بل كان نذيراً بهبوط جحيم من نوع آخر إلى هذه المخابئ المحصنة. وفوق رؤوسنا مباشرة، سُمع صوت فحيح مكتوم ومنتظم ينبعث من فتحات التهوية الحديدية المثبتة في زوايا السقف، ليتصاعد معه برعب رائحة كيميائية لاذعة، حلوة بشكل مشوه ومصحوبة ببخار خفيف بدأ يتسلل ليعكر صفو الضوء الأصفر الباهت للغرفة. "غاز..." خرجت الكلمة من بين شفتي المرتجفتين مخنوقة ومحملة بذعر شل حواسي. تلقائياً، ودون وعي، دفعتُ بوجهي الساخن نحو عنق كرم المفتوح، دافنةً أنفي في قماش قميصه الأسود المبلل بعرقي وتوتري، محاولةً الاحتماء به والاستنشاق من بقايا عطره الفخم والترابي قبل أن يلتهم الغاز السام ما تبقى من هواء الغرفة. كانت أصابعي تتشبث بمنكبيه العريضين بجنون، وجسدي الحريري الأسود ينتفض بالكامل فوق ركبتيه الصلبتين. لم يمنح كرم الذعر ثانية واحدة ليتسلل إلى حركاته. نهض بكامل ضخامته وهو يحملني بين ذراعيه القويتين بخفة مذهلة، دون أن يفلتني أو يسمح لقدمي الحافيتي
last updateLast Updated : 2026-06-28
Read more

نصل الصقيع

جمدت الكشافات الضوئية البيضاء الحادة الدم في عروقي، وبدت أشعتها المسلطة فوق جسدي المرتعش وكأنها تعري خوفي وضعفي أمام فوهات البنادق المشرعة في الظلام. كان قماش الشيفون الأسود لثوبي يلتف حول ساقيّ الحافيتين بفعل هواء الليل البارد، وتلطخه بقطرات الدماء السابقة بدا واضحاً ومروعاً تحت هذا الضوء الفاضح. أحكم كرم ذراعه الفولاذية حول خصري، مستنداً بجسده الشامخ ليدفعني خلف ظهره العريض جزئياً، محاولاً حجب جسدي المستسلم عن مرامى نيرانهم. شعرتُ بعضلات ظهره تتصلب كالجدار الصخري الساخن، بينما كانت دقات قلبه المنتظمة والقوية تضرب كفي الممسكة بقماش قميصه الأسود عند منكبيه. رغماً عن الرعب الذي كان يزلزل أركاني، ورغماً عن تهديد الموت المحيط بنا، كان هذا الالتصاق القسري بدفئه الطاغي يثير في أعماقي رجفة حسية عنيفة لم أستطع كبحها. كنتُ غاضبة من ضعف حواسي التي تلين تحت سطوة تملكه في وسط جحيم الرصاص. لم تهتز ملامح كرم الصارمة لثانية واحدة أمام الضوء المبهر، وبقيت عيناه الرماديتان تشعان ببرود جليدي وظلام دامس يخترق عتمة الأحراش. انخفض برأسه ببطء نحو أذني، ليلتصق جدار شفتيه الدافئتين ببشرة عنقي الحساسة، ويه
last updateLast Updated : 2026-06-28
Read more

المقر المعزول

استمرت السيارة في شق عتمة الطريق الصحراوي بسرعة جنونية، وكان هدير المحرك القوي يملأ المقصورة المعزولة بنوع من الترقب الخانق. كنتُ ألتف حول نفسي فوق المقعد الوثير، محاولةً لملمة شتات ثوبي الشيفون الأسود الذي تمزق عند الأطراف، بينما كان ثقل الملف الجلدي الأسود الرابض فوق حجري يبدو وكأنه قيد حديدي يربطني بـ"كرم الغريب" للأبد. التفتُّ بنظراتي المرتجفة نحو جانب وجهه المنحوت بكبرياء صارم. كان يمسك عجلة القيادة بيد واحدة بثبات، وعيناه الرماديتان تخترقان ظلام الطريق أمامه ببرود جليدي، وكأنه لم يخرج للتو من وسط جحيم من الرصاص والغاز السام. رائحة عطره الفخم والأرضي، الممتزجة ببقايا رائحة البارود الحارقة في ثيابه، كانت تهيمن على حواسي وتمنع عقلي من التفكير المنطقي. "إلى أين تأخذني هذه المرة يا كرم؟" خرج اسمُه من بين شفتي المرتجفتين ناعماً ومثقلاً بالخوف الممزوج بضعف لم أعد أمتلك القدرة على إنكاره. لم يلتفت إليّ فوراً. ترفع كبرياؤه عن الإجابة السريعة، مستمتعاً بحيرتي وضيق أنفاسي في هذه المساحة الضيقة. امتدت أصابعه الطويلة نحو لوحة القيادة، ليضغط على زر مخفي خفّض إضاءة المقصورة لتصبح غارقة في ل
last updateLast Updated : 2026-06-28
Read more

نبضات الرماد

تسمّرت نظراتي الوجلة والمليئة بالرعب نحو ذلك الضوء البرتقالي الغريب الذي انبعث فجأة من التجويف المخفي تحت حافة السرير الملكي الفخم، باعثاً ظلالاً شبحية دافئة ومخيفة تراقصت بجنون فوق قماش الحرير الأحمر القاني الذي يغطي الفراش. ومع كل حركة بطيئة ومدروسة للمقبض المعدني الثقيل التي كانت تصدر من الأسفل، شعرتُ بجسدي الحريري الأسود الممزق عند الأطراف يتصلب بالكامل تحت وطأة جسد كرم الفارع وضخامته التي كانت تطوقني، وكأن كل أنش في روحي وعقلي يستعد لمواجهة جحيم جديد لا مخرج منه في هذا الحصن المعزول. لكن كرم لم يتحرك إنشاً واحداً، ولم تبدُ على عضلات منكبيه العريضين أي علامة من علامات الارتباك أو المفاجأة، بل كان يمتلك بروداً جليدياً يرعبني بقدر ما يجذبني إليه. أحكم كفه الدافئة الكبيرة حول عنقي برفق حارق وتملكي، ضاغطاً بإبهامه الخشن فوق الشريان النابض في رقبتي ليجبرني على الثبات، ولتتلاقى عيناي الوجلتان بظلمات عينيه الرماديتين اللتين كانتا تشعان في تلك اللحظة بتملك لا يرحم. "لا تنظري إلى الأسفل يا شام، وثبّتي عينيكِ عليّ أنا فقط،" قال بنبرته الرخيمة العميقة والمنخفضة، ولفحت أنفاسه الحارة الممت
last updateLast Updated : 2026-06-28
Read more

قبو الاعترافات

كانت درجات السلم الحجري الهابط نحو القبو شديدة البرودة والرطوبة، وكأننا نغادر ببطء ما تبقى من ملامح العالم الحي لندخل في باطن الأرض حيث تصنع القرارات المصيرية بعيداً عن ضوء النهار. أحاط كرم بجسدي الحريري ذراعه المتينة، رافعاً إياي عن الحجر الخشن الذي كان يمكن أن يجرح قدمي العارية مع كل خطوة نخطوها في الظلام الممتد أمامنا. كنتُ أشعر بارتعاش خلايا جسدي بأكمله، ليس فقط بسبب الهواء الصقيعي القادم من الأسفل، بل بسبب ذلك الملف الجلدي الأحمر القاني الذي يمسكه كرم بيده الأخرى بثقة مفرطة. هذا الملف يحتوي على خيوط تمتد من هذا المقر المعزول في الصحراء وصولاً إلى أحياء دمشق القديمة.. إلى النبض الوحيد المتبقي لي هناك، والذي يهددني كرم بقطعه إن لم ألتزم بحدود عقده المظلم. انتهت الدرجات لنجد أنفسنا أمام باب حديدي ضخم تتوزع حوله إضاءة النيون البيضاء الحادة، والتي انبعثت لتكشف عن قبو واسع، جدرانه من الخرسانة الرمادية المصمتة، وفي وسطه كان يربض مقعد حديدي مثبت في الأرض، يجلس عليه رجل مكبل بالسلاسل، رأسه منحنٍ إلى الأسفل والدماء تسيل ببطء من جبهته لتلطخ قميصه الممزق. كان هو الحارس عينه الذي رأيته في
last updateLast Updated : 2026-06-28
Read more

نبضات الثواني الأخيرة

اخترق صوت الطنين الإلكتروني الحاد جدران القبو الخرسانية كأنه صرخة الموت عينه، متسارعاً بوتيرة هستيرية تجمدت معها الدماء في عروقي. بيب.. بيب.. بيب.. كانت الثواني المتبقية تتناقص أمام عينيّ برعب خالص، والضوء الأحمر الصغير الذي بدأ يومض بوضوح أسفل المقعد الحديدي المثبت أعلن أن المكان بأكمله تحول إلى فخ مفخخ لا يرحم. اتسعت عيناي بالذهول والذعر التام، وسقط الملف الجلدي الأحمر القاني من يدي ليتناثر حبر الأوراق المسرّبة فوق الأرضية الرطبة، بينما تجسد اسم ذلك "الشخص" الذي قرأتُه للتو كطعنة غدر حية في صدري. لم أعد أدرك إن كان قلبي يدق بجنون بسبب اقتراب الانفجار، أم بسبب صدمة الهوية التي كشفت أن من ظننتُه منقذي في دمشق هو نفسه من دفع ثمن رأسي. لم يمنح كرم الذعر أو المفاجأة جزءاً من الثانية ليربك ثباته الأسطوري. وبحركة خاطفة وسريعة لا تلمحها العين، التفت إليّ بكامل ضخامته، وأطبقت ذراعاه الفولاذيتان حول خصري وفخذي، ليرفع جسدي الحريري الأسود المرتعش بالكامل بين يديه بخفة مذهلة، ضاغطاً بصدري العريض على عضلات قميصه الساخنة ليحجبني عن المقعد المفخخ. "تثبّتي بي يا شام.. ولا تنظري للخلف!" دجّ فحيحه
last updateLast Updated : 2026-06-28
Read more

بدلة بيضاء كالكفن

تحشرجت الأنفاس في صدري المتعب وأنا أنظر بذهول شلّ أطرافي نحو ذلك الظل القابع في الزاوية المعتمة من الجناح المحترق. الغبار المتصاعد من الانفجار السفلي كان لا يزال يملأ الأجواء برائحة الرماد وحطام الحجر، ممتزجاً بعطر خشب الصندل والتبغ الحاد الذي يفوح من ثياب كرم المقيمة فوق جسدي. لكن هذا التصفيق البطيء، الرتيب، والمستفز، قطع الصمت ليثير رعباً جديداً جعلني أنكمش تلقائياً وألتصق بأكثر بصلابة صدر كرم، الذي لم يتحرك إنشاً واحداً فوقي، بل شعرتُ بعضلات ظهره العريضة تشتد وتتحجر كالسد المنيع. انسحب كرم عني ببطء قاتل، ولم تفارقه مرونته الواثقة حتى في اللحظات الأكثر خطورة. نهض بكامل ضخامته، ودون أن يرفع عينه الرمادية الحادة عن الزاوية المظلمة، امتدت ذراعه الفولاذية القوية لتمسك بمعصمي وتسحب جسدي الحريري المرتعش ليقف خلف ظهره الشامخ، محجوبة بالكامل عن مرمى نظر الزائر الفجائي. تلامس كفه الدافئة مع بشرتي كان حارقاً، وكأنه يرسل عبر مسام معصمي تياراً صامتاً يمنعني من الحركة أو إصدار أي نَفَس. تقدم الرجل ذو البدلة البيضاء الناصعة خطوتين إلى الأمام، ليتجاوز خيوط الدخان المتصاعدة ويقف تحت بقايا الضوء
last updateLast Updated : 2026-06-28
Read more

سراديب الصقيع

هبطنا في العتمة المطلقة كأن الأرض قد انشقت لتبتلعنا معاً، بعيداً عن البدلة البيضاء ورصاص الخارج الذي بدأ يمزق ما تبقى من جدران الجناح العلوي. كان السقوط سريعاً وخاطفاً، لكن ذراعي كرم الفولاذيتين أحاطتا بجسدي بالكامل، متلقياً بصدره الصلب وبظهره الشامخ صدمة الارتطام بالأرضية الخرسانية الجديدة في الأسفل. ارتجف جسدي الحريري بالكامل وأنا أنكمش داخل حضنه، مستنشقةً في عتمة السواد رائحة التبغ وخشب الصندل التي باتت تعني لي الحياة والموت في آن واحد. استقرت أصابعي المرتجفة على منكبيه العريضين، وشعرتُ بأنفاسه الحارة المستعرة تضرب منحنى عنقي الحساس مع كل شهيق وضخ دماء في عروقه. التوتر الحسي بيننا في هذا العمق الجديد وصل إلى حد الخناق؛ كنتُ مأخوذة بجاذبيته القسرية الطاغية، وغاضبة حتى النخاع من حواسي الخائنة التي تجد في قبضة هذا الشيطان مأواها الوحيد. "كرم... من يكون رائد؟ وما الذي يجمعه بعائلتي؟" خرج صوتي خافتاً، ممزقاً ومتحشرجاً في عتمة السرداب البارد الذي تفوح منه رائحة الصدأ والمياه الجوفية. لم يمنحني كرم إجابة فورية. تحرك بمرونة معهودة في الظلام الشامل، ونهض بكامل ضخامته وهو يسحبني معه من مع
last updateLast Updated : 2026-06-28
Read more

هدير المصير

انغلق باب السيارة المصفحة الثقيل بصوت معدني قاطع، ليعزلنا عن غبار الانفجار العلوي الذي كان يتساقط كالمطر الأسود فوق سقف المرأب السري. استقرت السيارة السوداء في عتمة المكان كأنها تابوت من الفولاذ، ولم يعد يُسمع في الداخل سوى النبضات الهيستيرية لقلبي والمحرك الذي انطلق فجأة بهدير وحشي زلزل أركان مقصورة القيادة. كنتُ مستلقية فوق المقعد الجلدي الوثير، أحاول التقاط أنفاسي المخنوقة وملمة بقايا ثوبي الشيفون الأسود الذي تلطخ برماد الصراعات المتلاحقة. كان ثقل القيد غير المرئي الذي يربطني بكرم يشتد مع كل ثانية نبتعد فيها عن ذلك المقر المستباح، وشعوري بالضياع يمتد بطول الطريق الصحراوي الموحش الذي انطلقنا فيه. التفتُّ بنظراتي الوجلة نحو كرم الذي كان يجلس بجانبي بكامل شموخه الطاغي وكبريائه الصارم، واضعاً يده القوية فوق مقود السيارة بثبات لا تزعزعه الكوارث. كانت ملامحه المنحوتة من صخر تبدو أكثر قسوة تحت الإضاءة الحمراء الخافتة للمقصورة، وعيناه الرماديتان تخترقان سواد الصحراء الممتد أمامنا عبر الزجاج المضاد للرصاص ببرود جليدي مهيب. "إلى متى سنبقى هاربين يا كرم؟" خرج صوتي ناعماً، ممزقاً ومتحشرجاً،
last updateLast Updated : 2026-06-28
Read more
PREV
1234567
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status