انقشع غبار القطار القادم من أقاصي الصعيد، لينفض عن كاهل الشاب "أحمد فاروق مغربي" عناء رحلة طويلة بدأت من قلب ريف محافظة المنيا. كان أحمد، ذو الواحد والعشرين ربيعًا، يحمل في جيبه شهادة البكالوريا (الثانوية العامة) بتفوق باهر، مجموعٌ يفتح له أبواب "مدرسة الطب بجامعة القاهرة" في هذا العام المشهود، 1931.لم يكن خروج أحمد من قريته مجرد سعي وراء مجد شخصي، بل كان هروبًا من واقع أليم؛ فقد ترك خلفه أرض الصعيد وهي تئن تحت وطأة وباء الطاعون البقري الشرس. رأى بعينيه حسرة الفلاحين وهم يدفنون مصدر رزقهم، وعجز الطب التقليدي أمام الموت الأسود الذي يجتاح الماشية، فقسم بداخل نفسه أن يكون طوق النجاة لعائلته وأهل قريته، وينتقل إلى المدينة حيث العلم والمعرفة.خطت قدماه محطة مصر للمرة الأولى، فاستقبلته القاهرة بزحامها الأخّاذ. كانت المدينة تموج بحركة لم يعهدها؛ ترام يمر مسرعًا، رجال بالطرابيش والبدل الإفرنجية، وآخرون بالجلابيب. لكن أحمد، الذي وجه قبلته شطر حي الجمالية العتيق ليسكن فيه، شعر بالدفء حين استقبلته أزقة الحي القديم.بعد رحلة البحث الطويلة في تلك الأزقة، لم يسعفه جيبه المثقوب إلا باستئجار غرفة مت
Last Updated : 2026-07-07 Read more