بيت / التشويق / الإثارة / مارفيل / دماء على بلاط المحروسة

مشاركة

دماء على بلاط المحروسة

مؤلف: كاتب
last update تاريخ النشر: 2026-07-07 18:18:56

دخلت سنة 1935، وكانت الأجواء في القاهرة العتيقة مشحونة بغليان سياسي لم تشهده البلاد منذ سنوات. لم يعد ضجيج المقاهي في حي الجمالية مقتصرًا على أحاديث التجارة وحكايات الدجالين، بل باتت المناقشات تدور حول الدستور الملغى، والتحالفات السياسية، والقبضة الإنجليزية التي تخنق أنفاس الوطن.

كان "أحمد فاروق مغربي" -الذي غدا في عامه الدراسي الرابع بمدرسة الطب- قد صقلته الأيام؛ فلم يعد ذلك الفتى الصعيدي الوجل، بل صار شاباً يجمع بين وقار الأفندية وعمق العلماء، واشتد عوده في أروقة قصر العيني. ورغم انشغاله بمشرطه وكتبه، إلا أنه لم يكن بمعزل عن دقات قلب الشارع. كان لقب "مارفل" قد ثبت فوق باب غرفته العلوية بلوحة خشبية بديعة خطّها جاره "مفتي" بماء الذهب، وأصبح أحمد حكيم السطوح الذي يلجأ إليه الجميع.

وفي ليلة من ليالي تشرين الحارة، تجمعت الغيوم في سماء القاهرة لتنذر بعاصفة سياسية. خرجت المظاهرات الطلابية الحاشدة من جامعة القاهرة (فؤاد الأول آنذاك) وقصر العيني، تزأر بشعارات الحرية والاستقلال وسقوط الاستعمار. واجهت قوات الشرطة المدفوعة من الإنجليز المتظاهرين بقسوة مفرطة؛ انطلقت الطلقات، وتعالت الصرخات، وسالت الدماء الذكية لتخضب بلاط المحروسة وأزقتها الشديدة الضيق.

لم يجد أحمد نفسه هذه المرة خلف جدران غرفته؛ بل كان في قلب المعركة، ليس بصفته سياسياً، بل كطبيب تملي عليه إنسانيته التدخل. تحول زقاق الجمالية المؤدي إلى منزله إلى ساحة حرب شوارع ومستشفى ميداني مصغر. وبينما كانت الفوانيس المعلقة في الحارة تهتز بعنف جراء التدافع، وتكاد تنطفئ من دوي القنابل المسيلة للدموع، كان أحمد يهرول بين الجرحى والمصابين، يضمد جراح هذا، ويسعف ذاك.

صعد أحمد إلى غرفته العلوية يجر خلفه عدداً من الطلاب المصابين ليواريهم عن أعين رجال البوليس السياسي. أشعل لمبة الجاز بعجالة، لينهمر ضوؤها البرتقالي على أجساد الشباب النازفة وفوق كتب الطب الثمانية التي شهدت بداياته. وبمساعدة جاره "مفتي" والست "أم أمينة" التي كانت تحضر الماء الساخن والشاش بدموع لا تجف، تحول مكتب أحمد الصغير إلى طاولة عمليات جراحية بدائية.

وقف "مارفل" ثابت الجنان، ممسكاً بمشرطه وأدواته المعقمة بوعاء يغلي فوق وابور الجاز. كان يستخرج الشظايا والرصاصات بمهارة فائقة تحت الضوء الخافت، في ليلة تداخلت فيها صرخات الوطن مع أنين المصابين. وفي تلك اللحظات العصيبة، امتزج طموحه الطبي بالواجب الوطني، وأدرك أن رسالته كطبيب لم تعد تقتصر على محاربة خرافات العقول، بل أصبحت طوق نجاة يحمي دماء الشباب التي تبني مستقبل هذا الوطن المكلوم.

كيف تود أن تتصاعد الأحداث في هذا الفصل؟ هل يكتشف البوليس السياسي أمر المصابين في غرفته؟ أم تتقاطع الأحداث مع العم محمود والعم سامي مجدداً؟ ،مع انتصاف الليل، لم تهدا حركة الأقدام على سلم السطوح، وهو ما أثار ريبة "المخبرين" المزروعين في أزقة الجمالية. ولم تكن سوى ساعة واحدة حتى دوت طرقات عنيفة وهمجية على الباب الخارجي للدار، متبوعة بصياح غليظ: "افتح يا جدع منك له.. البوليس السياسي!".

اقتحمت قوة من رجال البوليس الغرفة العلوية، ببنادقهم المشرعة وقبعاتهم القاتمة. وتحت ضوء لمبة الجاز المهتز، كشفوا أمر الطلاب المصابين المستلقين على الفراش والأرضية، والذين كانت دماؤهم لا تزال رطبة على شاش أحمد ومكتبه. صاح الضابط بنبرة حاقدة وهو يشير إلى أحمد: "قُبض عليك بتهمة إيواء عناصر مخربة ومقاومة السلطات.. خذوه!".

قيدوا يدي أحمد بالحديد، وسحبوه بعنف ليرغموه على الهبوط عبر الدرج الشاهق. لكن المفاجأة كانت تنتظرهم في الأسفل؛ فما إن خرجت قوة البوليس بأحمد إلى الزقاق، حتى وجدوا حارة الجمالية بأكملها قد تحولت إلى كتلة بشرية غاضبة.

كان المشهد مهيباً تحت أضواء الفوانيس المتأرجحة؛ فقد خرج أهل الحي عن بكرة أبيهم يحملون العصي ومصابيح الكاز، وتقدم الصفوف العم محمود الخياط بـ "مقصه" الحديدي الضخم، والخطاط مفتي، والست أم أمينة التي تصرخ مستغيثة، وعلى رأسهم جميعاً وقف "العم سامي" قارئ الجرائد، مسنداً قاماته الواهنة بنظارته الزجاجية السميكة وعصاه، وهو يزعق بأعلى صوته محفزاً الناس: "أولاد الجمالية لا يتركون حكيمهم للكلاب! هذا مارفل.. سفينة نجاتنا!".

تجمهر أهل الحارة حول عساكر البوليس، ودارت مشادات كادت تتحول إلى مجزرة، لولا أن أحمد صاح بالناس طالباً منهم التهدئة خوفاً على أرواحهم. وتحت هذا الضغط الشعبي الهائل، اندفع أهل الحارة يجُرّون خلف أحمد وقوة البوليس في مسيرة غاضبة اخترقت شوارع القاهرة العتيقة حتى وصلوا إلى قسم شرطة الجمالية، حيث يقبع ضابط التحقيقات.

دخل أحمد إلى مكتب الضابط، والحديد في يده، والدم يلطخ قميصه الجديد، بينما كان ضجيج وهتافات أهل الحارة في الخارج يهز جدران القسم العتيقة، مرددين خلف العم سامي: "يحيى العلم.. يموت الجهل!". جلس ضابط التحقيقات خلف مكتبه الضخم، ينظر بريبة تارة إلى الطبيب الشاب، وتارة إلى النافذة التي تطل على جموع الشعب الثائرة من أجل "مارفل"، تنحنح الضابط الجالس خلف المكتب، ولم يكن مصرياً، بل كان الكولونيل "بريدجز"، أحد أعتى ضباط البوليس السياسي البريطاني في القاهرة. كان رجلاً بارد الملامح، ذا شارب دقيق مشذب، يرتدي بدلته العسكرية البيضاء المكوية بعناية، ويضع على عينه الواحدة عدسة زجاجية مكبرة (مونوكل) يطالع بها أوراق القضية ببرود مستفز.

تجاهل الكولونيل بريدجز هتافات أهل الحارة التي كانت تزلزل نوافذ المكتب، ونظر إلى أحمد المغطى بالدماء بنظرة استعلاء، ثم قال بلكنة عربية مكسورة لكنها حادة كالسكين: "إذن.. أنت هو الحكيم الصغير الذي يسمونه في هذا الحي القذر (مارفل)؟".

لم ينتظر الضابط الإنجليزي رداً، بل أشار بيده لكاتب التحقيق المصري الذي كان يجلس مرتعداً في الزاوية، وبدأ يملي عليه لائحة اتهامات مفبركة ومطبوخة بعناية لتدمير مستقبل الطبيب الشاب. لم تكن التهمة مجرد علاج مصابين، بل لفّق له الكولونيل قضايا سياسية كبرى عقوبتها الأشغال الشاقة أو الإعدام.

قال بريدجز وهو يطرق بإصبعه على الطاولة: "سجل عندك يا عسكري.. التهمة الأولى: الانتماء إلى تنظيم سري مسلح يهدف لقلب نظام الحكم السعيدي وتخريب المنشآت الحيوية. التهمة الثانية: حيازة منشورات تحريضية شيوعية ضد جيش جلالة الملك البريطاني عُثر عليها في غرفته. التهمة الثالثة والأخطر: التحريض على إثارة الشغب وقيادة الغوغاء في الشارع ضد رجال الأمن".

ابتسم الضابط الإنجليزي بخبث، والتفت إلى أحمد قائلاً: "في مصر يا عزيزي مارفل، نحن من نكتب القوانين، ونحن من نحدد من هو البطل ومن هو المجرم. مشرطك هذا الذي تعالج به المتمردين، سيقودك مباشرة إلى ظلمات سجن طرة، وهناك لن تجد فوانيس الجمالية ولا لمبات الجاز لتضيء لك كتبك الثمانية".

كان أحمد يستمع إلى هذا السيل من الأكاذيب والاتهامات الملفقة بثبات غريب؛ فلم ترتجف له قصبة، بل نظر مباشرة إلى عيني الطاغية الإنجليزي، ويداه المقيدتان بالحديد تصدران رنيناً خفيفاً يعكس صلابة روحه الصعيدية التي لا تنحني، بينما كان صوت العم سامي والعم محمود يخترق الجدران من الخارج كأنه وعدٌ بالخلاص ،بينما كان الكولونيل "بريدجز" يستعد للتوقيع على قرار ترحيل أحمد إلى سجن طرة، فُتح باب مكتب التحقيقات فجأة ودون استئذان. ساد الصمت، والتفت الضابط الإنجليزي بغضب مستنكراً هذا الاقتحام، ليجد أمامه رجلاً مهيب الطلعة، يرتدي الزي العسكري الرسمي للجيش المصري، وتلمع على كتفيه رتبة رفيعة لسلاح المهندسين.

كان هذا هو "الباشمهندس عاصم"، الرجل الثري والوطني الغيور، الذي التقى بأحمد مصادفة في سوق النحاسين بالجمالية قبل أشهر، وحفظ ملامحه بدقة بعد أن دار بينهما نقاش طويل وممتع حول العلم ومستقبل مصر. كان عاصم باشا مهندساً يجمع بين ثراء الأعيان ووطنية الضباط الأحرار الذين يغارون على أبناء وطنهم.

خطا المهندس العسكري داخل المكتب بخطى واثقة هزت البلاط، ونظر إلى الكولونيل بريدجز بنظرة ندية صارمة، ثم قال بلغة إنجليزية رفيعة ومتقنة: "كُف يدك عن هذا الشاب فوراً يا كولونيل".

انتفض بريدجز قائلاً: "هذا الشاب متورط في جناية سياسية وتخريب الأمن العام، والأوراق تثبت..."

قاطعه الباشمهندس عاصم بضحكة ساخرة، ملقياً على المكتب دفتراً رسمياً يحمل أختاماً عسكرية عليا: "الأوراق التي بين يديك لا تساوي ثمن الحبر الذي كُتبت به! هذا الفتى ليس مخرباً، بل هو متطوع رسمي تحت إشرافي في سلاح المهندسين بالجيش المصري، ومكلف بتقديم الإسعافات الطبية اللازمة لأي طوارئ في هذا القطاع. ومسألة وجود المصابين في غرفته كانت بأوامر مباشرة لتأمين الأرواح، والجيش المصري لا يسمح لشرطة الاحتلال بتلفيق التهم لرجاله!".

بهت الكولونيل بريدجز، وتلعثم خلف عدسته الزجاجية؛ فالقوانين العسكرية آنذاك كانت تمنح حصانة معينة، وتدخل مهندس عسكري مصري بوزن وثراء عاصم باشا كان يعني أزمة دبلومسية لا يرغب فيها الإنجليز من أجل طالب طب.

التفت الباشمهندس عاصم إلى العسكري المصري الآمر بالحراسة وقال بنبرة آمرة: "فك الحديد عن الحكيم!". وفي ثوانٍ، تخلصت يدا أحمد من القيود.

خرج أحمد برفقة المنقذ الوطني إلى الشارع، فاستقبلتهم جموع أهل الجمالية بهتافات هزت أركان المحروسة. ووسط أضواء الفوانيس، تقدم العم سامي والعم محمود ليحتضنا أحمد باكين من الفرحة، بينما كان الباشمهندس عاصم يربت على كتف أحمد قائلاً بصوت خفيض: "مصر تحتاج إلى عقلك يا مارفل.. الجهل والاستعمار وجهان لعملة واحدة، ومعركتنا معهما بدأت للتو"،ومع بزوغ خيوط الفجر الأولى فوق مآذن الجمالية، بدأت الجموع الثائرة تتفرق عائدة إلى أزقتها، حاملةً معها نشوة النصر في ليلة كادت أن تعصف بمستقبل "طبيب السطوح".

سار أحمد برفقة العم محمود والعم سامي الذي كان يستند على عصاه وفوق عينيه نظارته الزجاجية السميكة التي انعكست عليها أنوار الصباح. التفت أحمد إلى الخلف ليرى سيارة الباشمهندس عاصم الفارهة وهي تغادر المكان، مدركاً أن العناية الإلهية قد سخرت له هذا الرجل الوطني ليكون درعاً يحميه من بطش المحتل، وأن العلم لم يعد سلاحه ضد الخرافة فحسب، بل صار خط دفاعه الأول عن أبناء وطنه.

حين صعد أحمد إلى غرفته العلوية، كان الهدوء قد عاد إلى السطح. أشعل لمبة الجاز لينظف مكتبه الخشبي من بقايا الشاش المدمم، ونظر إلى كتبه الثمانية المستقرة في مكانها بثبات، ثم تطلّع عبر النافذة نحو الأفق. لقد وضعت حرب الشوارع وتلفيقات الكولونيل بريدجز حداً لعهد البراءة في حياته؛ فلم يعد "مارفل" مجرد حكيم يداوي علل الجسد في حي شعبي، بل صار جزءاً من حكاية وطن ينزف باحثاً عن حريته.

أغلق أحمد عينه ليرتاح بضع ساعات قبل موعد محاضرته القادمة، بينما كانت لوحة جاره "مفتي" المعلقة على الباب والمهتزة مع نسمات الفجر تعلن لساكني المحروسة أن "مارفل" قد نجا، وأن المعركة الكبرى لم تبدأ بعد،جلس أحمد على مقعده الخشبي المتهالك، وجسده يئن من فرط الإرهاق بعد تلك الليلة الطويلة المشحونة بالخوف والدموع والعدالة المنتزعة. تطلع إلى يديه اللتين لا تزالان تحركان الهواء برعشة خفيفة؛ يدان كانتا قبل ساعات تقبضان على المشرط لتنقذا حياة شاب، ثم قُيّدتا بحديد المحتل، والآن هما حرتان بفضل شجاعة رجل من صلب هذا الوطن. استند برأسه إلى جدار غرفته، وسمع من بعيد صوت حذاء العساكر الإنجليز وهو يبتعد عن أطراف الحي، معلنًا انكسار شوكتهم أمام تلاحم أهل الجمالية.

في الأسفل، لم تنم الحارة؛ بل بقيت المصابيح والفوانيس معلقة ومتوهجة كأنها في ليلة عيد. كان العم سامي قد رفض العودة إلى بيته قبل أن يطمئن أن "مارفل" قد استقر في غرفته، فجلس عند عتبة الدار السفلية يمسح نظارته الزجاجية بطرف جلبابه، ويردد بصوت خفيض وعينين تلمعان بفخر دموع محبوسة: "الحمد لله.. تحيا الفكرة.. يموت الجهل.. ويموت المحتل". وبجواره كان العم محمود الخياط يربت على كتفه ويهمس: "لقد ولد لنا بطل يا سامي، بطل لن تقدر عليه بنادقهم". لقد غرس أحمد في تلك الليلة بذرة من الكبرياء والوعي في نفوس أهل الحي، بذرة جعلت بائع الفول والخطاط والخياط يقفون في وجه الطغيان دون خوف.

ومع تداخل خيوط الضياء الأبيض للنهار الجديد مع اللون البرتقالي الخافت لـ لمبة الجاز التي بدأت تلفظ أنفاسها الأخيرة على مكتبه، أدرك أحمد أن الثمن الذي يدفعه الطبيب في مصر ليس مجرد سهر وتنقيب في أمهات الكتب؛ بل هو جزء من دمائه وسلامته. نظر إلى اللوحة الخشبية التي خطها جاره مفتي خارج الباب، وعرف أن لقب "مارفل" لم يعد مجرد مجاز أطلقه عجوز مثقف على مقهى، بل صار رمزاً لجيل جديد من الأفندية والأطباء المستعدين لخوض المستحيل من أجل نصرة العلم وتحرير الأرض، ليتنفس الصعداء ويستسلم لنوم عميق، حاملاً في قلبه يقينًا بأن الغد يحمل معارك أشد ضراوة.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • مارفيل    نهاية الرحلة

    مرّ قطار العمر سريعاً كطيف خاطف، وعصفت بالبلاد رياح التغيير العاتية حتى انقضت اثنا عشر عاماً كاملة من الصبر والنضال. اثنا عشر عاماً تبدلت فيها ملامح المحروسة؛ فسقطت عروش، وارتفعت رايات، حتى أشرق الفجر الجديد وجلا آخر جندي بريطاني عن أرض مصر.لكن ضريبة الحرية كانت غالية، وجسد الجمالية القديم طوى من صفحاته أوفى القلوب؛ فقد ترحل العم سامي المثقف عن جواده، ورحل هادئاً وهو يمسك بجريدته الأخيرة، تاركاً كرسيه الخشبي العتيق عند ناصية القهوة يغلفه الصمت. ولم تمضِ شهور حتى لحق به رفيق دربه العم محمود الخياط، الذي قضى عقوده الأخيرة يغزل بخيوطه دروع المقاومة ويكفن جراح الفدائيين بأقمشته الطاهرة.شعر الدكتور أحمد فاروق مغربي أن جدار الحارة الحصين الذي كان يحميه قد تداعى، وأن جيل التأسيس قد سلّم الأمانة ورحل. ومع انتهاء عهد المقاومة السرية وجلاء المحتل، رفض أحمد المناصب الرنانة في العاصمة، وقرر أن يبدأ فصلاً جديداً يتسق مع روحه الزاهدة؛ فعُيّن طبيباً جراحاً عاماً في إحدى المستشفيات الحكومية بالريف المصري الساحر، حيث الحقول الخضراء الممتدة تحت عين الشمس، والمياه الجارية في الترع التي تعكس صفاء قلوب

  • مارفيل    لعنة إسماعيل بك الراوي".

    مسح أحمد كشافه اليدوي برفق، وظل جاثياً على ركبتيه يتأمل تلك الآثار في الطين. ورغم محاولاته المستمرة لإخضاع كل شيء لمنطق المشرط والعلم، إلا أن الكلمة التي همس بها فكري البقال في الصباح عادت لتطن في أذنيه بقوة، كأنها نذير شؤم يتردد صداه مع حفيف القصب: "لعنة إسماعيل بك الراوي".لم تكن "اللعنة" في قاموس دكتور أحمد تعويذة سحرية تُلقى في الهواء، بل كانت أثراً ملموساً لشرّ صُنع بأيدي البشر وظل حياً يتنفس في الخفاءأمسك أحمد بكتلة الحجر الكبيرة التي لاحظ تخلخل الطين حولها. وبقوة ذراعيه، دفعها جانباً ليتصاعد من خلفها صوت احتكاك خشن، كاشفاً عن فجوة مظلمة تمتد عميقاً أسفل جدار البيت المهجور.وجه أحمد شعاع كشافه اليدوي إلى داخل الفجوة. لم تكن مجرد حفرة في الأرض، بل كانت بداية سلم حجري ضيق وهابط، تفوح منه رائحة الرطوبة العفنة، مع خليط غريب ومنفر من روائح كيميائية قديمة تشبه الكبريت والكلوروفورم المحترق.وقبل أن يخطو خطوة واحدة للداخل، انبعث من أعماق ذلك السرداب المظلم صوت آهة خافتة.. لكنها هذه المرة كانت واضحة وقريبة للغاية. لم تكن آهة شبح، بل كانت تنهيدة ألم بشرية حقيقية، تلاها صوت خشخشة خفيفة لس

  • مارفيل    كشف اللغز

    في الصباح الباكر، كانت خيوط الشمس الذهبية تداعب أوراق شجر الجميز، وتغسل الحقول من رهبة الليل الغامض. تبخر الخوف المكتوم تدريجياً مع حركة الفلاحين الجياد وصياح الديكة، لكن الفضول ظل ينهش عقلك نهشاً.حملت خطواتك نحو دكان العم فكري البقال؛ ذلك الرجل العجوز الذي طبعت الأيام تجاعيدها على وجهه، والذي يعيش في هذا الريف منذ ما يزيد عن نصف قرن، يعرف شجرها وحجرها، وكل شاردة وواردة فيها.وقفت عنده تشتري بعض حاجيات الصباح، وبنبرة حاولت أن تجعلها عادية، بادرت بفتح الموضوع:"صباح الخير يا عم فكري.. أقول لك، ألا تسمع أحياناً أصواتاً غريبة بالليل؟ آهات تأتي من جهة الحقول خلف الترعة؟"توقفت يد العم فكري التي كانت تزن السكر. نظر إليك ببطء، وتراجعت البسمة عن وجهه الصبوح لتتحول إلى نظرة قلق حذرة. التفت حوله ليتأكد من خلو الدكان من الزبائن، ثم انحنى فوق الطاولة الخشبية وقال بصوت هامس يرتجف قليلاً:"يا بني.. كنت أظنك تنام ملء جفنيك كباقي الغرباء. لكن يبدو أن أذنك التقطت لعنة ذلك المكان."على بعد خمسمائة متر من غرفتك، بعد أن تعبر الجسر الخشبي الصغير فوق الترعة، يقبع هناك منزل قديم من الطوب الأحمر المهجور، ت

  • مارفيل    طبيب الريف

    مرّ قطار العمر سريعاً كطيف خاطف، وعصفت بالبلاد رياح التغيير العاتية حتى انقضت اثنا عشر عاماً من النضال والصبر. اثنا عشر عاماً تبدلت فيها ملامح المحروسة؛ فسقطت عروش، وارتفعت رايات، حتى أشرق الفجر الجديد وانطوت صفحة الاحتلال البريطاني، ليرحل آخر جنودهم عن أرض مصر وتتحقق نبوءة الأحرار.لكن ضريبة الحرية كانت غالية، وجسد الجمالية القديم أخذته السنون وطوت من صفحاته أوفى القلوب ،في غمرة الفرحة بالجلاء، عاشت الحارة حزناً نبيلاً وهي تودع شيوخها.ترجل العم سامي المثقف عن جواده، ورحل هادئاً وهو يمسك بجريدته الأخيرة، تاركاً خلفه كرسيه الخشبي العتيق عند ناصية القهوة، ونظارته السميكة التي رأى بها ما لم يره الآخرون. مات العم سامي وفي عينيه بريق النصر، بعد أن اطمأن أن السفينة التي تنبأ بها يوماً قد عبرت بالفعل بحر الحارة لتمخر عباب الوطن الأكبر.ولم تمضِ شهور حتى لحق به رفيق دربه العم محمود الخياط؛ ذلك الرجل الطيب الذي قضى عقوده الأخيرة يغزل بخيوطه دروع المقاومة ويكفن جراح الفدائيين بأقمشته الطاهرة. صعدت روحه إلى بارئها وأصابعه لا تزال تحمل أثر الإبرة، تاركاً مقصه العتيق معلقاً في مشغله كأثر من عهد

  • مارفيل    ورق الجرائد.. رسائل غير مقصودة

    بينما كان أحمد يتناول طعامه بشهية افتقدها منذ أيام، وقعت عيناه على ورقة الجريدة التي كانت تلف اللحم، والتي بُسطت على الطاولة الخشبية كـ "مفرش" مؤقت. كانت بقع الدهن قد أصابت أجزاءً منها، لكن العناوين كانت واضحة تماماً.كانت الورقة جزءاً من جريدة قديمة تتحدث عن تحركات الجيش البريطاني في منطقة القناة، وفي أسفل الصفحة، وجد أحمد خطاً أحمر صغيراً مكتوباً بالقلم الرصاص تحت أسماء بعض الضباط الإنجليز. التفت أحمد إلى عاصم باشا وعرض عليه الورقة خلسة.ابتسم عاصم باشا دليلاً على دهاء ومكر المقاومة وقال بصوت خافت:"العم عرفة ليس مجرد جزار يا أحمد.. ورق الجرائد الذي يلف به اللحم يمر على الكثير من معسكرات الإنجليز في العباسية بحكم توريده للحوم هناك. إنه يرسل لنا معلومات مغلفة برائحة الطيب والمعدن الأصيل."تحولت تلك الأمسية إلى واحدة من أطيب الأماسي في تاريخ الحارة؛ حيث امتزجت طعامة اللحم الطازج، ببركة الجنوب، ووعي أهل المحروسة الذين باتوا يغزلون خيوط الثورة ضد المحتل من وراء لفة جزار وطبخة أم على سطوح الجمالية. ومع هبوط الليل، نامت الحارة هادئة، وهي تعلم أن "مارفل" ورجاله يتناولون عشاءهم في حمايتها

  • مارفيل    عيون في عتمة الزقاق

    لم تكن شمس الشتاء الدافئة التي أشرقت على القاهرة في أواخر عام 1937 تحمل الدفء المعتاد؛ بل كانت تجلب معها برودة غامضة ملأت أركان المحروسة بالترقب. في قصر العيني، كان الدكتور أحمد فاروق مغربي يؤدي عمله الرسمي ببراعة أذهلت رؤساءه من الأطباء الإنجليز والمصريين على حد سواء. كان يرتدي معطفه الأبيض الناصع، ويبتسم للمرضى الفقراء، لكن عقله كان في مكان آخر تماماً؛ كان هناك، خلف الجدران السميكة لقبو قصر عابدين، وفوق السطوح العتيقة بالجمالية.لقد تناهى إلى مسامعه، من خلال همسات الممرضين وأروقة المشفى، أن القائد العام لقوات الاحتلال البريطاني في مصر قد جن جنونه. كيف لجنود وضباط إنجليز أن يختفوا في عتمة الليل، وكيف للجرحى من الفدائيين المصريين ألا يتركوا أثراً في أي مستشفى حكومي أو خاص؟ لقد أدرك الإنجليز أخيراً أن هناك "شبكة إنقاذ" سرية، عصبها طبيب عبقري يداوي جراح أعدائهم في الخفاء.الزائر المريب في قهوة الفيشاويفي عشيّة يوم خميس غائم، كان أحمد عائداً إلى الحارة والتعاب يرتسم على ملامحه. قبل أن يخطو خطواته الأولى نحو السلالم السبعة، استوقفه مشهد غير مألوف.عند القهوة العتيقة، كان هناك رجل غريب ير

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status