أعتقد أن القوى الأكثر تأثيراً في الحياة الإعلامية للمدن اليوم هي المنصات الرقمية والمحتوى الذي يصنعه الأفراد بأنفسهم. صحيح أن القنوات التلفزيونية والإذاعات التقليدية ما زالت موجودة، لكنني ألاحظ كيف أن خوارزميات تيك توك ويوتيوب أصبحت هي التي تحدد ما يشاهده الناس في الحافلات أو في أوقات الفراغ. في مدينتي، على سبيل المثال، أصبحت المقاهي الصغيرة تعرض فيديوهات قصيرة لصناع محتوى محليين بدلاً من تشغيل الراديو، وهناك مجموعات واتساب كاملة مخصصة لمشاركة حلقات البودكاست الجديدة.
ما يثير دهشتي حقاً هو كيف أن المؤثرين المحليين أصبحوا يملكون نفوذاً يفوق أحياناً نفوذ الصحف الرسمية. عندما ينشر أحدهم عن مطعم جديد أو حدث فني، ترى الطوابير تتشكل أمام المكان في اليوم التالي. حتى الإعلانات التجارية تحولت من اللوحات الضخمة إلى الإعلانات الممولة على انستغرام. أتذكر أنني حضرت حفلاً موسيقياً في الشهر الماضي، لم يتم الترويج له سوى عبر صفحة انستغرام لفتاة تقدم محتوى عن الحياة الليلية، وكان المكان ممتلئاً بالكامل.
لكن في نفس الوقت، لا يمكن تجاهل دور الشركات الكبرى مثل نتفلكس وسبوتيفاي، فهي تفرض نماذجها الاستهلاكية على الناس. صحيح أن المحتوى المستقل يزدهر، لكنه يظل خاضعاً لسياسات هذه المنصات. هذا الصراع بين الإعلام الشعبي القادم من الأسفل والإعلام المؤسسي القادم من الأعلى هو ما يشكل المشهد الحقيقي للمدن اليوم.
أذكر قبل كم سنة، كنت كل صباح أمسك الجريدة الورقية مع فنجان القهوة، أقرأ الأخبار بهدوء وأتأمل التحليلات. أما الآن، فأنا أتصفح التطبيقات وأنا في القطار أو حتى أثناء المشي. وسائل التواصل قلبت حياة المدينة الإعلامية رأسًا على عقب. صار الخبر ينتشر في دقائق قبل أن تنتهي القنوات الرسمية من تحريره. الجانب الجميل هو أن كل شخص صار له صوت، حتى المقاطع القصيرة اليوتيوبية أو التغريدات العابرة ممكن تخلق نقاشات واسعة.
لكن في المقابل، أجد أن بعض المحتوى أصبح سطحيًا جدًا، الكل يريد التفاعل السريع دون تعمق. أتذكر مرة شفت تغطية حية لحادثة في وسط البلد، كانت مليئة بالأخطاء والإثارة الزائدة. الفكرة هنا أن السرعة أحيانًا تضرب الدقة. ومع ذلك، ما زلت أستمتع بمتابعة بعض الحسابات التي تقدم تحليلات عميقة عن الأفلام والمسلسلات، مثل تلك التي تناقش رمزية مشهد في 'Breaking Bad' أو تشرح فلسفة أنمي مثل 'Death Note'. الحياة الإعلامية في المدينة صارت ديناميكية أكثر، لكنها أيضًا تحتاج منا كجمهور أن نكون أكثر وعيًا.
كنت أتجول في شوارع القاهرة ليلة أمس، وأثناء تصفحي لتطبيق تيك توك، تذكرت كم أثرت شخصيات مثل 'أحمد الغندور' في طريقة استهلاكي للمحتوى. هذا الرجل لديه قدرة سحرية على تحويل أي موضوع عادي إلى قصة مشوقة تستحق المتابعة. أتذكر عندما كان يغطي أحداث مهرجان الجونة السينمائي، جعلني أشعر وكأنني هناك برفقة النجوم.
لكن لا تنسى أيضاً 'نورا شريف'، تلك المذيعة الشابة التي استطاعت بجرأتها وطريقتها السلسة أن تجذب جمهوراً ضخماً على يوتيوب. برنامجها الحواري الرقمي يصنع فارقاً حقيقياً في نقاشاتنا اليومية. في الحقيقة، هذان الاثنان يمثلان جيلاً جديداً من الإعلاميين الذين يعرفون كيف يلامسون قلوبنا عبر الشاشات الصغيرة. عندما أشاهد فيديوهاتهم، أشعر أن المدينة كلها تتحدث من خلالهم.
كنت أتابعها على شاشة التلفزيون في التسعينيات، كانت مقدمة برامج صباحية تقليدية، تقدم فقرات الطبخ والزيارات العائلية. لكنها مع دخول الألفية الجديدة، تحولت بشكل مذهل إلى شخصية رقمية ناشطة.
بدأت بودكاست أسبوعي تناقش فيه قضايا المرأة والمجتمع بجرأة، وحسابها على يوتيوب تجاوز المليون متابع. الأجمل أنها دعمت جيلاً كاملاً من صانعات المحتوى الشابات، وفتحت استوديو للإنتاج المستقل.
شخصية أخرى أتابعها بحماس 'فهد الرشيد'، كان معلقاً رياضياً متحفظاً، أما الآن فأجده قد أسس منصة رياضية تفاعلية تدمج بين التحليل العميق والفكاهة، حتى أنه استضاف نجوم كرة قدم عالميين. المدينة تغيرت والإعلام تطور معها، والإثارة تكمن في أن كل شخصية منهم تعكس جزءاً من تحولنا الثقافي.
أتذكر أن أولى إشارات التحول بدأت في أواخر عام 2015، عندما دشنت إحدى القنوات المحلية تجربة لبث برامجها عبر الإنترنت حصريًا.
كنت أجلس مع أصدقائي في مقهى وسط البلد، وكنا نتابع مباراة كرة قدم عبر تطبيق على الهاتف بدلاً من شاشة التلفاز المعلقة في المقهى. وقتها، لم نكن ندرك تمامًا أن هذا المشهد البسيط يمثل فجر عصر جديد. ما زلت أذكر كيف أن جودة البث لم تكن مستقرة، وكنا نضحك كلما تجمدت الشاشة في لحظة هدف محتمل!
بعدها بفترة قصيرة، لاحظت أن الشركات الكبرى بدأت تخصص ميزانيات ضخمة لمنصات رقمية، وظهرت صفحات على 'فيسبوك' و'يوتيوب' تقدم محتوى حصريًا لا يُعرض على التلفزيون التقليدي. بحلول عام 2018، أصبحت العروض المباشرة عبر الإنترنت جزءًا لا يتجزأ من روتين سكان المدينة، من حفلات الشارع إلى الندوات الثقافية. اليوم عندما أسير في الشارع، أرى الجميع منشغلين بهواتفهم يشاهدون بثًا مباشرًا لحدث ما، حتى أن المقاهي أصبحت تعرض شاشات صغيرة لرمز الاستجابة السريعة (QR code) للانضمام إلى البث. هذا التحول لم يكن مفاجئًا، لكنه كان أشبه بموجة هادئة جرفت كل شيء تدريجيًا.
أنا من النوع اللي يعشق الأفلام اللي تاخدك في جولة بزوايا الإعلام الحقيقي، وفيه فيلم صرخ في وجهي من أول مشهد: 'Nightcrawler'. هذا العمل مش مجرد فيلم، هو غوصة في عالم الأخبار المثيرة للجدل والطموح اللا محدود. جيك جيلنهال كان بشع بشكل جميل، رسم شخصية لوي بلوم اللي يصور حوادث مروعة ليبيعها للمحطات.
أحسست إن الفيلم يفضح كيف بعض القنوات تبحث عن الإثارة على حساب الأخلاق، صراحةً، الشوارع الليلية في لوس أنجلوس وصوت الماسح الضوئي للشرطة خلقوا جواً نفسياً مخيف. اللي خلاني أتأمل هو العلاقة بين لو والمحررة نينا، وكيف إنهم شكّلوا شراكة سامة. هذا الفيلم خلاّني أتساءل: ليه بعض الناس يضحون بإنسانيتهم عشان لحظة شهرة؟
هناك الكثير من الأماكن الرائعة لمتابعة البودكاستات اللي بتتكلم عن الحياة الإعلامية في المدينة، لكن خليني أقولك إن 'Spotify' و 'Apple Podcasts' هما الخيارات الأكثر شيوعًا. أنا شخصيًا بدأت رحلتي مع البودكاست من خلال 'Spotify'، لأنه سهل الاستخدام وبيقترح عليك حلقات جديدة بناءً على اللي بتحبه. فيه بودكاست اسمه 'Media City Life' اللي بحكيه من زمان، بيتناول قصص الصحفيين والمبدعين في المدن الكبرى زي دبي والقاهرة.
لكن إذا تبغى شي أعمق، جرب 'Anchor' أو 'Google Podcasts'، لأنها بتدعم محتوى مستقل من صناع محتوى عرب شغوفين. في حلقة مره سمعتها عن الإعلام الرقمي في الرياض، حسيت إني عشت التجربة معاهم. لا تنسى تتفرج على 'YouTube' كمان، بعض البودكاستات بتصور جلسات حية وتضيف طابع بصري يخليك تحس بأجواء المدينة وكأنك معاهم في المقهى.
أكثر ما يلفتني في 'الإعلام في المدينة' هو تلك الرموز التي تتكرر مثل أجراس الإنذار الخفية. مثلاً، مشهد الباب الزجاجي الذي ينعكس عليه ضوء الشارع - كل مرة يظهر فيها، أعرف أن شيئاً درامياً على وشك الحدوث.
أتابع المسلسل منذ الحلقة الأولى، وأصبحت أعتبر تلك اللقطات بمثابة رسائل مشفرة من المخرج. لا أستطيع وصف شعوري عندما التقطت لأول مرة رمز الغراب الذي يحلق فوق المبنى الرئيسي للشركة - كان ذلك دليلاً على خيانة وشيكة.
حتى الموسيقى التصويرية تحمل أبعاداً رمزية، حيث يستخدم لحن البيانو الحزين فقط في مشاهد الحوارات المصيرية. هذه التفاصيل الصغيرة تجعلني أشعر أنني جزء من عالم المسلسل، أبحث عن أدلة مثله مثل الشخصيات نفسها.