لا يمكن فصل قراءة '
كاماسوترا' عن التحولات التاريخية والثقافية التي مرّ بها النص، لأن كل عصر أعاد تشكيله بحسب اهتماماته وإطاره الفكري والسياسي. النص الأصلي لُوحظ غالبًا كجزء من تقاليد هندية قديمة تتعامل مع كاما (الرغبة) كأحد
الأهداف الأربعة للحياة جنبًا إلى جنب مع الدارما والأَرثا والمُوكشا، لذلك كان يُفهم تقليديًا ضمن منظومة أخلاقية واجتماعية متكاملة، لا كمجموعة من أوضاع جنسية منفصلة عن سياق الحياة الزوجية والفنون والسلوك الاجتماعي. الباحثون في
العصور الوسطى كتبوا شروحًا ومتممات وسِجلات تطبيقية حوله، واعتبروه مرجعًا في آداب المجالس والعلاقات بين الجنسين، كما ضمّنته كتب عن الآداب والمعاشرة في
مناهج أدبية وأخلاقية أوسع.
مع دخول النص إلى عصر الاستعمار والترجمات الأوروبية في
القرن التاسع عشر، تغيّرت قراءة 'كاماسوترا' بشكل جليّ: فقد عرّضه بعض المستشرقين للتبسيط أو للتحريف بتحويله إلى رمز لل
غريزة الشرقية والغرابة الجنسية، بينما حاول آخرون ترجمته إلى لغات غربية مع رقابة أخلاقية أو حجب أجزاءٍ منه. هذه الحقبة أنتجت صورتين متناقضتين؛ الأولى مُغربة ومثيرة حسّنت من ترويج سياحة الفاحشة والاستشراق، والثانية ضيّقت النص إلى مكتبة «كتب ممنوعة» في كثير من المجتمعات المحافظة. رد فعل المجتمع الغربي تجاه الترجمات أكسب 'كاماسوترا' سمعة جنسية بحتة، متجاهلة جوانبها الاجتماعية والفلسفية.
في
القرن العشرين وما بعده، دخلت مقاربات أكاديمية وأنثروبولوجية ونقدية جديدة على الخط. دارسوا النص من مناظير سوسيولوجية وأنثروبولوجية فحصوا الدلالة الاجتماعية للأقسام التي تتناول الزفاف، العلاقات خارج الزواج، التسلسلات الطبقية، ودور الفنون في التحبب والفتنة. الباحثون النقديون والنقاد النسويون أعادوا قراءة النص بنبرة نقدية: انتقدوا بعض أجزاءه لتمثيلها علاقات سلطوية وجندرية تقليدية، لكنهم أيضاً أشاروا إلى وجود نصوص وفقرات تمنح مساحة لممارسة اجتماعية لنساء قادرات على اتخاذ خيارات، فضلاً عن إشارات مبكرة إلى تنوّعات جنسية مثل ما يُشار إليه أحيانًا بالنوع الثالث، وهو ما فتح الباب أمام قراءات مثليّة ونقدية للجندر. الأبحاث التاريخية الحديثة ركّزت كذلك على المسألة النصّية — تحديد نسخ مختلفة، تاريخ التأليف، وكيف أثّرت الطبقات الاجتماعية والمحلية على تداول النص.
القراءات المعاصرة لا تقتصر على الاكاديميا؛ فالثقافة الشعبية أعادت توظيف 'كاماسوترا' بطرق عديدة: من كتّاب ومترجمين يقدمونه كدليل للعلاقات الحميمية إلى محافظين يحاولون إعادة تأطيره كتراث ثقافي هندي «مشرّف». وفي الوقت نفسه، حركات تحريرية وجنسية تناولته بلهجة إيجابية، معتبرة إياه موردًا لفهم أوسع عن العلاقة بين الجسد والرغبة والسياق الاجتماعي. الخلاصة العملية التي أخرجت بها من كل هذا الزحمة هي أن 'كاماسوترا' ليس نصًا واحدًا ثابتًا، بل مرآة للثقافات التي قرأته: كل عصر قرأه بحسب مخاوفه وتحالفاته، وأعاد تشكيل معناه بما يخدم رؤيته للعلاقة، للسلطة، وللقيَم الاجتماعية والجنسية.