Chapter: البئر القديمكان الطريق يمتد أمامهم كخيطٍ داكن يشقّ بحرًا من الذهب.منذ أن غادروا المدينة، قلّت المباني شيئًا فشيئًا، حتى اختفت تمامًا، ولم يبقَ حولهم سوى الصحراء.صحراء واسعة، هادئة، مهيبة.كانت الشمس قد ارتفعت، وأخذت الرمال تعكس الضوء حتى اضطر إدريان إلى تضييق عينيه كلما نظر من النافذة.أما ريم، فكانت تحمل القطعة المعدنية في كفها.لم تتركها منذ عثروا عليها أمام باب الغرفة.كانت باردة في البداية.لكنها أصبحت دافئة شيئًا فشيئًا، وكأنها تستجيب لوجودها.أو لوجود إدريان.لم تكن تعرف أي الاحتمالين أكثر إزعاجًا.قال إدريان وهو يراقبها:— "منذ الصباح وأنت تنظرين إليها."— "لأنها غريبة."— "كل ما يتعلق بهذا الكتاب غريب."قلبت القطعة بين أصابعها.— "المشكل أنها ما كانتش تضيء حتى لمستها أنت."نظر إليها بصمت.ثم قال:— "وهذا ما يقلقني."رفعت رأسها.— "علاش؟"— "لأنني لا أعتقد أن الكتاب يختار الأشخاص عشوائيًا."ساد الصمت.لم تجد ريم جوابًا.فهي كانت تفكر في الأمر نفسه منذ الليلة الماضية.إذا كانت الكتب السبعة بوابات، فلماذا اختارها الكتاب الأول؟ولماذا أعاد إدريان معها؟ولماذا ظهرت العلامة عندما لمس هو القطع
Last Updated: 2026-08-26
Chapter: مدينة الرمال والاسرار (الجزء الثالث)لم تتبع ريم الرجل ذو العمامة.ولم يكن ذلك لأنها لم تكن فضولية؛ بل لأن شيئًا في نظرة إدريان جعلها تفهم أن الأمر أكبر من مجرد رجل غريب يراقبهم.قال لها بهدوء:— "لا نتحرك الآن."رفعت حاجبها.— "علاش؟"— "لأننا لا نعرف من يراقب من."نظرت إليه لحظة، ثم ابتسمت رغم توترها.— "راك وليت تحكي كيما رجال المخابرات."— "لا أعرف ما معنى ذلك."— "خير ليك ما تعرفش."لم يفهم.فقط نظر إليها باستغراب.ضحكت ريم، ثم عادت إلى كوب الشاي.بعد دقائق، نهض الجد عبد القادر.— "نروحو."خرج الثلاثة من المقهى، لكن هذه المرة لم يسلكوا الطريق نفسه الذي دخلوا منه.قادهم الجد عبر زقاق ضيق، تحيط به جدران طينية عالية، تتدلى من بعضها نباتات صغيرة جافة.كانت الشمس قد ارتفعت، وأصبح الهواء أكثر حرارة.ومع ذلك، كان الزقاق باردًا نسبيًا بسبب الظلال.أعجب إدريان بطريقة بناء البيوت.اقترب من أحد الجدران وقال:— "من المدهش أن الناس عرفوا كيف يصنعون البرودة من الطين."أجاب الجد دون أن يتوقف:— "الناس زمان كانوا يعرفو يعيشو بلا ما يحتاجو لكل شيء."ترجمت ريم كلامه.ظل إدريان صامتًا.ثم قال:— "ربما كنا نملك أشياء كثيرة، لكننا نسينا
Last Updated: 2026-08-18
Chapter: مدينة الرمال ولاسرار (الجزء الثاني)لم يكن الرجل ذو العمامة الصحراوية ينظر إليهما كما ينظر الفضولي إلى غريبين.كانت نظرته أهدأ من ذلك.وأعمق.كأنه يقارن بين الصورة التي يحتفظ بها في ذاكرته، والرجل الذي يقف أمامه الآن.ظل يراقب إدريان بصمت، حتى اختفى الأخير بين الأزقة الضيقة مع ريم والجد عبد القادر.عندها فقط تحرك.لكن ليس باتجاههم.بل دخل زقاقًا جانبيًا ضيقًا، واختفى بين البيوت الطينية وكأنه لم يكن موجودًا أصلًا.---في هذه الأثناء، كانت ريم قد توقفت أمام متجر صغير تفوح منه رائحة الجلد المدبوغ.تعلقت على واجهته حقائب تقليدية، وأحزمة مطرزة، وأغماد مزينة بنقوش أمازيغية دقيقة.أخذ إدريان يتأمل الزخارف بإعجاب.كانت تختلف عن الزخارف التي اعتاد رؤيتها في قصره.لا تيجان.ولا شعارات ملكية.بل مثلثات وخطوط متشابكة ونجوم صغيرة، وكأن كل قطعة تحكي حكاية صانعها.قال وهو يمرر أصابعه فوق قطعة جلدية منقوشة:— "كل شعب يترك أثره على الأشياء التي يصنعها."ابتسمت ريم.— "لهذا أحب الصناعات التقليدية."التفت إليها.— "لأنها تشبه الكتب."رفعت حاجبها باستغراب.— "كيف؟"— "كل قطعة تروي قصة، حتى لو لم تتكلم."ساد بينهما صمت قصير.كانت هذه إحدى ا
Last Updated: 2026-08-05
Chapter: مدينة الرمال والاسرار(جزء الاول)حين استيقظت ريم في صباح اليوم التالي، كان الصمت أول ما لفت انتباهها. ليس الصمت الذي يسبق الفجر في المدن، ولا ذلك الذي تعرفه في ليالي الشتاء على شرفة منزلها في العاصمة، بل صمتٌ آخر، واسعٌ إلى درجة أن الإنسان يسمع فيه أنفاسه بوضوح. فتحت النافذة الخشبية لغرفتها ببطء. وفور أن انفرجت، اندفعت إلى الداخل موجة من الهواء الجاف الدافئ، تحمل رائحة الرمال وأشجار النخيل، ممزوجة بعطر خفيف يشبه الشيح البري. امتد أمامها الأفق بلا نهاية. سماء زرقاء صافية، لا تعكرها سحابة واحدة. ورمال ذهبية تلمع تحت ضوء الشمس الأولى، حتى بدت كأنها بحر هادئ تجمدت أمواجه منذ آلاف السنين. وقفت تحدق في المشهد طويلًا. ورغم أنها جزائرية، فإنها لم تطأ الجنوب من قبل. طالما شاهدته في الصور والأفلام الوثائقية، لكن الواقع كان أكثر هيبة بكثير. خلفها، سُمعت حركة خفيفة. كان إدريان قد استيقظ هو الآخر. وقف بجانبها دون أن يتكلم. ولم يبعد نظره عن الصحراء. قال أخيرًا، بصوت يكاد يهمس: — "I have never seen silence take a shape." ابتسمت ريم. ثم ترجمت عبارته إلى العربية لنفسها. "لم أرَ الصمت يتخذ شكلًا من ق
Last Updated: 2026-07-27
Chapter: طريق الرمال الذهبيةحلّ صباح الانطلاق أخيرًا.ومنذ ساعات الفجر الأولى كان البيت مستيقظًا.أضواء المطبخ مضاءة.وصوت الأواني يتردد في الأرجاء.ورائحة القهوة القوية تعبق في المكان.أما أم ريم فكانت تتحرك بين الغرف بسرعة وكأنها تستعد لإرسال بعثة استكشافية إلى آخر الدنيا.في الحقيقة...كان الأمر قريبًا من ذلك.نزلت ريم إلى الطابق السفلي وهي ما تزال تقاوم النعاس.فوجدت المائدة ممتلئة بما يكفي لإطعام قرية كاملة.خبز.وتمر.وجبن.وزجاجات ماء.وحلويات تقليدية.وأنواعًا كثيرة من الطعام الملفوف بعناية.رفعت حاجبيها.ثم قالت:— "ماما... رايحين رحلة ولا هجرة جماعية؟"ضحكت أمها.— "الصحراء ما فيهاش لعب."في تلك اللحظة دخل إدريان.كان يرتدي قميصًا بسيطًا وسروالًا داكن اللون.ملابس عادية جدًا مقارنة بما كان يرتديه في مملكته.ومع ذلك...كانت هيئته ما تزال تحمل شيئًا من الوقار الملكي الذي يصعب إخفاؤه.حتى عندما حاول أن يبدو شخصًا عاديًا.توقف أمام الطاولة.ونظر إلى كمية الطعام.ثم التفت إلى ريم.وقال بالإنجليزية:— "Are we feeding the desert?"كتمت ريم ضحكتها.أما الجد عبد القادر فكان واقفًا خارج المنزل يراجع السيارة للمر
Last Updated: 2026-07-16
Chapter: الحارس الذي ينتظر في الصحراءلم يكن أمين المكتبة من الرجال الذين يخافون بسهولة.على مدى عقود طويلة قضاها بين الكتب القديمة والمخطوطات المنسية، قرأ قصصًا عن ممالك سقطت، وعن أسرار دفنتها الرمال، وعن أبواب كان من الأفضل ألا تُفتح أبدًا.لكن الكلمات التي ظهرت تلك الليلة فوق صفحات الكتاب الأسود جعلت الدم يبرد في عروقه.لقد استيقظ الحارس الثاني.ظل يحدق في الجملة طويلًا.كأنّه يأمل أن تختفي.أن تكون وهمًا.أو خطأً.لكن الحروف الذهبية بقيت ثابتة فوق الصفحة.وحينها فقط أدرك أن الزمن الذي ظل يخشاه قد بدأ أخيرًا.في الجهة الأخرى من المدينة، كانت ريم تجلس فوق سطح المنزل.اعتادت منذ طفولتها الصعود إلى هناك عندما تحتاج إلى التفكير.كانت السماء صافية.والنجوم تلمع فوقها.أما النسيم الليلي فكان يحمل معه روائح الأشجار والبيوت المجاورة.جلست تضم ركبتيها إلى صدرها.وتفكر.منذ سنوات قليلة فقط كانت أكبر مشكلاتها تتمثل في الامتحانات الجامعية، أو في اختيار كتاب جديد من المكتبة.أما الآن...فهي تتحدث عن كتب سحرية وعوالم أخرى وحراس مجهولين.ضحكت بخفة وهي تتذكر حياتها القديمة.بدت بعيدة جدًا.وكأنها تخص شخصًا آخر.سمعت خطوات خلفها.لم تك
Last Updated: 2026-07-10