Chapter: ✦ جراح لا تُنسى ✦فلاش باك كان جاد يحاول اللحاق بأمه التي اختفت عن الأنظار وسط تلك الفوضى، لكن بحكم أنه كان يحمل ابنة عمه، وكان مثقلًا بها وهو لا يزال صغيرًا، لم يستطع اللحاق بها. وفي تلك اللحظة، شعر بأن أصوات القصف تقترب من جديد، وأن الخطر قد يصل إليه في أي لحظة. غيّر اتجاهه، وخرج من باب المطبخ، وأطلق ساقيه للريح، متجهًا نحو الغابة، لا يريد سوى الابتعاد عن الحي والاختباء قدر الإمكان وحمايتها. اختبأ تحت إحدى الأشجار، وهو يحتضنها بقوة، خائفًا ومرتجفًا، بينما كانت هي تبكي بلا توقف. حاول إسكاتها بكل الطرق، لكنها لم تهدأ، فاضطر إلى وضعها هناك، على أمل أن يعود إلى أمه ويجلبها فيما بعد. وفي الوقت نفسه، كانت أم جاد في الحي تبحث بجنون عن جاد والصغيرة، قلبها كان يخفق بقوة، والخوف ينهشها من الداخل. وما إن استدارت حتى لمحت ابنها قادمًا يركض. أسرعت نحوه، واحتضنته وهي تبكي. — أمي... تعالي معي! إيميلي تبكي... أرجوكِ، تعالي! جرّها معه، وهي تركض خلفه، حتى وصلا إلى المكان. وقبل أن يقتربا أكثر، توقّفا فجأة. كانت إيميلي بين يدي رجل أجنبي غريب مع حارسه الشخصي، يحملها وهو ينظر اليهم نظرة باردة. تجمّدا ف
Last Updated: 2026-08-13
Chapter: وعدٌ تاه بين الرمادكان يسمع في أذنيه صوت بكاء ليرا، وكأنه يسمع بكاء أمه من جديد. ذلك الشيء الذي قضى حياته كلها يهرب منه حتى لا يتذكره… ها هو الآن يعود إليه بكل تفاصيله. كره نفسه. قبض يده بقوة، ثم أعادها إلى جانبه وهو يحاول أن يتمالك نفسه. — لماذا جئتِ؟ لماذا تفعلين بي هذا؟ لماذا تجعلينني أؤذيك؟ أزاحت ليرا يدها عن وجهها، ونظرت إليه بخوف، ثم قالت بارتباك: — خفت عليك. — خافي على نفسك مني… أنا لا أستحق شيئًا. اقتربت منه وهي ترتجف، ووضعت يدها على وجهه برفق. — لا تفعل هذا بنفسك. خفض جاد رأسه، وكأنه شعر بلمستها رغم كل السعير بداخله. — لم أكن أريد أن أفعل بك هذا … منذ أن رأيتك وأنا أظلمك، وأنت صابرة عليّ. كان يجب أن تهربي مني يوم كانت لديك الفرصة. أمسكت بيديه: — لا أريد الهرب… أريد أن أبقى معك. نظر جاد إلى أنفها الدامي: — لا أشعر أنني بخير… سأؤذيك. نهضت ببطء، ثم أمسكت بيده وساعدته على الوقوف. وقف أمامها، ينظر إليها بصمت. اقتربت منه أكثر، وكانت عيناها تحملان خوفًا حقيقيًا، لكنها حاولت أن تظهر القوة. — أنا بين يديك. افعل بي ما تريد، ولكن لا تبقَ هكذا. وضع جاد جبهته على جبهت
Last Updated: 2026-08-13
Chapter: ✦༺ ندوبُ الماضي ༻✦كان الغيظ يغلي في عروق جاد، الشيء الوحيد الذي كان يمنحه الصبر هو أنه سيعود ليرى ليرا ويرتاح في حضنها... وينسى كل ما وقع. عادوا إلى هولندا في المساء... دخلوا القصر والخدم يستقبلونهم، لم يكونوا على علم بموعد قدومهم حتى أطلوا عليهم فجأة، حينها فقط سارعوا إلى المطبخ ليعدوا العشاء. توجه جاد مباشرة إلى غرفتها وفتح عليها الباب ليجدها نائمة... كان يعلم أنها ستستيقظ من سباتها قريبًا. خلع ملابسه بالكامل واندس بجانبها نائمًا، ضمها إليه وهو يستنشق رائحتها... ولم يشعر بنفسه إلا والنوم يسلبه وعيه. دخل "هندريك" عندهما بعدما كان يطرق الباب ولا مجيب، كان يريد مناداة سيده لتناول العشاء، ولكنه عندما رآهما نائمين بتلك الوضعية عاد أدراجه وخرج مغلقًا الباب. أما "لوكاس" فكان في غرفة معشوقته، يطرق بابها وهي لا تفتح له رغم أنها مستيقظة وتسمع كلامه كله... لوكاس: افتحي الباب... أريد رؤيتك... (وضع رأسه على الباب) أنا لم أتزوج... لقد عدت إليكِ. كان يتحدث معها، حتى أحست بأنه لم يعد موجود، مشت بهدوء وفتحت الباب تطل برأسها، وخرجت تلفت رأسها يمينًا ويسارًا... تراجعت خطوتين إلى الوراء لتصطدم بشيء صلب خلفها
Last Updated: 2026-08-13
Chapter: ༺زَفَافٌ لَم يَكْتَمِل༺✦ ألمانيا ✦ كان جاد جالسًا يشرب قهوته ليلًا ويقرأ الجريدة بهدوء، حتى جلس إلى جواره لوكاس. لوكاس: «كنت أظن أن الزفاف سيكون بيننا فقط.» جاد: «أنت تعرف أن أناليس أرسلت الدعوات إلى جميع الشخصيات، ومن حقها أن تجعل هذه الليلة مميزة، فهي ليلة واحدة في العمر.» لوكاس: «جاد…» (ابتلع ريقه.) جاد: «نعم؟» (وضع الجريدة جانبًا ونظر إليه.) لوكاس: «هل أنت متأكد من هذا الزواج؟» جاد: «كيف ذلك؟ ما هذا السؤال؟» (رفع حاجبه.) لوكاس: «لست مرتاحًا… ومنذ مدة وأنا أريد أن أخبرك بذلك.» جاد: (ابتسم.) «يبدو أن توتر الزفاف أصابك. هذا أمر طبيعي، ويحدث للجميع. أنا لم أقل لك أن تدفن حياتك بجوار أختي… ستظل تعيش حياتك كما تريد.» لوكاس: «ولماذا لا تتزوج أنت أيضًا ونرتاح جميعًا؟ لماذا أنا؟ هل لديك شيء ضدي؟» جاد: «انظر، في هذا الزمن من النادر أن تجد امرأة تحبك فعلًا، وأناليس تحبك، وأنا لن أشعر بالاطمئنان عليها إلا معك. لذلك أرى أن زواجكما هو أفضل قرار.» لوكاس: «حتى ليرا تحبك، اذهب وتزوج بها.» جاد: «ليرا لا تحبني، وأنا لا أحبها… وما يجمعني بها حتى نحن لا نفهمه، وأنت تعرفني، أنا لن أتزوج أبدًا…» لو
Last Updated: 2026-08-13
Chapter: ✧ حين يتذكّر القلب ✧ألغت لينا فكرة الخروج تمامًا، وصعدا معًا الدرج المؤدي إلى غرفة دايمون. وما إن تجاوزا عتبة الباب حتى استدار نحوها، وجذبها إليه في اندفاع أربك أنفاسها. تراجعت حتى اصطدمت بالزجاج، وشعرت للحظة أنها قد تفقد توازنها من شدة اقترابه منها. لم يمنحها فرصة للكلام. انحنى يقبلها بشغف، بينما راحت أصابعه تعبث بأزرار قميصه في عجلة، وكأن صبره قد نفد تمامًا. كانت في عينيه نار تلتهم الأخضر واليابس؛ رغبة صريحة تختلط بلهفة لا يمكن كبحها، حتى بدا وكأنه يريد قطع المسافة بينهما بأي طريقة. ابتعد عنها للحظة ليلتقط أنفاسه، ثم عاد إليها، يغمر وجهها وعنقها بقبلات متتابعة، قبل أن يحملها بين ذراعيه ويضعها برفق فوق السرير. اقترب منها، وما إن مد يده نحو ملابسها حتى أوقفته لينا. — «لا أستطيع يا دايمون... أنا في فترة الحيض.» تجمد في مكانه. عقد حاجبيه، وارتسمت على وجهه خيبة واضحة جعلتها تكاد تضحك. — «هذا ظلم بحقي! انظري إلى حالتي الآن!» ضحكت بخفة وهي تحاول تهدئته: — «ليس بيدي حيلة... الأمر خارج عن إرادتي.» أطلق دايمون تنهيدة طويلة، ثم نظر إليها من رأسها حتى قدميها، وكأنه يبحث عن حل سحري لهذه ال
Last Updated: 2026-08-13
Chapter: ⚡أسرارٌ تُكشف وقلوبٌ تتعلّق ⚡✦ سويسرا ✦ استيقظت لينا في الصباح، وفتحت عينيها ببطء، لتجد نفسها وحيدة فوق السرير، غارقة وسط الفراش الواسع. مدّت يدها إلى الجانب الآخر، فلم تجد دايمون. رفعت رأسها ونظرت حولها باستغراب. أين ذهب؟ التفتت إلى الساعة، فاتسعت عيناها حين وجدتها تشير إلى التاسعة صباحًا. أين يمكن أن يكون قد ذهب في هذا الوقت؟ سرعان ما قفزت إلى ذهنها الفكرة الأكثر استفزازًا. ربما انتظر حتى غفت، ثم ذهب إلى الملهى وأحضر فتاةً إلى غرفة أخرى ليقضي معها الليل. عقدت حاجبيها بضيق. يا له من رجل مكبوت! فليذهب إلى الجحيم! تنهدت بعمق، فهي لم يكن من حقها أن تغضب. لم يكن دايمون ملزمًا بتقديم تفسير لها، ولا كانت هي زوجته أو حبيبته حتى تحاسبه على المكان الذي يذهب إليه أو الفتيات اللواتي يعرفهن. لكن المشكلة الحقيقية أنها بدأت تشعر نحوه بشيء لم تعد قادرة على تجاهله. ولو لم تكن قد تعلقت به بهذا الشكل، لأخذت أغراضها ورحلت من دون أن تلتفت خلفها. نهضت من السرير بوجه عابس، ودخلت الحمام لتأخذ حمامًا سريعًا. وبعد أن انتهت، تركت شعرها يجف على طبيعته، ثم لفّت جسدها بمنشفة واتجهت نحو النافذة الزجاجية الضخمة. وما إن أطلت من
Last Updated: 2026-08-12
Chapter: أجنحة مكسورة**ريتا:** سأذبحك وأذبح نفسي من بعدك إن لمستني... سأقتل نفسي ولن أدعك... ...ابتسم ومسح البصاق عن وجهه وهو ينظر إليها بعينين حمراوين، وكانت ابتسامته بداية تحدٍّ كبير... كان سعيداً بما يراه أمامه؛ جنونها وحركاتها... يعلم تماماً أنه سيستمتع. كل هذه الأفكار وما يشعر به جعله يغلي، وجعله يطلق العنان لعنفه... ...رفع يده وصفعها مباشرة على وجهها... ثم أتبعها بثانية وثالثة تاركاً وجهها محمراً من شدة الصفع، والدم يسيل من أنفها... قبض على شعرها يجرها ذهاباً وإياباً وهو يهمس في أذنها... **فيكتور:** ستظلين تتذكرين هذه الليلة حتى أدفنكِ في قبركِ... *(خنقها من عنقها ودفعها بقوة ضد الحائط حتى جحظت عيناها، وبدأ يضحك كالمجنون)* ويوم أدفنكِ سأكتب عليه: " أخضعت المتمردة الصغيرة ..." *(دفن وجهه في عنقها، عضّها ثم نطق)* لأن قبركِ في هذه الدنيا هو فراشي... حاولت ريتا التقاط أنفاسها المكتومة، وصدرها يعلو ويهبط بعنف وهي تحاول دفع صدره الصلب بكل ما تبقّى لها من قوة ضئيلة. ورغم كل شيء فعله بها، إلا أن عينيها لم تعكسا الانكسار، بل توهجتا بنيران حقدٍ وعناد لا يلين. تراجع فيكتور خطوة إلى الوراء، مرخياً قبض
Last Updated: 2026-07-12
Chapter: الجزء الثاني: تحت رحمة القدرفي الجناح الملكي، استغرقت فاليريا في النوم حتى اقتربت الظهيرة، بدأت تستعيد وعيها ببطء. لم يكن استيقاظاً عادياً، بل كان ارتطاماً عنيفاً بـواقع مرير، حيث استقبل جسدها أولى أنفاس اليقظة بـموجة ساحقة من الألم المبرح. كان ظهرهـا يشهد سعيراً لا يهدأ، وكأن النيران لا تزال تلتهم لحمها. حاولت التحرك قليلاً لـتخفيف الضغط، فشعرت بـدفء غريب بـجانبها. أدارت رأسها بـصعوبة، لـتتسع عيناها؛ كان داميان مستلقياً بـجانبها فوق الفراش، واضعاً ذراعه أسفل رأسه، وصدره العاري يرتفع وينخفض بـأنفاس النوم المنتظمة. استغربت بشدة، واجتاحت عقلها تساؤلات مبهمة؛ كيف له أن ينام بـجانبها بـكل أريحية بعد أن كان جلادها بـالأمس؟ لكن شدة الحريق والوجع كان أقوى من أي تفكير أو دهشة. كانت تشعر بـرغبة ملحة لـلذهاب إلى الحمام، وجسدها يرفض الانصياع لها. تصلبت أطرافها، وحاولت الاستناد على كفيها لـتتحرك، فـانفجر الألم في ظهرها بـشكل غير محتمل، لـتطلق رغماً عنها تأوهاً يمزق السكون: — "آه... يـا إلهي..." أحدثت حركتها واضطراب الأغطية الى إيقاظه، فتح داميان عينيه المظلمتين، وجلس بـجذعه العاري فوق الفراش، مرجعاً خصلات شعره إلى
Last Updated: 2026-07-12
Chapter: مخالب الصياد وظلال العرشرمق ماركوس ريتا بنظرة ساخرة، وضغط بقبضته على المكتب بغطرسة قائلاً بصوت جاف: — "إجازة؟ هل جننتِ أيتها الفتاة؟ لقد استلمتِ عملكِ في هذا القصر للتو! لم يمر على وجودكِ هنا سوى أيام معدودة، وتتجرئين على طلب إجازة؟" سقطت دموع ريتا بغزارة وجثت على ركبتيها في توسل ذليل وهي تصر على طلبها: — "أتوسل إليك يا سيد ماركوس، انظر إلى حالي بعين الرحمة! الأمر مسألة حياة أو موت بالنسبة لي، فأذن لي بالذهاب اليوم فقط، وأقسم لك بكل ما هو غالٍ عندي أنني سأعوض هذا اليوم أضعافاً مضاعفة، وسأعمل ليلاً ونهاراً دون انقطاع، وسأتحمل كافّة المهام الشاقة وساعات العمل الإضافية دون أن أطلب قرشاً واحداً زيادة، فقط دعني أخرج اليوم!" تململ ماركوس في مقعده، وظهرت في عينيه الخبيثتين موافقة لكن بشروط: — "حسناً، اسمعي جيداً أيتها البائسة.. لن أمنحكِ يوماً كاملاً، فالعمر لا يتوقف هنا لأجل مرض عائلتكِ. سأعطيكِ ثلاث ساعات فقط لا غير! تذهبين فيها لرؤية والدكِ، وتعودين راكضة قبل أن يلاحظ أحد غيابكِ. وإن تأخرتِ دقيقة واحدة عن الموعد، فلن تجدي لكِ مكاناً في هذا القصر، وسأضمن بنفسي ألا توظفكِ أي عائلة في المملكة مجدد
Last Updated: 2026-07-09
Chapter: خيوط القدر المتشابكةتلاشت أصداء خطوات ولي العهد في الممرات الخارجية، ليحلّ مكانها سكونٌ أشد مرارة من الموت نفسه. بقيت فاليريا ممددة فوق الفراش، عاجزة عن الحركة، وجسدها ينبض بالألم الذي كان يسري في عروقها كالنيران. كانت الجروح المفتوحة على ظهرها تنزف ببطء، انفجرت بالبكاء كان نحيباً يائساً وممزقاً على تحطم كبريائها ونهاية أوهامها الوردية. نظرت إلى خاتم الزواج اللامع في إصبعها، ثم غطت وجهها بكفيها المرتجفتين، فامتزجت شهقاتها المكتومة بصرخات عتابٍ وجّهتها لطيفه الراحل، توبخ فيه طفولتها وحمق قلبها الذي وقع بحبه. "ماذا فعلتَ بي يا داميان! لقد أمضيتُ عمري أرجو نظرة رضا من عينيك، واليوم تجعل من جسدي خريطة لقسوتك! تباً لقلبي وتباً لروحٍ تعاتب سوطك وتلتمس لك الأعذار!" > تذكرت كيف كانت تنظر إليه بإعجاب منذ أن كانت طفلة صغيرة، وكيف غزى عقلها الصغير، كان هو فارسها، وحب عمرها قبل أن تفقه معنى السياسة. امتدت أصابعها لتتشبث بالفراش، ورفعت رأسها بصعوبة، وعيناها قد غرقتا بالدموع. ورغم الألم والمهانة التي ألحقها بوجدانها، لم تقوى روحها على كرهه؛ فكيف تكره رجلاً استوطن قلبها منذ الطفولة؟ استجمعت بقايا أنف
Last Updated: 2026-07-07
Chapter: العقاب الأليمدوت صفعة الباب الثقيل لـتهز أركان الجناح، جلست سيسيليا منتصف السرير، وضمت ركبتيها إلى صدرها، كـطائر جريح أصابته السهام من كل جانب. انهمرت دموعها بـصمت شديد، شاقةً طريقها فوق وجنتيها، ووضعت يدها المرتعشة فوق صدرها، محاولة كبح ذلك الألم العنيف الذي يعتصر قلبها بـقوة. كانت غارقة في حيرة قاتلة؛ لـماذا يؤلمها قلبها بـهذا الشكل لـرحيله وتخليه عنها هكذا؟ لم تكن تبكي من أجل داميان، فـقصته انتهت بـالنسبة لها، لكن الألم الجديد كان مختلفاً... كان ألم العجز أمام رجل لم تكن تتوقع أن كلماته قد تملك هذه القدرة على تمزيقها. "أنا لا أريد خداعه..." همست لـنفسها بـنبرة مخنوقة تائهة في الظلام. لم يكن ارتماؤها في أحضانه مكيدة مدبرة، ولا استغلالاً بـدماء باردة لـقوته كما ظن نوح. لقد كانت بـالفعل تبحث عن ملاذ، عن ركن آمن يحميها من شياطين عقلها، وظنت لـثانية واحدة أن الطاغية كما تسميه سيكون ملجأها الوحيد. لكن كبرياءه وغروره رفضا رؤية مشاعرها، واختصرا ضعفها وترددها في خانة الخداع. في وسط ذلك البكاء، بدأت الغشاوة تتضح عن عينيها لـتدرك الحقيقة المرعبة التي كانت تغفلها وتتجاهلها طوال الوقت. ذلك
Last Updated: 2026-07-05
Chapter: جدار من جليدتقدم نوح بخطوات ثقيلة وموزونة، كانت عباءته الداكنة تتطاير خلفه كأجنحة غراب في جوف الظلام، وعيناه الحادتان تفترسان كل تفصيلة في الحديقة؛ من الحراس إلى ألسنة اللهب التي كانت تلتهم آخر البقايا. توقف على بعد خطوتين منها. تفككت برودته وحل مكانها قلق مكتوم وثوران داخلي، خاصة عندما انكمشت ملامحه فجأة وهو يستنشق الهواء؛ فحواسه الخارقة، التقطت فوراً خيوط تلك الرائحة النفاذة... رائحة غريمه الأزلي "داميان" ممتزجة برائحة دماء جافة. نظر إلى طفلته العنيدة، فرأى وجهاً لم يعهده فيها من قبل. جمود وهدوء تام، تقدم خطوة إضافية، ليحجب بـجسده بقايا الحريق، ونطق بصوت عميق، تملؤه سلطة آمرة حاول جاهداً كبح جماح غضبها: "ماذا يحدث هنا يا سيسيليا؟ ما هذا الجحيم الذي أشعلتِهِ في هذا الليل؟" لم ترمش سيسيليا، ولم تلتفت إليه حتى. بقيت عيناها الزرقاوان معلقتين بالرماد المتطاير في الهواء البارد، وكأن نوح لم يكن موجوداً، أو كأنه مجرد طيف عابر لا يستحق عناء الالتفات. استفزه هذا الصمت الذي بات يمزق أعصابه. امتدت يده، وبـحركة حملت مزيجاً من القسوة والتملك الحذر، قبض على رسغها وأجبرها على الالتفات لتواجه عينيه اللت
Last Updated: 2026-07-04
Chapter: الاختبارلم يمنحوها حتى فرصة لالتقاط أنفاسها المتقطعة؛ صرخ أحدهم بصوت غليظ مكتوم خلف قناعه: **"تحركي! إلى الأسفل فوراً، وبدون أي حركات غبية!"** جذبها اثنان منهم بقسوة من ذراعيها، ورغم جسدها الذي يرتجف من الحمى، بصقت كلماتها في وجهيهما بشراسة: **"أبعدوا أيديكم القذرة عني! سأمشي وحدي أيها الحثالة!"** دفعوها بعنف على درجات السلم حتى وصلت إلى بهو الفيلا. هناك، تجمدت الدماء في عروقها حين رأت والدتها **زهرة** راكعة على الأرض، تبكي بحرقة وذعر، وفوهة مسدس باردة تستقر على رأسها المرتجف. وفي منتصف البهو، كان زعيمهم يجلس على الأريكة الجلدية ببرود مستفز، واضعاً قدماً فوق الأخرى، صامتاً تماماً كتمثال من جليد، ووجهه مختفٍ خلف قناع أسود. وقف بجانبه رجل آخر أضخم الجثة، يبدو أنه المتحدث باسمه. صرخت **ملاك** وهي تحاول الإفلات من قبضة الرجال: **"أمي! ماذا تفعلون بها؟ اتركوها أيها الجبناء!"** تقدم المتحدث بخطوة، وقال بنبرة آلية خالية من المشاعر: **"وفروا هذا الصراخ. الزعيم ليس لديه وقت ليضيعه. نريد إجابات واضحة ومباشرة."** رفعت **ملاك** رأسها بتحدٍ، وعيناها تشتعلان رغم الإعياء: **"إجابات عن ماذا؟ من أن
Last Updated: 2026-07-14
Chapter: أسرار عميقةلحظات من الصمت الثقيل لفت أركان تلك الغرفة، ولم يكن يُسمع فيها سوى أزيز الرياح الخريفية الباردة في الخارج، وهي تضرب زجاج النوافذ، يرافقها صوت أنفاس **مسك** الواهنة التي كانت تصارع سكرات المرض للبقاء على قيد الحياة. وقف **جبريل** كصخرة صماء بجانب الفراش، وعيناه المظلمتان تتأملان ذلك الجسد النحيل. امتدت يده المترددة—التي لطالما كانت سبب عذابها وجحيمها طوال الأيام الماضية—لتتحسس جبينها. كانت بشرتها ساخنة كالجمر، تلذع أصابعه بقسوة. لقد بدأت نبوءة الطبيب تتحقق سريعًا؛ واجتاحت الحمى جسدها المستنزف، لتغلي الدماء في عروقها. تراجع خطوة إلى الوراء، وعقد يديه أمام صدره، وكأن حرارة جسدها قد لسعته، تلاطمت في عقله أسئلة عدة، وسأل نفسه بمرارة: "مَن تكون هذه الفتاة حقًا؟ هل هي تلك الأفعى الماكرة التي حاكت خيوط المؤامرة لإنهاء حياة أخي واغتياله بدم بارد؟ أم أنها مجرد ضحية بريئة سحقها انتقامه الأعمى دون ذنب؟" انقبض صدره بقوة وهو يرى شفتيها المتشققتين تتحركان بتمتمات غير مفهومة، يرافقها أنين خافت يمزق سكون الغرفة. انحنى **جبريل** بجسده قليلًا، مدفوعًا برغبة عارمة في سماع ما تقوله وسط غيبوبتها ال
Last Updated: 2026-06-27
Chapter: فقدان الوعي بين يديهثوانٍ مرت كأنها دهر. تلاقت النظرات في صمت مريب؛ سواد عينيه الحارق الذي يفيض بالموت والوعيد، يقابله رماد عينيها الآسر الذي يمتزج فيه بريق البراءة الجريحة بعناد يائس. لكن تلك الجرأة لم تكن سوى الوميض الأخير لشمعة توشك على الانطفاء.فجأة، اهتزت نظراتها، خانتها قواها تمامًا؛ ولم يعد جسدها المستنزف بفعل أيام من الجوع والضرب المبرح قادرًا على المقاومة أكثر، خاصة بعد الصدمة الحرارية للماء المثلج الذي غمر جراحها ونخر عظامها.ارتخى رأسها إلى الخلف، وانطبقت جفونها ببطء، وتلاشت كل ملامح الحياة من وجهها الشاحب. وفي لحظة، ثقل جسدها تمامًا وارتخت أطرافها، لتسقط بين يديه الغليظتين كجثة هامدة، غائبة عن الوعي وعن كل ما يحيط بها.تجمد **جبريل** في مكانه، وشعر بالثقل المفاجئ لجسدها النحيل الذي بات معلقًا بالكامل بقبضته الممسكة بياقتها. تملكته دهشة ممزوجة بارتباك خفي لم يعتده؛ تطلع إلى وجهها المشوه بالكدمات، والدماء الممتزجة بالماء البارد التي تسيل على وجنتيها، ولم يجد في ملامحها سوى سكون الموت.**جبريل** (بصوت خفيض هزه القلق رغماً عنه): "**مسك**... استيقظي! لا تمثلي عليّ!"هزها بقوة، لكن رأسها مال على
Last Updated: 2026-06-19
Chapter: انفاس تصارعكان **جبريل** مستلقيًا على سريره الواسع، يصارع أفكاره القاتمة التي ترفض أن تستكين. خاض حربًا شرسة مع عقله طوال الساعات الماضية ليهدأ صخبه، حتى غلبه النوم أخيرًا ليرتاح بضع ساعات لم تخلُ من الكوابيس. استيقظ فجأة، وفتح عينيه ليجد عقارب الساعة تشير إلى منتصف الليل تمامًا. طار النوم من جفنيه، وشعر بضيق يجتاح صدره. نهض من فراشه وعزم على الخروج؛ فالمعسكر لا ينام، وأراد أن يرى إن كان **آدم** و**ملاك** قد وصلا إلى حافة الاتفاق أم أن النيران ما زالت مستعرة بينهما. توجه إلى غرفة الملابس، وارتدي بنطال جينز داكنًا، وقميصًا أسود ملتصقًا بجسده يكاد ينفجر من ضخامة عضلاته المفتولة. انتعل حذاءه الرياضي، وارتدى سترة جلدية سوداء، ثم التقط هاتفه المحمول ومفاتيح سيارته وخرج. هبط درج القصر الكبير، وكان الصمت المطبق يلف الأرجاء. قصر باهت، مظلم وهادئ، يخلو من أي روح أو نبض حياة؛ لم يعد يعيش فيه أحد غيره بعد أن تفرق أصدقاؤه، وبات كل واحد منهم غارقًا في هَمّه الخاص ومهماته الانتحارية. خرج إلى الباحة وركب سيارته الفارهة. وقبل أن يدير المحرك ويتحرك، ومضت صورتها في عقله بغتة. ترجل من السيارة، واتجه بخطوات ثقي
Last Updated: 2026-06-10
Chapter: قتال نارياشتعلت عينا **آدم** بشرر الجنون، وفقد السيطرة على أعصابه تمامًا بعد هذا الإذلال اللفظي. رفع يده الأخرى بغضب عارم ليوجه إليها ضربة قاضية تنهي هذه الغطرسة، لكن **ملاك** كانت قد توقعت حركته. في أجزاء من الثانية، تفادت اللكمة ببراعة مذهلة مستغلة خفة وزنها وقصر قامتها مقارنة به. اندفعت نحو الأمام بقوة دفع جسدها كله، وهزت رأسها ل تضربه بجبهتها ضربة حجرية مباغتة وقاسية على جبهته.ترنح **آدم** إلى الخلف خطوة، مذهولاً من جراء الصدمة والألم المفاجئ. وقبل أن يستوعب ما حدث أو يستعيد توازنه العسكري، انحنت **ملاك** بخفة البرق، ودارت حوله بسرعة فائقة لتصبح خلف ظهره تمامًا. قفزت بخفة ورشاقة مذهلتين، ولفّت ذراعيها النحيلتين والقويتين كقضبان الحديد حول عنقه، محكمةً عليه الخناق من الخلف بكل ما أوتيت من قوة مستنزفة.حاول **آدم** التملص والضرب بيديه إلى الخلف، لكنها كانت متمسكة به كظله، تضغط على مجرى تنفسه وتمنعه من الحركة الحرة. قربت فمها من أذنه، وقالت بنبرة حاسمة كحد السيف، تلفظ الكلمات ببطء لتدخل في عقله:**ملاك**: "إياك، ثم إياك أن تحاول التقليل من شأن امرأة تقف في ميدانك بعد الآن... وبدلاً من أن تد
Last Updated: 2026-06-10
Chapter: صدام في الساحة الفارغةكان السكون يلف زوايا مطعم المعسكر المصابيح الباهتة كانت تتذبذب فوق رأسها، ملقية بظلال رقيقة على ملامحها المجهدة. جلست **ملاك** بمفردها في تلك الزاوية البعيدة، تحيط بها جدران إسمنتية باردة شهدت على انكسار الكثيرين، لكنها بالنسبة إليها لم تكن سوى حافز إضافي للصمود. أمامها استقر طبق العشاء المعدني؛ طعام بسيط وبارد، لم تلمس منه سوى لقيمات معدودة، ليس زهدًا فيه، بل لأن التعب قد سلبها حتى الرغبة في الابتلاع. مضى يومان كاملان كأنهما دهر من العذاب المتواصل؛ يومان استُهلكا في تدريبات وحشية، وركض مرير تحت شمس حارقة لا ترحم، وقفز فوق الحواجز، وزحف تحت الأشواك فوق الرمال. كان جسدها يصرخ احتجاجًا، وعضلاتها تنبض بألم حاد مع كل شهيق وزفير، لكن عينيها كانتا تشعان ببريق عناد غريب. كانت تدرك في أعماقها أن القائد **آدم** لا يعاملها وفقًا لمعايير التدريب العادية؛ إنه يضغط عليها عمدًا، يتجاوز معها حدود القسوة المألوفة. ساءلت نفسها مرارًا: هل يفعل ذلك لأن طبيعة المهمات السرية القادمة تتطلب وحوشًا لا تشعر بالألم؟ أم أنه مدفوع برغبة شخصية مريضة لرؤيتها جاثية على ركبتيها، تتوسل منه الرحمة؟ أياً كان ا
Last Updated: 2026-06-10