Se connecterبعد وقت طويل، استسلم نوح أخيرًا لنوم متقطع. لم يشبه الراحة، بل كابوسًا ينهش عقله بلا رحمة.
كلما أغمض عينيه، عادت الصرخات. لم يعد يعرف إن كانت لوالديه… أم لأولئك الذين ذبحهم بيديه، وهم من دمه. رأى نفسه وسط اللهب، ويده تنزف فوق الزجاج المكسور. وسيسيليا هناك، عيناها الزرقاوان تراقبانه دون خوف. بإعجاب حقيقي. كأنها لا ترى الوحش الذي يراه الجميع، بل القوة التي انتظرت استيقاظها عشرين عاماً. عندما دقت ساعة الحائط، فتح عينيه كالبرق. أنفاسه ثقيلة، قميصه الأسود ملتصق بجلده، ويده تنبض ألماً. حدق في السقف المظلم لثوانٍ، يحاول الفصل بين الحلم والحقيقة. ثم أدرك: الحقيقة صارت أسوأ. نهض واتجه للنافذة. مرر يده السليمة في شعره بعصبية. "كل شيء كان كذبة…" خرجت الكلمات كأنها نُحتت من صخر. في الجناح المجاور، كانت سيسيليا مستيقظة. لم تنم إلا ساعات، لكن الدم في عروقها كان يغلي. فكرة الحرب القادمة أشعلتها. لعشرين عامًا راقبته يتحول لأخطر صياد في المملكة. وهي تعرف الحقيقة كاملة. أغمضت عينيها. تدفقت الذكريات: قلاع تحترق، صرخات مصاصي الدماء، ووجه فالريك البارد يراقب كل شيء وكأنه إله. برزت أنيابها ببطء. الغضب لم يعد يكفي. هي تريد الانتقام. تريد أن تراه ينهار أمام الجميع. وأكثر من ذلك… تريد أن ترى نوح يتحول للشيء الذي أرعب الإمبراطور طوال حياته. وقد بدأ. فتحت عينيها وهمست لنفسها: "لن يأخذك أحد مني قبل أن تدمرهم جميعًا." كلمات خطيرة حتى عليها. لم تنكرها. شيء داخلها بدأ يتعلق به. بالوحش الذي كسر المرآة. طرق خفيف قطع أفكارها. صوت نوح أجش من خلف الباب: "حان وقت الاستيقاظ. الإفطار جاهز." قبل أن تجيب، دخل. توقفت عيناه عليها فورًا. كانت قرب المرآة المكسورة، شعرها الذهبي منسدل، وضوء الصباح يرقص على عينيها الباردتين. توقفت عيناها على يده الملفوفة. شعر نوح بتوتر. لم تعد تبدو كأسيرة في جناحه. بل كمن كسره وأعاد تشكيله. والمشكلة؟ جزء منه لا يقاوم. وضع الصينية فوق الطاولة. "كلي. اليوم سيكون طويلًا... " نظر الى شظايا الزجاج المتناثرة "سأرسل خادمات لتنظيف هذه الفوضى." اقتربت وجلست على حافة السرير، عيناها لا تفارقان يده. "تبدو وكأنك لم تنم." رفع حاجبه. "ولماذا يهمك؟" ابتسمت كأنها تعرفه أكثر من نفسه: "لأن الرجال الذين تنهار أكاذيبهم… لا ينامون." زفر طويلاً: "أحيانًا أشعر أنني سأستيقظ وأجدك خدعة أخرى." "لو كنت خدعة…" قالت باستفزاز، "لكنت أرحم من الحقيقة." استدار نحوها. عيناه تضيقان. كانت مستمتعة بنظراته. تأكدت: أصبحت الشيء الوحيد الذي يزعزع توازنه. رفعت كأس الشاي. "أنت غاضب لأنك ترى نفسك بوضوح أخيرًا." شيء مظلم اشتعل في عينيه. شيء أعجبها بشدة. اتجهت للفستان الزمردي المعلق، تمرر أصابعها على الحرير. "إذن… هذه الهيئة التي تريدني أن أظهر بها أمام نبلائك؟" وقف خلفها مباشرة. حرارته تلامس ظهرها: "ستلفتين الأنظار." التفتت ببطء، وجهها قريب جداً: "أليست هذه الخطة؟" نزلت عيناه لشفتيها لحظة. "الخطة أن تبقي حية." "أنا لا أخاف الموت، نوح. أخاف أن أموت قبل أن أراه راكعاً." صمت لثوانٍ. "أنتِ مخيفة." ضحكت. "وأنت معجب بذلك." تشنج فكه. لم يستطع الإنكار. "المشكلة أنكِ تدفعين الناس لحافة الهاوية." صححت مبتسمة: "لا. أنا أحب أن أرى من يملك الشجاعة ليقفز." اشتدت أنفاسه. نظراته كافية لجعل أي امرأة ترتجف. سيسيليا ادعت الثبات. "وأنت يا نوح… قضيت حياتك تتظاهر بأنك لا ترغب بالسقوط." تصلبت عضلاته. "لا تختبري صبري." لمعت عيناها بجنون ساحر: "أنت لا تريدني أن أتوقف." اقترب حتى لفحت أنفاسه وجهها. صوته خشن: "يومًا ما… ستكونين سبب كارثة لن ينجو منها أحد." ولأول مرة منذ سنوات، ارتجف شيء داخل سيسيليا. ليس خوفًا. ترقب خالص. ابتعد كأنه يفر من نفسه. مرر يده على فكه بعصبية. فتح الباب دون أن يلتفت: "سارة ستهتم بمظهرك." أضاف بنبرة خطيرة: "وانشغلي عني. بقاؤكِ وحدك معي الآن… ليس آمناً لأي منا." -----------☆☆ ------------ بعد الظهر، جهزت سارة سيسيليا بعناية. نوح على طاولة قريبة يراجع خرائط القصر الأمنية. لكن عينيه كانت ترتفع نحوها كل دقيقة. دون وعي. صارت شيئاً يستحيل تجاهله. وقفت سيسيليا أمام المرآة. ثوب زمردي يحتضن جسدها. شعر ذهبي مموج. لآلئ قديمة حول عنقها. نبيلة من أسطورة. حتى نوح صمت لحظة عندما رآها. لاحظت ذلك. اتسعت ابتسامتها. دارت أمامه بتعمد: "ما الأمر؟ هل أخطأت سارة؟" حدق بها أطول من اللازم. "لا. وهذا ما يقلقني." اقترب. عدّل خصلة انزلقت قرب عنقها. أصابعه بقيت هناك أكثر من اللازم. "إن واصلتِ النظر إليّ هكذا… سيصدق الجميع أنكِ عشيقتي فعلاً." احترقت نظراته. "أنتِ تستمتعين بهذا." "طبعًا." بلا خجل. "أحب رؤية الرجال الخطرين يفقدون سيطرتهم بسببي." اقترب محذراً: "لا تلعبي معي الليلة، سيسيليا." رفعت حاجبها: "ومن قال إنني ألعب؟" صمت ثقيل. التقط معطفه الأسود وارتداه بعصبية. "العربة تنتظر." عند الباب توقف. استدار ومد ذراعه رسمياً: "من الآن وحتى نهاية الليلة… أنتِ معي." نظرت لذراعه، ثم لعينيه. ابتسامة تشبه الوعد. "لا تقلق، نوح." أمسكت به بثقة. "أنا لا أقف إلى جانب أحد… إلا إذا كنت أنوي مساعدته على حرق العالم." بقي صامتاً. يراقب ابتسامتها الخطيرة. ثم تحرك نحو الباب دون أن يفلت ذراعها. خطواتهما فوق الرخام ثابتة. كأنهما لا يسيران لحفل ملكي… بل لساحة حرب. عند أسفل الدرج، انحنى الخدم. لكن نظراتهم استقرت عليها. ماركوس يراقب من بعيد، بحقد دفين. ابتسمت سيسيليا بخبث والتصقت بنوح أكثر. همست: "حتى خدمك يبدون وكأنهم رأوا شبحًا." "لأنني لا أحضر النساء إلى جانبي." "إذن أنا مميزة." مال فمه بابتسامة، ولم يجب. وهذا أشعل انتصاراً داخلها. في الساحة، العربة تنتظرهما تحت المصابيح. تقدم السائق، لكن نوح سبقه ومد يده لها. أصابعها في راحته. شعرت بارتجافة خفيفة في ذراعه. "ما الأمر؟" همست وهي تصعد. "ألا تزال غير معتاد على لمسي؟" صعد وأغلق الباب بعنف خافت. "أنا معتاد على الخطر." مالت نحوه: "لكنني لست مجرد خطر، أليس كذلك؟" انعكس ضوء المدينة على عينيه الرماديتين. جوع. صمت طويلاً ثم قال أخيراً: "أنتِ مشكلة." ضحكت بخفة. "الغريب… أنك لا تريد التخلص منها." صمت غير مريح. راقبت الطريق، ثم وضعت يدها فوق يده المستقرة قربها. "سأكون الطُعم الليلة." لثانية، لم يسحب يده. خطأ جديد… أو ربما لم يعد يراه خطأ. "أنتِ لستِ طُعم." صوته منخفض. "أنتِ الفوضى التي لم يحسب لها أحد حسابًا." ابتسامة خفية: "إذن اخترت السلاح المناسب." "ولي العهد داميان… يغار منك، صحيح؟" وميض بارد في عينيه: "منذ كنا أطفالًا." "ممتاز. الرجال الغيورون يرتكبون أغبى الأخطاء." توقفت، ثم بنبرة فتنة: "وسأمنحه الليلة سببًا ليفقد عقله." اشتدت أصابعه حول يدها. تحذير، ليس أذى: "لا تتمادى." رفعت حاجبها. تحذيره زاد متعتها. "أنت من طلب الفوضى، نوح. وأنا لا أعرف كيف أكون هادئة." شيء ثقيل تحرك في صدره. "أتعرفين ما يزعجني فيكِ؟" ابتسمت: "أنني لا أخافك؟" ضحكة قصيرة باردة. مال نحوها، صوته وعيد: "لا. بل أنكِ تحرضين الوحش داخلي وكأنكِ تريدين إطلاقه." خفتت ابتسامتها. أصاب الحقيقة. "وأنت، أتعرف ما يعجبني بك؟" صمت. أكملت وعيناها تلمعان: "أنك لا تتظاهر بأنك رجل صالح. كل الأقوياء يختبئون خلف الشرف. أما أنت… فصادق مع ظلامك." صوته صار قاتماً: "لو عرفتِ حجم الظلام داخلي… لما قلتِ ذلك بهذه الثقة." تباطأت العربة. بوابات كنسينغتون تظهر وسط الضباب، مضاءة بالمشاعل. عربات النبلاء، الحرس الإمبراطوري بدروعهم السوداء. لكن نوح لم يشم إلا رائحة واحدة: الخيانة. توقفت العربة. نزل أولاً ومد يده. وضعت سيسيليا يدها في راحته، فجذبها أقرب مما تسمح اللياقة. اصطدم جسدها به للحظة مشحونة. رفعت عينيها، ابتسامة مستفزة: "هل هذا جزء من التمثيل؟" انخفض وجهه: "لا تعطيني سببًا لأنسى أننا نتظاهر." "وهل تعتقد أنك ما زلت تتظاهر؟" لثانية… فقد الرد. صعدا السلالم الرخامية. الهمسات انفجرت. "إنها معه…" "من تكون؟" "مستحيل أن تكون مجرد عشيقة…" سيسيليا تتحرك بثقة فاتنة. رأسها مرفوع. يدها على ذراعه كأن مكانها هناك منذ الأزل. انفتحت أبواب القاعة الملكية. موسيقى، أضواء، عطور. لكن الجميع ينظر لها. عيناها تبحثان عن شخص واحد: فالريك. عبر القاعة، داميان يراقب بصمت قاتل. عيناه عليها. التوتر يشتعل في صدر نوح. التقت عيناها بعيني الإمبراطور أخيراً. تجمدت أصابعه فوق كأسه للحظة، ثم أشاح بوجهه. لاحظ نوح: لم ترتبك. بدت مستمتعة. مال نحوها: "تستمتعين؟" دون أن تبعد نظرها عن فالريك: "الانتقام أجمل عندما ترى عدوك يسقط ببطء." أضافت بفتنة خطيرة: "ولا تقلق… سأحرص أن يتذكرني الجميع الليلة." اشتدت أصابع نوح على كأس النبيذ حتى كاد ينكسر. الغيرة. كره الشعور فوراً. التفتت له، عيناها تلمعان بخبث: "ما الأمر؟ أخطر صياد في المملكة يغار؟" اقترب حتى صار صوته عند أذنها، خشناً لدرجة أشعلت عمودها الفقري: "أنا لا أغار. أنا أحذرك." "إذن لماذا تبدو مستعدًا لقتل كل رجل ينظر إليّ؟" اشتدت ملامحه. ضحكت هي. ضحكة أخطر من تهديد. "اهدأ، نوح. الليلة أنا إلى جانبك." توقفت، ثم ببرود جعل قلبه ينبض بعنف: "لكن هذا لا يعني أنني لك."**ريتا:** سأذبحك وأذبح نفسي من بعدك إن لمستني... سأقتل نفسي ولن أدعك... ...ابتسم ومسح البصاق عن وجهه وهو ينظر إليها بعينين حمراوين، وكانت ابتسامته بداية تحدٍّ كبير... كان سعيداً بما يراه أمامه؛ جنونها وحركاتها... يعلم تماماً أنه سيستمتع. كل هذه الأفكار وما يشعر به جعله يغلي، وجعله يطلق العنان لعنفه... ...رفع يده وصفعها مباشرة على وجهها... ثم أتبعها بثانية وثالثة تاركاً وجهها محمراً من شدة الصفع، والدم يسيل من أنفها... قبض على شعرها يجرها ذهاباً وإياباً وهو يهمس في أذنها... **فيكتور:** ستظلين تتذكرين هذه الليلة حتى أدفنكِ في قبركِ... *(خنقها من عنقها ودفعها بقوة ضد الحائط حتى جحظت عيناها، وبدأ يضحك كالمجنون)* ويوم أدفنكِ سأكتب عليه: " أخضعت المتمردة الصغيرة ..." *(دفن وجهه في عنقها، عضّها ثم نطق)* لأن قبركِ في هذه الدنيا هو فراشي... حاولت ريتا التقاط أنفاسها المكتومة، وصدرها يعلو ويهبط بعنف وهي تحاول دفع صدره الصلب بكل ما تبقّى لها من قوة ضئيلة. ورغم كل شيء فعله بها، إلا أن عينيها لم تعكسا الانكسار، بل توهجتا بنيران حقدٍ وعناد لا يلين. تراجع فيكتور خطوة إلى الوراء، مرخياً قبض
في الجناح الملكي، استغرقت فاليريا في النوم حتى اقتربت الظهيرة، بدأت تستعيد وعيها ببطء. لم يكن استيقاظاً عادياً، بل كان ارتطاماً عنيفاً بـواقع مرير، حيث استقبل جسدها أولى أنفاس اليقظة بـموجة ساحقة من الألم المبرح. كان ظهرهـا يشهد سعيراً لا يهدأ، وكأن النيران لا تزال تلتهم لحمها. حاولت التحرك قليلاً لـتخفيف الضغط، فشعرت بـدفء غريب بـجانبها. أدارت رأسها بـصعوبة، لـتتسع عيناها؛ كان داميان مستلقياً بـجانبها فوق الفراش، واضعاً ذراعه أسفل رأسه، وصدره العاري يرتفع وينخفض بـأنفاس النوم المنتظمة. استغربت بشدة، واجتاحت عقلها تساؤلات مبهمة؛ كيف له أن ينام بـجانبها بـكل أريحية بعد أن كان جلادها بـالأمس؟ لكن شدة الحريق والوجع كان أقوى من أي تفكير أو دهشة. كانت تشعر بـرغبة ملحة لـلذهاب إلى الحمام، وجسدها يرفض الانصياع لها. تصلبت أطرافها، وحاولت الاستناد على كفيها لـتتحرك، فـانفجر الألم في ظهرها بـشكل غير محتمل، لـتطلق رغماً عنها تأوهاً يمزق السكون: — "آه... يـا إلهي..." أحدثت حركتها واضطراب الأغطية الى إيقاظه، فتح داميان عينيه المظلمتين، وجلس بـجذعه العاري فوق الفراش، مرجعاً خصلات شعره إلى
رمق ماركوس ريتا بنظرة ساخرة، وضغط بقبضته على المكتب بغطرسة قائلاً بصوت جاف: — "إجازة؟ هل جننتِ أيتها الفتاة؟ لقد استلمتِ عملكِ في هذا القصر للتو! لم يمر على وجودكِ هنا سوى أيام معدودة، وتتجرئين على طلب إجازة؟" سقطت دموع ريتا بغزارة وجثت على ركبتيها في توسل ذليل وهي تصر على طلبها: — "أتوسل إليك يا سيد ماركوس، انظر إلى حالي بعين الرحمة! الأمر مسألة حياة أو موت بالنسبة لي، فأذن لي بالذهاب اليوم فقط، وأقسم لك بكل ما هو غالٍ عندي أنني سأعوض هذا اليوم أضعافاً مضاعفة، وسأعمل ليلاً ونهاراً دون انقطاع، وسأتحمل كافّة المهام الشاقة وساعات العمل الإضافية دون أن أطلب قرشاً واحداً زيادة، فقط دعني أخرج اليوم!" تململ ماركوس في مقعده، وظهرت في عينيه الخبيثتين موافقة لكن بشروط: — "حسناً، اسمعي جيداً أيتها البائسة.. لن أمنحكِ يوماً كاملاً، فالعمر لا يتوقف هنا لأجل مرض عائلتكِ. سأعطيكِ ثلاث ساعات فقط لا غير! تذهبين فيها لرؤية والدكِ، وتعودين راكضة قبل أن يلاحظ أحد غيابكِ. وإن تأخرتِ دقيقة واحدة عن الموعد، فلن تجدي لكِ مكاناً في هذا القصر، وسأضمن بنفسي ألا توظفكِ أي عائلة في المملكة مجدد
تلاشت أصداء خطوات ولي العهد في الممرات الخارجية، ليحلّ مكانها سكونٌ أشد مرارة من الموت نفسه. بقيت فاليريا ممددة فوق الفراش، عاجزة عن الحركة، وجسدها ينبض بالألم الذي كان يسري في عروقها كالنيران. كانت الجروح المفتوحة على ظهرها تنزف ببطء، انفجرت بالبكاء كان نحيباً يائساً وممزقاً على تحطم كبريائها ونهاية أوهامها الوردية. نظرت إلى خاتم الزواج اللامع في إصبعها، ثم غطت وجهها بكفيها المرتجفتين، فامتزجت شهقاتها المكتومة بصرخات عتابٍ وجّهتها لطيفه الراحل، توبخ فيه طفولتها وحمق قلبها الذي وقع بحبه. "ماذا فعلتَ بي يا داميان! لقد أمضيتُ عمري أرجو نظرة رضا من عينيك، واليوم تجعل من جسدي خريطة لقسوتك! تباً لقلبي وتباً لروحٍ تعاتب سوطك وتلتمس لك الأعذار!" > تذكرت كيف كانت تنظر إليه بإعجاب منذ أن كانت طفلة صغيرة، وكيف غزى عقلها الصغير، كان هو فارسها، وحب عمرها قبل أن تفقه معنى السياسة. امتدت أصابعها لتتشبث بالفراش، ورفعت رأسها بصعوبة، وعيناها قد غرقتا بالدموع. ورغم الألم والمهانة التي ألحقها بوجدانها، لم تقوى روحها على كرهه؛ فكيف تكره رجلاً استوطن قلبها منذ الطفولة؟ استجمعت بقايا أنف
دوت صفعة الباب الثقيل لـتهز أركان الجناح، جلست سيسيليا منتصف السرير، وضمت ركبتيها إلى صدرها، كـطائر جريح أصابته السهام من كل جانب. انهمرت دموعها بـصمت شديد، شاقةً طريقها فوق وجنتيها، ووضعت يدها المرتعشة فوق صدرها، محاولة كبح ذلك الألم العنيف الذي يعتصر قلبها بـقوة. كانت غارقة في حيرة قاتلة؛ لـماذا يؤلمها قلبها بـهذا الشكل لـرحيله وتخليه عنها هكذا؟ لم تكن تبكي من أجل داميان، فـقصته انتهت بـالنسبة لها، لكن الألم الجديد كان مختلفاً... كان ألم العجز أمام رجل لم تكن تتوقع أن كلماته قد تملك هذه القدرة على تمزيقها. "أنا لا أريد خداعه..." همست لـنفسها بـنبرة مخنوقة تائهة في الظلام. لم يكن ارتماؤها في أحضانه مكيدة مدبرة، ولا استغلالاً بـدماء باردة لـقوته كما ظن نوح. لقد كانت بـالفعل تبحث عن ملاذ، عن ركن آمن يحميها من شياطين عقلها، وظنت لـثانية واحدة أن الطاغية كما تسميه سيكون ملجأها الوحيد. لكن كبرياءه وغروره رفضا رؤية مشاعرها، واختصرا ضعفها وترددها في خانة الخداع. في وسط ذلك البكاء، بدأت الغشاوة تتضح عن عينيها لـتدرك الحقيقة المرعبة التي كانت تغفلها وتتجاهلها طوال الوقت. ذلك
تقدم نوح بخطوات ثقيلة وموزونة، كانت عباءته الداكنة تتطاير خلفه كأجنحة غراب في جوف الظلام، وعيناه الحادتان تفترسان كل تفصيلة في الحديقة؛ من الحراس إلى ألسنة اللهب التي كانت تلتهم آخر البقايا. توقف على بعد خطوتين منها. تفككت برودته وحل مكانها قلق مكتوم وثوران داخلي، خاصة عندما انكمشت ملامحه فجأة وهو يستنشق الهواء؛ فحواسه الخارقة، التقطت فوراً خيوط تلك الرائحة النفاذة... رائحة غريمه الأزلي "داميان" ممتزجة برائحة دماء جافة. نظر إلى طفلته العنيدة، فرأى وجهاً لم يعهده فيها من قبل. جمود وهدوء تام، تقدم خطوة إضافية، ليحجب بـجسده بقايا الحريق، ونطق بصوت عميق، تملؤه سلطة آمرة حاول جاهداً كبح جماح غضبها: "ماذا يحدث هنا يا سيسيليا؟ ما هذا الجحيم الذي أشعلتِهِ في هذا الليل؟" لم ترمش سيسيليا، ولم تلتفت إليه حتى. بقيت عيناها الزرقاوان معلقتين بالرماد المتطاير في الهواء البارد، وكأن نوح لم يكن موجوداً، أو كأنه مجرد طيف عابر لا يستحق عناء الالتفات. استفزه هذا الصمت الذي بات يمزق أعصابه. امتدت يده، وبـحركة حملت مزيجاً من القسوة والتملك الحذر، قبض على رسغها وأجبرها على الالتفات لتواجه عينيه اللت
صمت نوح للحظة. كان عليه أن ينتقي كلماته بحذر—لم يُرِد أن تظن أن لديه نوايا سيئة، خصوصًا بعد ما مرت به. قال بهدوء مدروس، بينما بقيت عيناه ثابتتين عليها. "دم الحيوانات قد يؤخر الجوع… لكنه لن يطفئه. أنا أتحدث عن دم البشر." ساد صمت قصير قبل أن يُكمل بنبرة أكثر حسمًا: "لديّ سجن أسفل القصر. أحتجز
اقتربت سيسيليا أكثر. كان صوتها بالكاد نفساً. "دوري." نظرت إلى نوح— عيناها حادتان. حيّتان. لكن خلف ذلك اللمعان، كان هناك ارتجاف خفي، كأن شيئاً داخلها يسير على حافة الانكسار منذ زمن بعيد، لا اليوم فقط. "سأحصل على التاج." توقفت. للحظة واحدة فقط. كأنها تختبره. تثق به. كان الصمت بي
القاعة الكبرى لم تكن تشتعل بالضوء، بل كانت تحترق به. انعكس ذهب الثريات فوق الرخام كأنه معدن سائل، بينما تحركت وجوه النبلاء تحت الوهج مثل أشباح لا تعرف سوى الابتسام. انكمش العالم من حوله حتى صار ضيقاً كثقب إبرة، وفي مركزه وقف رجل واحد: الإمبراطور فالريك آشفورد.فوق المنصة، حمل الثوب الملكي ثقل تاري
عبر القاعة الواسعة، توقف داميان فجأة.كأن الزمن تعثّر عند رؤيتهما.تجمدت خطواته للحظة واحدة فقط، لكنها كانت كافية ليتغير الهواء. ارتفعت ذقنه ببطء. انعقد فكه. واستقرت عيناه عليهما دون أن يحاول إخفاء الجحيم الذي اشتعل داخله.ما مرّ في نظرته لم يكن دهشة. ولا إعجاباً.كان امتلاكاً مغموساً بغيرة ورغبة و







