登入بعد وقت طويل، استسلم نوح أخيرًا لنوم متقطع. لم يشبه الراحة، بل كابوسًا ينهش عقله بلا رحمة.
كلما أغمض عينيه، عادت الصرخات. لم يعد يعرف إن كانت لوالديه… أم لأولئك الذين ذبحهم بيديه، وهم من دمه. رأى نفسه وسط اللهب، ويده تنزف فوق الزجاج المكسور. وسيسيليا هناك، عيناها الزرقاوان تراقبانه دون خوف. بإعجاب حقيقي. كأنها لا ترى الوحش الذي يراه الجميع، بل القوة التي انتظرت استيقاظها عشرين عاماً. عندما دقت ساعة الحائط، فتح عينيه كالبرق. أنفاسه ثقيلة، قميصه الأسود ملتصق بجلده، ويده تنبض ألماً. حدق في السقف المظلم لثوانٍ، يحاول الفصل بين الحلم والحقيقة. ثم أدرك: الحقيقة صارت أسوأ. نهض واتجه للنافذة. مرر يده السليمة في شعره بعصبية. "كل شيء كان كذبة…" خرجت الكلمات كأنها نُحتت من صخر. في الجناح المجاور، كانت سيسيليا مستيقظة. لم تنم إلا ساعات، لكن الدم في عروقها كان يغلي. فكرة الحرب القادمة أشعلتها. لعشرين عامًا راقبته يتحول لأخطر صياد في المملكة. وهي تعرف الحقيقة كاملة. أغمضت عينيها. تدفقت الذكريات: قلاع تحترق، صرخات مصاصي الدماء، ووجه فالريك البارد يراقب كل شيء وكأنه إله. برزت أنيابها ببطء. الغضب لم يعد يكفي. هي تريد الانتقام. تريد أن تراه ينهار أمام الجميع. وأكثر من ذلك… تريد أن ترى نوح يتحول للشيء الذي أرعب الإمبراطور طوال حياته. وقد بدأ. فتحت عينيها وهمست لنفسها: "لن يأخذك أحد مني قبل أن تدمرهم جميعًا." كلمات خطيرة حتى عليها. لم تنكرها. شيء داخلها بدأ يتعلق به. بالوحش الذي كسر المرآة. طرق خفيف قطع أفكارها. صوت نوح أجش من خلف الباب: "حان وقت الاستيقاظ. الإفطار جاهز." قبل أن تجيب، دخل. توقفت عيناه عليها فورًا. كانت قرب المرآة المكسورة، شعرها الذهبي منسدل، وضوء الصباح يرقص على عينيها الباردتين. توقفت عيناها على يده الملفوفة. شعر نوح بتوتر. لم تعد تبدو كأسيرة في جناحه. بل كمن كسره وأعاد تشكيله. والمشكلة؟ جزء منه لا يقاوم. وضع الصينية فوق الطاولة. "كلي. اليوم سيكون طويلًا... " نظر الى شظايا الزجاج المتناثرة "سأرسل خادمات لتنظيف هذه الفوضى." اقتربت وجلست على حافة السرير، عيناها لا تفارقان يده. "تبدو وكأنك لم تنم." رفع حاجبه. "ولماذا يهمك؟" ابتسمت كأنها تعرفه أكثر من نفسه: "لأن الرجال الذين تنهار أكاذيبهم… لا ينامون." زفر طويلاً: "أحيانًا أشعر أنني سأستيقظ وأجدك خدعة أخرى." "لو كنت خدعة…" قالت باستفزاز، "لكنت أرحم من الحقيقة." استدار نحوها. عيناه تضيقان. كانت مستمتعة بنظراته. تأكدت: أصبحت الشيء الوحيد الذي يزعزع توازنه. رفعت كأس الشاي. "أنت غاضب لأنك ترى نفسك بوضوح أخيرًا." شيء مظلم اشتعل في عينيه. شيء أعجبها بشدة. اتجهت للفستان الزمردي المعلق، تمرر أصابعها على الحرير. "إذن… هذه الهيئة التي تريدني أن أظهر بها أمام نبلائك؟" وقف خلفها مباشرة. حرارته تلامس ظهرها: "ستلفتين الأنظار." التفتت ببطء، وجهها قريب جداً: "أليست هذه الخطة؟" نزلت عيناه لشفتيها لحظة. "الخطة أن تبقي حية." "أنا لا أخاف الموت، نوح. أخاف أن أموت قبل أن أراه راكعاً." صمت لثوانٍ. "أنتِ مخيفة." ضحكت. "وأنت معجب بذلك." تشنج فكه. لم يستطع الإنكار. "المشكلة أنكِ تدفعين الناس لحافة الهاوية." صححت مبتسمة: "لا. أنا أحب أن أرى من يملك الشجاعة ليقفز." اشتدت أنفاسه. نظراته كافية لجعل أي امرأة ترتجف. سيسيليا ادعت الثبات. "وأنت يا نوح… قضيت حياتك تتظاهر بأنك لا ترغب بالسقوط." تصلبت عضلاته. "لا تختبري صبري." لمعت عيناها بجنون ساحر: "أنت لا تريدني أن أتوقف." اقترب حتى لفحت أنفاسه وجهها. صوته خشن: "يومًا ما… ستكونين سبب كارثة لن ينجو منها أحد." ولأول مرة منذ سنوات، ارتجف شيء داخل سيسيليا. ليس خوفًا. ترقب خالص. ابتعد كأنه يفر من نفسه. مرر يده على فكه بعصبية. فتح الباب دون أن يلتفت: "سارة ستهتم بمظهرك." أضاف بنبرة خطيرة: "وانشغلي عني. بقاؤكِ وحدك معي الآن… ليس آمناً لأي منا." -----------☆☆ ------------ بعد الظهر، جهزت سارة سيسيليا بعناية. نوح على طاولة قريبة يراجع خرائط القصر الأمنية. لكن عينيه كانت ترتفع نحوها كل دقيقة. دون وعي. صارت شيئاً يستحيل تجاهله. وقفت سيسيليا أمام المرآة. ثوب زمردي يحتضن جسدها. شعر ذهبي مموج. لآلئ قديمة حول عنقها. نبيلة من أسطورة. حتى نوح صمت لحظة عندما رآها. لاحظت ذلك. اتسعت ابتسامتها. دارت أمامه بتعمد: "ما الأمر؟ هل أخطأت سارة؟" حدق بها أطول من اللازم. "لا. وهذا ما يقلقني." اقترب. عدّل خصلة انزلقت قرب عنقها. أصابعه بقيت هناك أكثر من اللازم. "إن واصلتِ النظر إليّ هكذا… سيصدق الجميع أنكِ عشيقتي فعلاً." احترقت نظراته. "أنتِ تستمتعين بهذا." "طبعًا." بلا خجل. "أحب رؤية الرجال الخطرين يفقدون سيطرتهم بسببي." اقترب محذراً: "لا تلعبي معي الليلة، سيسيليا." رفعت حاجبها: "ومن قال إنني ألعب؟" صمت ثقيل. التقط معطفه الأسود وارتداه بعصبية. "العربة تنتظر." عند الباب توقف. استدار ومد ذراعه رسمياً: "من الآن وحتى نهاية الليلة… أنتِ معي." نظرت لذراعه، ثم لعينيه. ابتسامة تشبه الوعد. "لا تقلق، نوح." أمسكت به بثقة. "أنا لا أقف إلى جانب أحد… إلا إذا كنت أنوي مساعدته على حرق العالم." بقي صامتاً. يراقب ابتسامتها الخطيرة. ثم تحرك نحو الباب دون أن يفلت ذراعها. خطواتهما فوق الرخام ثابتة. كأنهما لا يسيران لحفل ملكي… بل لساحة حرب. عند أسفل الدرج، انحنى الخدم. لكن نظراتهم استقرت عليها. ماركوس يراقب من بعيد، بحقد دفين. ابتسمت سيسيليا بخبث والتصقت بنوح أكثر. همست: "حتى خدمك يبدون وكأنهم رأوا شبحًا." "لأنني لا أحضر النساء إلى جانبي." "إذن أنا مميزة." مال فمه بابتسامة، ولم يجب. وهذا أشعل انتصاراً داخلها. في الساحة، العربة تنتظرهما تحت المصابيح. تقدم السائق، لكن نوح سبقه ومد يده لها. أصابعها في راحته. شعرت بارتجافة خفيفة في ذراعه. "ما الأمر؟" همست وهي تصعد. "ألا تزال غير معتاد على لمسي؟" صعد وأغلق الباب بعنف خافت. "أنا معتاد على الخطر." مالت نحوه: "لكنني لست مجرد خطر، أليس كذلك؟" انعكس ضوء المدينة على عينيه الرماديتين. جوع. صمت طويلاً ثم قال أخيراً: "أنتِ مشكلة." ضحكت بخفة. "الغريب… أنك لا تريد التخلص منها." صمت غير مريح. راقبت الطريق، ثم وضعت يدها فوق يده المستقرة قربها. "سأكون الطُعم الليلة." لثانية، لم يسحب يده. خطأ جديد… أو ربما لم يعد يراه خطأ. "أنتِ لستِ طُعم." صوته منخفض. "أنتِ الفوضى التي لم يحسب لها أحد حسابًا." ابتسامة خفية: "إذن اخترت السلاح المناسب." "ولي العهد داميان… يغار منك، صحيح؟" وميض بارد في عينيه: "منذ كنا أطفالًا." "ممتاز. الرجال الغيورون يرتكبون أغبى الأخطاء." توقفت، ثم بنبرة فتنة: "وسأمنحه الليلة سببًا ليفقد عقله." اشتدت أصابعه حول يدها. تحذير، ليس أذى: "لا تتمادى." رفعت حاجبها. تحذيره زاد متعتها. "أنت من طلب الفوضى، نوح. وأنا لا أعرف كيف أكون هادئة." شيء ثقيل تحرك في صدره. "أتعرفين ما يزعجني فيكِ؟" ابتسمت: "أنني لا أخافك؟" ضحكة قصيرة باردة. مال نحوها، صوته وعيد: "لا. بل أنكِ تحرضين الوحش داخلي وكأنكِ تريدين إطلاقه." خفتت ابتسامتها. أصاب الحقيقة. "وأنت، أتعرف ما يعجبني بك؟" صمت. أكملت وعيناها تلمعان: "أنك لا تتظاهر بأنك رجل صالح. كل الأقوياء يختبئون خلف الشرف. أما أنت… فصادق مع ظلامك." صوته صار قاتماً: "لو عرفتِ حجم الظلام داخلي… لما قلتِ ذلك بهذه الثقة." تباطأت العربة. بوابات كنسينغتون تظهر وسط الضباب، مضاءة بالمشاعل. عربات النبلاء، الحرس الإمبراطوري بدروعهم السوداء. لكن نوح لم يشم إلا رائحة واحدة: الخيانة. توقفت العربة. نزل أولاً ومد يده. وضعت سيسيليا يدها في راحته، فجذبها أقرب مما تسمح اللياقة. اصطدم جسدها به للحظة مشحونة. رفعت عينيها، ابتسامة مستفزة: "هل هذا جزء من التمثيل؟" انخفض وجهه: "لا تعطيني سببًا لأنسى أننا نتظاهر." "وهل تعتقد أنك ما زلت تتظاهر؟" لثانية… فقد الرد. صعدا السلالم الرخامية. الهمسات انفجرت. "إنها معه…" "من تكون؟" "مستحيل أن تكون مجرد عشيقة…" سيسيليا تتحرك بثقة فاتنة. رأسها مرفوع. يدها على ذراعه كأن مكانها هناك منذ الأزل. انفتحت أبواب القاعة الملكية. موسيقى، أضواء، عطور. لكن الجميع ينظر لها. عيناها تبحثان عن شخص واحد: فالريك. عبر القاعة، داميان يراقب بصمت قاتل. عيناه عليها. التوتر يشتعل في صدر نوح. التقت عيناها بعيني الإمبراطور أخيراً. تجمدت أصابعه فوق كأسه للحظة، ثم أشاح بوجهه. لاحظ نوح: لم ترتبك. بدت مستمتعة. مال نحوها: "تستمتعين؟" دون أن تبعد نظرها عن فالريك: "الانتقام أجمل عندما ترى عدوك يسقط ببطء." أضافت بفتنة خطيرة: "ولا تقلق… سأحرص أن يتذكرني الجميع الليلة." اشتدت أصابع نوح على كأس النبيذ حتى كاد ينكسر. الغيرة. كره الشعور فوراً. التفتت له، عيناها تلمعان بخبث: "ما الأمر؟ أخطر صياد في المملكة يغار؟" اقترب حتى صار صوته عند أذنها، خشناً لدرجة أشعلت عمودها الفقري: "أنا لا أغار. أنا أحذرك." "إذن لماذا تبدو مستعدًا لقتل كل رجل ينظر إليّ؟" اشتدت ملامحه. ضحكت هي. ضحكة أخطر من تهديد. "اهدأ، نوح. الليلة أنا إلى جانبك." توقفت، ثم ببرود جعل قلبه ينبض بعنف: "لكن هذا لا يعني أنني لك."الممرات التي مرّ بها داميان قبل قليل بدت الآن أطول، أكثر ضيقًا، كأن القصر نفسه يراقبه وهو يحاول ألا ينفجر.حتى وصل إلى جناحه.أغلق الباب خلفه.ثانية واحدة من الصمت.ثم… انفجر كل شيء.قبضته اصطدمت بالطاولة الخشبية في منتصف الغرفة.تشقق السطح تحت القوة، وانقلبت الشموع المزخرفة على الأرض، لتنطفئ واحدة تلو الأخرى كأنها تتخلى عن الحياة."امرأة تُختار لي؟"صوته خرج منخفضًا، لكنه كان مشبعًا بشيء لا يقرأ.التفت فجأة، فأسقط رفًّا كاملًا من الكتب القديمة.تساقطت الأوراق كأنها جثث بيضاء."كأنني… قطعة شطرنج."لم يكن غضبًا عشوائيًا، بل موجة منظمة من الانهيار، كأن كل شيء حوله يجب أن يدفع ثمن ما قيل في القاعة.توقف لحظة.تنفّس بسرعة... بعصبية.صدره لم يهدأ.كانت صورتها هي التي لا تغادره."لا."همس لنفسه."ليس الآن... لن تبعدني عنها."لكن الغضب عاد أقوى.دفع الطاولة مرة أخرى، فانقلبت بالكامل.تكسرت الزجاجات الفاخرة للنبيذ، وانسكب السائل الداكن على الأرض كأنه دم قديم.ثم ساد الصمت فجأة.صمت ثقيل… غير مريح.داميان وقف في وسط الدمار، صدره يعلو ويهبط، وعيناه ثابتتان على الفراغ.لم يكن يهدأ.بل كان يجمع ن
كانت أبواب القصر الإمبراطوري ترتفع ببطء، كأنها لا تفتح للداخلين بسهولة بل تختبرهم أولًا.دخل داميان دون أن يبطئ خطوته.الممرات الرخامية الطويلة امتدت أمامه كأنها بلا نهاية، أعمدة شاهقة تحرسها نقوش قديمة لأسماء حكّام سقطوا ولم يبقَ منهم سوى الصدى. كان القصر هادئًا… لكن هذا النوع من الهدوء الذي لا يعني السلام، بل الترقب.الحراس لم يرفعوا أعينهم.لم يجرؤ أحد أصلًا.كانوا يعرفون أن مرور داميان هنا لا يشبه مرور أي شخص آخر. كأنه ظلٌّ مُرسَل من حرب لم تبدأ بعد.توقّف عند نهاية الممر.باب القاعة الإمبراطورية."ادخل."صوت الإمبراطور خرج من الداخل، ثابتًا، بلا انفعال. لكن فيه تلك النبرة التي لا تحتاج إلى تكرار.دفع داميان الباب ببطء.القاعة كانت أوسع من أن تُرى دفعة واحدة. سقفها المرتفع يختبئ في العتمة، وثريات الذهب معلّقة كنجوم ميتة. وعلى العرش، جلس الإمبراطور.لم يكن ينظر إليه مباشرة.كان يقرأ شيئًا في يده، كأنه يريد أن يجعل العالم ينتظر حتى يقرر هو اللحظة المناسبة للغضب."تأخرت."قالها دون رفع عينيه.أغلق داميان الباب خلفه بهدوء."لم أكن أعلم أنه علي السرعة."رفع الإمبراطور نظره أخيرًا.نظرة
انتهى العشاء متأخرًا، لكن القصر لم يستعد هدوءه الحقيقي أبدًا.كان هناك شيء ثقيل يزحف داخل الجدران الحجرية العتيقة، شيء لا يُرى بالعين… لكنه يُشعر الجميع بأن الليل ما زال يخفي أنيابه.الثريات الذهبية انعكست فوق الطاولة الطويلة، فوق الكؤوس الكريستالية، فوق السكاكين الذهبية المصطفة بدقة مفرطة… نهض فيكتور أولًا، متكئًا بكسل على حافة الطاولة وهو يطلق زفرة طويلة."إذا بقيت دقيقة إضافية معكما سأصاب بالسكري من هذا التوتر الرومانسي بينكما."رفعت سيسيليا حاجبًا وهي تنظر إليه ببرود متعمد."أنت تبالغ.""أنا؟" وضع يده فوق صدره بصدمة مصطنعة، ثم أشار إلى نوح. "هذا الرجل أخطر صياد بالمملكة، ينظر إليكِ وكأنه مستعد لإحراق إمبراطورية كاملة إذا شعرتِ بالبرد."توقفت يد سيسيليا فوق كأسها للحظة.أما نوح… فلم ينكر.لم يسخر.لم يرمق فيكتور حتى.فقط بقي جالسًا بصمته البارد، يدير كأس النبيذ بين أصابعه ببطء قاتل، وعيناه ثابتتان على سيسيليا بطريقة جعلت الهواء يكاد يختفي.وهذا وحده جعل ابتسامة فيكتور تتسع.لأن نوح الذي يعرفه منذ سنوات… كان سيطلق تهديدًا فورًا.أما الصمت؟فالصمت مع نوح لم يكن فراغًا أبدًا.بل اعتر
خطوات نوح ابتعدت في الممر المؤدي للحمام، وصدى الباب وهو يُغلق خلفه جعل سيسيليا تفيق من شرودها.الغرفة كانت صامتة بشكل مريب، كأن الجدران نفسها تحبس أنفاسها وتراقب ما حدث قبل لحظات.لم تتحرك من مكانها.فقط رفعت يدها ببطء إلى شفتيها.ما زال دفء قبلته عالقًا هناك، كأثرٍ لا يُمحى مهما حاولت تجاهله.ضحكت ضحكة قصيرة مرتبكة، متقطعة، كمن يُوبّخ نفسه... لأنها بدت كالمراهقة."توقفي يا سيسيليا." همست لنفسها، وكأنها تخاطب جزءًا فيها خرج عن السيطرة.لكن قلبها لم يستجب.كان مشغولًا بشيء أكثر إزعاجًا… بسماع نبضاته التي لم تعد تعرف كيف تهدأ، وكأنها فقدت إيقاعها الطبيعي منذ لحظة واحدة فقط.في الجهة الأخرى من القصر، وقف فيكتور أمام النافذة في الرواق الطويل.المطر كان قد خفّ قليلًا، لكن السماء ما زالت مثقلة بغيوم داكنة كأنها ترفض المغادرة.انعكس الضوء الخافت للممرات على الزجاج، بينما كان العالم خلفه يبدو ساكنًا بشكل غير مريح، كهدوء يسبق شيئًا لا يُفهم.مرّ ماركوس بجانبه بخطى هادئة، يحمل مذكرة صغيرة لا يتخلى عنها، أصبحت جزء من روتينه الذي لا يتغير أبدًا."لم أرك بهذا الصمت منذ زمن، سيد فيكتور." قال بابتسا
كانت سيسيليا تقف قرب النافذة الطويلة داخل غرفتها، بينما كانت العاصفة تبتلع الليل خارج القصر ببطء مخيف. أنفاسها معلقة بين ضلوعها، وعيناها لا ترمشان. كل ثانية صمتٍ كانت تثقل صدرها كحجر. المطر انهمر فوق الزجاج بعنف، وخلفه امتدت الحدائق الواسعة غارقة في الضباب والظلال، حتى بدت الأشجار العالية وكأنها أشباح سوداء تتحرك مع الرياح. لكن سيسيليا بالكاد كانت ترى أي شيء من ذلك. لأن عقلها… كان معه. مرت ساعات منذ غادر نوح القصر. ساعات طويلة خانقة، لم يرسل خلالها أي خبر. لا رسالة، لا صدى خطوة، لا طمأنينة. ومنذ رحيله، وذلك الشعور الثقيل لم يغادر صدرها لحظة واحدة. الخوف. حاولت مقاومته. ضغطت على شفتيها حتى كادت تجرحهما، وقفت مستقيمة كأن الوقوف وحده سيمنع قلبها من الانهيار. أقنعت نفسها مرارًا أن رجلًا مثل نوح لا يمكن أن يسقط بسهولة… أن الوحوش لا تموت بهذه البساطة. لكن قلبها لم يقتنع. كلما دوّى الرعد بعيدًا، شعرت بانقباض مؤلم داخلها، كأن البرق يضربها هي لا السماء. شدّت الستارة بين أصابعها بقوة حتى ابيضّت مفاصلها، وهي تحدق في الظلام خلف الزجاج، ثم همست لنفسها بصوت بالكاد سمعته: "عد فقط…" وف
تجمّد الهواء في الغرفة لحظة انتهائه من الجملة. لم يكن يحتاج أن يرفع صوته. وجوده وحده كان كافيًا ليجعل الجدران تبدو أضيق، والضوء أضعف، وكأن القصر نفسه قرر أن يلتزم الصمت احترامًا لشيء أخطر من السلطة. أغلق داميان الباب خلفه بهدوء. هدوء رجل لا يقتحم المكان… بل يعود إليه. الصمت الذي خلفه لم يكن عادياً. كان يحمل رائحة معدن بارد ونفَسٍ محبوس، كأن الغرفة نفسها فهمت أن شيئاً لن يعود كما كان بعد هذه الليلة. الظلال على الجدران امتدت نحوه كأنها تابعة، والضوء الخافت ارتعش قبل أن يستقر على ملامحه القاسية. كل شيء فيه يقول إنه لا يسأل الإذن، إنه يأخذ ما يريد. رفعت سيسيليا عينيها نحوه ببطء. كان يراقبها بطريقة جعلتها تشعر أن نظرته لا تستقر على وجهها فقط، بل تتجاوز الجلد والعظام إلى شيء أعمق. كانت تحاول أن تقرأه، لكنه كان بحراً مظلماً لا ينعكس عليه شيء. كلما ظنت أنها لمحت غضباً، وجدت بروداً. وكلما ظنت أنها رأت بروداً، وجدت جوعاً. هذا ما أخافها فعلاً. ليس الرجل الذي يصرخ، بل الرجل الذي يراقبك كأنك معادلة لم تحل بعد. اقترب خطوة واحدة. توقّف. "كنت أتساءل…" قال أخيرًا بصوت ناعم بشكل مقل







