LOGIN_"تأخرتَ يا نوح..."_ *في لعبة من الدم والخداع، من سيصطاد من؟* *ومن سيسقط أولاً... البشر أم مصاصو الدماء؟* أنا نوح آشفورد قائد الصيادين وُلدتُ لأقتل جنسها... لكنها تعرفني أكثر من ظلي... وتعرف الحقيقة التي مزقتني من الداخل. *من ذبح عائلتي لم يكن وحشاً... كان بشراً.* الآن عليّ أن أختار: أُبقيها مقيدة بالفضة وأخسر انتقامي... أم أفكّ سلاسلها وأخاطر بكل شيء؟ قالت إنها مفتاحي... لكن ما لم تقله... أنها قد تكون لعنتي. _في حرب بين الدم والشرف، بين الانتقام والرغبة..._ _من سينكسر أولاً: القيد أم القلب؟_
View Moreلم يتوقع نوح أبداً أن يكون صوتها بهذا الهدوء وهي مقيّدة بالسلاسل الفضية.
صُنعت تلك السلاسل لتأكل جلد أمثالها ببطء، لتدفع الوحوش للصراخ أو التوسل أو لإظهار الأنياب كأي حيوان يُساق للذبح. لكنها اكتفت بابتسامة هادئة وغامضة، أشعلت داخله شعورا بالكراهية والارتباك معاً، ثم رفعت عينيها الزرقاوين نحوه، وقالت بصوت ناعم بارد كالموت: "تأخرت يا نوح… كنت أنتظرك منذ عشرين سنة." تجمد الدم في عروقه. رنين الفضة واصل اهتزازه الخافت مع أنفاسها المنتظمة، لكن كلماتها كانت القيد الحقيقي، الذي شعر به يلتف حول عنقه، لا معصميها. خطا داخل الغرفة الحجرية، ازداد البرد فجأة، تأرجح مصباح الغاز الوحيد فوقهما، فرسم ظلالاً حادة على وجهها الشاحب، بدت كأنها انتُزعت من أسطورة ملعونة. شعرها الذهبي مبعثر فوق الكرسي الحديدي كخيوط شمس تحتضر. أما عيناها فكانتا صافيتين بشكل مقلق. يقظتين أكثر مما ينبغي، لا تنظران إليه فقط، بل تخترقانه. قال بحدة أرادها درعاً لاضطرابه: "كيف تعرفين اسمي؟" خرج صوته خشناً، كزمجرة حيوان جريح يرفض الاعتراف بألمه. سيسيليا لم تهتز، ارتسمت على شفتيها ابتسامة مستفزة، ابتسامة امرأة تملك اليد العليا رغم الفضة التي تنهش جلدها. "أعرف أكثر من اسمك… أيها القائد نوح." مالت رأسها قليلاً، تستمتع برؤية التوتر يتسلل إلى ملامحه. "أعرف أنك لا تنام أكثر من أربع ساعات كل ليلة... وأعرف أن الندبة على معصمك الأيسر ليست من التدريب." خفضت صوتها لهمسة زلزلته: "كانت من أول عملية قتل، حين ارتجفت يدك للمرة الأولى وأنت تصطاد وحشاً كان يتوسل الرحمة." تصلب فكه حتى برزت عضلاته. لكنها لم تتوقف. مررت عينيها ببطء على وجهه قبل أن تستقرا على شفتيه، بنظرة واثقة أشعلت دمه: "وأعرف أيضاً… أنك لم تلمس امرأة يوماً." صمت. ثم ابتسمت بخبث: "ليس لأنك لا تستطيع… بل لأنك تخشى أن تتعلق بها ثم ترحل، كما فعل الجميع." تراجع خطوة... كلماتها صفعة مشتعلة. لا أحد يعرف عن الندبة، لا أحد يعلم شيئاً عن حياته الشخصية... لا أحد باستثناء فيكتور. سؤال واحد فقط انفجر في رأسه، سؤال ثقيل مرعب امتزج فيه الغضب بالقلق: كيف بحق الجحيم عرفت؟ قال هذه المرة بصوت أخفض وأخطر: "من أنتِ؟" رفعت سيسيليا ذقنها، جلدها الأبيض محمر، لكن التحدي في عينيها لم ينطفئ. "أنا مفتاحك يا نوح." صمت ثقيل، أطول من اللازم. ثم همست: "أنا المرأة الوحيدة القادرة على قيادتك إلى قاتل والديك الحقيقي." ضربته الكلمات كرصاصة في الصدر. لمع في عينيه شيء خام لم يظهر منذ سنوات، غضب ممزوج بأمل مسموم. راقبت ارتجاف أنفاسه قبل أن تضيف بهدوء قاتل: "لكن قبل ذلك… فك قيودي." اقتربت بنظرة ثابتة وقالت الجملة التي جمّدت الهواء بينهما: "لأن من قتل والديك… لم يكن من جنسي." توقف كل شيء داخله... حتى أنفاسه. قال بهدوء مرعب، الهدوء الذي يسبق الانفجار: "ماذا قلتِ للتو؟" أمسك بمقدمة كرسيها بعنف وأماله نحوه، اختلطت أنفاسهما، تشققت واجهته الباردة للحظة، كاشفة الرجل المكسور تحتها. "من قتل عائلتي؟" ازداد تنفسه ثقلاً: "أنتِ تكذبين... مصاصو الدماء لا يساعدون البشر، أنتم تكرهوننا أكثر مما نكرهكم." ضحكت سيسيليا بخفوت، ضحكة ناعمة خطيرة جعلت جلده يقشعر. اقتربت وهمست: "أنتم دائماً تظنون العالم بسيطاً… وحوش هنا، وبشر أبرياء هناك." رفعت عينيها إليه بثقة جارحة: "لو عرفت الحقيقة يا نوح… لعرفت أن البشر أكثر تعطشاً للدماء منا." ضغط على فكه حتى برزت عضلاته: "لا تختبري صبري." لكن صوته هذه المرة لم يحمل الكراهية نفسها، شيء داخله بدأ يتصدع. أخرج مفتاحاً نحاسياً من جيب صدريته، كان بارداً فوق راحة يده التي ارتجفت رغماً عنه. ركع أمامها. حجبت أكتافه العريضة ضوء المصباح، اختلطت رائحة خشب الصندل والتبغ والمطر العالق بمعطفه بأنفاسها الباردة. فتح أحد الأصفاد وقال بحدة: "الأسماء. أعطني أسماء البشر." ابتسمت ببطء وهي تحرر معصمها الأول، الجلد تحته ملتهب، لكنها مررت أصابعها فوقه بلا اكتراث، كأن الألم رفيق قديم. "ليس هنا." "تكلمي." "ليس هنا." مالت نحوه حتى لامست كلماتها أذنه: "حتى الجدران داخل قلعة الصيادين تتنفس خيانة." ضاقت عيناه. أصابت شيئاً حاول تجاهله طويلاً. شكوكاً راودته لأشهر عن خونة داخل صفوفه، داخل كل ما ظن أنه يثق به. سخر ببرود: "وما المكان الآمن برأيك؟" اقتربت أكثر، أنفاسها تلامس عنقه، همست بثقة أربكته: "قصرك." ارتفع حاجبه، أطلق ضحكة قصيرة خالية من الدفء وهو ينهض بكامل طوله. "قصري؟ هل تظنين حقاً أنني سأدخل مصاصة دماء إلى منزلي؟" رفعت كتفيها ورنت السلاسل: "إذا كنت خائفاً مني لهذه الدرجة… اقتلني الآن وانتهِ." اشتعلت نظراته، تستفزه عمداً، والأسوأ أنها تجيد ذلك. فتح القيد الآخر بعنف، ارتطم الحديد بالأرض، وقف فوقها وقال بصوت منخفض مظلم: "لا تخلطي بين الخوف والرحمة." أمسك بذقنها بقوة أجبرتها على رفع وجهها، عيناه تحترقان فوق عينيها: "أنا فقط أريد الحقيقة… وبعدها… قد أقتلك بنفسي." ابتسمت، بدت الفكرة تعجبها فعلاً. تفحص وجهها بحثاً عن خوف... عن ضعف، لم يجد سوى تلك الثقة الخطيرة التي تعبث بأعصابه. استقرت يده على المسدس الفضي عند خصره: "إذا كانت هذه خدعة… فسأجعلك تتمنين الموت قبل أن أمنحك إياه." همست بثقة هادئة: "وإذا كنت أكذب… سأقدم قلبي لك بيدي." صمت طويل ثقيل. استدار فجأة وقال بحسم: "حسناً." سحب مفاتيحه بعنف، اقترب من الخلف ليفك القيود حول كاحليها. سقطت السلاسل بصوت معدني حاد، للحظة واحدة… أصبحت حرة. لكن قبل أن تستوعب حريتها، قبض على ذراعها بقوة ستترك كدمات تحت دانتيل فستانها الممزق وسحبها واقفة. رغم أنها أقصر منه برأس، ظلت عيناها مرفوعتين نحوه دون خوف. دس فوهة مسدسه الفضي بين ضلوعها وهمس قرب أذنها ببرود قاتل: "محاولة واحدة للهروب… وسأزرع رصاصة فضية في قلبك قبل أن تلمسي البوابة." لم تتراجع، نظرت إليه نظرة بطيئة جريئة ضيقت صدره، ثم ابتسمت بخبث وهمست: "لو أردت الهرب يا نوح… لما بقيت مقيدة أصلاً." سحبها خارجاً من الزنزانة إلى ممرات القلعة الباردة، تجاوزت الساعة منتصف الليل. مشت برأس مرفوع كملكة تُقاد إلى عرشها، لا سجينة إلى مصير مجهول، وهذا وحده أشعل جنونه. اختلط صدى خطواتهما بطقطقة مصابيح الغاز، تحركت ظلالهما فوق الجدران كأشباح تراقب، وكلماتها تتردد في رأسه كالسم: "القلعة تتنفس خيانة." في الخارج، عربته السوداء تنتظر وسط ضباب لندن، أربعة جياد سوداء تضرب الأرض بعصبية نافثة بخاراً أبيض. فتح السائق الباب... دفعها نوح للداخل أولاً ثم صعد خلفها. ما إن أُغلق الباب حتى أعاد تقييد معصميها بالحلقة النحاسية في جدار العربة وقال بسخرية باردة: "إجراءات أمان… سيدتي." لم تصرخ. لم تتأوه، جلست تراقبه بعينيها الزرقاوين بثبات غريب طوال الطريق عبر شوارع لندن الغارقة في الضباب. الصمت بينهما خانق، ونظراتها لم تفارقه، كأنها تقرأ أفكاره فكرة فكرة. أدار وجهه للنافذة محاولاً تجاهلها، لكن إحساسه بها كان يطوقه. سمع صوتها أخيراً، ناعماً وسط اهتزاز العربة: "أنت لا تثق بي." أطلق ضحكة قصيرة بلا دفء دون أن ينظر إليها: "ذكية." مالت رأسها وهمست: "لكن جزءاً منك يصدقني." اشتدت أصابعه حول المقعد بجانبه... لم يرد. ابتسمت ببطء، صمته اعتراف كافٍ. "هذا أخطر بكثير يا نوح… لأنك عندما تبدأ بالشك في كل ما عشت تؤمن به… لن تعود الشخص نفسه أبداً." استدار نحوها بعينين مظلمتين: "توقفي عن التصرف وكأنك تعرفينني." رفعت حاجبها وهمست داخل عينيه: "وأنت توقف عن النظر إليّ وكأنك تحاول كراهيتي." تصلب جسده، لأنها محقة، وهذا أزعجه أكثر مما يجب. صمت آخر طويل... بعد مدة توقفت العربة أمام قصره في أطراف العاصمة. بناء حجري بثلاثة طوابق تعلوه أبراج مدببة كسنان الرماح، تحيط به أشجار سوداء ميتة وحديقة تعوي فيها الرياح، بدا كضريح مهجور أكثر من منزل. نزل أولاً، ثم أمسك ذراعها ليساعدها، أدرك متأخراً أنه لم يكن مضطراً. توقفت عيناه على أصابعها الباردة الملتفة حول يده للحظة، رفعت سيسيليا نظرها إليه ببطء. ولثانية واحدة… مر بينهما شيء غريب، أخطر من العداء. سحب يده وكأن لمستها أحرقته: "تحركي." ابتسمت بخفة، توتره لم يفتها. في الداخل، تدلت الثريات الكريستالية كعناكب متجمدة، الجدران مغطاة بورق رمادي قاتم، مكتبة هائلة تصل للسقف مليئة بكتب التشريح وصيد الوحوش. فُتح الباب قبل أن يطرقه. وقف رجل ستيني نحيل بظهر مستقيم وشعر فضي مصفف بعناية مرعبة، بدلته السوداء بلا تجعيدة واحدة، قفازاته البيضاء تخفي يديه. وما إن وقعت عيناه على سيسيليا… حتى شعرت بشيء بارد يمر في عمودها الفقري للمرة الأولى منذ بداية الليلة. انحنى الرجل باحترام محسوب وقال بصوت هادئ: "مرحباً بعودتك سالماً، سيدي الشاب." ثم انتقلت عيناه ببطء إلى القيود الفضية حول معصميها، خفّض صوته: "هل… أُحضر العشاء للضيفة؟" قال نوح فوراً بصرامة لا تقبل نقاشاً: "لا." دفعها إلى الداخل وأضاف: "أغلق البوابات، اصرف الجميع، لا أريد روحاً واحدة في الجناح الشرقي الليلة." "أمرك سيدي." نقر الرجل العجوز بأصابعه، ظهرت خادمتان شابتان من الظلال كأنهما كانتا تنتظران الإشارة. لكن ما إن وقعت أعينهما على سيسيليا حتى شحب وجهاهما، تراجعتا خطوة للخلف دون وعي. قال ماركوس بصوت هادئ قطع الهواء كالسوط: "عودا إلى غرفكما، سموه لا يحتاج خدماتكما الليلة." اختفتا سريعاً كالأشباح. أُغلق الباب الرئيسي بمفتاح ضخم، دوّى الصوت في أنحاء القصر كإغلاق قبر. استدار ماركوس ببطء نحو نوح، خفض صوته حتى صار همسة ثقيلة: "سيدي..." توقفت عيناه على سيسيليا مرة أخرى، حذره واضح: "هل أنت متأكد أنك تريد البقاء وحدك مع هذه... المخلوقة؟" ابتسمت سيسيليا قبل أن يجيب نوح، رفعت عينيها مباشرة إلى ماركوس وقالت بجرأة باردة زعزعت الصمت: "أنت خائف مني..." مالت رأسها، عيناها الزرقاوان تلمعان بخبث خطير: "أم خائف مما أعرفه عن هذا القصر؟" ساد الصمت. ماركوس تجمد... أصابعه البيضاء شدّت على القفاز للحظة واحدة فقط، لحظة كشفت كل شيء.همست سيسيليا، وصوتها هذه المرة لم يشبه أي صوت خرج منها سابقًا. لم يكن مجرد اعتراف متردد، ولا خوفًا عابرًا من عواقب مجهولة… بل بدا كشيء يُنتزع من أعماقها بالقوة، من ذلك المكان المظلم الذي قضت سنوات طويلة تبني حوله الجدران حتى لا يلمسه أحد. "لكن هذا… قد يغيّر كل شيء." بقي نوح صامتًا. النار المشتعلة في المدفأة خلفها ألقت وهجًا ذهبيًا متراقصًا فوق ملامحها، فبدت عيناها أعمق من المعتاد… أخطر… وأكثر هشاشة بطريقة أربكته. وللمرة الأولى منذ سنوات، شعر أن الخطر الحقي لا يحمل أنيابًا أو سلاحًا. بل يجلس أمامه بهدوء، وينظر إليه وكأنه قادر على رؤية كل شيء أخفاه عن العالم. "نعم…" قال أخيرًا بصوت منخفض. "كل شيء سيتغيّر." لم يرفع صوته. لكنه قالها بطريقة جعلت الكلمات تبدو نهائية… كأنها باب يُغلق خلفهما ببطء. تحركت يده نحو وجهها. كان بإمكانه جذبها إليه بسهولة. كان بإمكانه اختصار كل هذا التردد بلمسة واحدة. لكنه اقترب بحذر. حذر رجل يعرف العنف جيدًا… لكنه لا يعرف كيف يلمس شيئًا يخشى خسارته. حين استقرت أصابعه على خدها، أغمضت سيسيليا عينيها للحظة قصيرة دون وعي. دفء يده لم يكن
صمت نوح للحظة. كان عليه أن ينتقي كلماته بحذر—لم يُرِد أن تظن أن لديه نوايا سيئة، خصوصًا بعد ما مرت به. قال بهدوء مدروس، بينما بقيت عيناه ثابتتين عليها. "دم الحيوانات قد يؤخر الجوع… لكنه لن يطفئه. أنا أتحدث عن دم البشر." ساد صمت قصير قبل أن يُكمل بنبرة أكثر حسمًا: "لديّ سجن أسفل القصر. أحتجز فيه مجموعة من الحثالة… أشخاص تأخر موتهم أكثر مما يستحقون." رفع نظره إليها. كانت جالسة تحت ضوء الشموع المرتجف، وملامحها الشاحبة تبدو كأنها منحوتة من شيء هش وقاسٍ في آنٍ واحد. "أولئك الأوغاد سيموتون عاجلًا أم آجلًا… فلماذا لا يكون لموتهم فائدة؟" تصلبت سيسيليا مكانها. لم تكن الصدمة بسبب الفكرة وحدها… بل بسبب الطريقة التي قالها بها. بلا تردد. بلا ارتباك. وكأن العدالة بالنسبة له لم تكن مفهومًا قانونيًا، بل شيئًا شخصيًا جدًا. "مجرمون؟" سألت بصوت خافت. "أين تحتجزهم؟" هز نوح رأسه ببطء، وتحولت ملامحه إلى شيء أكثر صلابة. "في القبو. هناك أضع من لا تكفيهم أحكام المحاكم." ثم اتجه نحو الباب، وأضاف دون أن ينظر إليها: "قتلة...مغتصبون...وحوش أفلت من العقاب، لأن العالم أحيانًا أضعف من أن
اقتربت سيسيليا أكثر. كان صوتها بالكاد نفساً. "دوري." نظرت إلى نوح— عيناها حادتان. حيّتان. لكن خلف ذلك اللمعان، كان هناك ارتجاف خفي، كأن شيئاً داخلها يسير على حافة الانكسار منذ زمن بعيد، لا اليوم فقط. "سأحصل على التاج." توقفت. للحظة واحدة فقط. كأنها تختبره. تثق به. كان الصمت بينهما أطول من الكلمات. أثقل من الفوضى التي كانت تشتعل خلف الجدران. لكنه لم يشك بها. لم يتردد. اكتفى بأن أومأ برأسه. وتلألأت عيناه في ضوء النار، كأن شيئاً داخله لا يرى سوى النهاية التي يقتربون منها معاً. "اذهبي." صوته لم يكن أمراً فقط، بل وعداً غير منطوق بالحماية… وبالدم أيضاً إن لزم الأمر. دفعها نحو درج مخفي، مموه وسط حركة مذعورة ودخان يتصاعد. "الوقت ينفد." "اذهبي!" نادى خلفها. ثم… اختفت. اختفت تماماً… كأنها لم تكن موجودة أصلاً. لكن شيئاً منها ظل عالقاً في المكان—كظل لم يعرف كيف يهرب. في القاعة— ارتفع صوت داميان فوق الفوضى: "أيها الحمقى! أين الإمبراطور؟!" كان يفقد السيطرة. ليس فقط على المكان، بل على الصورة التي بناها لنفسه أمام الجميع. ملامحه التي كانت
القاعة الكبرى لم تكن تشتعل بالضوء، بل كانت تحترق به. انعكس ذهب الثريات فوق الرخام كأنه معدن سائل، بينما تحركت وجوه النبلاء تحت الوهج مثل أشباح لا تعرف سوى الابتسام. انكمش العالم من حوله حتى صار ضيقاً كثقب إبرة، وفي مركزه وقف رجل واحد: الإمبراطور فالريك آشفورد.فوق المنصة، حمل الثوب الملكي ثقل تاريخ كامل من الدم، حضوره لم يكن مجرد سلطة؛ كان شعوراً بالخنق. انساب صوته بهدوء رجل لا يحتاج إلى رفع نبرته كي يُطاع."يا أبناء وبنات الإمبراطورية... الليلة لا نحتفل بالمجد فحسب، بل بالمستقبل الذي صنعناه لكم."مرت الفكرة داخل نوح كحد شفرة: صنعتموه من عظام أبي.تردد صوت الإمبراطور في القاعة، وتبعه تصفيق صاخب، مطيع، جائع. بدا الحاضرون كقطيع يصفق للذئب لأنه وعد ألا ينهشهم هذه الليلة. أما داخل نوح، فلم يكن هناك سوى صمت الجنازات.شعر بالكلمة على طرف لسانه دون أن ينطقها: قاتل.كانت بطعم دم قديم، عمره سنوات.واصل فالريك خطابه معلناً أن مراسم التتويج القادمة ستؤذن ببداية عهد جديد تحت قيادة ابنه، الأمير داميان. سقط الاسم في القاعة بثقل حجر، ثم دوى التصفيق مجدداً. رفع نوح يده وصفق معهم ببطء ميكانيكي بارد،





