LOGINعبر القاعة الواسعة، توقف داميان فجأة.
كأن الزمن تعثّر عند رؤيتهما. تجمدت خطواته للحظة واحدة فقط، لكنها كانت كافية ليتغير الهواء. ارتفعت ذقنه ببطء. انعقد فكه. واستقرت عيناه عليهما دون أن يحاول إخفاء الجحيم الذي اشتعل داخله. ما مرّ في نظرته لم يكن دهشة. ولا إعجاباً. كان امتلاكاً مغموساً بغيرة ورغبة وسيطرة. شيء أعمق وأكثر ظلاماً من أن يُسمّى. شعرت سيسيليا بنظرته قبل أن تلتفت. احتراق بارد زحف فوق جلدها. نظرة رجل قرر مسبقاً أنه سيلتهمها أو يدمرها. أو الاثنين معاً. لكنها لم تتوتر. ارتسمت على شفتيها ابتسامة بطيئة، واثقة، خطيرة. همست دون أن تنظر إليه: "لقد رآنا." صوت نوح جاء هادئاً، بارداً. لكن تحته توتر خفي لم ينجح في إخفائه: "هذا ما أردته بالضبط." صمتت لثانية. تستمتع بارتباكه أكثر من نجاح خطته. أدارت وجهها نحوه ببطء حتى صارت المسافة بينهما جريمة. "لا… ليس بهذه الطريقة." انزلقت أصابعها على ذراعه ببطء متعمد. حركة ناعمة، جريئة بما يكفي ليقسم كل من يراقبهما أن ما بينهما أعقد من علاقة وأعمق من خطيئة. اقتربت حتى لامس كتفها ذراعه بالكامل. تعلن ملكيتها للمشهد وله. "الآن…" همست وهي تراقب داميان من زاوية عينيها، "هو لا يرى سواي. ولا يسمع سوى دقات قلبه وهو يحترق." التفت نوح إليها بالكامل. نظرته هذه المرة سكين. قال بصوت منخفض جداً، صوت رجل يحذر نفسه قبل أن يحذرها: "سيسيليا. إياكِ وتجاوز الحدود." لكن سيسيليا لم تُخلق لتخاف الحدود. خُلقت لتجعلها تركع. ارتفعت زاوية شفتيها بابتسامة قاتلة. رفعت حاجبها وكأن تحذيره نكتة. "أي حدود؟ تلك التي تكسرها كلما نظرت إليّ؟" اقتربت أكثر. أنفاسه تباطأت رغماً عنه. مالت نحو أذنه حتى أصبح صوتها همسة دافئة وخطيرة: "أم حدودي… التي سترى الجحيم قبل أن تلمسها؟" في تلك الثانية، اختفى كل شيء. الموسيقى تلاشت. ضحكات النبلاء اختنقت. القاعة نفسها تبخرت. لم يبقَ سوى المسافة الخطيرة بين جسديهما. والمسافة الأخطر بين نظراتهما. نظرات تقترب من نقطة لا عودة منها. شعر نوح للمرة الأولى منذ سنوات أن سيطرته تتشقق. هذه المرأة لا تعبث بخططه فقط. بل بعقله. والأسوأ أنه بدأ يستمتع بالسقوط. لكن سيسيليا ابتعدت فجأة. كأن شيئاً لم يحدث. تاركة خلفها أثر عطرها وصدى كلماتها يحفر في جمجمته. في اللحظة نفسها، تراجع الضيوف تلقائياً ليصنعوا ممراً صامتاً وسط القاعة. ممر يشبه الطريق إلى المقصلة. اتجه داميان نحوهما مباشرة. خطواته ثابتة. محملة بغضب مكبوت بالكاد يسيطر عليه. لاحظت سيسيليا ذلك فوراً. لم تشعر بالخوف. على العكس. اتسعت ابتسامتها، وكأن اقتراب الخطر يجعلها أكثر حياة. قالت بنبرة ممتعة مليئة بالتحدي: "أرأيت؟ لعبتنا بدأت حقاً. والجمهور متحمس للدم." لم يبتسم نوح. لكن عينيه ظلتا مثبتتين عليها للحظة أطول مما ينبغي. يحاول أن يقرر إن كانت سلاحه الأقوى… أم الكارثة التي ستحرق كل ما بناه. قال أخيراً، بصوت ثابت يخفي إعصاراً: "تذكري كلمة واحدة: أنا لا أخسر. لأي سبب...ولأي أحد." التفتت إليه ببطء. ثبتت عينيها داخل عينيه دون تردد. كأنها تتحداه أن يشكك فيها. أجابت بصوت ناعم وواثق بشكل مرعب: "جيد...لأنني أكره الخاسرين." وازدادت المسافة بينهما من جديد… ليس لأن أحدهما تراجع. بل لأن العاصفة كانت على وشك أن تصطدم أخيراً. خيم الصمت على القاعة. ترقبٌ جماعي خنق الهواء. وكأن الجميع أحس—دون أن يفهم—أن الإمبراطورية على وشك أن تنكسر. أو تُولد. داميان… كان يسير مباشرة نحوهما. خطواته بطيئة، واثقة، محسوبة. ابتسامة باهتة انحنت على شفتيه—بعيدة عن الود… أقرب لابتسامة صياد وجد شيئاً أثمن من الذهب. سيسيليا لم تنظر إليه مباشرة. بدلاً من ذلك، شدّت قبضتها قليلاً على ذراع نوح، واقتربت أكثر— أداء مثالي… ومميت. اقترب. حتى توقف أمامهم مباشرة. صمتٌ وجيز. ثقيل. خانق. "اللورد نوح…" قالها بنعومة، ونبرته تقطر سخرية وعسلاً مسموماً. "يا لها من مفاجأة..." انزلقت نظراته ببطء نحو سيسيليا. ليست نظرة عابرة… بل تشريح. تملّك. وعد بالحرب. "وهذه…" توقف. ابتسم. ابتسامة لم تصل لعينيه. "أنت تجيد اختيار العشيقات...كنت أظن أنك لا تلتفت إلى النساء. أم أن القواعد تتغير حين تكون… مميتة إلى هذا الحد؟" قبل أن يتمكن نوح من الرد— تحركت سيسيليا. رفعت ذقنها قليلاً، وعيناها تلتقيان بعيني داميان دون أن ترمش. "أكره أن يتحدث الرجال عني وكأنني قطعة أثاث. سأقدم نفسي بنفسي." صمت. لحظة وجيزة— لكنها كافية لكسر إيقاعه. ابتسمت. "سيسيليا فون شتاين." ثم أضافت، بنعومة محسوبة كحد السكين: "وأنت… لا بد أنك ولي العهد الذي سمعت عنه الكثير. يقولون إنك تأخذ ما تريد. هل هذا صحيح؟" لم تكن مجاملة. كانت طُعماً. وتحدياً. وإعلان حرب. توهجت عينا داميان. هوس صريح. "سمعتِ عني؟ يسعدني ذلك." اقترب خطوة. "وماذا سمعتِ أيضاً، يا ليدي شتاين؟ أخبريني. أريد أن أسمع صوتك الساحر أكثر." تحرك نوح فوراً—يده تعود إلى خصرها، أقرب… أثبت. هذه المرة… لم يكن تمثيلاً. ضغطت أصابعه على القماش—سيطرة أقوى من اللازم. تملكية. وحشية. فكه انقبض. نبضة ظهرت عند صدغه—ثم اختفت. لكنه لم ينطق. كان يعدّ للثانية التي سيكسر فيها عنقه. سيسيليا لم تتراجع. بقيت في مكانها تماماً. جبل جليد يحترق من الداخل. "السلطة تجذب الانتباه"، قالت بهدوء. أمالت رأسها قليلاً، وأضافت: "لكن أحياناً…تكون كالسرطان يجب استئصاله قبل أن ينتشر." تعثرت الابتسامة على شفتي داميان— لثانية واحدة فقط. ثم عادت. أبطأ. أحدّ. أكثر جوعاً وجنوناً. "جريئة"، تمتم. "وخطيرة. سأجعلكِ لي. هذا المزيج… إدمان." رفع يده— ببطء، بتعمد—نحو وجهها. قبل أن تلمس أصابعه بشرتها— تحرك نوح. ليست حركة واضحة… مجرد تغير في الجاذبية حوله. كتفاه اشتدتا. أنفاسه تباطأت. وعيناه— تحولتا إلى شتاء أسود. شتاء يقتل. قبضته على خصرها اشتدت. تحذير صامت. على بُعد نفس واحد من أن يصبح مذبحة. لكن سيسيليا— لم تبتعد. بدلاً من ذلك، رفعت يدها. وأمسكت بمعصمه. معصم داميان. بهدوء. صمت. الهواء تجمد. الضيوف القريبون نسوا كيف يتنفسون. بعضهم تراجع خطوة. أما نوح— فلم يُحوّل نظره. عيناه مثبتتان على يد داميان. شيء مظلم مرّ في نظرته— نية قتل باردة، محسوبة، حتمية. ثم اختفت. دُفنت تحت السيطرة. بالكاد. "نصيحة مجانية، سموك… الأخيرة." قالت سيسيليا بنعومة، بحزم يقطر سُمّاً: "لا تلمس ما لا تفهمه. وما لن تملكه أبداً. ستحترق." فك داميان انقبض. لكن عينيه لم تفارقا عينيها. كان مسحوراً، غاضباً، مهووساً. "وماذا لو أردت أن أفهم؟" مال أقرب. صوته انخفض إلى همس مريض. "ببطء. قطعة قطعة. جلداً وعظماً وروحاً. حتى أحفظك وأكسرك." إبهامه حاول أن يمرّ على نبض معصمها—مرة واحدة—كأنه يرسم خريطة لما سيملكه. ابتسمت. ابتسامة صغيرة… تقطع الوريد. "حينها ستكتشف أن بعض الأشياء… ليست للفهم. بل للقتل. ولن يعجبك طعم سمّي حين تفتح الصندوق." أفلتت معصمه بنفس الهدوء. ثم—وكأن شيئاً لم يحدث— مررت أصابعها من جديد على ذراع نوح وصولا إلى كف يده. حركة تملك علنية. إعلان. أصابع نوح تشابكت فوراً مع أصابعها. بقوة— ليُقيّدها في مكانها. تملّك صامت. تحذير… موجه لداميان. قبضته طالت لحظة أكثر من اللازم. ثم ارتخت— لكن الخطر لم يرتخِ. تضاعف. يد نوح اشتدت على يدها. "كفى." صوته كان منخفضاً. لكن النبرة كانت سكيناً على الحلق. غضب مسيطر… على حافة الذبح. وكان موجهاً لهما الاثنين. لها لأنها تتحدى، وله لأنه تجرأ. نظر داميان إليه أخيراً. ابتسامة جانبية انحنت على شفتيه. مجنونة. "أوه، نوح. أنت دائماً تفسد المتعة حين تصبح… لذيذة." اقترب نصف خطوة. يتحدى الموت. "أخبرني… هل تعرف ما الذي جلبته إلى عريني؟ فتاة أم قنبلة؟ أم أنك أحضرت النار لتلعب بها وتحرقنا جميعاً؟" الصمت بينهما كان أثقل من إعلان حرب. نوح لم يرمش. لكن نظرته ازدادت سواداً. "أعرف تماماً ما أحضرت." رد بهدوء. هدوء المقصلة قبل أن تسقط. صوته ثابت… لكنه يحمل وعداً واضحاً، محفوراً في الحجر: "وأعرف أنك لو فكرت في لمسها مرة أخرى… سأدفنك هنا. بلقبك، بتاجك، وبكل من يقف خلفك." سيسيليا شعرت به. التحول. لم يعد مجرد توتر— بل رائحة دم وبارود وموت. لذلك تدخلت. مرة أخرى. لكن هذه المرة— بابتسامة تسخر من الموت ومنهما الاثنين. "سموّك"، قالت بنعومة. "إذا كنت تحاول استفزازنا لترى من سينكسر أولاً…" توقفت، ثم التقت عينيه مباشرة. بتحدٍ وقح. "ستحتاج موهبة أكبر. ورجالاً أكثر. وحبال صوتية لا ترتجف من الخوف." وميض—بين الانزعاج والإعجاب المريض والهوس—مرّ في عينيه. "أنتِ لا تخافين." قال ببطء. وكأنه اكتشف إلهة. رفعت حاجباً. "هل أعطيتني سبباً واحداً لأخاف؟ أعطني واحداً." مال أقرب. يتجاهل نوح تماماً. "الجميع يخافني. عاجلاً أم آجلاً. ستركعين." أمالت رأسها قليلاً. ثم همست، والسم في كل حرف: "الجميع… لست أنا. وأنا لا أركع. أنا أجعل الملوك يركعون. أبداً." صمت. حاد كالنصل. ثم— صوت قطع كل شيء. الإمبراطور. "أيها النبلاء…" صوت الإمبراطور شق القاعة كالسيف. بدأ الخطاب. لكن لا أحد منهم… كان يسمع. كانوا في حربهم الخاصة. تراجع داميان. ببطء. "هذا… لم ينتهِ." قال، وعيناه تأكلان سيسيليا بوعد مريض لن ينساه. ثم نظر إلى نوح. لحظة صامتة— مليئة بكل الحروب المؤجلة والممالك المحترقة. "ولا شيء بيننا انتهى. سآخذها. وستشاهد." استدار. وابتلعه الحشد. في اللحظة التي رحل فيها— بقيت سيسيليا ساكنة. ثم أطلقت زفرة بطيئة. راضية. "كان أكثر إثارة مما توقعت"، همست، وعيناها تلمعان بالخطر. "وأظنه سيعود. وبجيش." نوح لم يرد فوراً. عيناه ظلتا مثبتتين على الظل الذي اختفى فيه داميان. فكه لا يزال كالحجر. ويده… لا تزال تشتبك بيدها كالقيد. كالوعد. كالتهديد. "وأكثر خطورة مما خططت له"، قال أخيراً. صوته كان أخفض. أبرد. لكن الجحيم… لا يزال يغلي تحت الجليد. وكان جزء منه موجهاً لها. لأنها أشعلت هذا كله. التفتت إليه. ابتسمت. هدوء… لكنه يعد بالفوضى وبالدم. "ممتاز. أنا أكره الملل وأكره الرجال المتوقعين." ثم نظرت نحو العرش. "الفوضى الحقيقية… لم تبدأ بعد." قبضتها اشتدت قليلاً حول يده. "وأنا جائعة لها. وللانتصار." نوح لم يبتسم. لكنه لم يفلت يدها أيضاً. وكأن جزءاً منه— رغم كل شيء— قرر أنه لم يعد يريد النجاة. بل يريدها هي. حتى لو أحرقته، حتى لو أحرقته مع المملكة كلها.بعد أسبوع…كانت السماء فوق قلعة الصيادين كثيفة بالغيوم، التي ابتلعت ضوء النهار، والريح الباردة صفعت الرايات المعلقة فوق الأبراج الحجرية، حتى بدا المكان كقلعة تستعد للحرب لا للاجتماع.داخل القاعة الكبرى…ساد التوتر كالدخان.طاولة طويلة من الخشب امتدت في قلب القاعة، تحيط بها وجوه رجال اعتادوا رؤية الدم أكثر من النوم.كان الصيادين من أخطر الرجال.لكن رغم قسوتهم…كان الصمت يبتلعهم كلما رفعوا أعينهم إلى نوح.جلس بهدوء مرعب، مرتديًا معطفه الأسود الطويل، بينما انعكاس النار الراقصة في المواقد جعل ملامحه تبدو أكثر ظلمة.يداه متشابكتان أمامه.ظهره مستقيم.وعيناه باردتان لدرجة مخيفة.لكن شيئًا فيه لم يكن طبيعيًا.شحوبه أصبح واضحًا.الظلال تحت عينيه أعمق.وأنفاسه… أبطأ من المعتاد.راقبه الجميع بحذر دون أن يعلق أحد.لأن القاعة بأكملها تعلم شيئًا واحدًا:حين يبدو نوح هادئًا هكذا…فهذا يعني أن الجحيم قريب.ضرب أحد الصيادين الطاولة بقبضته أخيرًا وقال بغضب:— نحن نخسر الحدود الشرقية واحدة تلو الأخرى! مصاصو الدماء المتوحشون يتحركون ليلًا وكأنهم يعرفون مواقعنا مسبقًا!رد آخر بحدة:— يوجد خائن بيننا.ساد
حلّ الصباح على القصر ثقيلًا، كأنه لم يأتِ ليبدأ يومًا جديدًا… بل ليكشف ما أخفاه الليل بصعوبة.الضوء الرمادي انسلّ من النوافذ العالية ببطء، باهتًا وباردًا، حتى الثريات الذهبية فقدت بريقها تحت ذلك الفجر الكئيب.الجدران الحجرية بدت أكثر قسوة، والممرات الطويلة أكثر صمتًا، والهواء نفسه يحمل شيئًا خانقًا… شيئًا لا يُرى، لكنه يجعل الصدر أثقل مع كل نفس.في الجناح العلوي، استيقظ نوح بلا حركة.فتح عينيه ببطء شديد، وكأن جسده يرفض العودة إلى الوعي.ظل مستلقيًا للحظات، يحدق في سقف الغرفة المعتم، بينما ذلك الألم الخافت يعود مجددًا داخل صدره.ليس ألمًا حادًا.بل شيء أخطر.ثقل بطيء… كأن السم لا يقتله بسرعة، بل يتلذ بإضعافه تدريجيًا.شدّ فكه فورًا.يده تحركت نحو صدره بلا وعي، ثم توقف قبل أن يلمس نفسه حتى.وكأن الاعتراف بالألم جريمة.أغمض عينيه ثانية وهمس بصوت خشن:— ليس الآن.كلمة واحدة فقط.لكنها خرجت كأمر عسكري موجه لجسده نفسه.جلس على طرف السرير، وانحنى قليلًا للأمام، بينما أنفاسه تباطأت بشكل مزعج.لثوانٍ قصيرة… شعر بدوار خفيف.شيء لم يحدث له منذ سنوات.قبض أصابعه بقوة حتى برزت عروق يده.لا.لن يسم
الممرات التي مرّ بها داميان قبل قليل بدت الآن أطول، أكثر ضيقًا، كأن القصر نفسه يراقبه وهو يحاول ألا ينفجر.حتى وصل إلى جناحه.أغلق الباب خلفه.ثانية واحدة من الصمت.ثم… انفجر كل شيء.قبضته اصطدمت بالطاولة الخشبية في منتصف الغرفة.تشقق السطح تحت القوة، وانقلبت الشموع المزخرفة على الأرض، لتنطفئ واحدة تلو الأخرى كأنها تتخلى عن الحياة."امرأة تُختار لي؟"صوته خرج منخفضًا، لكنه كان مشبعًا بشيء لا يقرأ.التفت فجأة، فأسقط رفًّا كاملًا من الكتب القديمة.تساقطت الأوراق كأنها جثث بيضاء."كأنني… قطعة شطرنج."لم يكن غضبًا عشوائيًا، بل موجة منظمة من الانهيار، كأن كل شيء حوله يجب أن يدفع ثمن ما قيل في القاعة.توقف لحظة.تنفّس بسرعة... بعصبية.صدره لم يهدأ.كانت صورتها هي التي لا تغادره."لا."همس لنفسه."ليس الآن... لن تبعدني عنها."لكن الغضب عاد أقوى.دفع الطاولة مرة أخرى، فانقلبت بالكامل.تكسرت الزجاجات الفاخرة للنبيذ، وانسكب السائل الداكن على الأرض كأنه دم قديم.ثم ساد الصمت فجأة.صمت ثقيل… غير مريح.داميان وقف في وسط الدمار، صدره يعلو ويهبط، وعيناه ثابتتان على الفراغ.لم يكن يهدأ.بل كان يجمع ن
كانت أبواب القصر الإمبراطوري ترتفع ببطء، كأنها لا تفتح للداخلين بسهولة بل تختبرهم أولًا.دخل داميان دون أن يبطئ خطوته.الممرات الرخامية الطويلة امتدت أمامه كأنها بلا نهاية، أعمدة شاهقة تحرسها نقوش قديمة لأسماء حكّام سقطوا ولم يبقَ منهم سوى الصدى. كان القصر هادئًا… لكن هذا النوع من الهدوء الذي لا يعني السلام، بل الترقب.الحراس لم يرفعوا أعينهم.لم يجرؤ أحد أصلًا.كانوا يعرفون أن مرور داميان هنا لا يشبه مرور أي شخص آخر. كأنه ظلٌّ مُرسَل من حرب لم تبدأ بعد.توقّف عند نهاية الممر.باب القاعة الإمبراطورية."ادخل."صوت الإمبراطور خرج من الداخل، ثابتًا، بلا انفعال. لكن فيه تلك النبرة التي لا تحتاج إلى تكرار.دفع داميان الباب ببطء.القاعة كانت أوسع من أن تُرى دفعة واحدة. سقفها المرتفع يختبئ في العتمة، وثريات الذهب معلّقة كنجوم ميتة. وعلى العرش، جلس الإمبراطور.لم يكن ينظر إليه مباشرة.كان يقرأ شيئًا في يده، كأنه يريد أن يجعل العالم ينتظر حتى يقرر هو اللحظة المناسبة للغضب."تأخرت."قالها دون رفع عينيه.أغلق داميان الباب خلفه بهدوء."لم أكن أعلم أنه علي السرعة."رفع الإمبراطور نظره أخيرًا.نظرة
انتهى العشاء متأخرًا، لكن القصر لم يستعد هدوءه الحقيقي أبدًا.كان هناك شيء ثقيل يزحف داخل الجدران الحجرية العتيقة، شيء لا يُرى بالعين… لكنه يُشعر الجميع بأن الليل ما زال يخفي أنيابه.الثريات الذهبية انعكست فوق الطاولة الطويلة، فوق الكؤوس الكريستالية، فوق السكاكين الذهبية المصطفة بدقة مفرطة… نهض فيكتور أولًا، متكئًا بكسل على حافة الطاولة وهو يطلق زفرة طويلة."إذا بقيت دقيقة إضافية معكما سأصاب بالسكري من هذا التوتر الرومانسي بينكما."رفعت سيسيليا حاجبًا وهي تنظر إليه ببرود متعمد."أنت تبالغ.""أنا؟" وضع يده فوق صدره بصدمة مصطنعة، ثم أشار إلى نوح. "هذا الرجل أخطر صياد بالمملكة، ينظر إليكِ وكأنه مستعد لإحراق إمبراطورية كاملة إذا شعرتِ بالبرد."توقفت يد سيسيليا فوق كأسها للحظة.أما نوح… فلم ينكر.لم يسخر.لم يرمق فيكتور حتى.فقط بقي جالسًا بصمته البارد، يدير كأس النبيذ بين أصابعه ببطء قاتل، وعيناه ثابتتان على سيسيليا بطريقة جعلت الهواء يكاد يختفي.وهذا وحده جعل ابتسامة فيكتور تتسع.لأن نوح الذي يعرفه منذ سنوات… كان سيطلق تهديدًا فورًا.أما الصمت؟فالصمت مع نوح لم يكن فراغًا أبدًا.بل اعتر
خطوات نوح ابتعدت في الممر المؤدي للحمام، وصدى الباب وهو يُغلق خلفه جعل سيسيليا تفيق من شرودها.الغرفة كانت صامتة بشكل مريب، كأن الجدران نفسها تحبس أنفاسها وتراقب ما حدث قبل لحظات.لم تتحرك من مكانها.فقط رفعت يدها ببطء إلى شفتيها.ما زال دفء قبلته عالقًا هناك، كأثرٍ لا يُمحى مهما حاولت تجاهله.ضحكت ضحكة قصيرة مرتبكة، متقطعة، كمن يُوبّخ نفسه... لأنها بدت كالمراهقة."توقفي يا سيسيليا." همست لنفسها، وكأنها تخاطب جزءًا فيها خرج عن السيطرة.لكن قلبها لم يستجب.كان مشغولًا بشيء أكثر إزعاجًا… بسماع نبضاته التي لم تعد تعرف كيف تهدأ، وكأنها فقدت إيقاعها الطبيعي منذ لحظة واحدة فقط.في الجهة الأخرى من القصر، وقف فيكتور أمام النافذة في الرواق الطويل.المطر كان قد خفّ قليلًا، لكن السماء ما زالت مثقلة بغيوم داكنة كأنها ترفض المغادرة.انعكس الضوء الخافت للممرات على الزجاج، بينما كان العالم خلفه يبدو ساكنًا بشكل غير مريح، كهدوء يسبق شيئًا لا يُفهم.مرّ ماركوس بجانبه بخطى هادئة، يحمل مذكرة صغيرة لا يتخلى عنها، أصبحت جزء من روتينه الذي لا يتغير أبدًا."لم أرك بهذا الصمت منذ زمن، سيد فيكتور." قال بابتسا







