LOGINعبر القاعة الواسعة، توقف داميان فجأة.
كأن الزمن تعثّر عند رؤيتهما. تجمدت خطواته للحظة واحدة فقط، لكنها كانت كافية ليتغير الهواء. ارتفعت ذقنه ببطء. انعقد فكه. واستقرت عيناه عليهما دون أن يحاول إخفاء الجحيم الذي اشتعل داخله. ما مرّ في نظرته لم يكن دهشة. ولا إعجاباً. كان امتلاكاً مغموساً بغيرة ورغبة وسيطرة. شيء أعمق وأكثر ظلاماً من أن يُسمّى. شعرت سيسيليا بنظرته قبل أن تلتفت. احتراق بارد زحف فوق جلدها. نظرة رجل قرر مسبقاً أنه سيلتهمها أو يدمرها. أو الاثنين معاً. لكنها لم تتوتر. ارتسمت على شفتيها ابتسامة بطيئة، واثقة، خطيرة. همست دون أن تنظر إليه: "لقد رآنا." صوت نوح جاء هادئاً، بارداً. لكن تحته توتر خفي لم ينجح في إخفائه: "هذا ما أردته بالضبط." صمتت لثانية. تستمتع بارتباكه أكثر من نجاح خطته. أدارت وجهها نحوه ببطء حتى صارت المسافة بينهما جريمة. "لا… ليس بهذه الطريقة." انزلقت أصابعها على ذراعه ببطء متعمد. حركة ناعمة، جريئة بما يكفي ليقسم كل من يراقبهما أن ما بينهما أعقد من علاقة وأعمق من خطيئة. اقتربت حتى لامس كتفها ذراعه بالكامل. تعلن ملكيتها للمشهد وله. "الآن…" همست وهي تراقب داميان من زاوية عينيها، "هو لا يرى سواي. ولا يسمع سوى دقات قلبه وهو يحترق." التفت نوح إليها بالكامل. نظرته هذه المرة سكين. قال بصوت منخفض جداً، صوت رجل يحذر نفسه قبل أن يحذرها: "سيسيليا. إياكِ وتجاوز الحدود." لكن سيسيليا لم تُخلق لتخاف الحدود. خُلقت لتجعلها تركع. ارتفعت زاوية شفتيها بابتسامة قاتلة. رفعت حاجبها وكأن تحذيره نكتة. "أي حدود؟ تلك التي تكسرها كلما نظرت إليّ؟" اقتربت أكثر. أنفاسه تباطأت رغماً عنه. مالت نحو أذنه حتى أصبح صوتها همسة دافئة وخطيرة: "أم حدودي… التي سترى الجحيم قبل أن تلمسها؟" في تلك الثانية، اختفى كل شيء. الموسيقى تلاشت. ضحكات النبلاء اختنقت. القاعة نفسها تبخرت. لم يبقَ سوى المسافة الخطيرة بين جسديهما. والمسافة الأخطر بين نظراتهما. نظرات تقترب من نقطة لا عودة منها. شعر نوح للمرة الأولى منذ سنوات أن سيطرته تتشقق. هذه المرأة لا تعبث بخططه فقط. بل بعقله. والأسوأ أنه بدأ يستمتع بالسقوط. لكن سيسيليا ابتعدت فجأة. كأن شيئاً لم يحدث. تاركة خلفها أثر عطرها وصدى كلماتها يحفر في جمجمته. في اللحظة نفسها، تراجع الضيوف تلقائياً ليصنعوا ممراً صامتاً وسط القاعة. ممر يشبه الطريق إلى المقصلة. اتجه داميان نحوهما مباشرة. خطواته ثابتة. محملة بغضب مكبوت بالكاد يسيطر عليه. لاحظت سيسيليا ذلك فوراً. لم تشعر بالخوف. على العكس. اتسعت ابتسامتها، وكأن اقتراب الخطر يجعلها أكثر حياة. قالت بنبرة ممتعة مليئة بالتحدي: "أرأيت؟ لعبتنا بدأت حقاً. والجمهور متحمس للدم." لم يبتسم نوح. لكن عينيه ظلتا مثبتتين عليها للحظة أطول مما ينبغي. يحاول أن يقرر إن كانت سلاحه الأقوى… أم الكارثة التي ستحرق كل ما بناه. قال أخيراً، بصوت ثابت يخفي إعصاراً: "تذكري كلمة واحدة: أنا لا أخسر. لأي سبب...ولأي أحد." التفتت إليه ببطء. ثبتت عينيها داخل عينيه دون تردد. كأنها تتحداه أن يشكك فيها. أجابت بصوت ناعم وواثق بشكل مرعب: "جيد...لأنني أكره الخاسرين." وازدادت المسافة بينهما من جديد… ليس لأن أحدهما تراجع. بل لأن العاصفة كانت على وشك أن تصطدم أخيراً. خيم الصمت على القاعة. ترقبٌ جماعي خنق الهواء. وكأن الجميع أحس—دون أن يفهم—أن الإمبراطورية على وشك أن تنكسر. أو تُولد. داميان… كان يسير مباشرة نحوهما. خطواته بطيئة، واثقة، محسوبة. ابتسامة باهتة انحنت على شفتيه—بعيدة عن الود… أقرب لابتسامة صياد وجد شيئاً أثمن من الذهب. سيسيليا لم تنظر إليه مباشرة. بدلاً من ذلك، شدّت قبضتها قليلاً على ذراع نوح، واقتربت أكثر— أداء مثالي… ومميت. اقترب. حتى توقف أمامهم مباشرة. صمتٌ وجيز. ثقيل. خانق. "اللورد نوح…" قالها بنعومة، ونبرته تقطر سخرية وعسلاً مسموماً. "يا لها من مفاجأة..." انزلقت نظراته ببطء نحو سيسيليا. ليست نظرة عابرة… بل تشريح. تملّك. وعد بالحرب. "وهذه…" توقف. ابتسم. ابتسامة لم تصل لعينيه. "أنت تجيد اختيار العشيقات...كنت أظن أنك لا تلتفت إلى النساء. أم أن القواعد تتغير حين تكون… مميتة إلى هذا الحد؟" قبل أن يتمكن نوح من الرد— تحركت سيسيليا. رفعت ذقنها قليلاً، وعيناها تلتقيان بعيني داميان دون أن ترمش. "أكره أن يتحدث الرجال عني وكأنني قطعة أثاث. سأقدم نفسي بنفسي." صمت. لحظة وجيزة— لكنها كافية لكسر إيقاعه. ابتسمت. "سيسيليا فون شتاين." ثم أضافت، بنعومة محسوبة كحد السكين: "وأنت… لا بد أنك ولي العهد الذي سمعت عنه الكثير. يقولون إنك تأخذ ما تريد. هل هذا صحيح؟" لم تكن مجاملة. كانت طُعماً. وتحدياً. وإعلان حرب. توهجت عينا داميان. هوس صريح. "سمعتِ عني؟ يسعدني ذلك." اقترب خطوة. "وماذا سمعتِ أيضاً، يا ليدي شتاين؟ أخبريني. أريد أن أسمع صوتك الساحر أكثر." تحرك نوح فوراً—يده تعود إلى خصرها، أقرب… أثبت. هذه المرة… لم يكن تمثيلاً. ضغطت أصابعه على القماش—سيطرة أقوى من اللازم. تملكية. وحشية. فكه انقبض. نبضة ظهرت عند صدغه—ثم اختفت. لكنه لم ينطق. كان يعدّ للثانية التي سيكسر فيها عنقه. سيسيليا لم تتراجع. بقيت في مكانها تماماً. جبل جليد يحترق من الداخل. "السلطة تجذب الانتباه"، قالت بهدوء. أمالت رأسها قليلاً، وأضافت: "لكن أحياناً…تكون كالسرطان يجب استئصاله قبل أن ينتشر." تعثرت الابتسامة على شفتي داميان— لثانية واحدة فقط. ثم عادت. أبطأ. أحدّ. أكثر جوعاً وجنوناً. "جريئة"، تمتم. "وخطيرة. سأجعلكِ لي. هذا المزيج… إدمان." رفع يده— ببطء، بتعمد—نحو وجهها. قبل أن تلمس أصابعه بشرتها— تحرك نوح. ليست حركة واضحة… مجرد تغير في الجاذبية حوله. كتفاه اشتدتا. أنفاسه تباطأت. وعيناه— تحولتا إلى شتاء أسود. شتاء يقتل. قبضته على خصرها اشتدت. تحذير صامت. على بُعد نفس واحد من أن يصبح مذبحة. لكن سيسيليا— لم تبتعد. بدلاً من ذلك، رفعت يدها. وأمسكت بمعصمه. معصم داميان. بهدوء. صمت. الهواء تجمد. الضيوف القريبون نسوا كيف يتنفسون. بعضهم تراجع خطوة. أما نوح— فلم يُحوّل نظره. عيناه مثبتتان على يد داميان. شيء مظلم مرّ في نظرته— نية قتل باردة، محسوبة، حتمية. ثم اختفت. دُفنت تحت السيطرة. بالكاد. "نصيحة مجانية، سموك… الأخيرة." قالت سيسيليا بنعومة، بحزم يقطر سُمّاً: "لا تلمس ما لا تفهمه. وما لن تملكه أبداً. ستحترق." فك داميان انقبض. لكن عينيه لم تفارقا عينيها. كان مسحوراً، غاضباً، مهووساً. "وماذا لو أردت أن أفهم؟" مال أقرب. صوته انخفض إلى همس مريض. "ببطء. قطعة قطعة. جلداً وعظماً وروحاً. حتى أحفظك وأكسرك." إبهامه حاول أن يمرّ على نبض معصمها—مرة واحدة—كأنه يرسم خريطة لما سيملكه. ابتسمت. ابتسامة صغيرة… تقطع الوريد. "حينها ستكتشف أن بعض الأشياء… ليست للفهم. بل للقتل. ولن يعجبك طعم سمّي حين تفتح الصندوق." أفلتت معصمه بنفس الهدوء. ثم—وكأن شيئاً لم يحدث— مررت أصابعها من جديد على ذراع نوح وصولا إلى كف يده. حركة تملك علنية. إعلان. أصابع نوح تشابكت فوراً مع أصابعها. بقوة— ليُقيّدها في مكانها. تملّك صامت. تحذير… موجه لداميان. قبضته طالت لحظة أكثر من اللازم. ثم ارتخت— لكن الخطر لم يرتخِ. تضاعف. يد نوح اشتدت على يدها. "كفى." صوته كان منخفضاً. لكن النبرة كانت سكيناً على الحلق. غضب مسيطر… على حافة الذبح. وكان موجهاً لهما الاثنين. لها لأنها تتحدى، وله لأنه تجرأ. نظر داميان إليه أخيراً. ابتسامة جانبية انحنت على شفتيه. مجنونة. "أوه، نوح. أنت دائماً تفسد المتعة حين تصبح… لذيذة." اقترب نصف خطوة. يتحدى الموت. "أخبرني… هل تعرف ما الذي جلبته إلى عريني؟ فتاة أم قنبلة؟ أم أنك أحضرت النار لتلعب بها وتحرقنا جميعاً؟" الصمت بينهما كان أثقل من إعلان حرب. نوح لم يرمش. لكن نظرته ازدادت سواداً. "أعرف تماماً ما أحضرت." رد بهدوء. هدوء المقصلة قبل أن تسقط. صوته ثابت… لكنه يحمل وعداً واضحاً، محفوراً في الحجر: "وأعرف أنك لو فكرت في لمسها مرة أخرى… سأدفنك هنا. بلقبك، بتاجك، وبكل من يقف خلفك." سيسيليا شعرت به. التحول. لم يعد مجرد توتر— بل رائحة دم وبارود وموت. لذلك تدخلت. مرة أخرى. لكن هذه المرة— بابتسامة تسخر من الموت ومنهما الاثنين. "سموّك"، قالت بنعومة. "إذا كنت تحاول استفزازنا لترى من سينكسر أولاً…" توقفت، ثم التقت عينيه مباشرة. بتحدٍ وقح. "ستحتاج موهبة أكبر. ورجالاً أكثر. وحبال صوتية لا ترتجف من الخوف." وميض—بين الانزعاج والإعجاب المريض والهوس—مرّ في عينيه. "أنتِ لا تخافين." قال ببطء. وكأنه اكتشف إلهة. رفعت حاجباً. "هل أعطيتني سبباً واحداً لأخاف؟ أعطني واحداً." مال أقرب. يتجاهل نوح تماماً. "الجميع يخافني. عاجلاً أم آجلاً. ستركعين." أمالت رأسها قليلاً. ثم همست، والسم في كل حرف: "الجميع… لست أنا. وأنا لا أركع. أنا أجعل الملوك يركعون. أبداً." صمت. حاد كالنصل. ثم— صوت قطع كل شيء. الإمبراطور. "أيها النبلاء…" صوت الإمبراطور شق القاعة كالسيف. بدأ الخطاب. لكن لا أحد منهم… كان يسمع. كانوا في حربهم الخاصة. تراجع داميان. ببطء. "هذا… لم ينتهِ." قال، وعيناه تأكلان سيسيليا بوعد مريض لن ينساه. ثم نظر إلى نوح. لحظة صامتة— مليئة بكل الحروب المؤجلة والممالك المحترقة. "ولا شيء بيننا انتهى. سآخذها. وستشاهد." استدار. وابتلعه الحشد. في اللحظة التي رحل فيها— بقيت سيسيليا ساكنة. ثم أطلقت زفرة بطيئة. راضية. "كان أكثر إثارة مما توقعت"، همست، وعيناها تلمعان بالخطر. "وأظنه سيعود. وبجيش." نوح لم يرد فوراً. عيناه ظلتا مثبتتين على الظل الذي اختفى فيه داميان. فكه لا يزال كالحجر. ويده… لا تزال تشتبك بيدها كالقيد. كالوعد. كالتهديد. "وأكثر خطورة مما خططت له"، قال أخيراً. صوته كان أخفض. أبرد. لكن الجحيم… لا يزال يغلي تحت الجليد. وكان جزء منه موجهاً لها. لأنها أشعلت هذا كله. التفتت إليه. ابتسمت. هدوء… لكنه يعد بالفوضى وبالدم. "ممتاز. أنا أكره الملل وأكره الرجال المتوقعين." ثم نظرت نحو العرش. "الفوضى الحقيقية… لم تبدأ بعد." قبضتها اشتدت قليلاً حول يده. "وأنا جائعة لها. وللانتصار." نوح لم يبتسم. لكنه لم يفلت يدها أيضاً. وكأن جزءاً منه— رغم كل شيء— قرر أنه لم يعد يريد النجاة. بل يريدها هي. حتى لو أحرقته، حتى لو أحرقته مع المملكة كلها.**ريتا:** سأذبحك وأذبح نفسي من بعدك إن لمستني... سأقتل نفسي ولن أدعك... ...ابتسم ومسح البصاق عن وجهه وهو ينظر إليها بعينين حمراوين، وكانت ابتسامته بداية تحدٍّ كبير... كان سعيداً بما يراه أمامه؛ جنونها وحركاتها... يعلم تماماً أنه سيستمتع. كل هذه الأفكار وما يشعر به جعله يغلي، وجعله يطلق العنان لعنفه... ...رفع يده وصفعها مباشرة على وجهها... ثم أتبعها بثانية وثالثة تاركاً وجهها محمراً من شدة الصفع، والدم يسيل من أنفها... قبض على شعرها يجرها ذهاباً وإياباً وهو يهمس في أذنها... **فيكتور:** ستظلين تتذكرين هذه الليلة حتى أدفنكِ في قبركِ... *(خنقها من عنقها ودفعها بقوة ضد الحائط حتى جحظت عيناها، وبدأ يضحك كالمجنون)* ويوم أدفنكِ سأكتب عليه: " أخضعت المتمردة الصغيرة ..." *(دفن وجهه في عنقها، عضّها ثم نطق)* لأن قبركِ في هذه الدنيا هو فراشي... حاولت ريتا التقاط أنفاسها المكتومة، وصدرها يعلو ويهبط بعنف وهي تحاول دفع صدره الصلب بكل ما تبقّى لها من قوة ضئيلة. ورغم كل شيء فعله بها، إلا أن عينيها لم تعكسا الانكسار، بل توهجتا بنيران حقدٍ وعناد لا يلين. تراجع فيكتور خطوة إلى الوراء، مرخياً قبض
في الجناح الملكي، استغرقت فاليريا في النوم حتى اقتربت الظهيرة، بدأت تستعيد وعيها ببطء. لم يكن استيقاظاً عادياً، بل كان ارتطاماً عنيفاً بـواقع مرير، حيث استقبل جسدها أولى أنفاس اليقظة بـموجة ساحقة من الألم المبرح. كان ظهرهـا يشهد سعيراً لا يهدأ، وكأن النيران لا تزال تلتهم لحمها. حاولت التحرك قليلاً لـتخفيف الضغط، فشعرت بـدفء غريب بـجانبها. أدارت رأسها بـصعوبة، لـتتسع عيناها؛ كان داميان مستلقياً بـجانبها فوق الفراش، واضعاً ذراعه أسفل رأسه، وصدره العاري يرتفع وينخفض بـأنفاس النوم المنتظمة. استغربت بشدة، واجتاحت عقلها تساؤلات مبهمة؛ كيف له أن ينام بـجانبها بـكل أريحية بعد أن كان جلادها بـالأمس؟ لكن شدة الحريق والوجع كان أقوى من أي تفكير أو دهشة. كانت تشعر بـرغبة ملحة لـلذهاب إلى الحمام، وجسدها يرفض الانصياع لها. تصلبت أطرافها، وحاولت الاستناد على كفيها لـتتحرك، فـانفجر الألم في ظهرها بـشكل غير محتمل، لـتطلق رغماً عنها تأوهاً يمزق السكون: — "آه... يـا إلهي..." أحدثت حركتها واضطراب الأغطية الى إيقاظه، فتح داميان عينيه المظلمتين، وجلس بـجذعه العاري فوق الفراش، مرجعاً خصلات شعره إلى
رمق ماركوس ريتا بنظرة ساخرة، وضغط بقبضته على المكتب بغطرسة قائلاً بصوت جاف: — "إجازة؟ هل جننتِ أيتها الفتاة؟ لقد استلمتِ عملكِ في هذا القصر للتو! لم يمر على وجودكِ هنا سوى أيام معدودة، وتتجرئين على طلب إجازة؟" سقطت دموع ريتا بغزارة وجثت على ركبتيها في توسل ذليل وهي تصر على طلبها: — "أتوسل إليك يا سيد ماركوس، انظر إلى حالي بعين الرحمة! الأمر مسألة حياة أو موت بالنسبة لي، فأذن لي بالذهاب اليوم فقط، وأقسم لك بكل ما هو غالٍ عندي أنني سأعوض هذا اليوم أضعافاً مضاعفة، وسأعمل ليلاً ونهاراً دون انقطاع، وسأتحمل كافّة المهام الشاقة وساعات العمل الإضافية دون أن أطلب قرشاً واحداً زيادة، فقط دعني أخرج اليوم!" تململ ماركوس في مقعده، وظهرت في عينيه الخبيثتين موافقة لكن بشروط: — "حسناً، اسمعي جيداً أيتها البائسة.. لن أمنحكِ يوماً كاملاً، فالعمر لا يتوقف هنا لأجل مرض عائلتكِ. سأعطيكِ ثلاث ساعات فقط لا غير! تذهبين فيها لرؤية والدكِ، وتعودين راكضة قبل أن يلاحظ أحد غيابكِ. وإن تأخرتِ دقيقة واحدة عن الموعد، فلن تجدي لكِ مكاناً في هذا القصر، وسأضمن بنفسي ألا توظفكِ أي عائلة في المملكة مجدد
تلاشت أصداء خطوات ولي العهد في الممرات الخارجية، ليحلّ مكانها سكونٌ أشد مرارة من الموت نفسه. بقيت فاليريا ممددة فوق الفراش، عاجزة عن الحركة، وجسدها ينبض بالألم الذي كان يسري في عروقها كالنيران. كانت الجروح المفتوحة على ظهرها تنزف ببطء، انفجرت بالبكاء كان نحيباً يائساً وممزقاً على تحطم كبريائها ونهاية أوهامها الوردية. نظرت إلى خاتم الزواج اللامع في إصبعها، ثم غطت وجهها بكفيها المرتجفتين، فامتزجت شهقاتها المكتومة بصرخات عتابٍ وجّهتها لطيفه الراحل، توبخ فيه طفولتها وحمق قلبها الذي وقع بحبه. "ماذا فعلتَ بي يا داميان! لقد أمضيتُ عمري أرجو نظرة رضا من عينيك، واليوم تجعل من جسدي خريطة لقسوتك! تباً لقلبي وتباً لروحٍ تعاتب سوطك وتلتمس لك الأعذار!" > تذكرت كيف كانت تنظر إليه بإعجاب منذ أن كانت طفلة صغيرة، وكيف غزى عقلها الصغير، كان هو فارسها، وحب عمرها قبل أن تفقه معنى السياسة. امتدت أصابعها لتتشبث بالفراش، ورفعت رأسها بصعوبة، وعيناها قد غرقتا بالدموع. ورغم الألم والمهانة التي ألحقها بوجدانها، لم تقوى روحها على كرهه؛ فكيف تكره رجلاً استوطن قلبها منذ الطفولة؟ استجمعت بقايا أنف
دوت صفعة الباب الثقيل لـتهز أركان الجناح، جلست سيسيليا منتصف السرير، وضمت ركبتيها إلى صدرها، كـطائر جريح أصابته السهام من كل جانب. انهمرت دموعها بـصمت شديد، شاقةً طريقها فوق وجنتيها، ووضعت يدها المرتعشة فوق صدرها، محاولة كبح ذلك الألم العنيف الذي يعتصر قلبها بـقوة. كانت غارقة في حيرة قاتلة؛ لـماذا يؤلمها قلبها بـهذا الشكل لـرحيله وتخليه عنها هكذا؟ لم تكن تبكي من أجل داميان، فـقصته انتهت بـالنسبة لها، لكن الألم الجديد كان مختلفاً... كان ألم العجز أمام رجل لم تكن تتوقع أن كلماته قد تملك هذه القدرة على تمزيقها. "أنا لا أريد خداعه..." همست لـنفسها بـنبرة مخنوقة تائهة في الظلام. لم يكن ارتماؤها في أحضانه مكيدة مدبرة، ولا استغلالاً بـدماء باردة لـقوته كما ظن نوح. لقد كانت بـالفعل تبحث عن ملاذ، عن ركن آمن يحميها من شياطين عقلها، وظنت لـثانية واحدة أن الطاغية كما تسميه سيكون ملجأها الوحيد. لكن كبرياءه وغروره رفضا رؤية مشاعرها، واختصرا ضعفها وترددها في خانة الخداع. في وسط ذلك البكاء، بدأت الغشاوة تتضح عن عينيها لـتدرك الحقيقة المرعبة التي كانت تغفلها وتتجاهلها طوال الوقت. ذلك
تقدم نوح بخطوات ثقيلة وموزونة، كانت عباءته الداكنة تتطاير خلفه كأجنحة غراب في جوف الظلام، وعيناه الحادتان تفترسان كل تفصيلة في الحديقة؛ من الحراس إلى ألسنة اللهب التي كانت تلتهم آخر البقايا. توقف على بعد خطوتين منها. تفككت برودته وحل مكانها قلق مكتوم وثوران داخلي، خاصة عندما انكمشت ملامحه فجأة وهو يستنشق الهواء؛ فحواسه الخارقة، التقطت فوراً خيوط تلك الرائحة النفاذة... رائحة غريمه الأزلي "داميان" ممتزجة برائحة دماء جافة. نظر إلى طفلته العنيدة، فرأى وجهاً لم يعهده فيها من قبل. جمود وهدوء تام، تقدم خطوة إضافية، ليحجب بـجسده بقايا الحريق، ونطق بصوت عميق، تملؤه سلطة آمرة حاول جاهداً كبح جماح غضبها: "ماذا يحدث هنا يا سيسيليا؟ ما هذا الجحيم الذي أشعلتِهِ في هذا الليل؟" لم ترمش سيسيليا، ولم تلتفت إليه حتى. بقيت عيناها الزرقاوان معلقتين بالرماد المتطاير في الهواء البارد، وكأن نوح لم يكن موجوداً، أو كأنه مجرد طيف عابر لا يستحق عناء الالتفات. استفزه هذا الصمت الذي بات يمزق أعصابه. امتدت يده، وبـحركة حملت مزيجاً من القسوة والتملك الحذر، قبض على رسغها وأجبرها على الالتفات لتواجه عينيه اللت
صمت نوح للحظة. كان عليه أن ينتقي كلماته بحذر—لم يُرِد أن تظن أن لديه نوايا سيئة، خصوصًا بعد ما مرت به. قال بهدوء مدروس، بينما بقيت عيناه ثابتتين عليها. "دم الحيوانات قد يؤخر الجوع… لكنه لن يطفئه. أنا أتحدث عن دم البشر." ساد صمت قصير قبل أن يُكمل بنبرة أكثر حسمًا: "لديّ سجن أسفل القصر. أحتجز
اقتربت سيسيليا أكثر. كان صوتها بالكاد نفساً. "دوري." نظرت إلى نوح— عيناها حادتان. حيّتان. لكن خلف ذلك اللمعان، كان هناك ارتجاف خفي، كأن شيئاً داخلها يسير على حافة الانكسار منذ زمن بعيد، لا اليوم فقط. "سأحصل على التاج." توقفت. للحظة واحدة فقط. كأنها تختبره. تثق به. كان الصمت بي
القاعة الكبرى لم تكن تشتعل بالضوء، بل كانت تحترق به. انعكس ذهب الثريات فوق الرخام كأنه معدن سائل، بينما تحركت وجوه النبلاء تحت الوهج مثل أشباح لا تعرف سوى الابتسام. انكمش العالم من حوله حتى صار ضيقاً كثقب إبرة، وفي مركزه وقف رجل واحد: الإمبراطور فالريك آشفورد.فوق المنصة، حمل الثوب الملكي ثقل تاري
بعد وقت طويل، استسلم نوح أخيرًا لنوم متقطع. لم يشبه الراحة، بل كابوسًا ينهش عقله بلا رحمة.كلما أغمض عينيه، عادت الصرخات. لم يعد يعرف إن كانت لوالديه… أم لأولئك الذين ذبحهم بيديه، وهم من دمه.رأى نفسه وسط اللهب، ويده تنزف فوق الزجاج المكسور. وسيسيليا هناك، عيناها الزرقاوان تراقبانه دون خوف. بإعجاب







