LOGINالقاعة الكبرى لم تكن تشتعل بالضوء، بل كانت تحترق به. انعكس ذهب الثريات فوق الرخام كأنه معدن سائل، بينما تحركت وجوه النبلاء تحت الوهج مثل أشباح لا تعرف سوى الابتسام.
انكمش العالم من حوله حتى صار ضيقاً كثقب إبرة، وفي مركزه وقف رجل واحد: الإمبراطور فالريك آشفورد. فوق المنصة، حمل الثوب الملكي ثقل تاريخ كامل من الدم، حضوره لم يكن مجرد سلطة؛ كان شعوراً بالخنق. انساب صوته بهدوء رجل لا يحتاج إلى رفع نبرته كي يُطاع. "يا أبناء وبنات الإمبراطورية... الليلة لا نحتفل بالمجد فحسب، بل بالمستقبل الذي صنعناه لكم." مرت الفكرة داخل نوح كحد شفرة: صنعتموه من عظام أبي. تردد صوت الإمبراطور في القاعة، وتبعه تصفيق صاخب، مطيع، جائع. بدا الحاضرون كقطيع يصفق للذئب لأنه وعد ألا ينهشهم هذه الليلة. أما داخل نوح، فلم يكن هناك سوى صمت الجنازات. شعر بالكلمة على طرف لسانه دون أن ينطقها: قاتل. كانت بطعم دم قديم، عمره سنوات. واصل فالريك خطابه معلناً أن مراسم التتويج القادمة ستؤذن ببداية عهد جديد تحت قيادة ابنه، الأمير داميان. سقط الاسم في القاعة بثقل حجر، ثم دوى التصفيق مجدداً. رفع نوح يده وصفق معهم ببطء ميكانيكي بارد، بينما انغرست أظافره في راحة يده حتى شعر بالألم يثبته في الواقع. اصفق اليوم... وأدفنكم غداً. اشتد فكّه بقوة وهو يجبر نفسه على التحمّل. ليس الآن. حينها فقط شعر بالحرارة تقترب منه. لم تكن حرارة القاعة، بل حرارة امرأة تعرف شكل الوحوش قبل أن تتكلم. اقتربت سيسيليا حتى لامست أنفاسها عنقه وهمست بهدوء: "أنت على وشك أن تنكسر." لم يكن في صوتها شفقة، بل ملاحظة دقيقة. أجابها: "أنا أحتفل." حتى هو سمع كذبته. مر زفيرها قرب أذنه وهي تهمس: "كاذب." لامست أصابعها صدره برفق، تقرأ التوتر المختبئ تحت القماش. "قلبك يطرق كأنه يستعد لحرب." أظلمت عيناه قليلاً قبل أن يقول بصوت منخفض: "لهذا لا أفقد السيطرة." توقف للحظة ثم أكمل: "أن تعرف الحقيقة شيء... لكن أن تقف أمام الرجل الذي دمرك وتبتسم له؟" بقيت الكلمات معلقة بينهما كالدخان، بينما استمر فالريك في الحديث عن المجد والتقاليد، والضيوف ينصتون بانبهار مطيع. أخذ نوح شهيقاً بطيئاً، حبس النار داخله، ثم زفر بهدوء. وعندما أعلن الإمبراطور أن الليلة ستشهد الكشف عن جواهر التاج، شعر نوح بشيء يتغير داخله. لم يختفِ غضبه، بل تكثف وصار أكثر هدوءاً... وأكثر خطورة. راقبته سيسيليا باهتمام مفترس وهمست: "ها هو ذا... الوحش الذي كنت تحاول دفنه طوال المساء." أجابها بهدوء أخافها أكثر من الصراخ: "ليلة واحدة... وكل شيء قد ينهار." ابتسمت ببطء وسألته: "بما في ذلك أنت؟" نظر إليها هذه المرة بلا قناع ولا تمثيل، كرجل احترق منذ زمن طويل. "لقد سقطت منذ مدة... أنا فقط أكمل السقوط." مر شيء يشبه الفهم في عينيها، ثم بدأت الموسيقى من جديد. فالس أنيق وهادئ بشكل كاذب، وعادت القاعة للدوران. تقدم الأزواج إلى أرضية الرقص، وعادت الضحكات، لكن شيئاً ما داخل نوح توقف عن التراجع. تمتم وهو يقترب منها: "حالما تنتهي هذه المهزلة... سنجد مكاناً خاصاً." لم تسأله لماذا. فالمفترسات تتعرف على بعضها دون كلام. تحرك بين الحشود وسحبها معه، وقبضته لم تكن تملكها بقدر ما كانت تعلنها. وفي اللحظة التي وقعت فيها عينا داميان على سيسيليا، ثبتتا عليها بنظرة جائعة جعلت فك نوح يشتد بعنف. ينظر إليها مرة أخرى... سأقتل شيئاً داخلي قبل أن أقتله هو. قادها بعيداً نحو أبواب الحديقة، وبينما كان الهواء الليلي البارد يصطدم به دون أن يهدئ شيئاً، جلس فوق مقعد حجري بين الورود وأشعل سيجارة. ظل عقله عالقاً في الداخل: فالريك، داميان، العرش، الدم. ثم جاءت سيسيليا. بدت تحت ضوء القمر غير حقيقية؛ فضية، هادئة، وخطيرة. قال لها دون أن ينظر بعيداً: "الخارج ليس آمناً." اقتربت منه بلا خوف وسألته: "وأنت؟ ألست الخطر نفسه؟" ظل ينظر إليها طويلاً قبل أن يجيب: "أنا النتيجة." فهمت الجملة أكثر مما ينبغي. وحين أخبرته أن داميان لم يتوقف عن مراقبتها، اشتد شيء مظلم داخله. سألته إن كان يريد تأجيل الليلة، لكنه رفض فوراً وبقسوة نهائية. سحبها نحو الظلال حتى توقفا قرب نافورة معزولة أخفى خرير مائها أصواتهما. اقترب منها وهمس: "ذلك الخطاب أعطاني فكرة أفضل." ضيقت عينيها باهتمام. "جواهر التاج... لو اختفت أثناء الفوضى، فلن ندمره وحده، بل صورته واسمه ومستقبل عائلته بالكامل." أضاءت عيناها فوراً. "وأنا سآخذ التاج." تأملها للحظة قبل أن يسألها إن كانت تستطيع التسلق. ضحكت بخفة وأجابته: "يا نوح... أنا وُلدت فوق الجدران." وفي لحظة، تحركت بخفة غير بشرية وقفزت فوق الجدار الحجري بلا صوت تقريباً. انسال جسدها بسلاسة مخيفة، وعندما التفتت إليه، كانت زرقة عينيها قد اختفت تماماً، لتحل محلها حمرة قرمزية متوحشة. لأول مرة منذ سنوات، شعر نوح بالبرد. وللحظة قصيرة، أدرك أنه ليس أخطر شيء في الظلام. هبطت أمامه من جديد، وما يزال ذلك القرمزي مشتعلاً خلف عينيها. تأملها بصمت قبل أن يقول: "أنتِ أخطر مما ظننت." توقفت أنفاسها للحظة حين أكمل: "وأنا أحب ذلك." اقتربت منه وهمست: "لأنني الليلة... سأحرق نفسي لأضيء لك الطريق." ثبت عينيه داخل عينيها وأجابها بهدوء قاتل: "إذن احترقي معي." كان الصمت الذي تلا الجملة أخطر من أي اعتراف. اتفقا بسرعة. الشرفة الثالثة. مكتب الإمبراطور. التاج هناك. هي ستسرقه، وهو سيشعل النار قرب مخزن الزيت. "إذن... جحيم." قالتها مبتسمة. "هذا هو المقصد." عادا إلى القاعة حيث كانت الموسيقى ما تزال تعزف والضحكات ما تزال ترتفع، لكن المكان كله بدا هشاً الآن، قابلاً للاشتعال. وهناك، عند الدرج، وقف داميان يضحك مع الجنرالات بثقة رجل لم يخسر شيئاً في حياته. لكن ضحكته اختفت فور أن رآهما. تقدم نحوهما بابتسامته المثالية. "أخيراً وجدتكِ، عزيزتي. بدأت أظن أنكما هربتما معاً." مد يده إليها"أقترح رقصة." سيسيليا لم تستطع الرفض. أن ترفض دعوة داميان للرقص أمام الحاشية كلها يعني إهانة صريحة لولي العهد لذلك ابتسمت، ووضعت يدها في يده رغما عنها. — حاول نوح أن يروّض أعصابه. الأوردة في عنقه تنبض. هذه فرصته. المطبخ الآن عارٍ، والكل سكارى بالرقص والموسيقى والغطرسة. في قلب الحلبة، كان داميان يسحب سيسيليا إلى مصيدة من حرير. همس لها، وصوته يقطر سماً: "أنتِ لي الليلة. تماماً مثل أي شيء آخر أريده." تحولت الموسيقى إلى لحن بطيء، لحن يُغري الأجساد بالالتصاق. يداه استولتا على خصرها. لم يكن عناقاً، كان احتلالاً. كان يقود خطواتها بسلاسة أمير يعرف كيف يخفي العنف تحت الأناقة. "ابتسمي." الأمر خرج هادئاً، لا يسمعه سواهما. "تصرفي بما يرضيني... أو أقسم أن الألم الذي سأهديكِ إياه سيجعلكِ تتوسلين الموت." ابتسمت سيسيليا. ابتسامة لم تكن للفرح، بل للطعن. "هل تهددني؟" اتسعت ابتسامة داميان. قبضته على خصرها اشتدت حتى صار الحرير والدانتيل بلا معنى بين لحمه ولحمها. "أهددك؟ يا عزيزتي، التهديد يعني أن لكِ خياراً." دار بها ببراعة بين الراقصين، متجاهلاً العيون الفضولية التي تأكلهم. صوته انخفض، صار زمجرة لا تليق بأمير: "عندما أهدد، يعرفون ما ينتظرهم. لكن معكِ..." عيناه زحفتا على جسدها، كتقييم جزار لذبيحته. "أنا أفضّل الإقناع." خلفهم، على حافة الحشد، كان نوح جثة واقفة. شدّ قبضته حتى برزت عروقها. إحداث فوضى الآن يعني حرق الخطة. — "ابتسمي لي مرة أخرى." أمر داميان والموسيقى تتصاعد. "أريهم كم أنتِ سعيدة بالرقص مع ملكك المستقبلي." "أنت لا تصدق هذا فعلاً." صوتها كان شفرة جليد. ضحكته كانت منخفضة، ساخرة، كأنها سكين تُسنّ على حجر. قبضته صارت مؤلمة، حقيقية. "أوه، انظري حولك. يروننا الزوج المثالي. ابن الإمبراطور يراقص أجمل امرأة في القاعة." إبهامه رسم دوائر بطيئة، متملكة، على وركها. "لا أحد يعرف أنكِ وحش متخفٍ، أليس كذلك؟ أنكِ حيوان لابن عمي العزيز، تملكين أنياباً... وعطشاً للدم لا يُروى." تسارع الإيقاع. الموسيقى تجلدهم على الرقص بعنف. جذبها إلى صدره بقسوة جعلت الهواء يهرب من رئتيها. همست سيسيليا في أذن داميان، وكلماتها إبرة مسمومة: "كيف عرفت حقيقتي؟" اتسعت عينا داميان. سؤالها أرسل رعشة نشوة في عموده الفقري. لفها تحت ذراعه دورة كاملة، استعراضية، ثم سحبها إلى عناق يسحق الضلوع. "كيف عرفت؟ تفوح منكِ رائحة الموت والإثارة. مزيج لا تخطئه أنفي." أصابعه انغرست في لحمها بتملك فج، حيواني. الأوركسترا وصلت ذروة درامية، وسترت كلماته: "مصادري أخبرتني. وافد جديد في منزل نوح. عيون زرقاء تشق القلوب، وجمال غير بشري... مثلكِ تماماً." — في الأسفل، كان نوح قد صار ظلاً. انسل إلى المطبخ بخفة لا يملكها إلا من وُلد للقتل. لا صوت. لا ظل. الزيت... الخرق... النار. الآن. الكل يرقص على قبورهم... — "يجب أن تتعلمي مكانك." همس وهو يرى ارتعاشة صدغها. "قريباً سيعرف الجميع حقيقتك... وسيصطفون جميعاً لرؤيتك تحترقين." خلفهم، بدأ الصدى الأول. صرخة مكتومة من اتجاه المطابخ. حيث أشعل نوح شعلته الأولى في كومة الخرق المبللة بالزيت. — الانفجار لم يكن كبيراً. كان دقيقاً. جراحياً. اشتدت النار، وارتفع دخان أسود، كثيف، جائع من نوافذ المدخل. صراخ الطهاة والخدم مزق الفضاء، وهرعوا كفئران هاربة من طوفان. رأس داميان استدار بحدة. قبضته ارتخت عن سيسيليا للحظة. "ما هذا؟" قطب جبينه، والصرخات تتردد في الممرات كأصداء لعنة. القاعة كلها انتبهت. الضيوف أشاروا بذعر نحو النوافذ حيث اللهب البرتقالي يلعق الستائر كلسان شيطان. شتم داميان بصوت منخفض. تسلل الشك إلى عينيه، سهماً مصوباً نحو سيسيليا. "هذا ليس صدفة... صحيح؟" لمعت عيناه باليقين القاتل وهو يستوعب صمتها وابتسامتها الخفية، ثم يرى نوح. واقفاً هناك، بين الحشود المذعورة، وابتسامته ابتسامة صياد رأى فريسته تسقط في الفخ. "نوح." لفظ الاسم كأنه يبصق قيحاً. "بالطبع متورط. ذلك الوغد يجر الخراب أينما ذهب." المزيد من الصيحات من الطابق السفلي. حراس القصر يصرخون بأوامر الإخلاء. الدخان كثعبان أسود يتلوى في السقف. سيدات تفوح منهن رائحة خوف وعطر فاسد. "هل تظنين هذا مضحكاً؟" قبضته على ذراع سيسيليا صارت كالكماشة. "ذلك الحقير دمر الاحتفال. جعلني أبدو كأحمق عاجز أمام المملكة كلها!" سحبها بعنف. "سنخرج الآن. قبل أن يلتهم الحريق كل شيء." اندفع نوح يشق طريقه بين الضيوف المتراجعين. لم يرَ الحراس الذين يصرخون، لم يسمع أوامر الإخلاء. العالم كله تقلص إلى ذراع سيسيليا في قبضة داميان. "سيسيليا! معي!" صوته شق القاعة، أعلى من صراخ النبلاء، أعلى من الموت نفسه. نزعها من قبضة داميان كما يُنتزع الوتد من القلب. "ماذا...؟!" صرخ داميان، حاول اللحاق بهما، لكن حراس القصر أحاطوه بقوة نحو مخرج الطوارئ. "سموك، يجب أن تخرج!" صرخوا وهم يسحبون ملكهم المستقبلي بعيداً عن الخطر. نوح لم يلتفت. لم يرَ وجه داميان وهو يتشوه بالحقد والعجز. لم تقاوم سيسيليا. جسدها كان يعرف يد نوح كما تعرف السكاكين أغمادها. عيناها كانتا عليه...تراقبان ولادة جهنمه الخاص. والنار في عينيه كانت تقول: هذا مجرد البداية.استقبلت سيسيليا لفحات نسيم الليل البارد، لكن صدرها ظلّ يعلو ويهبط بجنون، كأن الهواء يرفض أن يلج رئتيها. استنشقت النسيم بعمق، شهيقًا تلو الآخر، لكن الغصة في حلقها كانت أقوى من أن تذوب. كانت الدموع تتساقط من عينيها بلا انقطاع، ساخنة ومؤلمة، التفتت نحو نوح بنظرات ضائعة، وهمست بنبرة متقطعة شاهقة تخترق القلوب: "أنا أختنق يا نوح.. أختنق من الداخل.. ليتني أموت الآن، أريد الموت فقط لينتهي هذا العذاب... أرجوك، خذني من هنا، أنا لا أنتمي لهذا المكان.. أشعر وكأنني في عالم آخر، مظلم وموحش، يمتص روحي ببطء." نزلت كلمات سيسيليا على مسامع نوح كالصاعقة التي زلزلت كيانه بالكامل. "الموت!".. تلك الكلمة اللعينة التي ترفض روحه حتى مجرد سماعها منها. في تلك اللحظة، تحول الخوف في عينيه إلى مزيج مرعب من الجوع العاطفي، والاندفاع لحمايتها. لم يتمكن من السيطرة على وحش خوفه أكثر من ذلك، فانقض عليها كمن يحمي أثمن ما يملك في الوجود، وضمّ جسدها المرتجف إلى صدره بقوة هائلة، دافنًا وجهه بين خصلات شعرها، كأنه يحاول إدخالها بين ضلوعه ليحميها من العالم ومن نفسها. لأول مرة في حياته، كان جسد نوح القوي يرتجف ويهتز بعنف؛ ل
كانت عقارب الساعة تشير إلى الثانية صباحاً عندما تسلل داميان بخفة كالأشباح عبر المداخل السرية، وصولاً إلى أروقة جناحه الملكي الخاص. في تلك اللحظة، كان جسده يفيض بطاقة مرعبة ويسبح في بحر من النشوة؛ فبفعل كمية الدماء الوفيرة التي ارتشفها بنهم من نحر ذلك القاطع، تضاعف شعوره بالانتشاء والقوة بشكل لم يسبق له مثيل، كانت الدماء الحارة تسري في عروقه الباردة كالنار، تمنحه شعوراً بالسيادة المطلقة وتزيد من حدة حواسه الخارقة التي باتت تلتقط أنفاس القصر كلها. فتح باب جناحه ببطء شديد، ظناً منه أنه سيعود إلى فراشه لينعم ببعض السكينة، لكنه سرعان ما أدرك العكس، كانت فاليريا لا تزال مستيقظة بانتظاره، تجلس فوق المقعد القريب من الشرفة والملامح الحادة ترتسم على وجهها. تحت ضوء القمر الخافت والشموع الذائبة، كان شعرها الأحمر المموج ينساب على كتفيها بغزارة، يضيء كاللهب المتوهج في قلب ليلة مظلمة، ويسرق الأنظار بحمرته الصارخة. كانت مرتدية قميص نوم أبيض ناصعاً من الحرير الناعم، يلتف حول جسدها الممشوق، ليصنع تباينًا غريباً ومثيراً بين براءة اللون الأبيض المحيط بها، وبين حمرة شعرها ونظرات العشق الناري والانتظا
مرت الدقائق ثقيلة على سيسيليا بعد مغادرة نوح المفاجئة. كانت حرارة وفترة الظهيرة تتسلل من خلف الستائر السميكة لتزيد من اختناق جو الغرفة. بقيت مستلقية على فراشها تحاول جاهدة أن تطرد طيف نوح من مخيلتها المجهدة. بدا وكأن رائحة عطره الرجولي قد علقت بكل زاوية، دارت في رأسها أفكار عاصفة تلوم فيها نفسها وجسدها الذي خانها لثوانٍ واستسلم للمساته الساخنة وقبلته الحارقة التي زلزلت كيانها. كانت تشعر بمزيج من الغيظ والعجز وهي تتذكر نبرة صوته المليئة بالثقة والانتصار وهو يخبرها أن أسوار نسيانها هشة. قطع حبل أفكارها الممزقة صوت مألوف وهو صوت دوران المفتاح في القفل المعدني للباب. تيبس جسدها في مكانها تلقائياً وظنت للوهلة الأولى أن سجانها قد عاد مجدداً ليكمل معركته النفسية معها. لكن الباب انفتح ببطء شديد وبتردد لتدخل الخادمة الصغيرة ريتا وهي تحمل صينية وجبة الغداء. تقدمت الفتاة بخطوات واهنة وبطيئة للغاية، كان وجهها شاحباً تماماً كالأموات وغابت الحمرة عن وجنتيها بينما غرقت عيناها الواسعتان في هالة داكنة من البؤس والكآبة العميقة. بدا جسدها النحيل منكسراً وكأن هموم العالم كله قد هبطت فوق كتفيها د
مرّت ساعات الصباح ثقيلة ومحملة بالتوتر في أروقة القصر، وجاءت فترة بعد الظهيرة لتلقي بظلالها على الأرجاء. هناك، حيث تُحتجز **سيسيليا** بين جدرانٍ من حرير وذهب، كان السكون هو الحاكم المطلق. تلاشى الصداع الحاد الذي كان يمزق رأسها في الصباح، لكن حلّ مكانه عدوٌّ آخر لا يقلّ قسوة: **الملل الخانق**. ومن شدة الضجر ورتابة الوقت الذي لا يمر، استسلم جسدها للنوم؛ استلقت على بطنها فوق الفراش، وغرقت في نومٍ عميق، خصلاتها مبعثرة حول وجهها، غافلة عما يدور حولها من مؤامرات وحروب. انفتح الباب بهدوءٍ، وتقدم نوح بخطواتٍ صامتة كالفهد الذي يقترب من فريسته، وعيناه الرماديتان اللتان كانت قبل ساعاتٍ تتأملان الخرائط، تحولتا الآن إلى جمرتين من العشق الخالص... **عشقٍ يلامس حدود الجنون والهلاك**. بالنسبة لنوح، لم تكن سيسيليا مجرد امرأة عادية؛ كانت هوسه الأبدي، ذنبه العظيم الذي لا يطلب عنه غفراناً، والجنة الوحيدة التي يبتغيها في هذا العالم المظلم. جلس على حافة الفراش، وانحنى فوق جسدها المسترخي، مستنشقاً عبيرها الذي يسلب عقله في كل مرة. تطلّع إلى ملامحها الهادئة أثناء النوم، وشعر بتلك الرغبة العارمة ف
في تلك الأثناء، وراء الجدران الحجرية الداكنة للجناح الغربي، كان نوح غارقاً في صمته داخل مكتبه المتخم برائحة الحبر القديم.كسر السكون طَرقات حازمة، رتيبة، ومألوفة جداً على الباب.كان إيقاعاً يعرفه نوح عن ظهر قلب؛ فهو للشخص الوحيد في هذا العالم الذي يثق به دون أدنى تفكير، ويمتلك مفاتيح أسراره.انفتح الباب ليدخل **فيكتور**، صديق العمر، وذراعه الأيمن الذي لم تزده الأيام ولا المعارك الطاحنة إلا ولاءا وصلابة.كان فيكتور يحمل هيبة المحاربين الأشداء، ملامحه الحادة مرسومة بجدية تعكس ثقلاً موازياً لحجم المسؤولية التي يحملها.لكنه، ورغم كل شيء، كان الوحيد القادر على اختراق تلك الهالة المظلمة التي يحيط نوح بها نفسه، والحديث معه كأخ وند، دون كلفة أو ألقاب عسكرية جامدة.تقدم فيكتور بخطوات واثقة تملأ الفراغ، سحب مقعداً خشبياً وجلس في المواجهة مباشرة، ماداً يديه على المكتب يتفرس في وجه صديقه بنظرة متفحصة، لكنها مشوبة بقلق عفوي لم يستطع إخفاءه.قال بنبرة خفيضة وجادة، كأنما يهمس بسر:— "كنت أعلم أنك لم تذق طعم النوم يا نوح، فرائحة الشراب تنبعث منك وتشي بكل شيء... أخبرني بصراحة، هل سيسيليا هي السبب مجدد
انقشع سواد تلك الليلة المشحونة، وحلّ الصباح يجرّ خيوطه الذهبية الباهتة فوق أسوار القصر العتيق. لم يذق نوح طعم النوم؛ بل قضى ليلته والشراب الحارق يلهب جوفه، موازياً للنار التي تلتهم صدره كلما تذكر نظرة الاشمئزاز والاغتراب في عيني سيسيليا، وحقيقة أن ذكراه قد مُحيت من وجدانها كأنه لم يكن. ومع أولى أشعة الشمس، كان نوح قد اتخذ قراره بتشديد الحصار وإعادة ترتيب الأوراق. وقف في البهو الواسع، ليعين حراساً جدداً أشد بأساً وولاءً، وخادمات جديدات لضمان السيطرة التامة على القصر، وتحديداً الجناح الذي تقبع فيه سيسيليا خلف الأبواب الموصدة. مرّت عيناه الرماديتان الحادتان بصرامة تفحص الوجوه المصطفة أمامه، حتى توقفت نظراته فجأة، وتصلبت ملامحه عند فتاة تميزت عن البقية بشكل ملحوظ. كانت ريتا. فتاة شابة في مقتبل العمر، تجاوزت السن القانوني بقليل. شعرها أسود فاحم كالليل، وجهها يحمل جمالاً طفولياً، وعينيها واسعتين لم تدنسهما بعد قسوة العالم المحيط بهما. بدت وسط الحشود كزهرة برية نبتت خطأً في أرض صخرية وعرة لا ترحم. عقد نوح حاجبيه، واجتاحته موجة من الاستغراب والشك لتواجد مثل هذه البراءة في عر
خطوات نوح ابتعدت في الممر المؤدي للحمام، وصدى الباب وهو يُغلق خلفه جعل سيسيليا تفيق من شرودها.الغرفة كانت صامتة بشكل مريب، كأن الجدران نفسها تحبس أنفاسها وتراقب ما حدث قبل لحظات.لم تتحرك من مكانها.فقط رفعت يدها ببطء إلى شفتيها.ما زال دفء قبلته عالقًا هناك، كأثرٍ لا يُمحى مهما حاولت تجاهله.ضحكت
كانت سيسيليا تقف قرب النافذة الطويلة داخل غرفتها، بينما كانت العاصفة تبتلع الليل خارج القصر ببطء مخيف. أنفاسها معلقة بين ضلوعها، وعيناها لا ترمشان. كل ثانية صمتٍ كانت تثقل صدرها كحجر. المطر انهمر فوق الزجاج بعنف، وخلفه امتدت الحدائق الواسعة غارقة في الضباب والظلال، حتى بدت الأشجار العالية وكأنها أ
صمت نوح للحظة. كان عليه أن ينتقي كلماته بحذر—لم يُرِد أن تظن أن لديه نوايا سيئة، خصوصًا بعد ما مرت به. قال بهدوء مدروس، بينما بقيت عيناه ثابتتين عليها. "دم الحيوانات قد يؤخر الجوع… لكنه لن يطفئه. أنا أتحدث عن دم البشر." ساد صمت قصير قبل أن يُكمل بنبرة أكثر حسمًا: "لديّ سجن أسفل القصر. أحتجز
اقتربت سيسيليا أكثر. كان صوتها بالكاد نفساً. "دوري." نظرت إلى نوح— عيناها حادتان. حيّتان. لكن خلف ذلك اللمعان، كان هناك ارتجاف خفي، كأن شيئاً داخلها يسير على حافة الانكسار منذ زمن بعيد، لا اليوم فقط. "سأحصل على التاج." توقفت. للحظة واحدة فقط. كأنها تختبره. تثق به. كان الصمت بي







