ANMELDENاقتربت سيسيليا أكثر. كان صوتها بالكاد نفساً.
"دوري." نظرت إلى نوح— عيناها حادتان. حيّتان. لكن خلف ذلك اللمعان، كان هناك ارتجاف خفي، كأن شيئاً داخلها يسير على حافة الانكسار منذ زمن بعيد، لا اليوم فقط. "سأحصل على التاج." توقفت. للحظة واحدة فقط. كأنها تختبره. تثق به. كان الصمت بينهما أطول من الكلمات. أثقل من الفوضى التي كانت تشتعل خلف الجدران. لكنه لم يشك بها. لم يتردد. اكتفى بأن أومأ برأسه. وتلألأت عيناه في ضوء النار، كأن شيئاً داخله لا يرى سوى النهاية التي يقتربون منها معاً. "اذهبي." صوته لم يكن أمراً فقط، بل وعداً غير منطوق بالحماية… وبالدم أيضاً إن لزم الأمر. دفعها نحو درج مخفي، مموه وسط حركة مذعورة ودخان يتصاعد. "الوقت ينفد." "اذهبي!" نادى خلفها. ثم… اختفت. اختفت تماماً… كأنها لم تكن موجودة أصلاً. لكن شيئاً منها ظل عالقاً في المكان—كظل لم يعرف كيف يهرب. في القاعة— ارتفع صوت داميان فوق الفوضى: "أيها الحمقى! أين الإمبراطور؟!" كان يفقد السيطرة. ليس فقط على المكان، بل على الصورة التي بناها لنفسه أمام الجميع. ملامحه التي كانت دائماً مصقولة بدأت تتشقق، مثل قناع يتعرض للحرارة. الحراس يركضون للبحث عن الإمبراطور. الضيوف يندفعون نحو المخارج، والذعر يبتلع كل قواعد البروتوكول. الدخان ازداد كثافة، يخنق الهواء. والثريات التي كانت رمزاً للفخامة صارت تتمايل كنجوم تموت في سماء مغلقة. وهم الكمال… اختفى. — في الممرات الخلفية— تحركت سيسيليا كظل. لكن لم تكن مجرد ظل. كانت فكرة تتحرك داخل الجدران، بلا صوت، بلا أثر. صامتة. دقيقة. قاتلة. كل خطوة محسوبة. كل حركة مضبوطة. ومع كل خطوة كانت تبتعد فيها عن الفوضى، كانت تبتعد أيضاً عن شيء آخر داخلها… شيء يشبهها أكثر مما تريد الاعتراف به. تلاشى الضجيج خلفها. وصارت الفوضى… بعيدة. غير مهمة. هذا… كان الهدف الحقي. أو هكذا أقنعت نفسها. — ما إن دخلت سيسيليا حتى تجمد قلبها للحظة، شعرت بأن الهواء نفسه أصبح أثقل، كأن الغرفة تنحني لوجود الإمبراطور قبل أن تنحني له الجدران. كان يقف خلف مكتبه الضخم—رجل في الستين، لكن الزمن لم ينتزع شيئاً من حضوره. لم يبدُ كحاكم فقط… بل ككارثة هادئة تعرف تماماً أنها وصلت أخيراً. ندوب قديمة حفرت وجهه شاهدة على حروب لا تُحصى، وعيناه السوداوان بقيتا حادتين… لا يفوتهما شيء. حتى الصمت كان يبدو وكأنه يخضع له. وضع كأساً من الشراب على المكتب وقال بابتسامة بطيئة ساخرة: "كنت أنتظرك منذ فترة طويلة يا سيسيليا. سمعت الكثير عن عائلتك—عن عائلة دراكافيل، عن قوتهم وثرائهم، وعن كونك الوريثة الوحيدة." كانت الكلمة الأخيرة كأنها اختيار مقصود، يضغط على جرح قديم لم يُغلق. توقف كأنه يتذوق وقع كلماته. "أعلم أن نوح اكتشف الحقيقة… إنه دائماً يفضل العمل مع الشياطين التي يفهمها." اقترب قليلاً، وخفض صوته: "هل تعلمين لماذا أريد قتل كل مصاصي الدماء في هذا العالم؟" لم ينتظر إجابة. كان يستمتع بالسؤال أكثر من الجواب. انحنى على المكتب: "أفعل ذلك لأزيل أي تهديد لعرشي." لكن في عمق صوته، كان هناك شيء آخر… ليس سياسة فقط، بل هوس قديم. رفعت سيسيليا ذقنها رغم ارتجاف قلبها العنيف: "إذا كان عرشك يحتاج كل هذا الدم ليبقى قائماً… فهو أضعف مما تدّعي." شدّ الإمبراطور فكه… لحظة صمت ثقيلة مرت بينهما. ثم ابتسم ببطء كأنه وجد تسلية جديدة، تسلية قد تكسرها أو تصنع منها شيئاً آخر. "أخبرني ماذا تريد." كان صبرها ينفد... وفي داخلها شيء بدائي يكافح لتمزيقها. ضحك بخفة ثم استقام: "ما أريده منك… هو نفس ما يريده نوح." تجمدت أنفاسها. اسم نوح في هذا المكان لم يكن مجرد معلومة… كان فخاً صوتياً. "أريدك أن تعملي لصالحي." ثم… فتح الباب السري. ببطء… عن قصد. كأنه يريد كسرها على مهل. — قَفَص زجاجي. لكن لم يكن مجرد زجاج. كان حدّاً بين العقل والانهيار. وفي الداخل… والداها. السيد والسيدة دراكافيل. أعظم عائلة ثراءً ونفوذاً... لم يعودا رمزين للسلطة، بل جسدين محطّمين داخل قفص صُنع خصيصاً لشيء واحد: جعل الألم يبدو أبدياً. معلّقان بسلاسل فضية، فاقدان للوعي، أجسادهما ممزقة، آثار الجلد واضحة، والدم يتساقط ببطء كأنه يرفض التوقف. لكن الأسوأ— كانا على قيد الحياة. قلوبهما تنبض… ببطء مرعب. كأن الإمبراطور أراد أن يترك لهما وقتاً كافياً ليشعرا بكل ثانية من العذاب. تجمد العالم. "...أمي؟ أبي؟" خرجت الكلمة ضعيفة، غريبة على لسانها—كطفلة ضائعة في ظلام لا نهاية له. وفي تلك اللحظة لم تكن الوريثة… كانت ابنة فقط. خطت خطوة… ثم أخرى… حتى اصطدمت يدها بالزجاج. ارتجفت أصابعها عليه كأنها تحاول الوصول إليهما… أو سحبهما من العدم. تسارع تنفسها. "أنت…" ارتجف صوتها، لكنها شدته: "ماذا فعلت بهما؟" اقترب الإمبراطور من خلفها، وصوته قرب أذنها بشكل مقز: "جعلتهما مثالاً…" أخرج قارورة سوداء، هزّها قليلاً. السائل داخلها كان يتحرك بشكل غير طبيعي… كأنه حي. "والآن… سأجعلك امتداداً لهما." وضعها أمامها. "أعطي هذا السم لنوح كل ليلة… قطرة واحدة." ابتسامة باردة شقت وجهه: "أريد أن أشاهده ينهار… يوما بعد يوم." اقترب أكثر: "وأريد أن أرى وجهه عندما يدرك… أنكِ السبب." قبضت سيسيليا على يديها حتى ابيضت مفاصلها. لكنها لم تنظر إليه. كانت تنظر إلى والديها. كأنهما الجواب الوحيد الذي ما زال يمنعها من السقوط الكامل. "أو…" أكمل بصوت مروع الهدوء، "أقطع أحدهما وهو حي… وأرسل لكِ قطعة منه كل يوم." صمت. ثم همس وكأنه يصف مصيراً طبيعياً: "لنقل… إصبع اليوم؟" تكسرت للمرة الأولى. ارتجف جسدها بعنف. خرج نفس حاد من صدرها كأن شيئاً انشق داخلها. دمعة واحدة هربت رغم إرادتها. مسحتها فوراً… كأنها جريمة لا تُغتفر. ثم التفتت إليه فجأة. عيناها اشتعلتا— لا خوف… بل شيء أخطر. "توقف." خرجت الكلمة حادة… حقيقية… مليئة بتهديد لم تحتجه لتقوله. اقتربت خطوة. "لا تستخدمهما لتكسرني…" خفضت صوتها: "لأنك لن تعجب بما سأصبح بعد ذلك." للحظة… شيء يشبه الإعجاب مرّ في عين الإمبراطور. إعجاب بشيء خطير بما يكفي ليكون مفيداً… أو مدمراً. ثم اختفى. "اختاري بحكمة يا ابنة دراكافيل." أشار إلى القفص: "عرضت عليهما الحرية من قبل…" لكن الحرية هنا لم تكن خياراً، بل فخاً آخر. — أغلقت عينيها. وفي داخلها… كان شيء يموت مع كل ثانية. عندما فتحتهما مجدداً— كان القرار وحده موجوداً. "...أعطني السم." أخذت القارورة بنفسها دون تردد. ثم قالت بصوت منخفض كهمس: "سأفعل ما تريد." لكن داخلها صرخ: سأحرقك أولاً. — أخفت القارورة قرب صدرها. ساد صمت ثقيل بعد موافقتها. ثم… ابتسم الإمبراطور. ليس ابتسامة نصر، بل ابتسامة رجل رأى الكسر يحدث أمامه أخيراً. "في النهاية… حتى مصاصو الدماء لا يهربون من طبيعتهم." اقترب خطوة. صوته صار أكثر انخفاضاً، أكثر سمّية: "الجوع… الخوف… الحب…" ابتسم بسخرية قاتمة. "كلها قيود تضعف وتقتل." ظلت سيسيليا صامتة، لكن أنفاسها اختلت للحظة، فلاحظ ذلك فوراً. وكان ذلك أكثر ما أسعده. "ونوح…" تمتم باسمه كأنه يتذوقه، شقّت ابتسامة وجهه، ابتسامة رجل يتخيل المأساة قبل وقوعها: "عندما يبدأ السم بأكل جسده قطرةً بعد قطرة…" خفض صوته حتى صار همساً: "لن يكون أكثر ما سيقتله هو الألم." توقفت عيناه داخل عينيها مباشرة. "بل اللحظة التي يدرك فيها أن المرأة التي احتمى بها…" "...كانت تحمل موته قرب قلبها طوال هذا الوقت." تجمد شيء داخلها. ظهر وجه نوح في عقلها بلا رحمة— عيناه حين وثق بها، وصوته القاسي المرتبك كلما تعلّق الأمر بها. ثم… والداها. شعرت وكأنها تتمزق. اختنق نفسها للحظة. لكنها لم تسمح للدموع بالسقوط. "قرار مؤلم، أليس كذلك؟" جاءها صوته خلفها وهو مستمتع. توقفت عند الباب. ثانية واحدة فقط. ثم قالت دون أن تنظر إليه: "عندما أحترق…" خفضت صوتها، "سأتأكد أنني آخذك معي." وللمرة الأولى— اختفت ابتسامة الإمبراطور قليلاً. ثم خرجت. وكل خطوة خارج المكتب، كانت كطعنات صغيرة تتكرر داخلها. لم تتذكر كيف وصلت الحديقة... رأت نوح... واقفاً في الظلال كأنه جزء منها. انكسر شيء آخر بداخلها. ليس لأنها رأت الأمان… بل لأنها رأت ما قد تخسره بالكامل. كيف… سأقتله؟ "نوح…" كان صوتها متماسكاً بالكاد. خرج من الظلام. عيناه التقطتا كل شيء… "هل… تم الإمساك بك؟" أجابت بسرعة قبل أن يخترقها نظره: "لو تم الإمساك بي… لما كنت هنا." خفضت صوتها: "لم يرني أحد… فقط فشلت. نقلوا التاج." اقترب. أقرب مما يجب. "أنا أعرفك جيداً لأعلم أنك تكذبين." تصلبت. لكنها لم تتراجع. نظرت إليه مباشرة: "وأنا أعرفك جيداً لأعلم أنك لن تتركني حتى أعترف بشيء لم يحدث." صمت. نظرة مشتركة— وشيء أخطر من الشك ظل هناك. قلق. حقي. واضح… رغم أن كليهما لن يعترف به. خفض صوته: "هناك شيء آخر تخفينه…" ابتسمت بتعب: "هناك دائماً شيء آخر، أليس كذلك؟" أبعدت نظرها: "لا شيء… مجرد إحباط." لكنها لم تصمد. كأن الجسد سبق العقل. فجأة— عانقته. بشكل يائس. كأنها تغرق وتمسك بالحقيقة الوحيدة المتبقية. "أريد أن أرحل…" همست في صدره: "إذا بقينا أكثر… قد أفعل شيئاً سيئاً." تجمد. ثم ببطء… أحاطها بذراعيه. "أنتِ ترتجفين…" همس قرب أذنها: "هذا ليس مجرد فشل..." صمت. ثم قال: "من كسرك هناك؟" تتشبثت به أكثر. كأنها تخشى أن تعترف لنفسها أن الإجابة واضحة. رفعت وجهها إليه. "أنا جائعة يا نوح." صمت. ثم أضافت بجرأة خطرة: "وإذا بقينا… لا أضمن من سأعض." شدّ ذراعيه حولها لحظة. غريزة حماية صامتة. ثم ابتعد بسرعة. "علينا المغادرة إذن." العربة اندفعت في الليل. الضباب ابتلع الطريق كأنه يمحو آثار ما حدث. كانت ترتجف. ليس من البرد فقط… بل من الجوع… والذنب… ومن السم المخفي قرب قلبها. نوح كان يراقبها بصمت. كأنه يحاول قراءة انهيار لا يريد رؤيته. "منذ متى؟" "...أكثر من شهر." توقف الزمن. "أكثر من شهر؟!" "وذهبتِ في مهمة خطيرة معي؟" نظرت إليه بابتسامة مرهقة: "قبل أن تغضب… نعم، أعلم." ثم همست: "لكنني ما زلت أتحكم." حدق بها طويلاً. ثم قال: "هذا ليس تحكماً… هذا انهيار مؤجل." — وصلوا أخيرًا. قصر بلاكثورن. نزل نوح أولاً وسحبها معه بسرعة. ماركوس كان ينتظر. لكن نظره لم يذهب إلى نوح أولاً. بل إلى سيسيليا. لاحظ ارتجافها. شحوبها. تنفسها غير المنتظم. ابتسامة خفيفة مرّت—كأنه فهم شيئاً لا يقال. ثم اختفت. "سيدي—" "للداخل. الآن." "جهزوا لها حماماً دافئاً... إنها تحتاج رعاية." انحنى ماركوس باحترام… لكن عينيه بقيتا عليها. كأنها كنز… أو فرصة. أو بداية قصة أخرى أكثر ظلمة. — داخل الغرفة أجلسها نوح قرب المدفأة. الدفء في المكان… لكن ليس فيهما. "أنا بخير…" همست. وضع يديه على وجهها. "توقفي." صوته أصبح خطيراً. لكن خلف الخطر… كان هناك خوف…مخفي. "رأيت هذا من قبل." "رأيت مصاصي دماء ينهارون هكذا." اقترب: "لن أسمح لكِ بالانهيار أمامي." ناولها كأساً من النبيذ الأحمر، يعلم أنه لن يطفئ ظمأها، لكن على الأقل يدفئ عروقها. "اشربي." لمست أصابعه يدها. تجمد الاثنان. "أستطيع التحمل…" "كنت أعيش على دم الحيوانات لسنوات…" صُدم... وتغير شيء في عينيه. "هذا يفسر ضعفك الآن." ثم بصرامة: "لا مزيد من دم الحيوانات." نظر إليها: "الليلة… ستتغذين بشكل صحيح."استقبلت سيسيليا لفحات نسيم الليل البارد، لكن صدرها ظلّ يعلو ويهبط بجنون، كأن الهواء يرفض أن يلج رئتيها. استنشقت النسيم بعمق، شهيقًا تلو الآخر، لكن الغصة في حلقها كانت أقوى من أن تذوب. كانت الدموع تتساقط من عينيها بلا انقطاع، ساخنة ومؤلمة، التفتت نحو نوح بنظرات ضائعة، وهمست بنبرة متقطعة شاهقة تخترق القلوب: "أنا أختنق يا نوح.. أختنق من الداخل.. ليتني أموت الآن، أريد الموت فقط لينتهي هذا العذاب... أرجوك، خذني من هنا، أنا لا أنتمي لهذا المكان.. أشعر وكأنني في عالم آخر، مظلم وموحش، يمتص روحي ببطء." نزلت كلمات سيسيليا على مسامع نوح كالصاعقة التي زلزلت كيانه بالكامل. "الموت!".. تلك الكلمة اللعينة التي ترفض روحه حتى مجرد سماعها منها. في تلك اللحظة، تحول الخوف في عينيه إلى مزيج مرعب من الجوع العاطفي، والاندفاع لحمايتها. لم يتمكن من السيطرة على وحش خوفه أكثر من ذلك، فانقض عليها كمن يحمي أثمن ما يملك في الوجود، وضمّ جسدها المرتجف إلى صدره بقوة هائلة، دافنًا وجهه بين خصلات شعرها، كأنه يحاول إدخالها بين ضلوعه ليحميها من العالم ومن نفسها. لأول مرة في حياته، كان جسد نوح القوي يرتجف ويهتز بعنف؛ ل
كانت عقارب الساعة تشير إلى الثانية صباحاً عندما تسلل داميان بخفة كالأشباح عبر المداخل السرية، وصولاً إلى أروقة جناحه الملكي الخاص. في تلك اللحظة، كان جسده يفيض بطاقة مرعبة ويسبح في بحر من النشوة؛ فبفعل كمية الدماء الوفيرة التي ارتشفها بنهم من نحر ذلك القاطع، تضاعف شعوره بالانتشاء والقوة بشكل لم يسبق له مثيل، كانت الدماء الحارة تسري في عروقه الباردة كالنار، تمنحه شعوراً بالسيادة المطلقة وتزيد من حدة حواسه الخارقة التي باتت تلتقط أنفاس القصر كلها. فتح باب جناحه ببطء شديد، ظناً منه أنه سيعود إلى فراشه لينعم ببعض السكينة، لكنه سرعان ما أدرك العكس، كانت فاليريا لا تزال مستيقظة بانتظاره، تجلس فوق المقعد القريب من الشرفة والملامح الحادة ترتسم على وجهها. تحت ضوء القمر الخافت والشموع الذائبة، كان شعرها الأحمر المموج ينساب على كتفيها بغزارة، يضيء كاللهب المتوهج في قلب ليلة مظلمة، ويسرق الأنظار بحمرته الصارخة. كانت مرتدية قميص نوم أبيض ناصعاً من الحرير الناعم، يلتف حول جسدها الممشوق، ليصنع تباينًا غريباً ومثيراً بين براءة اللون الأبيض المحيط بها، وبين حمرة شعرها ونظرات العشق الناري والانتظا
مرت الدقائق ثقيلة على سيسيليا بعد مغادرة نوح المفاجئة. كانت حرارة وفترة الظهيرة تتسلل من خلف الستائر السميكة لتزيد من اختناق جو الغرفة. بقيت مستلقية على فراشها تحاول جاهدة أن تطرد طيف نوح من مخيلتها المجهدة. بدا وكأن رائحة عطره الرجولي قد علقت بكل زاوية، دارت في رأسها أفكار عاصفة تلوم فيها نفسها وجسدها الذي خانها لثوانٍ واستسلم للمساته الساخنة وقبلته الحارقة التي زلزلت كيانها. كانت تشعر بمزيج من الغيظ والعجز وهي تتذكر نبرة صوته المليئة بالثقة والانتصار وهو يخبرها أن أسوار نسيانها هشة. قطع حبل أفكارها الممزقة صوت مألوف وهو صوت دوران المفتاح في القفل المعدني للباب. تيبس جسدها في مكانها تلقائياً وظنت للوهلة الأولى أن سجانها قد عاد مجدداً ليكمل معركته النفسية معها. لكن الباب انفتح ببطء شديد وبتردد لتدخل الخادمة الصغيرة ريتا وهي تحمل صينية وجبة الغداء. تقدمت الفتاة بخطوات واهنة وبطيئة للغاية، كان وجهها شاحباً تماماً كالأموات وغابت الحمرة عن وجنتيها بينما غرقت عيناها الواسعتان في هالة داكنة من البؤس والكآبة العميقة. بدا جسدها النحيل منكسراً وكأن هموم العالم كله قد هبطت فوق كتفيها د
مرّت ساعات الصباح ثقيلة ومحملة بالتوتر في أروقة القصر، وجاءت فترة بعد الظهيرة لتلقي بظلالها على الأرجاء. هناك، حيث تُحتجز **سيسيليا** بين جدرانٍ من حرير وذهب، كان السكون هو الحاكم المطلق. تلاشى الصداع الحاد الذي كان يمزق رأسها في الصباح، لكن حلّ مكانه عدوٌّ آخر لا يقلّ قسوة: **الملل الخانق**. ومن شدة الضجر ورتابة الوقت الذي لا يمر، استسلم جسدها للنوم؛ استلقت على بطنها فوق الفراش، وغرقت في نومٍ عميق، خصلاتها مبعثرة حول وجهها، غافلة عما يدور حولها من مؤامرات وحروب. انفتح الباب بهدوءٍ، وتقدم نوح بخطواتٍ صامتة كالفهد الذي يقترب من فريسته، وعيناه الرماديتان اللتان كانت قبل ساعاتٍ تتأملان الخرائط، تحولتا الآن إلى جمرتين من العشق الخالص... **عشقٍ يلامس حدود الجنون والهلاك**. بالنسبة لنوح، لم تكن سيسيليا مجرد امرأة عادية؛ كانت هوسه الأبدي، ذنبه العظيم الذي لا يطلب عنه غفراناً، والجنة الوحيدة التي يبتغيها في هذا العالم المظلم. جلس على حافة الفراش، وانحنى فوق جسدها المسترخي، مستنشقاً عبيرها الذي يسلب عقله في كل مرة. تطلّع إلى ملامحها الهادئة أثناء النوم، وشعر بتلك الرغبة العارمة ف
في تلك الأثناء، وراء الجدران الحجرية الداكنة للجناح الغربي، كان نوح غارقاً في صمته داخل مكتبه المتخم برائحة الحبر القديم.كسر السكون طَرقات حازمة، رتيبة، ومألوفة جداً على الباب.كان إيقاعاً يعرفه نوح عن ظهر قلب؛ فهو للشخص الوحيد في هذا العالم الذي يثق به دون أدنى تفكير، ويمتلك مفاتيح أسراره.انفتح الباب ليدخل **فيكتور**، صديق العمر، وذراعه الأيمن الذي لم تزده الأيام ولا المعارك الطاحنة إلا ولاءا وصلابة.كان فيكتور يحمل هيبة المحاربين الأشداء، ملامحه الحادة مرسومة بجدية تعكس ثقلاً موازياً لحجم المسؤولية التي يحملها.لكنه، ورغم كل شيء، كان الوحيد القادر على اختراق تلك الهالة المظلمة التي يحيط نوح بها نفسه، والحديث معه كأخ وند، دون كلفة أو ألقاب عسكرية جامدة.تقدم فيكتور بخطوات واثقة تملأ الفراغ، سحب مقعداً خشبياً وجلس في المواجهة مباشرة، ماداً يديه على المكتب يتفرس في وجه صديقه بنظرة متفحصة، لكنها مشوبة بقلق عفوي لم يستطع إخفاءه.قال بنبرة خفيضة وجادة، كأنما يهمس بسر:— "كنت أعلم أنك لم تذق طعم النوم يا نوح، فرائحة الشراب تنبعث منك وتشي بكل شيء... أخبرني بصراحة، هل سيسيليا هي السبب مجدد
انقشع سواد تلك الليلة المشحونة، وحلّ الصباح يجرّ خيوطه الذهبية الباهتة فوق أسوار القصر العتيق. لم يذق نوح طعم النوم؛ بل قضى ليلته والشراب الحارق يلهب جوفه، موازياً للنار التي تلتهم صدره كلما تذكر نظرة الاشمئزاز والاغتراب في عيني سيسيليا، وحقيقة أن ذكراه قد مُحيت من وجدانها كأنه لم يكن. ومع أولى أشعة الشمس، كان نوح قد اتخذ قراره بتشديد الحصار وإعادة ترتيب الأوراق. وقف في البهو الواسع، ليعين حراساً جدداً أشد بأساً وولاءً، وخادمات جديدات لضمان السيطرة التامة على القصر، وتحديداً الجناح الذي تقبع فيه سيسيليا خلف الأبواب الموصدة. مرّت عيناه الرماديتان الحادتان بصرامة تفحص الوجوه المصطفة أمامه، حتى توقفت نظراته فجأة، وتصلبت ملامحه عند فتاة تميزت عن البقية بشكل ملحوظ. كانت ريتا. فتاة شابة في مقتبل العمر، تجاوزت السن القانوني بقليل. شعرها أسود فاحم كالليل، وجهها يحمل جمالاً طفولياً، وعينيها واسعتين لم تدنسهما بعد قسوة العالم المحيط بهما. بدت وسط الحشود كزهرة برية نبتت خطأً في أرض صخرية وعرة لا ترحم. عقد نوح حاجبيه، واجتاحته موجة من الاستغراب والشك لتواجد مثل هذه البراءة في عر
ساد الصمت داخل الجناح. ثقيل، خانق، لا يُكسر. لم يغادر داميان مكانه منذ أن وضعها فوق السرير. ظل واقفًا خلف الطبيبة مباشرة، ظلًا لا يتحرك ولا يرمش. كانت الطبيبة تفحص سيسيليا بعناية ترتجف معها يداها. أما هو... فراقب كل حركة تقوم بها. كل نفس تلتقطه بصعوبة. وكل ارتجافة صغيرة تعبر جسدها المنهك
ارتجفت أنفاس نوح وهو يضم وجهها بين يديه، كأنّه يخشى أن تختفي من أمامه لو أفلتها لثانية واحدة. لأول مرة… كانت عيناه ممتلئتين بالرعب الحقيقي. هذا السم… يعرفه جيدًا. يعرف الألم الذي يسببه. ويعرف أيضًا أن مجرد تحمله لدقائق كان كافيًا لتمزيق جسده من الداخل… فكيف بها وهي سحبته كاملًا؟ — ل
الممرات التي مرّ بها داميان قبل قليل بدت الآن أطول، أكثر ضيقًا، كأن القصر نفسه يراقبه وهو يحاول ألا ينفجر.حتى وصل إلى جناحه.أغلق الباب خلفه.ثانية واحدة من الصمت.ثم… انفجر كل شيء.قبضته اصطدمت بالطاولة الخشبية في منتصف الغرفة.تشقق السطح تحت القوة، وانقلبت الشموع المزخرفة على الأرض، لتنطفئ واحدة
خطوات نوح ابتعدت في الممر المؤدي للحمام، وصدى الباب وهو يُغلق خلفه جعل سيسيليا تفيق من شرودها.الغرفة كانت صامتة بشكل مريب، كأن الجدران نفسها تحبس أنفاسها وتراقب ما حدث قبل لحظات.لم تتحرك من مكانها.فقط رفعت يدها ببطء إلى شفتيها.ما زال دفء قبلته عالقًا هناك، كأثرٍ لا يُمحى مهما حاولت تجاهله.ضحكت







