Mag-log inاقتربت سيسيليا أكثر. كان صوتها بالكاد نفساً.
"دوري." نظرت إلى نوح— عيناها حادتان. حيّتان. لكن خلف ذلك اللمعان، كان هناك ارتجاف خفي، كأن شيئاً داخلها يسير على حافة الانكسار منذ زمن بعيد، لا اليوم فقط. "سأحصل على التاج." توقفت. للحظة واحدة فقط. كأنها تختبره. تثق به. كان الصمت بينهما أطول من الكلمات. أثقل من الفوضى التي كانت تشتعل خلف الجدران. لكنه لم يشك بها. لم يتردد. اكتفى بأن أومأ برأسه. وتلألأت عيناه في ضوء النار، كأن شيئاً داخله لا يرى سوى النهاية التي يقتربون منها معاً. "اذهبي." صوته لم يكن أمراً فقط، بل وعداً غير منطوق بالحماية… وبالدم أيضاً إن لزم الأمر. دفعها نحو درج مخفي، مموه وسط حركة مذعورة ودخان يتصاعد. "الوقت ينفد." "اذهبي!" نادى خلفها. ثم… اختفت. اختفت تماماً… كأنها لم تكن موجودة أصلاً. لكن شيئاً منها ظل عالقاً في المكان—كظل لم يعرف كيف يهرب. في القاعة— ارتفع صوت داميان فوق الفوضى: "أيها الحمقى! أين الإمبراطور؟!" كان يفقد السيطرة. ليس فقط على المكان، بل على الصورة التي بناها لنفسه أمام الجميع. ملامحه التي كانت دائماً مصقولة بدأت تتشقق، مثل قناع يتعرض للحرارة. الحراس يركضون للبحث عن الإمبراطور. الضيوف يندفعون نحو المخارج، والذعر يبتلع كل قواعد البروتوكول. الدخان ازداد كثافة، يخنق الهواء. والثريات التي كانت رمزاً للفخامة صارت تتمايل كنجوم تموت في سماء مغلقة. وهم الكمال… اختفى. — في الممرات الخلفية— تحركت سيسيليا كظل. لكن لم تكن مجرد ظل. كانت فكرة تتحرك داخل الجدران، بلا صوت، بلا أثر. صامتة. دقيقة. قاتلة. كل خطوة محسوبة. كل حركة مضبوطة. ومع كل خطوة كانت تبتعد فيها عن الفوضى، كانت تبتعد أيضاً عن شيء آخر داخلها… شيء يشبهها أكثر مما تريد الاعتراف به. تلاشى الضجيج خلفها. وصارت الفوضى… بعيدة. غير مهمة. هذا… كان الهدف الحقي. أو هكذا أقنعت نفسها. — ما إن دخلت سيسيليا حتى تجمد قلبها للحظة، شعرت بأن الهواء نفسه أصبح أثقل، كأن الغرفة تنحني لوجود الإمبراطور قبل أن تنحني له الجدران. كان يقف خلف مكتبه الضخم—رجل في الستين، لكن الزمن لم ينتزع شيئاً من حضوره. لم يبدُ كحاكم فقط… بل ككارثة هادئة تعرف تماماً أنها وصلت أخيراً. ندوب قديمة حفرت وجهه شاهدة على حروب لا تُحصى، وعيناه السوداوان بقيتا حادتين… لا يفوتهما شيء. حتى الصمت كان يبدو وكأنه يخضع له. وضع كأساً من الشراب على المكتب وقال بابتسامة بطيئة ساخرة: "كنت أنتظرك منذ فترة طويلة يا سيسيليا. سمعت الكثير عن عائلتك—عن عائلة دراكافيل، عن قوتهم وثرائهم، وعن كونك الوريثة الوحيدة." كانت الكلمة الأخيرة كأنها اختيار مقصود، يضغط على جرح قديم لم يُغلق. توقف كأنه يتذوق وقع كلماته. "أعلم أن نوح اكتشف الحقيقة… إنه دائماً يفضل العمل مع الشياطين التي يفهمها." اقترب قليلاً، وخفض صوته: "هل تعلمين لماذا أريد قتل كل مصاصي الدماء في هذا العالم؟" لم ينتظر إجابة. كان يستمتع بالسؤال أكثر من الجواب. انحنى على المكتب: "أفعل ذلك لأزيل أي تهديد لعرشي." لكن في عمق صوته، كان هناك شيء آخر… ليس سياسة فقط، بل هوس قديم. رفعت سيسيليا ذقنها رغم ارتجاف قلبها العنيف: "إذا كان عرشك يحتاج كل هذا الدم ليبقى قائماً… فهو أضعف مما تدّعي." شدّ الإمبراطور فكه… لحظة صمت ثقيلة مرت بينهما. ثم ابتسم ببطء كأنه وجد تسلية جديدة، تسلية قد تكسرها أو تصنع منها شيئاً آخر. "أخبرني ماذا تريد." كان صبرها ينفد... وفي داخلها شيء بدائي يكافح لتمزيقها. ضحك بخفة ثم استقام: "ما أريده منك… هو نفس ما يريده نوح." تجمدت أنفاسها. اسم نوح في هذا المكان لم يكن مجرد معلومة… كان فخاً صوتياً. "أريدك أن تعملي لصالحي." ثم… فتح الباب السري. ببطء… عن قصد. كأنه يريد كسرها على مهل. — قَفَص زجاجي. لكن لم يكن مجرد زجاج. كان حدّاً بين العقل والانهيار. وفي الداخل… والداها. السيد والسيدة دراكافيل. أعظم عائلة ثراءً ونفوذاً... لم يعودا رمزين للسلطة، بل جسدين محطّمين داخل قفص صُنع خصيصاً لشيء واحد: جعل الألم يبدو أبدياً. معلّقان بسلاسل فضية، فاقدان للوعي، أجسادهما ممزقة، آثار الجلد واضحة، والدم يتساقط ببطء كأنه يرفض التوقف. لكن الأسوأ— كانا على قيد الحياة. قلوبهما تنبض… ببطء مرعب. كأن الإمبراطور أراد أن يترك لهما وقتاً كافياً ليشعرا بكل ثانية من العذاب. تجمد العالم. "...أمي؟ أبي؟" خرجت الكلمة ضعيفة، غريبة على لسانها—كطفلة ضائعة في ظلام لا نهاية له. وفي تلك اللحظة لم تكن الوريثة… كانت ابنة فقط. خطت خطوة… ثم أخرى… حتى اصطدمت يدها بالزجاج. ارتجفت أصابعها عليه كأنها تحاول الوصول إليهما… أو سحبهما من العدم. تسارع تنفسها. "أنت…" ارتجف صوتها، لكنها شدته: "ماذا فعلت بهما؟" اقترب الإمبراطور من خلفها، وصوته قرب أذنها بشكل مقز: "جعلتهما مثالاً…" أخرج قارورة سوداء، هزّها قليلاً. السائل داخلها كان يتحرك بشكل غير طبيعي… كأنه حي. "والآن… سأجعلك امتداداً لهما." وضعها أمامها. "أعطي هذا السم لنوح كل ليلة… قطرة واحدة." ابتسامة باردة شقت وجهه: "أريد أن أشاهده ينهار… يوما بعد يوم." اقترب أكثر: "وأريد أن أرى وجهه عندما يدرك… أنكِ السبب." قبضت سيسيليا على يديها حتى ابيضت مفاصلها. لكنها لم تنظر إليه. كانت تنظر إلى والديها. كأنهما الجواب الوحيد الذي ما زال يمنعها من السقوط الكامل. "أو…" أكمل بصوت مروع الهدوء، "أقطع أحدهما وهو حي… وأرسل لكِ قطعة منه كل يوم." صمت. ثم همس وكأنه يصف مصيراً طبيعياً: "لنقل… إصبع اليوم؟" تكسرت للمرة الأولى. ارتجف جسدها بعنف. خرج نفس حاد من صدرها كأن شيئاً انشق داخلها. دمعة واحدة هربت رغم إرادتها. مسحتها فوراً… كأنها جريمة لا تُغتفر. ثم التفتت إليه فجأة. عيناها اشتعلتا— لا خوف… بل شيء أخطر. "توقف." خرجت الكلمة حادة… حقيقية… مليئة بتهديد لم تحتجه لتقوله. اقتربت خطوة. "لا تستخدمهما لتكسرني…" خفضت صوتها: "لأنك لن تعجب بما سأصبح بعد ذلك." للحظة… شيء يشبه الإعجاب مرّ في عين الإمبراطور. إعجاب بشيء خطير بما يكفي ليكون مفيداً… أو مدمراً. ثم اختفى. "اختاري بحكمة يا ابنة دراكافيل." أشار إلى القفص: "عرضت عليهما الحرية من قبل…" لكن الحرية هنا لم تكن خياراً، بل فخاً آخر. — أغلقت عينيها. وفي داخلها… كان شيء يموت مع كل ثانية. عندما فتحتهما مجدداً— كان القرار وحده موجوداً. "...أعطني السم." أخذت القارورة بنفسها دون تردد. ثم قالت بصوت منخفض كهمس: "سأفعل ما تريد." لكن داخلها صرخ: سأحرقك أولاً. — أخفت القارورة قرب صدرها. ساد صمت ثقيل بعد موافقتها. ثم… ابتسم الإمبراطور. ليس ابتسامة نصر، بل ابتسامة رجل رأى الكسر يحدث أمامه أخيراً. "في النهاية… حتى مصاصو الدماء لا يهربون من طبيعتهم." اقترب خطوة. صوته صار أكثر انخفاضاً، أكثر سمّية: "الجوع… الخوف… الحب…" ابتسم بسخرية قاتمة. "كلها قيود تضعف وتقتل." ظلت سيسيليا صامتة، لكن أنفاسها اختلت للحظة، فلاحظ ذلك فوراً. وكان ذلك أكثر ما أسعده. "ونوح…" تمتم باسمه كأنه يتذوقه، شقّت ابتسامة وجهه، ابتسامة رجل يتخيل المأساة قبل وقوعها: "عندما يبدأ السم بأكل جسده قطرةً بعد قطرة…" خفض صوته حتى صار همساً: "لن يكون أكثر ما سيقتله هو الألم." توقفت عيناه داخل عينيها مباشرة. "بل اللحظة التي يدرك فيها أن المرأة التي احتمى بها…" "...كانت تحمل موته قرب قلبها طوال هذا الوقت." تجمد شيء داخلها. ظهر وجه نوح في عقلها بلا رحمة— عيناه حين وثق بها، وصوته القاسي المرتبك كلما تعلّق الأمر بها. ثم… والداها. شعرت وكأنها تتمزق. اختنق نفسها للحظة. لكنها لم تسمح للدموع بالسقوط. "قرار مؤلم، أليس كذلك؟" جاءها صوته خلفها وهو مستمتع. توقفت عند الباب. ثانية واحدة فقط. ثم قالت دون أن تنظر إليه: "عندما أحترق…" خفضت صوتها، "سأتأكد أنني آخذك معي." وللمرة الأولى— اختفت ابتسامة الإمبراطور قليلاً. ثم خرجت. وكل خطوة خارج المكتب، كانت كطعنات صغيرة تتكرر داخلها. لم تتذكر كيف وصلت الحديقة... رأت نوح... واقفاً في الظلال كأنه جزء منها. انكسر شيء آخر بداخلها. ليس لأنها رأت الأمان… بل لأنها رأت ما قد تخسره بالكامل. كيف… سأقتله؟ "نوح…" كان صوتها متماسكاً بالكاد. خرج من الظلام. عيناه التقطتا كل شيء… "هل… تم الإمساك بك؟" أجابت بسرعة قبل أن يخترقها نظره: "لو تم الإمساك بي… لما كنت هنا." خفضت صوتها: "لم يرني أحد… فقط فشلت. نقلوا التاج." اقترب. أقرب مما يجب. "أنا أعرفك جيداً لأعلم أنك تكذبين." تصلبت. لكنها لم تتراجع. نظرت إليه مباشرة: "وأنا أعرفك جيداً لأعلم أنك لن تتركني حتى أعترف بشيء لم يحدث." صمت. نظرة مشتركة— وشيء أخطر من الشك ظل هناك. قلق. حقي. واضح… رغم أن كليهما لن يعترف به. خفض صوته: "هناك شيء آخر تخفينه…" ابتسمت بتعب: "هناك دائماً شيء آخر، أليس كذلك؟" أبعدت نظرها: "لا شيء… مجرد إحباط." لكنها لم تصمد. كأن الجسد سبق العقل. فجأة— عانقته. بشكل يائس. كأنها تغرق وتمسك بالحقيقة الوحيدة المتبقية. "أريد أن أرحل…" همست في صدره: "إذا بقينا أكثر… قد أفعل شيئاً سيئاً." تجمد. ثم ببطء… أحاطها بذراعيه. "أنتِ ترتجفين…" همس قرب أذنها: "هذا ليس مجرد فشل..." صمت. ثم قال: "من كسرك هناك؟" تتشبثت به أكثر. كأنها تخشى أن تعترف لنفسها أن الإجابة واضحة. رفعت وجهها إليه. "أنا جائعة يا نوح." صمت. ثم أضافت بجرأة خطرة: "وإذا بقينا… لا أضمن من سأعض." شدّ ذراعيه حولها لحظة. غريزة حماية صامتة. ثم ابتعد بسرعة. "علينا المغادرة إذن." العربة اندفعت في الليل. الضباب ابتلع الطريق كأنه يمحو آثار ما حدث. كانت ترتجف. ليس من البرد فقط… بل من الجوع… والذنب… ومن السم المخفي قرب قلبها. نوح كان يراقبها بصمت. كأنه يحاول قراءة انهيار لا يريد رؤيته. "منذ متى؟" "...أكثر من شهر." توقف الزمن. "أكثر من شهر؟!" "وذهبتِ في مهمة خطيرة معي؟" نظرت إليه بابتسامة مرهقة: "قبل أن تغضب… نعم، أعلم." ثم همست: "لكنني ما زلت أتحكم." حدق بها طويلاً. ثم قال: "هذا ليس تحكماً… هذا انهيار مؤجل." — وصلوا أخيرًا. قصر بلاكثورن. نزل نوح أولاً وسحبها معه بسرعة. ماركوس كان ينتظر. لكن نظره لم يذهب إلى نوح أولاً. بل إلى سيسيليا. لاحظ ارتجافها. شحوبها. تنفسها غير المنتظم. ابتسامة خفيفة مرّت—كأنه فهم شيئاً لا يقال. ثم اختفت. "سيدي—" "للداخل. الآن." "جهزوا لها حماماً دافئاً... إنها تحتاج رعاية." انحنى ماركوس باحترام… لكن عينيه بقيتا عليها. كأنها كنز… أو فرصة. أو بداية قصة أخرى أكثر ظلمة. — داخل الغرفة أجلسها نوح قرب المدفأة. الدفء في المكان… لكن ليس فيهما. "أنا بخير…" همست. وضع يديه على وجهها. "توقفي." صوته أصبح خطيراً. لكن خلف الخطر… كان هناك خوف…مخفي. "رأيت هذا من قبل." "رأيت مصاصي دماء ينهارون هكذا." اقترب: "لن أسمح لكِ بالانهيار أمامي." ناولها كأساً من النبيذ الأحمر، يعلم أنه لن يطفئ ظمأها، لكن على الأقل يدفئ عروقها. "اشربي." لمست أصابعه يدها. تجمد الاثنان. "أستطيع التحمل…" "كنت أعيش على دم الحيوانات لسنوات…" صُدم... وتغير شيء في عينيه. "هذا يفسر ضعفك الآن." ثم بصرامة: "لا مزيد من دم الحيوانات." نظر إليها: "الليلة… ستتغذين بشكل صحيح."**ريتا:** سأذبحك وأذبح نفسي من بعدك إن لمستني... سأقتل نفسي ولن أدعك... ...ابتسم ومسح البصاق عن وجهه وهو ينظر إليها بعينين حمراوين، وكانت ابتسامته بداية تحدٍّ كبير... كان سعيداً بما يراه أمامه؛ جنونها وحركاتها... يعلم تماماً أنه سيستمتع. كل هذه الأفكار وما يشعر به جعله يغلي، وجعله يطلق العنان لعنفه... ...رفع يده وصفعها مباشرة على وجهها... ثم أتبعها بثانية وثالثة تاركاً وجهها محمراً من شدة الصفع، والدم يسيل من أنفها... قبض على شعرها يجرها ذهاباً وإياباً وهو يهمس في أذنها... **فيكتور:** ستظلين تتذكرين هذه الليلة حتى أدفنكِ في قبركِ... *(خنقها من عنقها ودفعها بقوة ضد الحائط حتى جحظت عيناها، وبدأ يضحك كالمجنون)* ويوم أدفنكِ سأكتب عليه: " أخضعت المتمردة الصغيرة ..." *(دفن وجهه في عنقها، عضّها ثم نطق)* لأن قبركِ في هذه الدنيا هو فراشي... حاولت ريتا التقاط أنفاسها المكتومة، وصدرها يعلو ويهبط بعنف وهي تحاول دفع صدره الصلب بكل ما تبقّى لها من قوة ضئيلة. ورغم كل شيء فعله بها، إلا أن عينيها لم تعكسا الانكسار، بل توهجتا بنيران حقدٍ وعناد لا يلين. تراجع فيكتور خطوة إلى الوراء، مرخياً قبض
في الجناح الملكي، استغرقت فاليريا في النوم حتى اقتربت الظهيرة، بدأت تستعيد وعيها ببطء. لم يكن استيقاظاً عادياً، بل كان ارتطاماً عنيفاً بـواقع مرير، حيث استقبل جسدها أولى أنفاس اليقظة بـموجة ساحقة من الألم المبرح. كان ظهرهـا يشهد سعيراً لا يهدأ، وكأن النيران لا تزال تلتهم لحمها. حاولت التحرك قليلاً لـتخفيف الضغط، فشعرت بـدفء غريب بـجانبها. أدارت رأسها بـصعوبة، لـتتسع عيناها؛ كان داميان مستلقياً بـجانبها فوق الفراش، واضعاً ذراعه أسفل رأسه، وصدره العاري يرتفع وينخفض بـأنفاس النوم المنتظمة. استغربت بشدة، واجتاحت عقلها تساؤلات مبهمة؛ كيف له أن ينام بـجانبها بـكل أريحية بعد أن كان جلادها بـالأمس؟ لكن شدة الحريق والوجع كان أقوى من أي تفكير أو دهشة. كانت تشعر بـرغبة ملحة لـلذهاب إلى الحمام، وجسدها يرفض الانصياع لها. تصلبت أطرافها، وحاولت الاستناد على كفيها لـتتحرك، فـانفجر الألم في ظهرها بـشكل غير محتمل، لـتطلق رغماً عنها تأوهاً يمزق السكون: — "آه... يـا إلهي..." أحدثت حركتها واضطراب الأغطية الى إيقاظه، فتح داميان عينيه المظلمتين، وجلس بـجذعه العاري فوق الفراش، مرجعاً خصلات شعره إلى
رمق ماركوس ريتا بنظرة ساخرة، وضغط بقبضته على المكتب بغطرسة قائلاً بصوت جاف: — "إجازة؟ هل جننتِ أيتها الفتاة؟ لقد استلمتِ عملكِ في هذا القصر للتو! لم يمر على وجودكِ هنا سوى أيام معدودة، وتتجرئين على طلب إجازة؟" سقطت دموع ريتا بغزارة وجثت على ركبتيها في توسل ذليل وهي تصر على طلبها: — "أتوسل إليك يا سيد ماركوس، انظر إلى حالي بعين الرحمة! الأمر مسألة حياة أو موت بالنسبة لي، فأذن لي بالذهاب اليوم فقط، وأقسم لك بكل ما هو غالٍ عندي أنني سأعوض هذا اليوم أضعافاً مضاعفة، وسأعمل ليلاً ونهاراً دون انقطاع، وسأتحمل كافّة المهام الشاقة وساعات العمل الإضافية دون أن أطلب قرشاً واحداً زيادة، فقط دعني أخرج اليوم!" تململ ماركوس في مقعده، وظهرت في عينيه الخبيثتين موافقة لكن بشروط: — "حسناً، اسمعي جيداً أيتها البائسة.. لن أمنحكِ يوماً كاملاً، فالعمر لا يتوقف هنا لأجل مرض عائلتكِ. سأعطيكِ ثلاث ساعات فقط لا غير! تذهبين فيها لرؤية والدكِ، وتعودين راكضة قبل أن يلاحظ أحد غيابكِ. وإن تأخرتِ دقيقة واحدة عن الموعد، فلن تجدي لكِ مكاناً في هذا القصر، وسأضمن بنفسي ألا توظفكِ أي عائلة في المملكة مجدد
تلاشت أصداء خطوات ولي العهد في الممرات الخارجية، ليحلّ مكانها سكونٌ أشد مرارة من الموت نفسه. بقيت فاليريا ممددة فوق الفراش، عاجزة عن الحركة، وجسدها ينبض بالألم الذي كان يسري في عروقها كالنيران. كانت الجروح المفتوحة على ظهرها تنزف ببطء، انفجرت بالبكاء كان نحيباً يائساً وممزقاً على تحطم كبريائها ونهاية أوهامها الوردية. نظرت إلى خاتم الزواج اللامع في إصبعها، ثم غطت وجهها بكفيها المرتجفتين، فامتزجت شهقاتها المكتومة بصرخات عتابٍ وجّهتها لطيفه الراحل، توبخ فيه طفولتها وحمق قلبها الذي وقع بحبه. "ماذا فعلتَ بي يا داميان! لقد أمضيتُ عمري أرجو نظرة رضا من عينيك، واليوم تجعل من جسدي خريطة لقسوتك! تباً لقلبي وتباً لروحٍ تعاتب سوطك وتلتمس لك الأعذار!" > تذكرت كيف كانت تنظر إليه بإعجاب منذ أن كانت طفلة صغيرة، وكيف غزى عقلها الصغير، كان هو فارسها، وحب عمرها قبل أن تفقه معنى السياسة. امتدت أصابعها لتتشبث بالفراش، ورفعت رأسها بصعوبة، وعيناها قد غرقتا بالدموع. ورغم الألم والمهانة التي ألحقها بوجدانها، لم تقوى روحها على كرهه؛ فكيف تكره رجلاً استوطن قلبها منذ الطفولة؟ استجمعت بقايا أنف
دوت صفعة الباب الثقيل لـتهز أركان الجناح، جلست سيسيليا منتصف السرير، وضمت ركبتيها إلى صدرها، كـطائر جريح أصابته السهام من كل جانب. انهمرت دموعها بـصمت شديد، شاقةً طريقها فوق وجنتيها، ووضعت يدها المرتعشة فوق صدرها، محاولة كبح ذلك الألم العنيف الذي يعتصر قلبها بـقوة. كانت غارقة في حيرة قاتلة؛ لـماذا يؤلمها قلبها بـهذا الشكل لـرحيله وتخليه عنها هكذا؟ لم تكن تبكي من أجل داميان، فـقصته انتهت بـالنسبة لها، لكن الألم الجديد كان مختلفاً... كان ألم العجز أمام رجل لم تكن تتوقع أن كلماته قد تملك هذه القدرة على تمزيقها. "أنا لا أريد خداعه..." همست لـنفسها بـنبرة مخنوقة تائهة في الظلام. لم يكن ارتماؤها في أحضانه مكيدة مدبرة، ولا استغلالاً بـدماء باردة لـقوته كما ظن نوح. لقد كانت بـالفعل تبحث عن ملاذ، عن ركن آمن يحميها من شياطين عقلها، وظنت لـثانية واحدة أن الطاغية كما تسميه سيكون ملجأها الوحيد. لكن كبرياءه وغروره رفضا رؤية مشاعرها، واختصرا ضعفها وترددها في خانة الخداع. في وسط ذلك البكاء، بدأت الغشاوة تتضح عن عينيها لـتدرك الحقيقة المرعبة التي كانت تغفلها وتتجاهلها طوال الوقت. ذلك
تقدم نوح بخطوات ثقيلة وموزونة، كانت عباءته الداكنة تتطاير خلفه كأجنحة غراب في جوف الظلام، وعيناه الحادتان تفترسان كل تفصيلة في الحديقة؛ من الحراس إلى ألسنة اللهب التي كانت تلتهم آخر البقايا. توقف على بعد خطوتين منها. تفككت برودته وحل مكانها قلق مكتوم وثوران داخلي، خاصة عندما انكمشت ملامحه فجأة وهو يستنشق الهواء؛ فحواسه الخارقة، التقطت فوراً خيوط تلك الرائحة النفاذة... رائحة غريمه الأزلي "داميان" ممتزجة برائحة دماء جافة. نظر إلى طفلته العنيدة، فرأى وجهاً لم يعهده فيها من قبل. جمود وهدوء تام، تقدم خطوة إضافية، ليحجب بـجسده بقايا الحريق، ونطق بصوت عميق، تملؤه سلطة آمرة حاول جاهداً كبح جماح غضبها: "ماذا يحدث هنا يا سيسيليا؟ ما هذا الجحيم الذي أشعلتِهِ في هذا الليل؟" لم ترمش سيسيليا، ولم تلتفت إليه حتى. بقيت عيناها الزرقاوان معلقتين بالرماد المتطاير في الهواء البارد، وكأن نوح لم يكن موجوداً، أو كأنه مجرد طيف عابر لا يستحق عناء الالتفات. استفزه هذا الصمت الذي بات يمزق أعصابه. امتدت يده، وبـحركة حملت مزيجاً من القسوة والتملك الحذر، قبض على رسغها وأجبرها على الالتفات لتواجه عينيه اللت
صمت نوح للحظة. كان عليه أن ينتقي كلماته بحذر—لم يُرِد أن تظن أن لديه نوايا سيئة، خصوصًا بعد ما مرت به. قال بهدوء مدروس، بينما بقيت عيناه ثابتتين عليها. "دم الحيوانات قد يؤخر الجوع… لكنه لن يطفئه. أنا أتحدث عن دم البشر." ساد صمت قصير قبل أن يُكمل بنبرة أكثر حسمًا: "لديّ سجن أسفل القصر. أحتجز
القاعة الكبرى لم تكن تشتعل بالضوء، بل كانت تحترق به. انعكس ذهب الثريات فوق الرخام كأنه معدن سائل، بينما تحركت وجوه النبلاء تحت الوهج مثل أشباح لا تعرف سوى الابتسام. انكمش العالم من حوله حتى صار ضيقاً كثقب إبرة، وفي مركزه وقف رجل واحد: الإمبراطور فالريك آشفورد.فوق المنصة، حمل الثوب الملكي ثقل تاري
عبر القاعة الواسعة، توقف داميان فجأة.كأن الزمن تعثّر عند رؤيتهما.تجمدت خطواته للحظة واحدة فقط، لكنها كانت كافية ليتغير الهواء. ارتفعت ذقنه ببطء. انعقد فكه. واستقرت عيناه عليهما دون أن يحاول إخفاء الجحيم الذي اشتعل داخله.ما مرّ في نظرته لم يكن دهشة. ولا إعجاباً.كان امتلاكاً مغموساً بغيرة ورغبة و
بعد وقت طويل، استسلم نوح أخيرًا لنوم متقطع. لم يشبه الراحة، بل كابوسًا ينهش عقله بلا رحمة.كلما أغمض عينيه، عادت الصرخات. لم يعد يعرف إن كانت لوالديه… أم لأولئك الذين ذبحهم بيديه، وهم من دمه.رأى نفسه وسط اللهب، ويده تنزف فوق الزجاج المكسور. وسيسيليا هناك، عيناها الزرقاوان تراقبانه دون خوف. بإعجاب







