登入- خطيبتك؟... جيلان؟ سقطت الكلمة من فم بهاء كأنها نصلٌ ثقيل شقّ هدوء المقصورة. كانت الصدمة مرسومة بوضوح على ملامحه التي شحب لونها، وكأن الحياة قد استنزفت من عروقه في لحظة. تابع بمرارة ولسانٍ ثقيل، وكأن الحروف تُنتزع قسراً من بين ضلوعه - آخر حاجة كنت أتوقعها في دنيتي... إيه، جيت تواسيها على غيابي، فحبيتها يا صاحبي؟ ياريتني ما رجعت... ياريتني فضلت مدفون في رمال الجزيرة ولا إني أرجع أشوفك إنت وهي... كانت عيناه المتقدتان بخيبة أملٍ لا توصف تتأملان الفراغ، بينما الأرض من تحته تبدو وكأنها تتصدع وتنشق لتبتلعه. شعر بهاء وكأن ستارة سوداء مخملية ثقيلة قد أُسدلت على عالمه بفظاظة، حاجزةً خلفها كل أملٍ في حياةٍ طبيعية. بدأ قلبه يخفق ببطء شديد، نبضاتٍ متثاقلة كأنها تعلن انسحاب الحياة من جسده نحو ظلامٍ أبدي. حاول أن يشهق بحثاً عن الأكسجين، لكن الهواء خان صدره الضيق، وأصبح وجوده في تلك اللحظة عبئاً ثقيلاً لا يطاق. أما أمجد، فقد كان يتطلع إليه بهدوء مريب هدوء العارف بمرارة المواقف ثم فجأة، أطلق ضحكة خفيفة، غريبة التوقيت، كانت كفيلة بأن توقع بهاء في حيرة أعظم. لم يكن ذلك رد فعلٍ انتظره بهاء؛ لا تبري
سادت في تلك اللحظة الرهيبة لحظة من الصمت الثقيل، صمت خانق تكاد تسمع فيه دقات القلوب الواجفة. حدّقت وفاء في عينيه المشتعلتين بالغل والرفض، وللمرة الأولى تراجعت خطوة؛ لم تعد ترى في هذه اللحظة رجلاً ضعيفًا عائدًا من الغياب يستجدي رضاها، بل بدأت ترى بذكائها الحربي وجوه الجيران المتربصة على الأبواب، ولمحت النظرات الشامتة، والكلام الذي سيُقال في ظهرها، والأحاديث التي ستنمو كالأورام الخبيثة في الحارة. لن يسمح كبرياؤها الأنثوي الطاغي بأن تُرى أمام المجتمع كمن لفظت زوجها وطردته في ليلة عودته من الموت، ولا كمن ماتت غيرة من امرأة صامتة مكسورة وقفت بلا كلمة واحدة. فتنفست الصعداء بقوة... وغيرت نبرة صوتها الحادة في ثانية واحدة كما يبدّل الثعبان جلده المرقط بالسم. وبصوت زائف، مغلّف برداء الطيبة والمسكنة المصطنعة، قالت وهي تخفض يديها - حقك عليا يا حسن... أنا بس اتخضّيت ومبقتش في وعيي... الوضع مش سهل علينا كلنا والصدمة كانت شديدة. خلاص... كفاية كلام وزعل لحد كده، خلينا نرتاح الليلة دي وكل حاجة هتتفاهم وتتحل بعدين . هدومكم الغريبة دي مش مناسبة خالص، ادخلوا غيروها، وأنا هطلع لها حالا حاجة من دولابي ت
الرحلة بدت في عيونهم أطول وأكثر إنهاكًا مما توقّعوا بمراحل، وكأن الإسفلت الأسود يمطّ نفسه تحت عجلات السيارة، ويلفّ خيوطه الأبدية حول مصائرهم بلا نهاية مأجورة. ألقى بهاء بجسده المتهالك المتعب إلى الخلف فوق مقعد السيارة، فأنّ ظهره وعموده الفقري من فرط الإجهاد المتراكم طوال رحلة الغياب العاتية، وفضحت عيناه الغائرتان رغبة شديدة، بل جوعًا جارفًا في الانسحاب التام من مشهد العودة الصاخب. لم يعد الرجل يملك طاقة ضئيلة للاستمرار أو قيادة الدفة، لا جسدًا أضنته الغربة، ولا ذهنيًا تشتت بين الوجوه والمقابر. لقد بدأت أنفاسه تتثاقل في صدره، وأعلن جسده العصيان الشامل مستسلمًا للراحة، أما العقل المنهك فقد رفع راية الاستسلام البيضاء، مطالبًا بهدنة حتمية وعاجلة من التفكير، والتوتر، والسيناريوهات المفتوحة التي قد تنفجر في وجهه عند كل منعطف. أغمض بهاء عينيه لثوانٍ معدودات، يرجو غفوة تسرق عقله، ثم تمتم بصوت واهن، خفيض ومبحوح - أنا كده جبت آخري... لازم أروّح بيتي بقى النهاردة... وأكمّل بقية المشاوير والأمانات بكرة... بجد مش قادر، حاسس إني بموت ساد الصمت أرجاء السيارة للحظة قصيرة، صمت ثقيل غلّف الأنفاس، ق
في ذات اللحظة، كان حسن يجلس في المقعد الخلفي للسيارة، محاطًا بصمتٍ ثقيل خانق، وعيناه شاردتان تراقبان المجهول عبر زجاج النافذة الموشى بظلال الليل. شعر وكأن عقارب الساعة تتثاءب بكسل، تسير ببطء سلحفاة عجوز فقدت شغفها بالحياة، وكأن الزمن نفسه يتواطأ ضده ليؤجّل تلك اللحظة الفاصلة... لحظة عودته إلى عالم الأحياء. كان في طريقه إلى بيته، إلى زوجته، لكنه مع كل متر تقطعه السيارة، لم يعد واثقًا من قراره. رأسه يعج بأسئلة معلّقة ومخاوف تأبى الصمت، تنهش عقله بضراوة.... ماذا لو تزوجت؟ ماذا لو فعلت مثل زوجة محمود وبدأت حياة جديدة مع غيري؟ ماذا لو أصبحت غريبة عني ولم أعد أعرفها؟ حاول حسن أن يطرد أشباح شكوكه السوداء، فتحدث بصوت خافت مسموع كمن يقنع نفسه بوهم الأمان - مستحيل وفاء تعمل كده... مش عشان بتحبني وبس، لا... بس دي ست أصيلة وعارفة تقاليدنا كويس، وبتعمل ألف حساب لكلام الناس والمجتمع... دي بتخاف من خيالها لو اتحرك رعبًا من القيل والقال.... أكيد عاشت الفترة دي كلها بتربي العيال وبس، عشان تقف قدام المراية وتقول أنا صنت العِشرة وما اتجوزتش بعده. انتزعته صرخة بهاء القوية من عمق شروده وهو يضغط على ال
يدقّ جرس الباب فجأة، فيرتجف قلب عمر داخل صدره بروعة مفاجئة ودون سبب واضح، كأن دقات الجرس الرتيبة العالية تخبّئ خلف حديدها قدرًا جديدًا أعمى على وشك أن يُكتب فوق طالع حياتهما. ينهض ببطء شديد من جوار نهى المنهارة، خطواته غدت مثقلة بتوتر خانق كأنه يسير في حقل ألغام، وعقله المشتت يُصارع فكرة واحدة تنهش روحه بضراوة هل يمكن أن أتحمّل خسارتها مرة أخرى بعد أن عادت لي؟ وإن كان محمود قد عاد حقًا من المقابر... هل ستختاره هو وتتركني؟ هل ما زالت بقايا حبه تسكن عروقها؟ يفتح الباب بجسد متأهب، فتتجمّد نظراته عند العتبة، ويتسمر في مكانه بذهول مطلق كمن يرى طيفًا كابوسيًا خارجًا للتو من أساطير الحكايا الخيالية. أمامه تمامًا، كان يقف رجل مجهول بملامح أنهكها التعب والشقاء، يرتدي ملابس غريبة الأطوار بدائية النسج، كأنما خُلق من رحم فيلم سينمائي طويل عن الناجين الأشاوس من حافة الموت ومجاهل المحيطات. يقف الرجل الغريب بثبات وهدوء مريب، يبادله نظرات الفحص بثقة واثقة ومتزنة قبل أن يقطع حبل الصمت السميك قائلاً بصوت خافت، أجش، لكنه يحمل نبرة اليقين - آسف جدًا على الإزعاج وفي الوقت المتأخر ده... بس في أمانة ولاز
كانت رزان تشعر برهبة شديدة تغلّف صدرها وتكتم أنفاسها، كأن المستقبل الذي ينتظرهم يوشك أن يكشف لها عن وجه غريب وقاسٍ لا تعرف ملامحه. ما هو المخطط القادم؟ وكيف سيتعاملون مع مجتمع اعتبرهم أمواتًا منذ سنين؟ أسئلة حارقة دارت في ذهنها، لكنها لم تكن تملك طاقة التفكير فيها الآن؛ فكل ما تريده في هذه اللحظة اللاهثة هو هدنة… راحة مؤقتة تسمح لروحها المتعبة أن تلتقط أنفاسها بعيدًا عن عيون الفضول ومحاضر الشرطة. وما إن تهادت السيارة وتوقفت عند باب بنايتها، حتى التفتت رزان إلى جنات، تلك الفتاة الشاردة الصامتة التي بدا عليها الذهول الكامل من صخب الشوارع والسيارات. مدت رزان كفها وأمسكت بيد جنات الباردة المرتجفة، وهمست لها بابتسامة دافئة تحاول بث الأمان في قلبها - تعالي معايا يا جنات… متخافيش، أنا عايشة لوحدي والشقة أمان وهترتاحي فيها. حاول بهاء الاعتراض والتدخل، كأن ضميره ومسؤوليته كرجل لا يرتضيان أن يترك فتاة غريبة وضائعة كجنات بهذه السهولة دون تأمين كامل، لكن رزان لم تمنحه أدنى مجال للرفض أو النقاش؛ بل سحبت جنات برقة حاسمة، ودلفتا إلى مدخل البناية سويًا، كأن كلتاهما تبحث في الأخرى عن شفاء ما وجدار
وقعت كلمة مستحيل كالصاعقة، دوَّت في الأرجاء كأنها رعدٌ مزّق سكون المكان، وخلّفت وراءها همهمات مستنكرة وعيوناً اتسعت دهشة، لكن لغط النفوس لم يدم طويلاً.نهض عليان، ابن القمر، بغتةً، والغضب يتفجّر من ملامحه القاسية. صوته كان كالقصف حين صاح- كيف تجرؤون على رفع أصواتكم في حضرة ابن القمر؟ اصمتوا... أو
انتصف النهار ببطءٍ ثقيل، وكأن الزمن نفسه أصبح يزحف فوق أعصابهم المنهكة.كانت الساعات تمر عليهم خانقة، متشابهة، بلا ملامح، حتى فقدوا إحساسهم الحقيقي بالأيام، وصار كل ما يشغلهم سؤالًا واحدًا لا يتغيرمتى يعودون؟وفي خضم ذلك الترقب المرهق، دخل أحد رجال عليّان عليهم، يحمل بين يديه لفافات صغيرة، ثم طلب
كان العمل بالنسبة لنهى أكثر من مجرد وظيفة جديدة أو محاولة للهروب من الفراغ…كان بمثابة النجاة الوحيدة من الغرق البطيء الذي ابتلع حياتها منذ عامين.عامان كاملان وهي تعيش كمن يسير فوق حطام روحه، تحمل أيامها بثقلٍ صامت، وتقاوم الانهيار بابتسامات باهتة لا تصل أبدًا إلى عينيها.لذلك، حين خطت صباحًا إلى ذ
طرقاتٌ متتالية ارتطمت بباب الشقة بعنفٍ وإلحاح، حتى بدا الصوت وكأنه يخترق جدران المكان الموحش، ويهزّ ذلك الصمت الثقيل الذي التفّ حول دينار منذ اختفاء والدها.انتفض جسدها بفزع، واتسعت عيناها المرتعبتان نحو الباب، بينما تجمدت في مكانها تمامًا، كأن الخوف قد سحب الدم من عروقها وأبقاها مجرد ظلٍ مرتجف.تت