Mag-log inتدور أحداث هذه الرواية بين الدار البيضاء ولندن، حيث تتقاطع حياة شخصيات تنتمي إلى عوالم مختلفة تجمعها تفاصيل العمل والصدف اليومية أكثر مما تجمعها الخطط المسبقة. سكينة شابة مغربية تعمل كمصورة في استوديو بسيط، تعيش حياة هادئة بين العمل وصديقتها المقربة فاطمة، في إطار اجتماعي عادي لا يلفت الانتباه، لكنه يحمل الكثير من التفاصيل اليومية الصغيرة. في المقابل، يعيش وارن فيليبس في عالم مختلف تماماً، حيث يدير شركة إنتاج كبرى في لندن، محاطاً بفريق عمل متنوع وشبكة علاقات مهنية معقدة، داخل بيئة تقوم على الانضباط والقرارات السريعة. تتشكل حول هاتين الشخصيتين مجموعة من العلاقات المهنية والشخصية داخل شركة “بروميثيوس”، حيث يلتقي العمل بالإبداع، وتتشابك الشخصيات في إطار واحد رغم اختلاف خلفياتها.
view moreرنّ المنبه عند السادسة والنصف صباحاً، فمدّت سكينة يدها نحوه وأطفأته قبل أن تتاح له فرصة الرنين مرة ثانية. اعتادت الاستيقاظ بهذه الطريقة منذ سنوات، حتى أصبح جسدها يسبق المنبه أحياناً بدقائق. جلست على طرف السرير وهي تمرر يدها على وجهها محاولة طرد آخر بقايا النعاس، ثم ألقت نظرة نحو السرير المقابل.
كانت فاطمة ما تزال غارقة في نومها، ملتفة داخل غطائها كأنها تخوض معركة حقيقية ضد الصباح. ابتسمت سكينة وهي تنهض قائلة: "فاطمة، لقد حان وقت الاستيقاظ." لم يصلها سوى صوت متذمر غير مفهوم. اقتربت منها قليلاً وأعادت المحاولة: "إذا تأخرتِ مرة أخرى فسيخصمون من راتبك." فتحت فاطمة إحدى عينيها بصعوبة وقالت: "أخبري مديرتي أن تحترم حاجتي الإنسانية للنوم." ضحكت سكينة بخفة وهي تتجه نحو الحمام. كانت معتادة على هذا المشهد اليومي، حتى إنها أصبحت قادرة على توقع الردود التي ستسمعها قبل أن تنطق بها صديقتها. تقاسمتا الشقة منذ ما يقارب السنتين. شقة صغيرة في أحد أحياء الدار البيضاء، بعيدة عن حياة الطفولة والعائلة في مراكش، لكنها أصبحت مع الوقت مكاناً يشبه البيت. لم تكن واسعة أو فاخرة، إلا أنها كانت كافية لفتاتين تحاولان بناء مستقبلهما بعيداً عن مدينتهما الأصلية. بعد نحو ساعة، كانت سكينة تسير في أحد شوارع الدار البيضاء المزدحمة. الهواء الصباحي كان منعشاً نسبياً، والسيارات بدأت تملأ الطرقات بينما يتدفق الناس نحو أعمالهم وجامعاتهم. حملت حقيبتها على كتفها وتابعت طريقها بخطوات ثابتة، متجاوزة المحلات التي بدأت تفتح أبوابها تباعاً. كانت تعرف هذا الطريق جيداً. تعرف المخبزة الموجودة عند الزاوية، وبائع الجرائد الذي يصفف الصحف كل صباح بالطريقة نفسها، وحتى القطة الرمادية التي اعتادت الجلوس قرب إحدى الأشجار وكأنها تحرس الحي بأكمله. وصلت أخيراً إلى الاستوديو الذي تعمل فيه. كان محلاً بسيطاً مقارنة بالاستوديوهات الحديثة المنتشرة في بعض أحياء المدينة، لكن سكينة لم تنظر إليه يوماً باستخفاف. فمن هذا المكان بدأت رحلتها العملية، وفيه تعلمت أكثر مما تعلمته في أي مكان آخر. دفعت الباب الزجاجي ودخلت، فاستقبلتها رائحة الورق المطبوع والأجهزة الإلكترونية التي تعمل منذ ساعات الصباح الأولى. رفع الحاج مصطفى رأسه من خلف المكتب وقال: "صباح الخير يا سكينة." أجابته مُبتسِمة: "صباح النور." كان الحاج مصطفى رجلاً تجاوز الخمسين من عمره، قضى سنوات طويلة في هذا المجال. بدا صارماً للوهلة الأولى، لكن كل من تعامل معه لفترة كافية كان يكتشف أنه أطيب مما يحاول إظهاره. وضعت سكينة حقيبتها جانباً واستعدت ليوم جديد من العمل. لم يكن يومها مختلفاً عن الأيام السابقة؛ صور للبطاقات الوطنية، صور لجوازات السفر، وأخرى تذكارية لعائلات أو أطفال أو طلبة يحتاجون إلى ملفات التسجيل. ورغم أن كثيرين كانوا يعتبرون هذا النوع من العمل مملاً، فإن سكينة كانت تحاول دائماً العثور على شيء مختلف في كل وجه يمر أمام عدستها. لم تكن الكاميرا بالنسبة إليها مجرد أداة لكسب الرزق. كانت شيئاً آخر يصعب عليها شرحه. كان هذا شيئاً جعلها تختار هذا الطريق منذ سنوات، رغم أنها لم تكن تعرف تماماً إلى أين سيقودها. مرّت ساعات الصباح بهدوء نسبي. دخل الزبائن تباعاً كما يحدث كل يوم، بعضهم على عجل، وبعضهم يقضي وقتاً أطول مما ينبغي في اختيار الصورة التي سيحتفظ بها لسنوات. كانت سكينة تتحرك بين الكاميرا والحاسوب والطابعة بخفة اعتادت عليها مع الوقت، تؤدي عملها بدقة دون أن تسمح للروتين بأن يفسد تركيزها.في صباح اليوم التالي، بدا أن وتيرة العمل عادت إلى طبيعتها ظاهرياً، لكن ذلك الانطباع لم يدم طويلاً.منذ الساعات الأولى، كانت الحركة داخل القاعة المخصصة للأزياء أكثر توتراً من المعتاد. المصممون يتنقلون بين الرفوف، والمساعدون يراجعون القوائم أكثر من مرة، بينما ظهرت على وجوه بعض المسؤولين ملامح انشغال لم تكن موجودة خلال الأيام السابقة.دخلت سكينة القاعة وهي تحمل كاميرتها، ثم توقفت تلقائياً عندما لاحظت مجموعة صغيرة من الموظفين يتحدثون بصوت منخفض قرب أحد الصناديق الكبيرة.لم تسمع كل ما قيل، لكنها التقطت كلمات متفرقة."هذا هو الصندوق الثالث...""لا يمكن استخدام هذه القطع...""المقاسات مختلفة عن الطلب..."عقدت حاجبيها قليلاً قبل أن تتابع طريقها.في الجهة الأخرى من القاعة، كان ويل يقف مع اثنين من المسؤولين عن الأزياء وهو يراجع بعض الأوراق.على غير عادته، بدا أكثر جدية من المعتاد.أما نيك فكان يقلب إحدى القطع بين يديه وهو يراقب الخياطة الداخلية باهتمام واضح.اقترب بين من سكينة حاملاً كوب قهوة."هل أنا الوحيد الذي يشعر أن الجميع يتصرفون وكأن العالم سينتهي اليوم؟"نظرت حولها."لا أعرف."خفض صوته
كان المساء قد بدأ يهبط ببطء على المجمع الساحلي، لكن العمل لم يتوقف تماماً. فقط تغيّر إيقاعه؛ من حركة سريعة ومزدحمة إلى تركيز أثقل وأكثر دقة، وكأن الجميع صار يدرك أن كل دقيقة في هذا المشروع تُحسب بطريقة مختلفة.في القاعة الرئيسية، كانت المعدات تُعاد إلى أماكنها بعد نهاية مرحلة التصوير التجريبي. بعض الفنيين بدأوا يفككون الإضاءة، وآخرون يراجعون اللقطات الأخيرة على الشاشات الصغيرة قبل أرشفتها. أصوات الحديد الخفيف، واحتكاك الحوامل، ونقرات الأجهزة كانت الخلفية الوحيدة التي تملأ المكان.سكينة بقيت قرب إحدى الطاولات، تتصفح الصور التي التقطتها خلال اليوم. لم تكن تبحث عن “لقطة جميلة” فقط، بل كانت تعيد قراءة ما حدث بصرياً: كيف تغير الضوء خلال ساعات، وكيف انعكس على الوجوه والحركة، وكيف أن نفس المشهد يمكن أن يعطي إحساساً مختلفاً تماماً إذا تغيّرت زاوية بسيطة.اقترب نيك منها وهو يحمل جهازه اللوحي."ما رأيك في اليوم؟" سأل وهو ينظر إلى الشاشة.رفعت عينيها دون أن تتوقف عن التصفح."مرهق، لكنه ناجح."أومأ بسرعة."هذا أفضل نوع من الأيام."ثم أضاف بعد لحظة:"غداً سيكون أصعب."نظرت إليه."دائماً تقول هذا."
في صباح اليوم التالي، لم يكن جدول العمل يتضمن جلسات تصوير كبيرة كما حدث في اليومين السابقين.بدلاً من ذلك، خُصص الجزء الأكبر من النهار لاختبارات الملابس والتنسيقات النهائية الخاصة بالحملة.كانت إحدى القاعات داخل المجمع قد تحولت إلى ما يشبه خلية نحل حقيقية.رفوف طويلة مليئة بالملابس.صناديق الأحذية.الإكسسوارات.المرايا العملاقة.وعدد من المصممين والمساعدين الذين يتحركون باستمرار بين الطاولات.دخلت سكينة القاعة وهي تحمل كاميرتها بعد أن طُلب منها توثيق بعض مراحل التحضير لاستخدامها لاحقاً في المواد الترويجية.توقفت للحظة وهي تراقب الفوضى المنظمة أمامها.على الجانب الأيمن كان فريق المكياج يعمل على تجهيز العارضين.وفي الجهة المقابلة كان نيك يناقش تفاصيل معينة مع أحد المصممين.أما بين...فكان يقف أمام مرآة طويلة وهو يرتدي إحدى القطع الجديدة.اقتربت سكينة بهدوء.رفعت الكاميرا.والتقطت صورة.التفت بين فور سماع صوت العدسة."هل حصلت على إذن؟"أجابت دون أن تنزل الكاميرا:"لا.""إذاً سأرفع قضية."التقطت صورة ثانية."حظاً موفقاً."ضحك بين وهز رأسه.كان يرتدي معطفاً رمادياً طويلاً فوق ملابس تجريبية
لم ينتهِ العمل بعد، رغم أن الشمس بدأت تميل ببطء نحو الأفق.كانت آخر جلسة تصوير لذلك اليوم تُقام فوق منصة خشبية واسعة بُنيت خصيصاً فوق جزء مرتفع من الساحل. من هناك كان البحر يبدو ممتداً بلا نهاية، بينما تحولت السماء تدريجياً إلى درجات ذهبية وبرتقالية ناعمة.بالنسبة لنيك، كانت هذه أفضل ساعات اليوم.أما بالنسبة للفنيين، فكانت أكثر الساعات توتراً."لدينا أقل من أربعين دقيقة."قالها أحد المساعدين وهو ينظر إلى ساعته."إذا فقدنا هذا الضوء سنضطر لإعادة كل شيء غداً."بدأ الجميع يتحرك بسرعة أكبر.أجهزة الإضاءة.الكاميرات.المؤثرات العاكسة للضوء.كل شيء كان يتحرك في وقت واحد.أما سكينة فكانت مركزة بالكامل خلف الكاميرا.التقطت صورة.ثم أخرى.ثم أعادت تعديل زاوية الوقوف.ثم التقطت صورة جديدة.كانت تلك اللحظات التي تختفي فيها الأصوات من حولها تقريباً.لا تسمع إلا التعليمات الضرورية.ولا ترى إلا ما يوجد داخل الإطار.وفجأة..."أعتقد أنك نسيتِ أن ترمشي."رفعت رأسها.كان بين يقف بجانبها حاملاً زجاجة ماء.نظرت إليه لثانيتين."وأعتقد أنك نسيت أن تعمل."ابتسم فوراً."إذاً بدأتِ تردين أخيراً."عادت إلى الك
لم يكن الاستيقاظ في صباح اليوم الثاني سهلاً بالنسبة لمعظم أفراد الفريق.فبعد يوم طويل من الاجتماعات والتجهيزات والتعارف الأولي، بدأ الجميع يشعر بالإرهاق الحقيقي للعمل الذي ينتظرهم خلال الأسابيع القادمة.كانت الشقق المخصصة للفريق تقع داخل مجمع سكني هادئ قريب من موقع التصوير، وقد تم توزيع الغرف بطريق
استيقظت سكينة قبل رنين المنبه بدقائق. فتحت عينيها ببطء ونظرت إلى الساعة المعلقة فوق الحائط. كانت السادسة إلا بضع دقائق. بقيت مستلقية للحظات قصيرة، ثم نهضت وهي تزفر بهدوء.اليوم هو أول يوم فعلي في المشروع.لم تكن متوترة بقدر ما كانت فضولية. طوال الأسبوع الماضي كانت تسمع عن المشروع وتستعد له، أما الي
الفصل الثامن تحت سماءٍ أخرى حلّ يوم الأحد أخيراً، اليوم الذي سبق انطلاق العمل الرسمي في المشروع. كانت الدار البيضاء تعيش صباحاً مشمساً ومعتدلاً، بينما كانت سكينة تجلس أمام طاولة المطبخ تحتسي قهوتها بهدوء. على غير عادتها، لم تكن مضطرة للاستيقاظ مبكراً من أجل جلسة تصوير أو موعد مع زبون. كان اليوم
مرّت الأيام التالية بوتيرة طبيعية بالنسبة لسكينة، لكنها لم تكن خالية تماماً من الفضول. خلال الأسبوع الذي سبق انطلاق المشروع، كانت تذهب إلى عملها المعتاد في الاستوديو، وتعود مساءً إلى الشقة التي تتقاسمها مع فاطمة، بينما كانت تفاصيل مشروع بروميثيوس تظهر شيئاً فشيئاً عبر الرسائل والمكالمات التنظيمية.