الرحلة 301

الرحلة 301

last updateLast Updated : 2026-05-20
By:  Faten AlyUpdated just now
Language: Arab
goodnovel4goodnovel
Not enough ratings
7Chapters
2views
Read
Add to library

Share:  

Report
Overview
Catalog
SCAN CODE TO READ ON APP

في قلب عزلةٍ لا تشبه الخرائط، تظهر جزيرة تُدعى كالاتيا… مكان لا يرحّب بالغرباء، ولا يكشف أسراره بسهولة. تهرب “هي” من كل ما يطاردها، من ماضٍ مثقل بالأسئلة، ومن حقيقة لم تجرؤ يومًا على تسميتها. تظن أن الابتعاد كفيل بإنقاذها، وأن البحر قادر على ابتلاع ما عجزت الحياة عن ستره. لكن كالاتيا لا تمنح النجاة مجانًا… بل تُعيد تشكيل من يصل إليها. هناك، لا تكون الأصوات عالية، لكن الصمت نفسه يصرخ. تتقاطع الذاكرة مع الوهم، والحب مع الخطر، والوجوه التي تبدو غريبة… قد تكون الأقرب إلى الحقيقة. ومع كل خطوة داخل الجزيرة، يبدأ شيء ما في الانكشاف… ليس في المكان وحده، بل داخلها هي. رجل يظهر في طريقها كأنه يعرف عنها ما لم تقله لأحد، ونظراته تحمل إجابات أكثر مما تحتمل الأسئلة. وبين انجذابٍ لا يُفهم، وخوفٍ لا يُقاوم، تدرك أن ما بدأت تهرب منه لم يكن الماضي فقط… بل نفسها أيضًا. في كالاتيا، لا أحد يبقى كما كان. وهناك تحديدًا… يبدأ الاختبار الحقيقي: هل كانت تهرب من الحقيقة؟ أم من الحب الذي سيجبرها على مواجهتها؟

View More

Chapter 1

البارت الاول

كانت الغرفة كأنها تُحاكمه.

جلس بهاء على الحافة القصوى للمقعد، ظهره مشدود، ويداه تتداخلان في ارتباكٍ ظاهر.

كان الهواء ثقيلًا، كأن كل نفس يأخذه لا يكفيه، وعيناه مُعلقة بالرجل الذي جلس على الجانب الآخر، في وضع من يعرف أنه لا يُسأل، ولا يُجادل.

-أنا بحبها... وبوعدك، لو وافقت، هتبقى أسعد بنت في الدنيا.

خرج صوته مبحوحًا، محمّلًا بكل الرجاء الذي يملكه قلب شابٍ صادق.

رفع والد جيلان عينيه إليه ببرود، كان جسده مرتاحًا في المقعد، لكن ملامحه متوترة بغرورٍ خفي.

نظر إلى بهاء كما لو كان يقرأ سطرًا لا يعجبه.

-ايه بتحبها؟ الحب لوحده بيأكّل عيش؟هتلبسها وتغديها وتعشبها حب

ضحك بسخرية باهتة، ثم أضاف ببطء

-يا ابني إنت حتى مش قادر تجيب شبكة! هيبقى هتعيشها إزاى

انهارت الكلمات فوق قلب بهاء كأنها سكاكين.حاول التماسك، لكن صوته ارتجف رغمًا عنه

-أنا مش بطلب منك فلوس... أنا طالب بس إنك تديلي فرصة. الفرصة دي ممكن تغيّر حياتي.أنا مسافر وهشتغل ليل نهار وهبعتلك الفلوس اللى إنت عاوزها

أشار له الأب بيده كأن يصرفه، وقال بإصرار بارد

-لأ، ومش هتتغيّر قراري. جيلان مش هتتجوّزك. أنا مش شايفك راجل كفاية ليها.

للحظة، ساد صمت ثقيل...

ثم نهض بهاء، لا يدري كيف حملت قدماه جسده المرتعش.

خرج من المنزل كأن كل الأحلام تساقطت من على كتفيه.

ومع أول خطوة في الخارج، كانت تقف هناك...

جيلان.

ثابتة، تنتظره، وعيونها تتفحّص ملامحه المرتبكة، تبحث في وجهه عن أملٍ، ولو ضئيل.

وقفت أمامه، وسألته بعينين مرتجفتين

-عملت ايه قالّك لأ برضو؟

لم يرد.

مجرد دمعة لمعت في عينيه قالت كل شيء.

اقتربت منه، وضعت يدها على ذراعه، وقالت بهدوء، كمن يكتب عهدًا لا يُنكَر

-أنا مستنياك... حتى لو العمر كله..... واثقة فيك، وهافضل وراك لحد ما الأيام تغيّر اللي هو شايفه النهارده.

لم يستطع بهاء الرد، فقط رفع نظره إليها…

وفي عينيه بريق حزن، لكنه للمرة الأولى، شعر أن الحب قد يمنحه القوّة، ولو بعد حين.

✨✨✨✨✨✨✨✨

كان ضحك الأطفال يملأ أرجاء المنزل، يتناثر مثل الفرح في زوايا القلب، وحسن يلاعبهم برفق، يُدغدغ الصغير ويُحمل الكبرى على كتفيه، كأنما يحاول أن يختزن هذه اللحظات في قلبه قبل الرحيل. ومن بين ضحكاتهم، التفت نحو وفاء وسأل بنبرة تحمل ما بين الجد والمزاح:

– حضرتِ الشنطة يا وفاء؟ أنا مسافر بعد بكرة.

رفعت حاجبها ونظرت إليه بضيق خفيف، قبل أن ترد

– دي خامس مرة تسألني! آه حضرتها، ومقفولة كمان.

ثم سكتت لحظة، كأنها تختار كلماتها، قبل أن تردف

– بس بالله عليك يا حسن، خليك حريص... ما تصرفش إلا في الضروري. لمّ قرشك، إحنا مش عايزين غير سترتنا.

ابتسم بسخرية خفيفة، مرددا بتهكم

– وانتوا كمان هتوحشوني يا وفاء

لم تضحك، بل نظرت إليه بعينين فيهما قلق أكثر من لوم

– والله أنا بقول كده علشانك... علشان مصلحتك.

لم يرد، فقط أدار وجهه عنها وعاد لاحتضان أطفاله، كأنما يهرب منهم إلى دفئهم، يخبئ حزنه في صدورهم الصغيرة. لم يكن يفكر في الغربة ولا يحلم بها، لكنه رضخ أخيرًا تحت إلحاحها... فصار القرار يُثقل قلبه بدل أن يخفف عنهم

✨✨✨✨✨✨✨✨

جلست سالي على طرف السرير، تحاول أن تُحكم غلق الحقيبة، ويداها ترتجفان كأنما تغلق بها على قلبها، لا على ملابسها. كانت تكتم أنفاسها بين ضلوعها حتى لا تفلت دمعة، لكنها خانتها، وتسللت واحدة بصمت فوق خدها.

وقفت والدتها إلى جوارها، تُمسك بطرف وشاحها وكأنها تتشبث بصبرها، تُخفي رجفة قلبها خلف كلماتها:

– خليكِ دايمًا واخدة بالك من نفسك، يا بنتي... الغربة صعبة.

لم تحتمل سالي، انكسر صوتها، وارتمت في حضن أمها كطفلة أضناها الحزن:

– يا ماما، بالله عليكي... ما تسيبينيش، أنا مش عايزة أسافر... مش قادرة.

أشاحت الأم بنظرها بعيدًا، كأنها تهرب من نظرة ابنتها التي تشق القلب نصفين. حاولت أن تبدو قوية، لكن الكلمات خرجت منها مكسورة

– دي أوامر عمّك يا سالي، وإنتي عارفة إنه ماسك كل حاجة... لو رفضتي، ممكن...

قاطعتها سالي، وقد انفجرت دموعها:

– ساعتها تتخلي عن بنتك؟ علشان ما تتخليش عن الورث؟

ثم مسحت دموعها بكفها، وتنفست بعمق كأنها تخمد نيرانًا تشتعل بداخلها، وعادت لتُرتب الحقيبة، لكن قلبها كان هو من يبكي بصمت... لا الملابس.

لم يكن السفر اختيارًا، بل نفيًا مقنعًا من وطن الأم إلى عزلة العم، ومن دفء البيت الى برد المجهول

✨✨✨✨✨✨✨✨✨

كان يوسف ينحني فوق حقيبته، يطوي قمصانه بعناية، كأن كل قطعة يحملها تمثل خطوة في طريقٍ لم يكن يومًا سهلًا. وبينما يُحكم ترتيب أغراضه، كانت والدته تجلس على حافة السرير، يديها متشابكتان في حجرها، ودموعها تبلل وجنتيها في صمت مؤلم.

همست بصوت متهدج، مبحوح من كتم العبرات

– ما تسافرش يا ابني... خليك جنبنا، إحنا مش ناقصين فراق.

توقف يوسف لحظة، رفع رأسه إليها، بعينين فيهما حزن أكثر من تصميم، وقال بلين

– سنة... سنتين بالكثير، وارجع. أفتح المطعم اللي بحلم بيه من زمان. مش رايح أضيع وقتي، يا أمي.

هزت رأسها بيأس، ودموعها تنساب بلا توقف:

– ما إحنا نقدر نفتحلك المطعم هنا... إحنا شايلينلك من زمان.

تنهد يوسف، ثم ابتسم ابتسامة باهتة كأنها اعتذار

– دا جهاز أخواتي يا أمي، ما ينفعش ألمسه. وعدين... أنا راجع، مش رايح من غير رجعة.

عاد لينحني فوق الحقيبة من جديد، وكأن كلماته كانت فاصلاً ما بينه وبين البكاء، يستأنف ترتيب أحلامه المؤجلة، بينما أنين والدته يملأ الغرفة، أنين لا يُسمع إلا بقلب أم مكسور تخشى أن يخطف الغياب آخر سندٍ لها في الدنيا.

✨✨✨✨✨✨✨✨✨

بصوت مكتوم، أغلقت هاميس الحقيبة، لكن صوت القفل لم يكن نهاية لشيء، بل بداية لوجع جديد. جرحها ما زال ينزف بصمت، يثقل صدرها رغم محاولاتها في إخفائه خلف ابتسامة باهتة.

دفع والدها الباب بخفة ودخل، عيناه تبحثان عن إجابة في ملامحها المتعبة، وسألها بصوت منخفض، يشبه الرجاء:

– يعنى مصممة تسافري؟

تهربت هاميس من عينيه، كأن نظراته قادرة على اقتحام ما تخفيه خلف صبرها، ثم ردت بنبرة خافتة:

– حجزت فعلاً يا بابا... الطيارة بكرة.

لم يُجادلها، لم يعاتبها، فقط مدّ ذراعيه واحتضنها بقوة، كأنما يحاول أن يثنيها عن الرحيل بعناق، أو يداوي بها جرحًا لم يفلح الزمن في تهدئته.

ضمها إلى صدره، بينما كانت أنفاسها تتقطع، وألمها يتنفس من بين ضلوعها. لم يعد يملك سوى الدعاء، أن يكون السفر علاجًا لذلك الألم العالق في قلبها... أن تكون الغربة دواء، لا ندبة جديدة.

✨✨✨✨✨✨✨✨

يدور بعينيه في أرجاء تلك الشقة الصغيرة التي طالما ضجّت بالضحك، وشهدت أجمل أيام حياته مع زوجته. كانت جدرانها تحفظ همساتهما، خطواتهما، وحتى شجاراتهما الصغيرة التي تنتهي دائمًا بعناق. لكن السعادة لا تدوم، وتبقى الذكريات وحدها شاهدة على ما كان.

يتنهد وليد، كابتن الطيران الذي لا يهزم في السماء، لكنه مهزوم أمام فقدها. يحضر حقيبته استعدادًا لرحلة الغد، يحاول أن يشغل يديه ليُسكت ضجيج قلبه، ولا ينسى كعادته أن يضع قلم الأنسولين في جيب جانبي بعناية.

ينظر إلى صورتها فوق الرف، تبتسم له كما اعتادت، وكأنها تودعه في كل رحلة...

لكن هذه الرحلة مختلفة، فالقلب مثقل، والسماء لا تسع وجعه.

✨✨✨✨✨✨✨✨

يغلق خزنته التي تكاد تنفجر من رزم الأموال، يتفقدها بنظرات ممتلئة بالزهو، كأن الثراء وحده يمنحه الحياة. يشعر بلذة السلطة، بلذة أن يكون هو مَن يُقرض ويُقرر، من يُعطي ويأخذ أضعافًا مضاعفة.

تدخل ابنته في تلك اللحظة، نظراتها ممتزجة بين الحزن والخذلان، تراقب والدها بصمت قبل أن تنطق، بصوت خافت لكنه حازم:

-ربنا مش هيتوب عليك يا بابا... ده ربا، وعقابه كبير عند ربنا."

يرد عليها بلا اكتراث، وعيناه لا تزالان على المال

-أنا ما بعملش حاجة غلط... بسلف الناس مقابل فايدة، زيه زي البنك.

تهز رأسها بقلة حيلة، تعلم أنه لا يسمع سوى صوت المال، وأن قلبه أصبح محصنًا ضد النداء.

تتركه وهو يُحضّر حقيبته، فقد قرر السفر غدًا لأداء مناسك العمرة.

كم بدا المشهد متناقضًا... يداه تعبثان بالمال الحرام، وقلبه يدّعي الطهر في رحاب مكة.

لكنها تعرف... الله لا يُخدع.

Expand
Next Chapter
Download

Latest chapter

More Chapters
No Comments
7 Chapters
البارت الاول
كانت الغرفة كأنها تُحاكمه.جلس بهاء على الحافة القصوى للمقعد، ظهره مشدود، ويداه تتداخلان في ارتباكٍ ظاهر.كان الهواء ثقيلًا، كأن كل نفس يأخذه لا يكفيه، وعيناه مُعلقة بالرجل الذي جلس على الجانب الآخر، في وضع من يعرف أنه لا يُسأل، ولا يُجادل.-أنا بحبها... وبوعدك، لو وافقت، هتبقى أسعد بنت في الدنيا.خرج صوته مبحوحًا، محمّلًا بكل الرجاء الذي يملكه قلب شابٍ صادق.رفع والد جيلان عينيه إليه ببرود، كان جسده مرتاحًا في المقعد، لكن ملامحه متوترة بغرورٍ خفي.نظر إلى بهاء كما لو كان يقرأ سطرًا لا يعجبه.-ايه بتحبها؟ الحب لوحده بيأكّل عيش؟هتلبسها وتغديها وتعشبها حب ضحك بسخرية باهتة، ثم أضاف ببطء-يا ابني إنت حتى مش قادر تجيب شبكة! هيبقى هتعيشها إزاى انهارت الكلمات فوق قلب بهاء كأنها سكاكين.حاول التماسك، لكن صوته ارتجف رغمًا عنه-أنا مش بطلب منك فلوس... أنا طالب بس إنك تديلي فرصة. الفرصة دي ممكن تغيّر حياتي.أنا مسافر وهشتغل ليل نهار وهبعتلك الفلوس اللى إنت عاوزها أشار له الأب بيده كأن يصرفه، وقال بإصرار بارد-لأ، ومش هتتغيّر قراري. جيلان مش هتتجوّزك. أنا مش شايفك راجل كفاية ليها.للحظة، ساد صمت
last updateLast Updated : 2026-05-16
Read more
البارت الثانى
تدخل عليه كالعاصفة، عيناها تقدحان شررًا، ونبرتها لا تحتمل التأجيل:-هتسافر مع البت دي برضه؟!يتوقف لحظة، يكز على أسنانه بغضب مكتوم، ثم يتابع تجهيز حقيبته وهو يرد بحدة دون أن يلتفت-هي مش بتطلع معايا... دي موظفة في الشركة، وبيني وبينها مفيش حاجة.لكنها تعرفه... تعرف نظراته، وأكاذيبه المغلّفة بالمنطق.إنه محمود، مساعد الطيار الوسيم، متعدد العلاقات، الذي يتقن فن التلاعب بالحدود.يُجيد الفصل بين حياته الزوجية الرسمية، وبين نزواته التي تملأ رحلاته خارج البلاد.تتأمله بصمت، كأنها تنظر إلى رجل لم تعد تعرفه، رجل بات غريبًا في بيته، حاضرًا بجسده فقط.وفي قلبها سؤال يحترق:إلى متى تظل "الزوجة" مجرد محطة بين رحلاته؟✨✨✨✨✨✨✨✨✨✨انتهى الأب من حزم أمتعته، ثم التفت إلى ابنه شادي، وفي عينيه رجاء صامت، تمنى لو يسافر معه هذه المرة أيضًا.لكن شادي لم يردّ بالوعود... فقط اكتفى بابتسامة باهتة وهمسة مقتضبة-كفاية غربة، خليني أجرب مرة فى بلدى ولو منجحتش أكيد هحصلكوا كأن قلبه تعب، وكأن الوطن – رغم قسوته – بات أكثر احتمالًا من البعد.قبل الرحيل، احتضن شقيقته ليلى، تلك التي لم يفارقها يومًا، فشعر كأن شيئًا يُ
last updateLast Updated : 2026-05-16
Read more
البارت الثالث
نظر إليه الجميع بدهشة، مزيج من الغضب والذهول، وكأن كلماته طعنتهم وسط جراحهم.لكن وليد لم ينطق، فقط نظر إليهم جميعًا… يعلم أن القرار القادم ليس فقط إنقاذًا لحياتهم، بل إعادة حسابات لكل شيء ظنوا أنهم يعرفونه عن الحياة.تداخلت الأصوات…كلٌ يصرخ برأيه، كلٌ يرى النجاة من زاويته.ليلى تريد العودة… يوسف يرفض… سالى تبكي… وليد لا يجد أرضًا يقف عليها.وفجأة، شقّ صوت قوي الأجواء كالسهم-كفاية!!!كان أيمن، يقف في منتصف الممر، وجهه متعرق، عيونه مشتعلة بالغضب.صرخ فيهم-إحنا بنتخانق… وإحنا لسه محبوسين جوه الطيارة!حد واخد باله؟!... إحنا لسه ماخرجناش حتى… وكل واحد بيشد في اتجاهه!عمّ الصمت، لحظة نادرة، كأن الجميع تذكّروا أنهم على قيد الحياة فقط.في تلك اللحظة، التفت أيمن إلى شاب يجلس بالقرب من النافذة، لم يتحرك منذ بداية الأزمة.كان جالسًا في صمت تام، لا صراخ، لا دموع، لا اعتراض… فقط ساكن كأن الزمن لا يعنيه.اقترب منه أيمن ببطء وسأله بحذر:-إنت كويس؟ محتاج حاجة؟لم يجب الشاب.تقدّم يوسف أيضًا، جلس بجانبه، ولوّح له بيده في الهواء محاولًا التواصل بلغة الإشارة، كأنما يعتقد أنه لا يسمع أو لا يتكلم.لكن،
last updateLast Updated : 2026-05-16
Read more
البارت الرابع
بدت كلماتها وكأنها طرقت على باب السماء، أو ربما على جدران قلوبهم جميعًا، لتصمت الأصوات للحظة، يتسلل خلالها الخوف إلى أعماق كل منهم.انتفض وكيل أعمالها غاضبًا من كلماتها، ينهـرها بعصبية وهو يلوّح بيده-إنتي بتقولي إيه؟ اتلمي، ده مش وقت الكلام ده!لكن رزان لم تصمت، بل استدارت إليه بعينين يشتعلان وجعًا، تصرخ فيه دون اكتراث-اسكت! كفاية ذنب! إحنا جايين نغني ونرقص على أرض طاهرة... أرض ربنا، مش ملاهي ليلية!وسكبت دموعها فجأة، دافئة، غزيرة، تنساب مختلطة بالكحل المسكوب حول عينيها، لتخطّ سطرًا أسود على وجنتها، كأنها دموع تحمل وزر ذنب لا يُغتفر.ثم تابعت بصوت منكسر، تملأه رجفة الصدق-ده جزاؤنا... جزاء اللي كنا ناويين عليه... ربنا بيحاسبنا من قبل ما نبتدي.ساد صمت ثقيل، لم يجرؤ أحد على قطعه.كان المشهد أمام أعينهم يشبه مشهدًا مسرحيًا حيًا، لكن أبطاله لم يكونوا ممثلين... كانت قلوبهم هي التي تمثّل.ارتسم التأثر في وجوه الجميع، وكأن كل منهم تذكّر ذنبًا دفنه داخله.تقدمت سعاد منها بخطى مترددة، ثم احتضنتها بقوة كأنها تحاول أن تنتشلها من غرقها الداخلي، تمسح بيدها على شعرها هامسة-اهدي يا رزان... ربنا
last updateLast Updated : 2026-05-19
Read more
البارت الخامس
لكن بهاء، الذي لم يرَ في هذا كله سوى عقبة جديدة بينه وبين جيلان، شق الصفوف بانفعال، يلوّح بذراعه قائلاً-بوابة زمن إيه! الأفلام سيطرت على تفكيرك خلاص؟!أما يوسف، فكان يتلفت حوله كمن يبحث عن مخرج وهمي، يهمس لنفسه وكأنه يتمسك بذرة عقل-يا رب يكون ده خيال... أكيد دي قبيلة في سينا... أكيد.راغب ظل صامتًا، عيناه تراقبان الرجل الغريب، لكن داخله كان صاخبًا. لم يعد واثقًا من شيء.أما ليلى، فلم تحتمل كل هذا التوتر، فهرعت إلى حضن والدتها باكية، لا تنطق إلا برجاء واحد-عايزة أشوف أخويا... عاوزة شادى ربت أيمن على كتفها برفق، صوته مزيج من القوة والحنان-اهدَي يا حبيبتي... هنرجع انكمشت سالي على نفسها كطفلة صغيرة هاربة من كابوس، لم تقوَ على كبح دموعها أكثر، فانفجرت تنهيدةً وانكسارًا.اقتربت هاميس منها، تضمها برفق وتهمس بكلمات غير مكتملة، كأنها تحاول احتضان جراحها قبل أن تمسح دموعها.أما حسن، فقد شعر أن الأرض تذوب تحت قدميه، وكأن ساقيه تحوّلتا إلى هلام لا يقوى على حمله.نظر في الفراغ، صوته بالكاد يُسمع-ولادي... ولادي هيعيشوا إزاي؟ ووفاء... هتربيهم لوحدها؟ساد صمت ثقيل بين الجميع، صمت لم يكن هدوءًا
last updateLast Updated : 2026-05-19
Read more
البارت السادس
كانت الركوبة أشبه بصندوق خشبي أنيق يستقر فوق عجلات خشبية ملونة، تتناثر على جوانبه باقات من الزهور البرية بعشوائية خلابة. يجرها مخلوق غريب يشبه الحمار الوحشي، إلا أن تموجاته لم تكن سوداء وبيضاء، بل زرقاء وبرتقالية، فيما تشبه رأسه رأس حصان، لكن بحجم يفوقه قليلًا، كأنما وُلد من رحم الخيال.تطلع إليهم السائق بنظرة فضولية، قبل أن يومئ لهم بالصعود. اعتلوا العربة واحدًا تلو الآخر، لتنطلق بهم في طريق رملي بدا مستحيلًا أن يكون بهذا القدر من السلاسة. الطريق مستقيم، كأنه مفروش بأمان خفي، والمشهد من حولهم يزداد غرابة وجمالًا في آنٍ معًا.مروا بحدائق واسعة تتفتح فيها أزهار لم يروا مثلها من قبل، بألوان لا تحملها الطبيعة في عالمهم القديم. وعلى أحد الجوانب، بدا منحل ضخم يعج بالحركة، وكأن النحل فيه يعيش وفق نظام صارم ودقيق.ثم ظهرت أمامهم بحيرة رقراقة، تحيطها أسوار خشبية، مياهها تلمع تحت الشمس وكأنها مرآة من زجاج صافي. وعلى الضفة الأخرى، تقف منازل فريدة، ذات طراز معماري لا يشبه أي شيء مألوف؛ جدرانها مطلية بألوان باهتة راقية، وأسقفها مغطاة بألواح معدنية لامعة تلمع تحت الشمس كأنها تتنفس ضوءها.كانت الجز
last updateLast Updated : 2026-05-20
Read more
البارت السابع
وهنا أدهم قاطعها، صوته غاضب كأنه يواجه الحقيقة لأول مرة-نسيتي كلام الشيخ؟ قال محدش بيخرج من الجزيرة... غير اللي ماتوا فعلاً في الطيارة.تجحظ عينا هاميس، وتصرخ وقد تجمّدت الدماء في عروقها-يعني إحنا اتحبسنا هنا؟! مش هنشوف أهالينا تاني؟!تدخل أيمن بسرعة، يحاول الإمساك بزمام الموقف، ولو بكلمة تهدّئ العاصفة-استنوا... ما نسبقش الأحداث. يمكن لسه في تفسير.تتحول الأنظار نحو وليد، كأن الجميع يحمّله عبء الإجابة، ينتظرون منه كلمة تعيد لهم التوازن.يتنهد وليد، يحاول ترتيب أفكاره، ثم يقول بنبرة باردة كالحقيقة-كان فيه عطل في الطيارة... فقدنا الاتصال من وقتها... ما كنتش متأكد إحنا فين ولا إزاي حصل ده.يتسرب الصمت كالدخان، يخنق الحناجر، وتخبو الهمهمات.فجأة، يشق السكون صوت الغلام الصغير، مرتفعًا بإعلان مهيب-ابن القمر... قادم✨✨✨✨✨✨✨ذهبت لزيارتها تحمل في قلبها ثقل الخبر... كانت تعرف كم كانت جيلان تعشق بهاء، حد الوله، حد اللاعودة.طرقت الباب بخفة، فتحت لها جيلان بابتسامة باهتة، ووجه خالٍ من أي أثر للدموع.جلست بجوارها محاولة أن تستشف حزنها، أن تواسيها، لكن شيئًا ما كان غريبًا... جيلان لم تكن تبكي
last updateLast Updated : 2026-05-20
Read more
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status