Home / التشويق / الإثارة / حب خلف الجدران / ​الفصل الثاني: موازين الصمت والعائلة

Share

​الفصل الثاني: موازين الصمت والعائلة

last update Huling Na-update: 2026-03-09 15:37:31

عاد غيث إلى البيت في وقت متأخر من المساء، كانت أضواء الشارع بدأت تتوهج، والهدوء يخيم على الحي. دخل ليجد والده، العسكري المتقاعد، يجلس في مكانه المعتاد، يراقب نشرة الأخبار بجدية تامة. ساد صمت طويل، وهو الصمت الذي اعتاد عليه غيث في حضرة والده؛ صمت يعبر عن الاحترام المتبادل لكنه يخفي تحته حواجز من الصرامة. "كيف كانت حالة الموقع اليوم؟ هل انتهيتم من فحص التربة؟" سأل الأب دون أن يشيح بنظره عن الشاشة. أجاب غيث باختصار ووضوح مهني: "نعم يا والدي، النتائج ممتازة وسنبدأ في صب القواعد الخرسانية مطلع الأسبوع المقبل، كل شيء يسير حسب المخطط". أومأ الأب برأسه علامة الرضا، وكان هذا التفاعل المقتضب يمثل ذروة الحوار بينهما. دخلت الأم وهي تحمل طبقاً من الفاكهة، بابتسامتها التي تذيب جليد أي جلسة، وقالت وهي تنظر لغيث: "رؤى سألت عن صحة والدك حين رأيتها عند البقال اليوم، إنها فتاة بارّة ومهذبة جداً".

​شعر غيث بوخزة مألوفة في قلبه، لكنه حافظ على ثباته الانفعالي المهني، واكتفى بهز رأسه قائلاً: "هذا من أصلها يا أمي". كان يتمنى لو يسأل المزيد، لو يعرف كيف كان شكلها، هل كانت تبدو متعبة؟ هل ابتسمت وهي تنطق باسم العائلة؟ لكنه فضل الصمت، ففي حضرة والده، أي اهتمام زائد بجنس الجنس الآخر قد يُفسر على أنه ضعف أو خروج عن النص الانضباطي. انسحب إلى غرفته بحجة متابعة بعض المخططات الهندسية العاجلة، وهناك اتصل بصديقه "علي". علي هو الشخص الوحيد في شلة الأصدقاء الذي يمتلك حساً واقعياً ويلاحظ التفاصيل التي يغفل عنها الآخرون. "أنت لست معي في الحسابات يا غيث، رأيتك اليوم في الموقع تنظر إلى الأفق أكثر مما تنظر إلى المخطط" قال علي بهدوء. حاول غيث المراوغة: "مجرد ضغط عمل يا علي، تعلم أن المشروع كبير والمسؤولية ثقيلة". رد علي بنبرة ذات مغزى: "المسؤولية ثقيلة نعم، لكن القلب حين يثقل يجعل حتى الجبال تبدو خفيفة. لا تحاول خداعي، أنا أعرف متى يكون المهندس غارقاً في الأرقام ومتى يكون غارقاً في شيء آخر". أغلق غيث الخط وهو يبتسم بمرارة، مدركاً أن أسواره التي بناها حول مشاعره بدأت تظهر فيها شقوق صغيرة. وقف أمام نافذته، يراقب البيت المقابل، كانت نافذة رؤى مضاءة بنور خافت، مما يعني أنها ربما تقرأ أو تراجع ملفاتها الطبية. فكر في حياتها المنضبطة، وفي الشبه الكبير بين عائلتيهما، وأدرك أن الاقتراب منها ليس مجرد قرار عاطفي، بل هو رحلة عبر حقول من الألغام العائلية والاجتماعية التي تتطلب منه أن يكون مهندساً بارعاً في بناء الجسور البشرية، لا الجسور الخرسانية فقط.

في مساء اليوم التالي، اجتمع غيث مع أصدقائه في مقهى يطل على الساحة العامة للحي. كان "أحمد" يملأ المكان ضجيجاً بقصصه المضحكة ومغامراته التي لا تنتهي مع الزبائن في معرض السيارات الذي يعمل فيه. كان أحمد النقيض تماماً لغيث؛ فهو صاخب، مندفع، ولا يتردد في قول ما يخطر بباله. "يا غيث، أنت تعيش في صومعة! اخرج من هذه الحالة، الحياة قصيرة" قال أحمد وهو يضرب الطاولة بحماس. غيث كان يبتسم بهدوء، يراقب الناس المارين، وعقله يحلل زوايا الرؤية ومساحات الحركة، وهي عادة مهنية لا تفارقه. فجأة، توقف أحمد عن الكلام وأشار بيده: "انظروا، أليست هذه رؤى وصديقاتها؟ يبدو أنهن خرجن للتنزه بعد عناء المستشفى". التفت غيث ببطء، محاولاً إخفاء لهفته، ورآها. كانت تمشي بوقار وهدوء، تتحدث مع دينا وهناء، وتبدو في تلك اللحظة وكأنها تنتمي لعالم آخر بعيد عن ضجيج المقهى وصراخ الشباب.

​مرت رؤى بجانب المقهى، وتلاقت عيناها بعيني غيث. كانت لحظة خاطفة، لكنها كانت مشحونة بتوتر عاطفي غير مرئي. أومأت برأسها تحية للجميع، لكن نظرتها لغيث كانت تحمل عتاباً صامتاً أو ربما تساؤلاً لم يجد جواباً. لم يستطع أحمد تفويت الفرصة، فقال بصوت مسموع قليلاً: "مساء الخير يا آنسة رؤى، الله يعينكم على تعب المستشفى". ردت برقة متناهية: "مساء النور، شكراً لك"، ثم تابعت طريقها. شعر غيث بضيق شديد؛ فهو يكره أن تكون رؤى تحت مجهر أصدقائه، ويريد أن تبقى تلك العلاقة الصامتة بينهما بعيدة عن التعليقات العابرة. "أحمد، التزم بحدودك" قال غيث بنبرة حازمة جعلت أحمد يصمت لثوانٍ. تدخل علي لتهدئة الموقف: "غيث محق، رؤى ابنة جيراننا ويجب أن نحترم خصوصيتها". عاد الصمت للمجموعة، لكن داخل غيث كان هناك صخب لا يهدأ. كان يفكر في تلك النظرة، وفي كيف أنها استطاعت في ثانية واحدة أن تهدم كل الأسوار التي بناها طوال اليوم. من جهتها، كانت رؤى تشعر بحرارة في وجهها وهي تبتعد مع صديقاتها. "هل رأيتِ كيف نظر إليكِ غيث؟" همست دينا بمكر. لم تجب رؤى، بل اكتفت بالنظر إلى الأفق، متسائلة لماذا يشعرها وجود غيث في أي مكان بأنها مراقبة ومحمية في آن واحد. هذا التوتر الذي ينمو بينهما ببطء بدأ يصبح جزءاً من يومها، جزءاً تنتظره وتخشاه في آن واحد، تماماً كالعلاجات التي تمنحها للمرضى؛ مؤلمة أحياناً لكنها ضرورية للشفاء. عادت إلى منزلها وهي تفكر في أن هذه المواقف العابرة بدأت تتحول إلى لحظات مفصلية في حياتها، وأن صمت غيث بدأ يصبح أعلى من أي كلام سمعته في حياتها.

Patuloy na basahin ang aklat na ito nang libre
I-scan ang code upang i-download ang App

Pinakabagong kabanata

  • حب خلف الجدران   الفصل العاشر: عرس الجسد والروح

    جاءت ليلة الزفاف المنتظرة، تلك الليلة التي لم تكن مجرد احتفال عائلي، بل كانت إعلاناً عن انتصار الصبر على سنوات الانتظار الصامت. كان الحي القديم يضج بالفرح، ووالد غيث يقف باستقامة عسكرية فخوراً بابنه الذي بنى مستقبله بيديه، بينما كانت والدة رؤى تذرف دموع الفرح وهي ترى ابنتها تتألق بالثوب الأبيض الذي طالما حلمت به. بعد انتهاء الصخب والتهاني، وجد غيث ورؤى نفسهما أخيراً خلف باب شقتهما، المكان الذي شهد أولى خطوات تقاربهما الحقيقي. ساد سكون عميق ودافئ، لم يعد فيه مكان للارتباك؛ فكل شيء في المكان كان يهمس باسمهما، وكل زاوية كانت شاهدة على تطور علاقتهما من نظرات عابرة إلى ميثاق أبدي.​خلعت رؤى وشاحها الأبيض، وبدت في عين غيث كأجمل حقيقة لمسها في حياته. لم يعد غيث المهندس الذي يحسب الزوايا والمسافات، بل أصبح العاشق الذي يذوب في تفاصيل رفيقة دربه. اقترب منها بهدوء، وأمسك يديها اللتين طالما داوتا جراح الآخرين في المستشفى، وقبلهما بعمق. "أنتِ الآن في بيتكِ، يا رؤى.. أنتِ الآن بيتي" قالها بصوت مفعم بالعاطفة الصادقة. في تلك الليلة، تحولت العلاقة الحميمية بينهما إلى لغة تعبير قصوى عن الانتماء؛ لم يكن

  • حب خلف الجدران   الفصل التاسع: زعزعة الأركان واختبار الثقة

    لم تكن الحياة لتهدأ طويلاً، فبينما كان غيث ورؤى يعيشان أجمل أيام استقرارهما، بدأت الغيوم تتلبد في سماء عمل غيث. زميله "منذر"، الذي كان يحمل ضغينة قديمة تجاه نجاحات غيث، استطاع التلاعب ببعض التقارير الهندسية الخاصة بسلامة التربة في المشروع الأخير، وسرّب معلومات مغلوطة لوالد غيث وللمستثمرين توحي بأن هناك إهمالاً جسيماً قد يؤدي لانهيار البناء. سقط الخبر كالصاعقة على غيث، الذي وجد نفسه في مواجهة تحقيق رسمي وضغط هائل من والده الصارم الذي اعتبر هذا "خدشاً لشرف العائلة المهني". في الوقت ذاته، كانت رؤى تواجه أزمة في المستشفى بعد فقدان ملفات طبية حساسة في قسمها، وبدأت أصابع الاتهام تشير نحو تقصير إداري من جانبها. كان التوقيت مريباً، وكأن هناك يداً خفية تحاول هدم استقرارهما من جهتين مختلفتين.​اجتمع الأصدقاء في شقة غيث في ليلة مشحونة بالتوتر. كان أحمد يغلي من الغضب ويريد مواجهة منذر جسدياً، لكن علي، بهدوئه المعهود، كان يراجع الأوراق والبيانات الرقمية. "هناك ثغرة في التواريخ يا غيث، التوقيع ليس توقيعك، والبيانات تم تعديلها برمجياً" قال علي بلهجة واثقة. في هذه الأثناء، كانت دينا وهناء تساندان رؤى

  • حب خلف الجدران   الفصل الثامن: التحام الأرواح في سكون الليل

    بعد إتمام مراسيم الخطوبة الرسمية ومباركة العائلتين، انتقلت علاقة غيث ورؤى إلى فضاء جديد من الحرية لم يعهداه من قبل. لم تعد اللقاءات مقتصرة على نظرات خاطفة عبر الشرفة، بل أصبحت شقة غيث الجديدة هي الملاذ الذي يجمعهما بعيداً عن أعين الرقابة الصارمة. في إحدى الليالي الهادئة، حيث كان ضوء القمر يتسلل بنعومة من خلال الستائر شبه المغلقة، جلس الاثنان في الصالة التي تفوح برائحة البخور والسكينة. كان غيث يتأمل رؤى التي بدت في قمة أنوثتها وهدوئها، وشعر بأن كل الأسوار التي بناها والده حوله قد تلاشت أمام رقة حضورها. لم يعد هناك حاجة للكلام؛ فاللغة التي تربط بينهما الآن أصبحت أعمق من الحروف.​اقترب غيث منها، ووضع يده على كتفها بحنو، فشعرت رؤى بحرارة تسري في جسدها، حرارة لم تكن غريبة عنها بل كانت تنتظرها منذ سنوات الصمت الطويلة. في تلك اللحظات، تحول التوتر العاطفي إلى نوع من الالتحام الروحي الذي لا يحتاج لاستئذان. كان غيث يشعر بمسؤوليته تجاهها، ليس فقط كمهندس يحمي بناءه، بل كرجل يحمي أنثاه ويحتوي مخاوفها. ومع تصاعد نبضات قلبهما، بدأت المسافات تذوب تماماً؛ فكل لمسة كانت تحكي قصة اشتياق مكبوت، وكل نظرة

  • حب خلف الجدران   الفصل الثامن: عاصفة في بيت الانضباط

    ​لم يعد الصمت ممكناً بعد أن أصبحت مشاعر غيث ورؤى حقيقة واقعة تتنفس في رسائلهما اليومية. قرر غيث أن الوقت قد حان لمواجهة والده، العسكري المتقاعد الذي يقدس الأصول والتراتبية. دعا غيث والديه لتناول العشاء في شقته الجديدة، وطلب منهم أن تكون عائلة رؤى حاضرة أيضاً بحجة "مباركة السكن". كان التوتر يملأ أركان الشقة؛ فغيث يعلم أن أي خطأ في طرح الموضوع قد يغلق الأبواب لسنوات. وصلت رؤى مع والديها، وكانت تبدو في غاية الأناقة والارتباك، تتبادل نظرات سريعة مع غيث وكأنها تستمد منه القوة. بعد العشاء، وبينما كان الجميع يرتشف القهوة، ساد صمت مفاجئ، فقرر غيث أن يلقي بحجره في المياه الراكدة. "والدي، عمي.. لقد بنيتُ هذا البيت بفضل الله ثم بفضل تشجيعكم، لكنني اليوم أشعر أن جدرانه لن تكتمل إلا بوجود رفيقة تليق به" قال غيث بنبرة ثابتة رغم تسارع نبضه.​توقف الأب عن شرب قهوته، ونظر لغيث بعيون صقرية فاحصة. "وماذا تقصد يا بني؟" سأل الأب بصوت رخيم هز كيان الحاضرين. وقف غيث بجانب مقعد رؤى وقال بوضوح: "أقصد أنني أطلب يد ابنة الأصول، رؤى، لتكون شريكة حياتي. نحن جيران وأهل، ولا أجد من هي أكمل منها خلقاً وديناً". ساد ص

  • حب خلف الجدران   ​الفصل السابع: انكسار حاجز الصمت

    كانت ليلة هادئة في المجمع السكني الجديد، حيث تنعكس أضواء المدينة على زجاج شرفة غيث الذي كان يقف متأملاً في المسافة التي قطعتها مشاعره. دعا غيث رؤى لزيارة الشقة بحجة تسليمها بعض الأوراق التي تخص والدها، لكنه كان يعلم أن هذه مجرد ذريعة لقول ما لم يقله منذ الطفولة. حين وصلت رؤى، كانت تبدو مرتبكة قليلاً، ترتدي معطفاً طويلاً يقيها من نسمات المساء الباردة. دخلا إلى الصالة، وساد صمت ثقيل لم يقطعه سوى صوت أنفاسهما المتسارعة. لم يجلس غيث، بل وقف أمام النافذة الكبيرة والتفت نحوها ببطء، كانت ملامحه تحمل جدية المهندس وصبر العاشق. "رؤى، لقد قضيتُ عمري كله أبني جدراناً وأصمم جسوراً، لكنني اكتشفتُ أن أصعب بناء قمتُ به هو هذا الصمت الذي أضعه بيني وبينكِ" قال غيث بصوت رخيم يحمل نبرة لم تعهدها منه من قبل.​توقفت رؤى عن العبث بحقيبتها، ورفعت عينيها نحوه، كان قلبها يدق بعنف لدرجة أنها ظنت أنه مسموع في الغرفة. تابع غيث بخطوات واثقة اقترب بها منها: "أنا لا أريد أن أكون مجرد جار، ولا أريد أن تكوني مجرد ابنة أصول أحترمها. أنا معجب بكِ منذ أن كنا نركض في الشارع القديم، وهذا البيت لم أبنهِ لأسكنه وحدي، بل بنيت

  • حب خلف الجدران   الفصل السادس: تكتل الأصدقاء في "بيت العزوبية"

    انتقل غيث أخيراً إلى شقته الجديدة، وفي عطلة نهاية الأسبوع الأولى، اجتمع الأصدقاء لمساعدته في ترتيب الأثاث الثقيل وإضفاء لمسة "حياة" على المكان. كان أحمد كعادته يملأ الشقة بالضحك والتعليقات الساخرة على اختيار غيث للألوان الداكنة، بينما كان علي يعمل بصمت ودقة في تركيب الأرفف الخشبية. "يا رجل، هذه الشقة تحتاج إلى لمسة أنثوية فوراً، تبدو وكأنها ثكنة عسكرية مصغرة!" صرخ أحمد وهو يحاول حمل أريكة بمفرده. ابتسم غيث وهو ينظر للمكان بتمعن، وفكر في كلمات رؤى عن الستائر والألوان. لم يكد ينهي تفكيره حتى طُرق الباب، ليدخل "أحمد" و"علي" ومعهما مفاجأة؛ لقد رتبوا مع دينا وهناء (صديقات رؤى) ليأتوا جميعاً للمساعدة في "افتتاح" الشقة ضمن زيارة عائلية مصغرة ضمت أيضاً والدة غيث ورؤى.​دخلت الفتيات الشقة، وتحول المكان فوراً من "ثكنة" إلى ورشة عمل مبهجة. كانت دينا تمازح أحمد وتتحداه في تركيب بعض قطع الأثاث، بينما كانت هناء تساعد علي في ترتيب المطبخ. أما غيث ورؤى، فقد وجدا نفسيهما في زاوية الشرفة يطلان على أنوار المدينة. "المكان جميل جداً، يا غيث، فيه الكثير منك" قالت رؤى وهي تلمس سياج الشرفة. شعر غيث بفخر كبير

Higit pang Kabanata
Galugarin at basahin ang magagandang nobela
Libreng basahin ang magagandang nobela sa GoodNovel app. I-download ang mga librong gusto mo at basahin kahit saan at anumang oras.
Libreng basahin ang mga aklat sa app
I-scan ang code para mabasa sa App
DMCA.com Protection Status