حب خلف الجدران

حب خلف الجدران

last updateLast Updated : 2026-03-10
By:  عبدالرحمن محمدUpdated just now
Language: Arab
goodnovel16goodnovel
Not enough ratings
11Chapters
7views
Read
Add to library

Share:  

Report
Overview
Catalog
SCAN CODE TO READ ON APP

في مدينةٍ تحكمها العادات قبل القلوب، يلتقي قلبان لم يختارا مصيرهما. هي ممرضة كرّست حياتها لشفاء الآخرين، وهو مهندس يبني الجسور والطرق… لكن كليهما يقف عاجزًا أمام جسرٍ واحدٍ لا يستطيع عبوره. جمعهما القدر في بيتٍ واحد كأخوين غير شقيقين، لكن مع مرور السنوات بدأ الشعور بينهما يتجاوز حدود الأخوّة. حبٌ صادق ينمو في صمت، يخشاه القلب ويخفيه العقل، لأن المجتمع لا يرى فيه سوى خطأ لا يُغتفر. بين واجبها الإنساني في إنقاذ الأرواح، وسعيه لبناء المستقبل، يجدان نفسيهما أمام سؤالٍ واحد: هل يمكن للحب أن ينجو عندما يصبح وجوده نفسه جريمة في أعين الجميع؟ هذه قصة قلبين عالقين بين ما يشعران به… وما يُسمح لهما أن يعيشاه

View More

Chapter 1

الفصل الأول: انضباط الفجر وظلال الذاكرة

استيقظ غيث قبل موعد منبه ساعته الرقمية بخمس دقائق كاملة، وهي عادة موروثة غرسها فيه والده العسكري المتقاعد الذي كان يرى في الانضباط الصباحي أولى خطوات الرجولة والنجاح. ساد سكون عميق في غرفته التي تعكس ملامح شخصيته الهادئة والمحللة؛ مكتب خشبي عريض مغطى بمخططات هندسية معقدة، ومجموعة من الكتب التقنية المرتبة بعناية، وفي الزاوية المقابلة، ركن مخصص لبعض الأثقال الرياضية التي اعتاد رفعها يومياً ليحافظ على بنيته القوية وأكتافه العريضة التي تمنحه حضوراً مهيباً في مواقع العمل. قام غيث بروتينه المعتاد بصمت، ارتدى ملابس العمل الميدانية المتينة، وخرج إلى الصالة الواسعة ليجد والده جالساً بظهره المستقيم المعهود، يطالع الجريدة الورقية تحت ضوء خافت، وكأنه يراجع تقارير استخباراتية لا تقبل الخطأ. لم يتبادلا الكثير من الكلمات، فإيماءة الرأس الرزينة من الوالد كانت تعني "صباح الخير" وتحمل في طياتها أمراً ضمنياً بأن يكون يوماً منتجاً.

​توجه غيث نحو المطبخ حيث كانت والدته، تلك الكتلة من الحنان والهدوء، تحضر القهوة. وضعت يدها على كتفه بحنو وهي تهمس بصوت منخفض: "رؤى عادت متأخرة جداً من وردية الليل في المستشفى، يبدو أنها كانت ليلة صعبة، حاول ألا تصدر ضجيجاً بصوت محرك سيارتك وأنت تخرج". تجمدت حركة غيث لثانية واحدة عند سماع اسمها؛ رؤى، الفتاة التي كانت تركض معه في طرقات هذا الحي حين كانت الأحلام بسيطة، أصبحت الآن الممرضة المسؤولة التي يراها لماماً، لكن حضورها في ذهنه لا يغيب. لم يكن إعجابه بها مجرد نزوة، بل كان شعوراً تراكمياً يشبه نمو الأشجار المعمرة، جذوره ضاربة في أعماق طفولته، وأغصانه ترفض الاعتراف بالعلن. خرج من البيت بخطوات حذرة، وحين فتح باب سيارته، لمح طيفاً يتحرك خلف ستارة النافذة المقابلة. كانت رؤى تفتح النافذة لتستقبل هواء الصباح البارد بعد ليلة مضنية. تلاقت نظراتهما عبر الشارع الضيق لثانية واحدة كانت كفيلة بجعل نبضات قلبه تتسارع بشكل لا يتناسب مع هدوئه الظاهري. لم يبتسم، ولم تلوح هي، بل كان صمتاً متبادلاً يحمل في طياته آلاف التساؤلات المؤجلة. قاد سيارته بعيداً، وهو يشعر بأن تلك النظرة ستظل تراوده طوال يومه الهندسي الطويل، متسائلاً في سره عن حجم التعب الذي تخفيه خلف عينيها الجميلتين، وعن الطريقة التي ستمكنه يوماً ما من عبور هذا الشارع الفاصل بينهما، ليس كجار فقط، بل كشخص يشاركها هذا الثقل الصامت الذي يحمله في صدره منذ سنوات طويلة دون أن يجرؤ على البوح به لأحد، حتى لنفسه.

في الركن الآخر من المدينة، كانت رؤى تسير في ممرات المستشفى الطويلة، حيث تختلط روائح المعقمات برائحة القلق الذي يسكن وجوه الزوار. كانت خطواتها ثابتة، ترتدي معطفها الأبيض الذي يمنحها وقاراً يتجاوز سنوات عمرها الشابة. رؤى لم تكن مجرد ممرضة، بل كانت الشخص الذي يلجأ إليه الجميع حين يشتد الضغط، فهي تمتلك تلك القدرة العجيبة على البقاء هادئة وسط العواصف. انضمت إليها صديقتها المقربة "دينا" التي كانت تحمل كوبين من القهوة الساخنة، وقالت بنبرة تمزج بين المزاح والجد: "رؤى، لقد رأيتُ جاركم المهندس، غيث، وهو يغادر منزله صباحاً. هل لاحظتِ كيف أصبح يشبه أبطال الروايات ببنيته تلك؟ لقد كان ينظر نحو نافذتك وكأنه ينتظر معجزة". حاولت رؤى أن تحافظ على ملامحها الجامدة وهي تأخذ كوب القهوة، مجيبة ببرود مدروس: "غيث جار قديم يا دينا، ومن الطبيعي أن يراقب الطريق وهو يخرج، لا تحولي كل حركة عادية إلى قصة سينمائية".

​لكن في أعماقها، كانت كلمات دينا تلمس وتراً حساساً تحاول رؤى دائماً تجاهله. هي تعرف غيث جيداً، تعرف صمته ورزانته، وتعرف أن نظراته ليست عابرة أبداً. انضمت إليهما "هناء"، الصديقة الثالثة التي تعمل معهما في قسم الطوارئ، وبدأن الحديث عن ضغوط العمل وحالات المرضى المتزايدة. كانت رؤى تستمع لهما بتركيز، لكن خيالها كان يهرب بين الحين والآخر إلى تلك اللحظة الصباحية عند النافذة. تذكرت كيف كان غيث في صغرهما يحميها من مضايقات الأطفال الآخرين، وكيف كان يكتفي بالوقوف بعيداً بعد أن يطمئن على سلامتها دون أن ينتظر شكراً. هذا الانجذب غير الواضح الذي تشعر به نحوه يخيفها أحياناً؛ فهي مشغولة ببناء مستقبلها المهني، ومسؤولة عن راحة والديها، ولا تجد في قلبها متسعاً للمغامرات العاطفية غير محسوبة النتائج. ومع ذلك، هناك شيء في هدوء غيث يمنحها شعوراً بالأمان لا تجده حتى في بيتها. انتهت ورديتها الطويلة، ووقفت أمام مرآة غرفة التبديل تعدل حجابها، رأت في عينيها انعكاساً لامرأة تحاول إقناع نفسها بأنها لا تنتظر شيئاً، بينما الحقيقة هي أنها في كل مرة تعود فيها إلى الحي، تبحث عيناها تلقائياً عن سيارته أو عن طيفه خلف الباب. خرجت من المستشفى وهي تحمل على كتفيها تعب اليوم وأسئلة الغد، مدركة أن حياتها التي تبدو رتيبة ومنظمة، بدأت تشهد اضطراباً خفياً سببه رجل لا يتكلم كثيراً، لكن حضوره يملأ الفراغات التي لم تكن تعلم بوجودها في روحها المنهكة من ضجيج المستشفى وأوجاع الناس.

Expand
Next Chapter
Download

Latest chapter

More Chapters
No Comments
11 Chapters
الفصل الأول: انضباط الفجر وظلال الذاكرة
استيقظ غيث قبل موعد منبه ساعته الرقمية بخمس دقائق كاملة، وهي عادة موروثة غرسها فيه والده العسكري المتقاعد الذي كان يرى في الانضباط الصباحي أولى خطوات الرجولة والنجاح. ساد سكون عميق في غرفته التي تعكس ملامح شخصيته الهادئة والمحللة؛ مكتب خشبي عريض مغطى بمخططات هندسية معقدة، ومجموعة من الكتب التقنية المرتبة بعناية، وفي الزاوية المقابلة، ركن مخصص لبعض الأثقال الرياضية التي اعتاد رفعها يومياً ليحافظ على بنيته القوية وأكتافه العريضة التي تمنحه حضوراً مهيباً في مواقع العمل. قام غيث بروتينه المعتاد بصمت، ارتدى ملابس العمل الميدانية المتينة، وخرج إلى الصالة الواسعة ليجد والده جالساً بظهره المستقيم المعهود، يطالع الجريدة الورقية تحت ضوء خافت، وكأنه يراجع تقارير استخباراتية لا تقبل الخطأ. لم يتبادلا الكثير من الكلمات، فإيماءة الرأس الرزينة من الوالد كانت تعني "صباح الخير" وتحمل في طياتها أمراً ضمنياً بأن يكون يوماً منتجاً. ​توجه غيث نحو المطبخ حيث كانت والدته، تلك الكتلة من الحنان والهدوء، تحضر القهوة. وضعت يدها على كتفه بحنو وهي تهمس بصوت منخفض: "رؤى عادت متأخرة جداً من وردية الليل في المستشفى
last updateLast Updated : 2026-03-09
Read more
​الفصل الثاني: موازين الصمت والعائلة
عاد غيث إلى البيت في وقت متأخر من المساء، كانت أضواء الشارع بدأت تتوهج، والهدوء يخيم على الحي. دخل ليجد والده، العسكري المتقاعد، يجلس في مكانه المعتاد، يراقب نشرة الأخبار بجدية تامة. ساد صمت طويل، وهو الصمت الذي اعتاد عليه غيث في حضرة والده؛ صمت يعبر عن الاحترام المتبادل لكنه يخفي تحته حواجز من الصرامة. "كيف كانت حالة الموقع اليوم؟ هل انتهيتم من فحص التربة؟" سأل الأب دون أن يشيح بنظره عن الشاشة. أجاب غيث باختصار ووضوح مهني: "نعم يا والدي، النتائج ممتازة وسنبدأ في صب القواعد الخرسانية مطلع الأسبوع المقبل، كل شيء يسير حسب المخطط". أومأ الأب برأسه علامة الرضا، وكان هذا التفاعل المقتضب يمثل ذروة الحوار بينهما. دخلت الأم وهي تحمل طبقاً من الفاكهة، بابتسامتها التي تذيب جليد أي جلسة، وقالت وهي تنظر لغيث: "رؤى سألت عن صحة والدك حين رأيتها عند البقال اليوم، إنها فتاة بارّة ومهذبة جداً".​شعر غيث بوخزة مألوفة في قلبه، لكنه حافظ على ثباته الانفعالي المهني، واكتفى بهز رأسه قائلاً: "هذا من أصلها يا أمي". كان يتمنى لو يسأل المزيد، لو يعرف كيف كان شكلها، هل كانت تبدو متعبة؟ هل ابتسمت وهي تنطق باسم ا
last updateLast Updated : 2026-03-09
Read more
الفصل الثالث: رسائل تحت ضوء المصباح
جاء يوم الجمعة، وهو اليوم الذي تكتسب فيه الحياة في الحي إيقاعاً مختلفاً، حيث تجتمع العائلات وتتبادل الأطباق والتحايا. طلبت الأم من غيث أن يأخذ طبقاً من "المعمول" الذي تحبه والدة رؤى ويوصله إليهم. "اذهب يا غيث، والدها يحب أن يراك ويسألك عن أخبار الهندسة" قالت الأم بابتسامة تحمل الكثير من المعاني المبطنة. تردد غيث قليلاً، فالدخول إلى بيت رؤى يعني مواجهة مباشرة مع والديها، وربما مع مشاعره الخاصة في مكان مغلق. ارتدى قميصاً أبيض مكوياً بعناية، وسرح شعره بطريقة مرتبة، وحمل الطبق بيده القوية وتوجه نحو الباب المقابل. طرق الباب بضربات متزنة، ليفتح له والد رؤى، العسكري المتقاعد الآخر، الذي يمتلك ملامح صارمة تشبه ملامح والده. "أهلاً يا غيث، تفضل يا بني، زارتنا البركة" قالها بنبرة ترحيبية جافة لكنها صادقة.​دخل غيث وجلس في غرفة الضيوف التي تفوح برائحة البخور والكتب القديمة. بعد دقائق، دخلت رؤى وهي تحمل صينية القهوة العربية. كانت ترتدي ثوباً منزلياً أنيقاً ومحتشماً، وبدت ملامحها ناعمة جداً تحت ضوء النجف الكريستالي. حين اقتربت منه لتقدم له القهوة، أحس غيث ببرودة مفاجئة في أطرافه رغم حرارة الجو. مال
last updateLast Updated : 2026-03-09
Read more
الفصل الرابع: حوار العيون في ليلة شتوية
بعد حادثة المطر، أصبح الصمت بين غيث ورؤى أكثر ثقلاً، لكنه ثقل من النوع المحبب الذي ينبئ باقتراب العاصفة. في مساء يوم بارد، اجتمعت العائلتان في سهرة شتوية دافئة بمنزل غيث، حيث أشعلت الأم المدفأة وأعدت الشاي بالمرمية. كان الأبوان يجلسان في صدر المجلس، يتحدثان عن ذكريات الخدمة العسكرية والبطولات القديمة، بينما كانت الأم تتبادل مع والدة رؤى وصفات الطبخ وأخبار الحي. غيث كان يجلس في زاوية الغرفة، ممسكاً بكتاب هندسي يحاول قراءته، لكنه في الحقيقة كان يراقب رؤى التي كانت تجلس بجانب والدتها، تساعد في صب الشاي بهدوء تام. كانت رؤى ترتدي كنزة صوفية زرقاء داكنة تبرز بياض بشرتها وهدوء ملامحها، وبدت وكأنها قطعة من السكينة وسط ضجيج أحاديث الكبار.​كلما التقت نظراتهما، كانت رؤى تخفض بصرها بسرعة، لكنها لم تكن نظرة خوف، بل كانت نظرة استكشاف حذر. تقدمت رؤى لتضع كوب الشاي أمام غيث، وتعمدت ألا تنظر إليه مباشرة، لكنها لاحظت الكتاب الذي يقرأه. "هل هذا كتاب عن العمارة المستدامة؟" سألت بصوت منخفض جداً لا يسمعه غيره. تفاجأ غيث بمعرفتها، وأجاب بابتسامة خافتة: "نعم، وكيف عرفتِ ذلك؟". ابتسمت بخجل وهي تعود لمكانها:
last updateLast Updated : 2026-03-09
Read more
الفصل الخامس: قرار الانفصال المر
بدأ الصيف يلقي بظلاله الحارة على أزقة الحي، وفي مساء يوم مشبع بالرطوبة، استدعى الأب غيث إلى غرفته الخاصة، حيث يجلس خلف مكتبه الخشبي القديم الذي يحمل طابع الصرامة العسكرية. نظر الأب لغيث بنبرة لا تقبل النقاش: "يا بني، لقد أصبحت مهندساً يشار إليه بالبنان، وبنيتك القوية وعقلك الراجح يؤهلانك لتكون سيد قرارك. لقد حان الوقت لتعتمد على نفسك تماماً وتنتقل للعيش في بيت مستقل". سقطت الكلمات على مسامع غيث كالصاعقة؛ فكرة الخروج من هذا البيت لم تكن مجرد انتقال جغرافي بالنسبة له، بل كانت تعني اقتلاع جذوره من المكان الوحيد الذي يتيح له رؤية رؤى يومياً. "ولكن يا والدي، أنا مرتاح هنا، والبيت واسع ويكفينا جميعاً" حاول غيث المناورة بهدوء، لكن الأب رفع يده مقاطعاً: "الرجل لا ينضج حقاً إلا عندما يواجه الحياة وحده. لقد اشتريتُ لك شقة في المجمع السكني الجديد القريب من مشروعك، وأريدك أن تبدأ في نقل أغراضك منذ الغد".​خرج غيث من غرفة والده وهو يشعر بضيق شديد، توجه نحو الشرفة ونظر إلى البيت المقابل. كانت نافذة رؤى مضاءة، وفكرة أنه لن يستطيع مراقبة هذا النور بعد الآن كانت تؤلمه أكثر من فكرة المسؤولية الجديدة. ص
last updateLast Updated : 2026-03-09
Read more
الفصل السادس: تكتل الأصدقاء في "بيت العزوبية"
انتقل غيث أخيراً إلى شقته الجديدة، وفي عطلة نهاية الأسبوع الأولى، اجتمع الأصدقاء لمساعدته في ترتيب الأثاث الثقيل وإضفاء لمسة "حياة" على المكان. كان أحمد كعادته يملأ الشقة بالضحك والتعليقات الساخرة على اختيار غيث للألوان الداكنة، بينما كان علي يعمل بصمت ودقة في تركيب الأرفف الخشبية. "يا رجل، هذه الشقة تحتاج إلى لمسة أنثوية فوراً، تبدو وكأنها ثكنة عسكرية مصغرة!" صرخ أحمد وهو يحاول حمل أريكة بمفرده. ابتسم غيث وهو ينظر للمكان بتمعن، وفكر في كلمات رؤى عن الستائر والألوان. لم يكد ينهي تفكيره حتى طُرق الباب، ليدخل "أحمد" و"علي" ومعهما مفاجأة؛ لقد رتبوا مع دينا وهناء (صديقات رؤى) ليأتوا جميعاً للمساعدة في "افتتاح" الشقة ضمن زيارة عائلية مصغرة ضمت أيضاً والدة غيث ورؤى.​دخلت الفتيات الشقة، وتحول المكان فوراً من "ثكنة" إلى ورشة عمل مبهجة. كانت دينا تمازح أحمد وتتحداه في تركيب بعض قطع الأثاث، بينما كانت هناء تساعد علي في ترتيب المطبخ. أما غيث ورؤى، فقد وجدا نفسيهما في زاوية الشرفة يطلان على أنوار المدينة. "المكان جميل جداً، يا غيث، فيه الكثير منك" قالت رؤى وهي تلمس سياج الشرفة. شعر غيث بفخر كبير
last updateLast Updated : 2026-03-09
Read more
​الفصل السابع: انكسار حاجز الصمت
كانت ليلة هادئة في المجمع السكني الجديد، حيث تنعكس أضواء المدينة على زجاج شرفة غيث الذي كان يقف متأملاً في المسافة التي قطعتها مشاعره. دعا غيث رؤى لزيارة الشقة بحجة تسليمها بعض الأوراق التي تخص والدها، لكنه كان يعلم أن هذه مجرد ذريعة لقول ما لم يقله منذ الطفولة. حين وصلت رؤى، كانت تبدو مرتبكة قليلاً، ترتدي معطفاً طويلاً يقيها من نسمات المساء الباردة. دخلا إلى الصالة، وساد صمت ثقيل لم يقطعه سوى صوت أنفاسهما المتسارعة. لم يجلس غيث، بل وقف أمام النافذة الكبيرة والتفت نحوها ببطء، كانت ملامحه تحمل جدية المهندس وصبر العاشق. "رؤى، لقد قضيتُ عمري كله أبني جدراناً وأصمم جسوراً، لكنني اكتشفتُ أن أصعب بناء قمتُ به هو هذا الصمت الذي أضعه بيني وبينكِ" قال غيث بصوت رخيم يحمل نبرة لم تعهدها منه من قبل.​توقفت رؤى عن العبث بحقيبتها، ورفعت عينيها نحوه، كان قلبها يدق بعنف لدرجة أنها ظنت أنه مسموع في الغرفة. تابع غيث بخطوات واثقة اقترب بها منها: "أنا لا أريد أن أكون مجرد جار، ولا أريد أن تكوني مجرد ابنة أصول أحترمها. أنا معجب بكِ منذ أن كنا نركض في الشارع القديم، وهذا البيت لم أبنهِ لأسكنه وحدي، بل بنيت
last updateLast Updated : 2026-03-09
Read more
الفصل الثامن: عاصفة في بيت الانضباط
​لم يعد الصمت ممكناً بعد أن أصبحت مشاعر غيث ورؤى حقيقة واقعة تتنفس في رسائلهما اليومية. قرر غيث أن الوقت قد حان لمواجهة والده، العسكري المتقاعد الذي يقدس الأصول والتراتبية. دعا غيث والديه لتناول العشاء في شقته الجديدة، وطلب منهم أن تكون عائلة رؤى حاضرة أيضاً بحجة "مباركة السكن". كان التوتر يملأ أركان الشقة؛ فغيث يعلم أن أي خطأ في طرح الموضوع قد يغلق الأبواب لسنوات. وصلت رؤى مع والديها، وكانت تبدو في غاية الأناقة والارتباك، تتبادل نظرات سريعة مع غيث وكأنها تستمد منه القوة. بعد العشاء، وبينما كان الجميع يرتشف القهوة، ساد صمت مفاجئ، فقرر غيث أن يلقي بحجره في المياه الراكدة. "والدي، عمي.. لقد بنيتُ هذا البيت بفضل الله ثم بفضل تشجيعكم، لكنني اليوم أشعر أن جدرانه لن تكتمل إلا بوجود رفيقة تليق به" قال غيث بنبرة ثابتة رغم تسارع نبضه.​توقف الأب عن شرب قهوته، ونظر لغيث بعيون صقرية فاحصة. "وماذا تقصد يا بني؟" سأل الأب بصوت رخيم هز كيان الحاضرين. وقف غيث بجانب مقعد رؤى وقال بوضوح: "أقصد أنني أطلب يد ابنة الأصول، رؤى، لتكون شريكة حياتي. نحن جيران وأهل، ولا أجد من هي أكمل منها خلقاً وديناً". ساد ص
last updateLast Updated : 2026-03-10
Read more
الفصل الثامن: التحام الأرواح في سكون الليل
بعد إتمام مراسيم الخطوبة الرسمية ومباركة العائلتين، انتقلت علاقة غيث ورؤى إلى فضاء جديد من الحرية لم يعهداه من قبل. لم تعد اللقاءات مقتصرة على نظرات خاطفة عبر الشرفة، بل أصبحت شقة غيث الجديدة هي الملاذ الذي يجمعهما بعيداً عن أعين الرقابة الصارمة. في إحدى الليالي الهادئة، حيث كان ضوء القمر يتسلل بنعومة من خلال الستائر شبه المغلقة، جلس الاثنان في الصالة التي تفوح برائحة البخور والسكينة. كان غيث يتأمل رؤى التي بدت في قمة أنوثتها وهدوئها، وشعر بأن كل الأسوار التي بناها والده حوله قد تلاشت أمام رقة حضورها. لم يعد هناك حاجة للكلام؛ فاللغة التي تربط بينهما الآن أصبحت أعمق من الحروف.​اقترب غيث منها، ووضع يده على كتفها بحنو، فشعرت رؤى بحرارة تسري في جسدها، حرارة لم تكن غريبة عنها بل كانت تنتظرها منذ سنوات الصمت الطويلة. في تلك اللحظات، تحول التوتر العاطفي إلى نوع من الالتحام الروحي الذي لا يحتاج لاستئذان. كان غيث يشعر بمسؤوليته تجاهها، ليس فقط كمهندس يحمي بناءه، بل كرجل يحمي أنثاه ويحتوي مخاوفها. ومع تصاعد نبضات قلبهما، بدأت المسافات تذوب تماماً؛ فكل لمسة كانت تحكي قصة اشتياق مكبوت، وكل نظرة
last updateLast Updated : 2026-03-10
Read more
الفصل التاسع: زعزعة الأركان واختبار الثقة
لم تكن الحياة لتهدأ طويلاً، فبينما كان غيث ورؤى يعيشان أجمل أيام استقرارهما، بدأت الغيوم تتلبد في سماء عمل غيث. زميله "منذر"، الذي كان يحمل ضغينة قديمة تجاه نجاحات غيث، استطاع التلاعب ببعض التقارير الهندسية الخاصة بسلامة التربة في المشروع الأخير، وسرّب معلومات مغلوطة لوالد غيث وللمستثمرين توحي بأن هناك إهمالاً جسيماً قد يؤدي لانهيار البناء. سقط الخبر كالصاعقة على غيث، الذي وجد نفسه في مواجهة تحقيق رسمي وضغط هائل من والده الصارم الذي اعتبر هذا "خدشاً لشرف العائلة المهني". في الوقت ذاته، كانت رؤى تواجه أزمة في المستشفى بعد فقدان ملفات طبية حساسة في قسمها، وبدأت أصابع الاتهام تشير نحو تقصير إداري من جانبها. كان التوقيت مريباً، وكأن هناك يداً خفية تحاول هدم استقرارهما من جهتين مختلفتين.​اجتمع الأصدقاء في شقة غيث في ليلة مشحونة بالتوتر. كان أحمد يغلي من الغضب ويريد مواجهة منذر جسدياً، لكن علي، بهدوئه المعهود، كان يراجع الأوراق والبيانات الرقمية. "هناك ثغرة في التواريخ يا غيث، التوقيع ليس توقيعك، والبيانات تم تعديلها برمجياً" قال علي بلهجة واثقة. في هذه الأثناء، كانت دينا وهناء تساندان رؤى
last updateLast Updated : 2026-03-10
Read more
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status