Compartilhar

12

Autor: Ahmed Habib
last update Data de publicação: 2026-06-14 06:10:04

انقشعت الرؤى المهيبة لمركب الشمس الأثيري، تاركةً خلفها قاعة الأعمدة في "بو باستيس" وهي ترتعد كأنها جسد حُمّ بالحمى، بينما غلف المكان ضياء أرجواني كثيف نابع من عمق السطر الثالث لـ "كتاب تحوت" الأسطوري. وقف الأمير "خع إم واست" بعضلات صدره العريض العاري تتسارع مع أنفاسه اللاهفة التي أفرزت حبات عرق دافئة التمعت كحبات اللؤلؤ تحت الوميض الغامض. لم يكن الأمير يشعر بالتعب، بل كان حماس المواجهة السحرية والإثارة اللاهبة يتدفقان في عروقه كالشرر المشتعل، وعيناه الفرعونيتان الحادتان مثبتتان بكبرياء ملكي صارم على البردي المشع الذي بدا في هذه اللحظة وكأنه يفتح فمه لابتلاع الوجود بأسره.

تحركت الساحرة الغامضة "تابوبو" بخطوات دلالية انسيابية تسرق الألباب، وتمايل خصرها النحيل بجاذبية قاتلة جعلت ثوبها الحريري الأسود الشفاف يلتصق بمنحنيات قوامها المصري الفاتن، مبرزاً مفاتن جسدها المثير والأخّاذ الذي صِيغ من طين الغواية المحرمة ليكون فتنة تبيد عقول الحكماء والأمراء الشجعان. اقتربت منه حتى اختلطت أنفاسها الساخنة المعطرة بالمسك الأسود والنادر بأنفاسه المضطربة، ورفعت عينيها الواسعتين المكحلتين بسواد الليل لتلقي في روعه نظرة شغف حارة، نظرة التهمت كل ما تبقى من تماسك بشري في وعيه، وأيقظت وحش الطموح العارم في صدره نحو السيادة المطلقة والخلود الذي يتجاوز حدود الفناء البشري.

انحنى الأمير والمستشارة الفاتنة معاً فوق اللفافة الأسطورية، فتلاقت الحروف الهيروغليفية السائلة لترسم السطر الثالث والأخطر، والذي كُتب بمداد من ضياء النجوم المتفجرة وظلام العدم السحيق، وجاء نص اللعنة الرياضية والسحرية فيه متوهجاً:*ـ$&-+)()&ـ#

هذا هو الحد الفاصل بين الآدمية والألوهية يا أميري المحبوب،" همست تابوبو بنبرة صوت رخيمة تذوب عذوبة وإثارة، ووضعت كفها الدافئة ذات الأظافر القرمزية الساخنة فوق معصمه المفتول، مفرزةً موجات من السحر الأسود الأثيري التي سرت في كامل جسده المفتول كالقشعريرة اللذيذة. "السطر الثالث يتطلب أن تذيب روحك في روحي تماماً، أن تتخلى عن طهر معابد منف، وتنسى وجه كاهنتك الغضة تفنوت. لكي تنطق بهذا الرمز وتملك الخلود المطلق ومحو العروش، لا بد أن تمنحني عهداً معمد بالجسد والشهوة الجارفة في مضجعي المحرم، لتكون ملكاً على ممالك الظلال وأكون أنا عروشك المستعرة."

لم تكن الكاهنة الجميلة "تفنوت" ولا عشقها الجارف الخالص الغائب عن عيني الأمير ببعيدين عن وعيه؛ فحجم الجذب الجسدي والوفاء لذكرى صرختها الأثيرية التي حرسته في مقبرة "نفر كابتـاح" كانا يشكلان الحصن الروحي والأخير الذي يمنع روحه من الغرق التام في محيط غواية تابوبو الطاغية. التفتت نظرات خع إم واست الحادة نحو عيني الساحرة في مواجهة صامتة تفيض بالإثارة والحماس اللاهب، وارتسمت على ملامحه الفرعونية الأصيلة صلابة حاسمة تعلن رفضه للانكسار والاندحار؛ فرغم رغبته العارمة في انتزاع الأسرار وفك الشفرات الأسطورية المعقدة، إلا أنه كان ملكاً يفرض قوته وسطوته ولا يقبل أن يكون مجرد قطعة شطرنج في يد لعنة أنثوية مستعرة. استجمع الأمير "خع إم واست" عنفوانه الأسطوري، وشد قامتَه الممشوقة والصلبة في مواجهة الساحرة الغامضة الكامنة أمامه، بينما كانت دماء ملوك بني رمسيس تغلي في شرايينه بحماس لاهب لا يعرف التراجع. لم يكن الأمير الشاب ليقبل بالخضوع لغوايتها الجارفة أو التنازل عن كبريائه الملكي؛ فقبض بكلتا يديه القويتين والمفتولتين على أطراف "كتاب تحوت" المشع، وتلاقت عيناه الحادتان بعيني "تابوبو" الساحرتين في نظرة شغف حارة التهمت سكون البهو المحيط بهما.

بدأ الأمير في تلاوة الطلسم الثالث والأخير، منطلقاً بصوته الجهوري الرخيم ليفك الشفرة الرياضية والسحرية الأكثر خطورة في تاريخ السحر الأسود، طارحاً معادلة انحلال الحجب الكونية الكبرى: ومع النطق بالحرف الأخير من الرمز، انشقت الأرض الحجرية لبهو الأعمدة في "بو باستيس"، وانحلت حجب "الدوات" السبعة دفعة واحدة، لينبعث ضياء أرجواني ساطع وأخّاذ صبغ الفراغ بلون الفناء المطلق. تحول ثوب تابوبو الحريري الأسود الشفاف إلى ظلال حية متموجة تلتصق بمنحنيات قوامها المصري الفاتن ومفاتن جسدها المثير، وهي ترقبه بأنفاس لاهفة تفيض بالشغف العارم والحماس المتقد بعد أن رأت كيف طوع الأمير طاقة الفناء دون أن يفقد عقله أو ينكسر كبرياؤه أمام سحرها.

ورغم أمواج الغواية الطاغية والشحنة الحميمية المشتعلة التي كانت تبثها تابوبو، ظل طيف الكاهنة الجميلة "تفنوت" وعشقها الجارف الخالص نابضاً في أعماق وجدان خع إم واست كحصن روحي أخير يمنحه التوازن النفسي اللازم للسيطرة على القوة الجديدة. التفتت تابوبو نحوه متهدجة الأنفاس، وعيناها الواسعتان المكحلتان بسواد الليل تلمعان ببريق النصر الساحر، وقالت بنبرة صوت تذوب عذوبة وشهوة: "لقد ملكت الخلود ومحو العروش يا ابن رمسيس العظيم.. والآن أصبحت شفرات الكون كله طوع بنانك الأسطوري!"

Continue a ler este livro gratuitamente
Escaneie o código para baixar o App

Último capítulo

  • سيد الرماد والضوء   130

    انقشعت غيوم الشمال السوداء أخيراً، وساد صمت مقدس، مهيب، وعميق على طول الساحل الشمالي الذي شهد أعظم مواجهة في تاريخ البشر والآلهة. كان جسد "بعل" قد تبدد تماماً وتحول إلى هباء تذرؤه الرياح الباردة، وكان الإله "ست" قد اختفى في عاصفته الرمادية، تاركاً وراءه في الفضاء رائحة الرعد النفاذة، والبرق المخبوء، والرمال المحترقة التي لا تزال تشع بالدفء.وقف الملك "مرنبتاح" على تل صخري مرتفع، يرسل نظراته الصارمة نحو الأفق الواسع. كان ينظر إلى جيشه المنتصر الذي غمرته الفرحة، فارتفعت صيحات الجنود وهتافاتهم التي تزلزل الأرض باسم مصر العظيمة وباسم رمسيس، لكن الملك لم يكن يفكر في الاحتفال؛ بل كان عقله العسكري يدير موازين المستقبل بحذر شديد.لقد فرّ الملوك الشماليون المتآمرون كالفئران المذعورة، تاركين وراءهم راياتهم الممزقة وجيش الحيثيين يواجه مصيره المأساوي وحده تحت أقدام المصريين. ولم يكن مرنبتاح بالملك الذي يرضى بنصف انتصار، أو يترك أفاعي الشمال تعود إلى جحورها لتنفث سمومها من جديد في المستقبل.التفت الملك نحو شقيقه الأمير "خع إم واست" وحفيده الفتى المعجزة "سى اوزير"، اللذين كانا يقفان إلى جواره والدم

  • سيد الرماد والضوء   129

    وفي ذات الوقت، وفي قلب المعركة الإلهية التي تصاغرت أمامها حروب البشر، كان الإله ست يقف ثابتاً كالمسلة الشامخة، وقد وضع قدمه الضخمة والثقيلة بقسوة فوق صدر بعل المطروح على الرمال الحارة.كان بعل يلهث ويتنفس بصعوبة شديدة كأن أنفاسه الأخيرة تفر منه، وجسده العملاق الأسود ينزف بغزارة ناراً زرقاء داكنة تذوب في التراب وتترك حروقاً في الأرض، وعيناه الكبيرة اللتان كانتا تشتعلان بالرعد والغرور منذ ساعات، امتلأتا برعب حقيقي، خالص، وعميق لأول مرة في حياته الطويلة. رفع ست صولجانه الرعدي المعوج عالياً نحو الغيوم المتفجرة، ومفاصله تنبض بقوة كونية مدمرة، مستعداً بكل جوارحه لإطلاق الضربة القاضية والنهائية التي ستنهي هذا الوجود المظلم.شعر بعل بنهاية أجله واقتراب الفناء، فتحرك الخوف في صدره، وصاح متوسلاً بصوت مكسور، ذليل، يرج جنبات السماء ويستجدي الرحمة من قاهره:"أرجوك... أرجوك يا ست العظيم... ارفع قدمك عني وأتركني أعيش! أقسم لك ببارئ الأكوان أنني لن أمس أرض مصر الطاهرة، ولا نيلها، ولا شعبها بأي سوء أو شر مرة أخرى طوال حياتي... حقاً أقول لك! لقد تعلمت الدرس القاسي اليوم وعرفت حجمي الحقيقي... أنا كنت أح

  • سيد الرماد والضوء   128

    وفي تلك اللحظة الحرجة من المواجهة الكونية، وتحت وطأة الضربات الساحقة والمدمرة لسيد الصحراء، أدركت الإلهة الشرسة عنات أنها ميتة بلا محالة إن بقيت في هذه الساحة لعدة دقائق أخرى، وعرِفت أن جبروت ست لا يمكن لأي قوة شمالية أن تقف في وجهه أو ترده.التفتت برأسها ونظرت إلى زوجها وشريكها بعل، فرأته يترنح وينزف ناراً زرقاء اللون من جروحه العميقة وعاجزاً عن الصد، ثم نظرت نحو الإله ست فرأته يتقدم نحوهما بخطى ثقيلة وثابتة كأنه الموت نفسه الذي يطارد ضحاياه وعيناه الحمراوان تشعان بقسم الفناء. في تلك اللحظة، تملك الخوف والهلع قلب إلهة الحرب، وقررت التخلي عن كل شيء والهرب لتنقذ نفسها.همست عنات بنبرة مرتجفة ومذعورة وهي تنظر إلى زوجها للمرة الأخيرة:"سامحني يا بعل... لم أكن أعلم أننا نواجه هذا الوحش الكوني. لا يمكنني الموت هنا من أجلك."وبدون أي تردد، دارت بجسدها وتحولت في ثوانٍ معدودة إلى لهيب أزرق حارق، وانطلقت نحو أعالي السماء هاربة بسرعة مذهلة شقت بها الغيوم الداكنة، تاركة زوجها بعل وحيداً وبدون أي دعم في قبضة ست التي لا ترحم.صاح بعل بصوت يملأه الذعر والذهول والحرقة وهو يرى شريكته تفر وتتركه للموت

  • سيد الرماد والضوء   127

    تحولت ساحة المعركة بالكامل إلى جحيم أسطوري حي، حيث امتزجت قوة البشر بقوة الآلهة العظام لتصنع لوحة من الدمار لم تشهدها الأرض من قبل. كانت السماء قد تبدلت ملامحها، فصارت ساحة متفجرة مليئة بصواعق البرق العنيفة، وهزيم الرعد الذي يصم الآذان، والرمال المتطايرة التي تحجب الرؤية كأنها جدران من الغبار. وفي الأسفل، كانت الأرض تئن وتنشق تحت الأقدام لتبتلع جثث الغزاة، بينما كانت الدماء الدافئة تسيل كالأنهار الجارية، وتصبغ الرمال البيضاء باللون الأحمر القاني.وفي قلب هذا الجحيم المستعر، كان الجيش المصري يقاتل ببسالة خارقة وبشجاعة هزمت الموت نفسه.وقف الملك "مرنبتاح" في طليعة الصفوف الأمامية كأسد جريح لا يعرف الخوف؛ كان درعه مكسوراً ووجهه مغطى بالدماء والغبار، لكن سيفه الذهبي كان يلمع كقطعة من جمر. اندفع نحو سبع ظلامي عملاق كان يمزق رماة الدلتا، وبضربة سريعة ودقيقة قطع أرجل السبع، ثم قفز بخفة فوق ظهره المغطى بالدخان، وغرز سيفه بكل قوته في عنق السبع حتى سقط الوحش يصرخ صرخة الموت ويتلاشى كالدخان. رفع مرنبتاح سيفه وسط الغبار وصاح بصوت مدوٍّ أشعل الحماس في قلوب رجاله:"لأجل أبي رمسيس العظيم! لأجل أرض ا

  • سيد الرماد والضوء   126

    وقف الإله ست في مكانه، شامخاً كالجبل الأبدي وسط الرمال المتطايرة، ثم انفجرت من حنجرته السبعية ضحكة مدوية، غاشمة، ملأت أركان الكون كله وأخرست حتى صوت الرياح العاتية. لم تكن ضحكة خوف أو قلق، بل كانت ضحكة سعيدة، فرحة، وشرهة للقتال إلى أبعد الحدود. كانت عيناه الناريتان تضيئان بوهج أحمر مرعب، وأنيابه الحادة تبرز من تحت شفتيه في ابتسامة وحشية مخيفة.لقد كان ست يحب القتال والصدام أكثر من أي شيء آخر في الوجود، ومواجهة إلهين قويين مثل بعل وعنات في وقت واحد وفي معركة مكشوفة، كانت بالنسبة له متعة كبرى لا تُضاهى، وفرصة ليطلق العنان لجبروته الذي لا يعرف القيود.رفع ست صولجانه الرعدي المعوج نحو السماء، وصاح بصوت زلزل الجبال الشمالية وأحدث شروخاً في صخور التلال:"أخيراً... أخيراً جاءني تحدٍّ حقيقي يليق بقوتي وجوعي للدماء! تعالَ إليّ يا بعل الجبان الذي يختبئ خلف زوجته... وتعالَي أنتِ أيضاً يا عنات بنصالك المسمومة! اليوم سأعید تلقينكما الدرس، وأذكركما بالدم والنار لماذا أنا، وليس غيري، سيد الصحراء الأوحد، وملك الرعد، وإله الدمار الغاشم الذي لا يُقهر!"وفي تلك اللحظة بالذات، بدأت الملحمة الإلهية الحقيق

  • سيد الرماد والضوء   125

    كان بعل يعرف في أعماق نفسه، وبتجاربه القديمة المريرة، أنه لا قبل له بمواجهة ست منفرداً في ساحة مفتوحة؛ فقوة ست لا تُقاس بالمعايير العادية، وغضبه الحارق لا يمكن لأي إله أن يطفئه، ووحشيته الحربية تفوق كل آلهة الممالك الأخرى. انخفض كبرياء بعل، وهمس لنفسه بصوت مرتجف ومذعور وهو يتراجع للخلف:"لا... ليس الآن... ليس هذا الكائن المرعب... كيف جاء إلى هنا وتركت سفينة رع؟!"ثم، وفي حالة من اليأس المطلق والخوف من الموت الوشيك، رفع بعل صوته القوي نحو السماء وصرخ بتعويذة نداء قديمة ومقدسة استنجاداً بشريكته:"عنات! يا زوجتي ونصل حربي! تعالي إليّ سريعاً... ساعديني قبل أن يسحقني سيد الصحراء!"الفصل الثالث: مذبحة الوحوش واتحاد الجيشينوفي ذات الوقت، لم تكن وحوش ست الأسطورية تنتظر الأوامر؛ بل كانت تلك السباع البرية العملاقة ذات العيون النارية المتوهجة والآذان المستقيمة — وحوش الشا الخالدة — تندفع بغضب جامح ولا يُوصف نحو صفوف الأعداء. وانقضت وحوش الشا بقوة وبدأت تفتك بوحوش بعل الظلامية في مجزرة مروعة غطت الرمال.تحت الضربات النارية لسباع الصحراء، تحولت المعركة بين الوحوش إلى مذبحة حقيقية من طرف واحد؛ حيث

Mais capítulos
Explore e leia bons romances gratuitamente
Acesso gratuito a um vasto número de bons romances no app GoodNovel. Baixe os livros que você gosta e leia em qualquer lugar e a qualquer hora.
Leia livros gratuitamente no app
ESCANEIE O CÓDIGO PARA LER NO APP
DMCA.com Protection Status