Share

128

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-07-05 11:21:31

وفي تلك اللحظة الحرجة من المواجهة الكونية، وتحت وطأة الضربات الساحقة والمدمرة لسيد الصحراء، أدركت الإلهة الشرسة عنات أنها ميتة بلا محالة إن بقيت في هذه الساحة لعدة دقائق أخرى، وعرِفت أن جبروت ست لا يمكن لأي قوة شمالية أن تقف في وجهه أو ترده.

التفتت برأسها ونظرت إلى زوجها وشريكها بعل، فرأته يترنح وينزف ناراً زرقاء اللون من جروحه العميقة وعاجزاً عن الصد، ثم نظرت نحو الإله ست فرأته يتقدم نحوهما بخطى ثقيلة وثابتة كأنه الموت نفسه الذي يطارد ضحاياه وعيناه الحمراوان تشعان بقسم الفناء. في تلك اللحظة، تملك الخوف والهلع قلب إلهة الحرب، وقررت التخلي عن كل شيء والهرب لتنقذ نفسها.

همست عنات بنبرة مرتجفة ومذعورة وهي تنظر إلى زوجها للمرة الأخيرة:

"سامحني يا بعل... لم أكن أعلم أننا نواجه هذا الوحش الكوني. لا يمكنني الموت هنا من أجلك."

وبدون أي تردد، دارت بجسدها وتحولت في ثوانٍ معدودة إلى لهيب أزرق حارق، وانطلقت نحو أعالي السماء هاربة بسرعة مذهلة شقت بها الغيوم الداكنة، تاركة زوجها بعل وحيداً وبدون أي دعم في قبضة ست التي لا ترحم.

صاح بعل بصوت يملأه الذعر والذهول والحرقة وهو يرى شريكته تفر وتتركه للموت:

"عنات! لا... أرجوكِ لا تتركيني وحيداً أمام هذا الكائن! عودي وقاتلي معي!"

ولكن صراخ بعل اليائس لم يجد من يجيبه في السماء، ولم يهتم الإله ست بهروب عنات أو يلتفت إليها؛ بل كان كل تركيزه منصباً على الكيان الشرري القابع أمامه. نظر ست إلى بعل بنظرة باردة، مميتة، وخالية من أي رحمة، وقال بصوت منخفض لكنه قاطع كالنصل يحمل نهاية اللعبة:

"انتهى وقت المزاح واللعب يا بعل... وحان وقت الوفاء بالقسم."

رفع ست صولجانه الرعدي المعوج بكل ما يملك من قوة وجبروت إلهي غاشم نحو السماء، ثم هبط به بضربة هائلة وقاضية على صدر بعل مباشرة. وفي لحظة الاصطدام، انفجر برق أحمر ورعد قاصف معاً في ساحة المعركة، أحدث صوتاً زلزل الأرض وتحطمت معه كبرياء الظلام.

سقط بعل مغشياً عليه بالكامل فوق الرمال الحارة، وجسده العملاق الأسود يرتجف بعنف وينزف بغزارة ناراً زرقاء داكنة تذوب في التراب، بعد أن تحطم جوهر قوته السحرية تحت ضربة سيد الصحراء.

ولم يكتفِ ست بسحقه؛ بل أصدر أمره الصارم لرماله وحبيبات التراب الحارة، فتحركت الرمال الذهبية والحمراء فوراً كأنها أفعى عملاقة حية، والتفت بإحكام حول جسد بعل المكبل وحاصرته تماماً، ثم حفرت له الأرض وسحبته ليصبح مدفوناً ومستقراً تحت قدم ست الضخمة والثقيلة التي وضعت فوق صدره بقوة ضغطت على أنفاسه المتبقية.

وقف ست شامخاً بكامل جبروته فوق الإله الساقط، يضغط ببطء وقسوة تجعل عظام بعل تتحطم، وقال بصوت غاشم يملأ الصدور هيبة وفخراً:

"هذه المرة يا بعل التعيس... وأمام جيشي وحماة كنانتي، لن تهرب ولن ترى النور مجدداً. هنا مستقرك الأبدي تحت أقدامي."

وكانت المعركة الكبرى والملحمية على وشك أن تنتهي بنهاية كونية مرعبة ومقدسة؛ بموت إله زائف وتحطم عرش الظلام بالكامل تحت أقدام حامي أرض مصر الطاهرة، والجيش المصري ينظر بفخر وعزة بانتظار إعلان النصر النهائي لحضارة النور.

كانت المعركة قد بلغت ذروتها الكونية التي حبست أنفاس الأرض والسماء معاً. لم يعد الفضاء مجرد هواء يُتنفس، بل صار ساحة متفجرة بالكامل، تتزاحم فيها صواعق البرق العنيفة وهزيم الرعد الذي يكاد يخلع القلوب، بينما كانت الرمال المتطايرة تدور كالجدران العازلة، والأرض من تحت الأقدام تنشق وتتصدع تحت وطأة الخطوات الثقيلة للآلهة العظام. وفي تلك اللحظة الحاسمة والحرجة، انهار التحالف الشمالي تماماً وتحول كبرياؤه الزائف إلى غبار.

رأى ملوك الممالك الشمالية والشرقية المارقة — ملك أمورو بملامحه القاسية، وملك ميتاني المذعور، وملك أوغاريت البحري، وبقية حكام المقاطعات — هول وجحيم ما يحدث أمام أعينهم الصامتة. رأوا بأم أعينهم الإله ست وهو يسيطر على ساحة المعركة بجبروت مطلق، طاغٍ، ولا يمكن لأي قوة في الكون أن تقاومه أو ترده، ورأوا الكيان الشرري العظيم بعل مطروحاً أرضاً، ينزف دمه الأزرق الناري تحت قدم ست الثقيلة كأنه حشرة صغيرة.

لم يكن يدور في خلد هؤلاء الحكام الطامعين، ولا في أسوأ كوابيسهم، أن هناك قوة في الوجود تملك هذا المستوى المرعب من الجبروت، والوحشية الحربية، والغضب الغاشم الذي يفتت الصخر. تملك الفزع والهلع قلوبهم، واهتزت تيجانهم الثقيلة فوق رؤوسهم، وقرروا في ثوانٍ التخلي عن كل وعودهم، وترك الملك الحيثي "أدنوك" يواجه مصيره الأسود وحده وسط الرمال.

صاح ملك ميتاني بصوت مكسور يملأه الرعب وهو يلتفت بمركبته نحو الخلف:

"انسحبوا! تراجعوا فوراً وانقذوا أنفسكم! هذا الذي نراه ليس قتالاً بين بشر... هذا ليس حرباً نكسب منها الغنائم، هذا هو الفناء والعدم بعينه!"

وفي لحظات، فرّ الملوك والسحرة الأشرار وبقايا الجنود الشماليين في كل اتجاه كالفئران المذعورة، يركضون نحو الممرات الجبلية الوعرة هرباً من الموت الحتمي، تاركين خلفهم في ساحة الوغى راياتهم الممزقة، وأسلحتهم الثقيلة، وكبرياءهم الذي تحطم على صخرة الشجاعة المصرية.

أما الملك أدنوك، فقد وجد نفسه وحيداً في وسط الساحة بعد أن تخلت عنه الآلهة والملوك. حاصره الجيش المصري من كل جانب كحلقة من الحديد والنار، ورغم يقينه بالنهاية، إلا أنه قاتل ببسالة يائسة وعنيفة، يلوح بسيفه المقوس في كل اتجاه حتى نفدت قوته تماماً.

وفي تلك اللحظة، اندفع الفتى الصغير المعجزة "سى اوزير"، وأطلق من كفيه طاقة سحرية فيروزية شكلت خيوطاً وقيوداً متينة من النور، التفت حول جسد الطاغية وشلت حركته بالكامل، ليُؤسر حياً ويسقط على ركبتيه، ثم سحبه الجنود وألقوا به بذل وانكسار تحت أقدام الملك مرنبتاح.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   218

    خطى سى اوزير خطوة واثقة إلى الأمام، مستنداً بيده اليسرى على مقبض سيفه البرونزي العريض، بينما لامست يده اليمنى حجر القلادة النجمية التي بثت في عروقه طاقة جافة وحازمة. نظر إلى حكام الأقاليم بعينين تقدحان بالفطنة والصرامة القيادية، وتحدث بصوت رصين تردد صداه بقوة: "إن ولاءكم هو صمام الأمان لميزان ماعت، غير أن المرحلة القادمة تتطلب تحولاً شاملاً في التدابير الميدانية. لن نكتفي بمراقبة الحدود من بعيد؛ بل سنقيم نقاط ارتكاز دائمة لفرسان الطليعة في كل ممر جبلي وحصن مائي، مع تسيير دوريات استطلاع يومية مشتركة تربط بين الأقاليم الشمالية والجنوبية. كما سيتم تطبيق نظام تفتيش دقيق لكافة القوافل التجارية والبضائع الواردة، لضمان خلوها من أي طلاسم محرمة أو عناصر استخباراتية معادية."تطلعت تفنوت نحو الجمع بنظرة نافذة، وأضافت بصوت قاطع يفيض بالحكمة والتدبير الإداري: "وستتولى فرق الحرس الملكي الإشراف المباشر على مراجعة سجلات الموانئ والمخازن في كافة الأقاليم، بالتنسيق مع حكام المقاطعات. لن يُسمح بوجود أي نشاط خارج عن سلطة الدولة، وسنعمل على توفير الدعم اللوجستي الكامل لكل إقليم يلتزم بالمعايير الأمنية الص

  • سيد الرماد والضوء   217

    انضم الكاهن الأكبر خع ام واست إلى مجلسهما في المقصورة المظللة عند طرف الساحة، يحمل في يده لفائف بردي مطوية ومختومة بالشمع المقدس. كان وجهه يحمل وقار السنين وعمق المعرفة الروحية التي صانت كمت عبر العصور. بسط خع ام واست إحدى اللفائف على الطاولة الحجرية وقال بصوت هادئ ورصين: "لقد أتم كهنة المعبد فحص كافة المقاصير والسراديب السفلية في الكرنك والأقصر، وأكدت الطقوس التطهيرية زوال أي أثر للترددات الأثيرية المظلمة التي حاولت قوى الفوضى غرسها في أرضنا. غير أن النيران التي اشتعلت في قلادة الإله 'ست' أثناء المعركة تشير إلى أن قوى البرزخ قد تراجعت لتتحصن وراء الحدود الغربية البعيدة، ما يستوجب بقاء التميمة النجمية على صدرك يا بني كدرع دائم لحفظ التوازن وحراسة وعيك."نظر سى اوزير إلى والده الكاهن الأكبر وأومأ برأسه تأكيداً لحديثه: "ستظل هذه التميمة حصني الدائم يا أبتاه، كما ستظل تعاليمكما سراجاً ينير طريقي في حماية هذا العرش. لن نترك ثغرة واحدة في جدار كمت، وسنواجه كل مكر بإرادة أمضى من البرونز."ابتسمت تفنوت برضا وثقة، ثم أشارت إلى حراسها بالاستعداد لمرافقة الوفد نحو قاعة العرش الكبرى، حيث كان الف

  • سيد الرماد والضوء   216

    تتابعت الأيام على مدينة طيبة العظمى في أعقاب معركة وادي الملوك، لتشهد العاصمة الفرعونية نهضة عسكرية وتنظيمية غير مسبوقة بقيادة الأمير سى اوزير. لم يكن النصر الساحق على قوى الكسوف مدعاة للاسترخاء أو الركون إلى الدعة، بل تحول إلى نقطة انطلاق لإعادة صياغة المنظومة الدفاعية والأمنية لمملكة كمت بأسرها، استعداداً لأي ارتدادات سياسية قد يفتعلها حلفاء الفوضى على التخوم الحدودية.مع انبثاق أولى خيوط الفجر فوق صفحة مياه النيل الهادئة، كانت ساحات التدريب التابعة لمعبد الكرنك وثكنات الجيش الإمبراطوري تضج بالحركة الدؤوبة وأصوات الجند. اعتاد سى اوزير أن يبدأ نهاره بالإشراف الميداني المباشر على تشكيلات الفرسان، متوشحاً بمئزره الكتاني الملكي المقسّى، بينما تتربع قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن فوق صدره بثبات مهيب. كان حجر العقيق الأحمر الناري يتوسط التميمة كقلب نابض بالحماية، تغطي أطرافه المصقولة الندبة الداكنة تماماً، فتحجب كل أثر للعين المفتوحة التي طالما حاول السحر الأسود استغلالها كنقطة اختراق لوعيه.كانت حرارة القلادة النجمية تسري في جسده كشريان من النار الهادئة، تمنحه صفاءً ذه

  • سيد الرماد والضوء   215

    انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً

  • سيد الرماد والضوء   214

    انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال

  • سيد الرماد والضوء   213

    أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status