Teilen

11

last update Veröffentlichungsdatum: 14.06.2026 06:10:01

تلاشى الضياء الفلكي الأول من فضاء البهو، مخلفاً وراءه سكوناً أثقل من حجر المقابر القديمة، ووميضاً أحمر قسرياً انبعث من السطر الثاني لـ "كتاب تحوت" الأسطوري. وقف الأمير "خع إم واست" وصدره يرتفع ويهبط بأنفاس لاهفة استقرت في أعماق عروقه كالنار المتقدة. لم تكن طاقة السطر الأول سوى قشرة واهية تحرس اللباب الملعون، بينما بدا السطر الثاني وكأنه شريان ينبض بدم أسود مشع، يتطلب لفك رموزه نبضاً بشرياً حياً يمتزج تماماً بغياهب الأثير. كان الأمير يدرك بقوته العقلية وصلابته أن كل خطوة يخطوها في هذا المحراب تقربه من الخلود المطلق، لكنها في الوقت ذاته تفرز حول عنقه قيوداً ناعمة من الشهوة والغواية المحرمة التي صاغتها الساحرة "تابوبو".

تحركت تابوبو بنعومة بالغة تسرق الألباب، وتمايل خصرها النحيل بانسيابية قاتلة جعلت ثوبها الحريري الأسود الشفاف يداعب بشرتها الصافية، مبرزاً مفاتن قوامها المصري الفاتن ومبرزاً أدق تفاصيل جسدها المثير والأخّاذ الذي صِيغ ليكون فتنة تبيد عقول الحكماء والملوك الشجعان. اقتربت منه حتى كادت أنفاسها الساخنة المعطرة بالمسك الأسود النادر تلامس وجنته البرونزية، ورفعت عينيها الواسعتين المكحلتين بسواد الليل، لتلقي في وعيه نظرة شغف حارة، نظرة التهمت كل ما تبقى له من حذر ملكي، وأيقظت في صدره وحش الطموح العارم الذي لا يرتوي إلا بالسيادة الكاملة وتطويع قوى الطبيعة الأربعة لإرادته.

وعندما انحنى الأمير بكامل قامته الممشوقة فوق البردي المشع، انفتحت الحروف الهيروغليفية السائلة لتكشف لأول مرة عن كنه ما خُط في سطور كتاب تحوت المحرمة، حيث تجلى السطر الأول صارخاً:

$$\mathcal{S}_1 = \text{"إذا نطق الفاني بالرمز الأول، سحر الأرض والسماء، وسجدت له حيتان الأعماق، وسمع همس النجوم البعيدة في مداراتها السبعة."}$$

بينما كان السطر الثاني يتوهج بطلاسم ممتزجة بالدم، وجاء فيه:

$$\mathcal{S}_2 = \text{"مَن يتلُ السطر الثاني، يُمزق حجب الموت؛ فيرى إله الشمس في مركبه الأثيري، ويهز الجبال الراسخة من أماكنها بكلمة، ويطوع أرواح الملوك الراحلين لتكون وقوداً لإرادته."}$$

"السطر الثاني لا ينطق به اللسان وحده يا أميري المحبوب،" همست تابوبو بنبرة صوت رخيمة تذوب عذوبة وإثارة، ومدت كفها الدافئة ذات الأظافر القرمزية الساخنة لتمسح برفق فوق موضع قلبه النابض، مما أطلق موجة من السحر الأسود الأثيري سرت في كامل جسده المفتول كالقشعريرة اللذيذة. "هذا السطر كُتب بدماء الملوك الذين تخلوا عن تيجانهم في سبيل العناق الأبدي. لكي تنطق بالرمز القادم وتملك قوة تحريك الجبال وسماع همس الأرواح، لا بد أن تخلع كبرياء بني رمسيس عند عتبة مضجعي، وتمنحني عهداً مكتوباً بالجسد والروح.. عهداً يربط مصيرك بمصيري، ويجعل من طهر معابد منف رماداً نذروه في ريح الشمال."

لم تكن الكاهنة الجميلة "تفنوت" ولا عشقها الجارف الحاضر في وجدانه غائبين عن ساحة هذا الصراع النفسي العنيف؛ فحجم الجذب الجسدي والوفاء لذكرى صرختها الأثيرية التي أنقذت حياته في مقبرة "نفر كابتـاح" كانا يشكلان الحصن الروحي الأخير الذي يمنع روحه من الغرق الكامل في محيط غواية تابوبو الطاغية. التفتت نظرات خع إم واست الحادة نحو عيني الساحرة في مواجهة صامتة تفيض بالإثارة والحماس اللاهب، وارتسمت على ملامحه الفرعونية الأصيلة صلابة حاسمة تعلن رفضه للانكسار التام؛ فرغم رغبته العارمة في انتزاع الأسرار وفك الشفرات الأسطورية المعقدة، إلا أنه كان ملكاً يفرض قوته وسطوته ولا يقبل أن يكون مجرد قطعة شطرنج في يد لعنة أنثوية مستعرة.

استجمع الأمير "خع إم واست" كامل قوته الروحية والجسدية، وتلاقت عيناه وعينا "تابوبو" في لحظة التحام فكري وعاطفي بلغت ذروة الإثارة. لم يركع الأمير عند عتبة مضجعها كما أرادت، بل فرض وجوده المفتول ووسامته الحاسمة كملك ينتزع السيادة انتزاعاً. قبض بيده اليمنى على كفها الساخنة ذات الأظافر القرمزية، وضغط باليسرى على البردي المشع، وبدأ يطلق عنان صوته الرخيم ليتلو الصيغة الرياضية والسحرية المعقدة المنبثقة من السطر الثاني، مطلقاً للمعادلة الكونية العنان:

في تلك اللحظة الوجيزة من النطق بالرمز، انشق سقف البهو الحجري وهمياً ليظهر مركب إله الشمس الأثيري يتوهج بنيران حمراء وزرقاء متداخلة في عمق الفراغ. تزلزلت الأرض تحت أقدام الكاهنات المتربصات، وبدأت الجبال البعيدة المحيطة بـ "بو باستيس" تهتز وترتجف وكأنها ذرات من الرمل تذروها الرياح. سرت طاقة السحر الأسود الممتزجة بنور الخلق في جسد خع إم واست وتابوبو معاً، فارتبطا في شبكة أثيرية لا تفصم، وتحول ثوب تابوبو الحريري الأسود الشفاف إلى خيوط من الظلام الحي الملتف حول منحنيات قوامها المثير، بينما كان صدر الأمير العريض العاري يفرز عرقاً دافئاً التمع تحت ضياء الآلهة المتفجر.

لم تكن الكاهنة "تفنوت" البعيدة في منف غائبة عن هذا الانفجار الروحي؛ إذ شعر الأمير بذبذبات عشقها الجارف تضرب جدار وعيه كحصن أخير، مما منحه التوازن النفسي اللازم ليظل ممسكاً بزمام عقله وسط أمواج الغواية الطاغية التي كانت تبثها تابوبو. التفتت تابوبو إليه متهدجة الأنفاس، وعيناها الواسعتان تشعان بشغف حارق وحماس لاهب بعد أن رأت كيف طوع الأمير طاقة السطر الثاني دون أن ينكسر كبرياؤه الملكي، وقالت ونبرة صوتها تذوب عذوبة وشهوة: "لقد عبرنا البوابة الثانية يا ابن رمسيس العظيم.. والآن ينتظرنا السطر الثالث، سطر الفناء المطلق حيث لا رجعة

Lies dieses Buch weiterhin kostenlos
Code scannen, um die App herunterzuladen

Aktuellstes Kapitel

  • سيد الرماد والضوء   130

    انقشعت غيوم الشمال السوداء أخيراً، وساد صمت مقدس، مهيب، وعميق على طول الساحل الشمالي الذي شهد أعظم مواجهة في تاريخ البشر والآلهة. كان جسد "بعل" قد تبدد تماماً وتحول إلى هباء تذرؤه الرياح الباردة، وكان الإله "ست" قد اختفى في عاصفته الرمادية، تاركاً وراءه في الفضاء رائحة الرعد النفاذة، والبرق المخبوء، والرمال المحترقة التي لا تزال تشع بالدفء.وقف الملك "مرنبتاح" على تل صخري مرتفع، يرسل نظراته الصارمة نحو الأفق الواسع. كان ينظر إلى جيشه المنتصر الذي غمرته الفرحة، فارتفعت صيحات الجنود وهتافاتهم التي تزلزل الأرض باسم مصر العظيمة وباسم رمسيس، لكن الملك لم يكن يفكر في الاحتفال؛ بل كان عقله العسكري يدير موازين المستقبل بحذر شديد.لقد فرّ الملوك الشماليون المتآمرون كالفئران المذعورة، تاركين وراءهم راياتهم الممزقة وجيش الحيثيين يواجه مصيره المأساوي وحده تحت أقدام المصريين. ولم يكن مرنبتاح بالملك الذي يرضى بنصف انتصار، أو يترك أفاعي الشمال تعود إلى جحورها لتنفث سمومها من جديد في المستقبل.التفت الملك نحو شقيقه الأمير "خع إم واست" وحفيده الفتى المعجزة "سى اوزير"، اللذين كانا يقفان إلى جواره والدم

  • سيد الرماد والضوء   129

    وفي ذات الوقت، وفي قلب المعركة الإلهية التي تصاغرت أمامها حروب البشر، كان الإله ست يقف ثابتاً كالمسلة الشامخة، وقد وضع قدمه الضخمة والثقيلة بقسوة فوق صدر بعل المطروح على الرمال الحارة.كان بعل يلهث ويتنفس بصعوبة شديدة كأن أنفاسه الأخيرة تفر منه، وجسده العملاق الأسود ينزف بغزارة ناراً زرقاء داكنة تذوب في التراب وتترك حروقاً في الأرض، وعيناه الكبيرة اللتان كانتا تشتعلان بالرعد والغرور منذ ساعات، امتلأتا برعب حقيقي، خالص، وعميق لأول مرة في حياته الطويلة. رفع ست صولجانه الرعدي المعوج عالياً نحو الغيوم المتفجرة، ومفاصله تنبض بقوة كونية مدمرة، مستعداً بكل جوارحه لإطلاق الضربة القاضية والنهائية التي ستنهي هذا الوجود المظلم.شعر بعل بنهاية أجله واقتراب الفناء، فتحرك الخوف في صدره، وصاح متوسلاً بصوت مكسور، ذليل، يرج جنبات السماء ويستجدي الرحمة من قاهره:"أرجوك... أرجوك يا ست العظيم... ارفع قدمك عني وأتركني أعيش! أقسم لك ببارئ الأكوان أنني لن أمس أرض مصر الطاهرة، ولا نيلها، ولا شعبها بأي سوء أو شر مرة أخرى طوال حياتي... حقاً أقول لك! لقد تعلمت الدرس القاسي اليوم وعرفت حجمي الحقيقي... أنا كنت أح

  • سيد الرماد والضوء   128

    وفي تلك اللحظة الحرجة من المواجهة الكونية، وتحت وطأة الضربات الساحقة والمدمرة لسيد الصحراء، أدركت الإلهة الشرسة عنات أنها ميتة بلا محالة إن بقيت في هذه الساحة لعدة دقائق أخرى، وعرِفت أن جبروت ست لا يمكن لأي قوة شمالية أن تقف في وجهه أو ترده.التفتت برأسها ونظرت إلى زوجها وشريكها بعل، فرأته يترنح وينزف ناراً زرقاء اللون من جروحه العميقة وعاجزاً عن الصد، ثم نظرت نحو الإله ست فرأته يتقدم نحوهما بخطى ثقيلة وثابتة كأنه الموت نفسه الذي يطارد ضحاياه وعيناه الحمراوان تشعان بقسم الفناء. في تلك اللحظة، تملك الخوف والهلع قلب إلهة الحرب، وقررت التخلي عن كل شيء والهرب لتنقذ نفسها.همست عنات بنبرة مرتجفة ومذعورة وهي تنظر إلى زوجها للمرة الأخيرة:"سامحني يا بعل... لم أكن أعلم أننا نواجه هذا الوحش الكوني. لا يمكنني الموت هنا من أجلك."وبدون أي تردد، دارت بجسدها وتحولت في ثوانٍ معدودة إلى لهيب أزرق حارق، وانطلقت نحو أعالي السماء هاربة بسرعة مذهلة شقت بها الغيوم الداكنة، تاركة زوجها بعل وحيداً وبدون أي دعم في قبضة ست التي لا ترحم.صاح بعل بصوت يملأه الذعر والذهول والحرقة وهو يرى شريكته تفر وتتركه للموت

  • سيد الرماد والضوء   127

    تحولت ساحة المعركة بالكامل إلى جحيم أسطوري حي، حيث امتزجت قوة البشر بقوة الآلهة العظام لتصنع لوحة من الدمار لم تشهدها الأرض من قبل. كانت السماء قد تبدلت ملامحها، فصارت ساحة متفجرة مليئة بصواعق البرق العنيفة، وهزيم الرعد الذي يصم الآذان، والرمال المتطايرة التي تحجب الرؤية كأنها جدران من الغبار. وفي الأسفل، كانت الأرض تئن وتنشق تحت الأقدام لتبتلع جثث الغزاة، بينما كانت الدماء الدافئة تسيل كالأنهار الجارية، وتصبغ الرمال البيضاء باللون الأحمر القاني.وفي قلب هذا الجحيم المستعر، كان الجيش المصري يقاتل ببسالة خارقة وبشجاعة هزمت الموت نفسه.وقف الملك "مرنبتاح" في طليعة الصفوف الأمامية كأسد جريح لا يعرف الخوف؛ كان درعه مكسوراً ووجهه مغطى بالدماء والغبار، لكن سيفه الذهبي كان يلمع كقطعة من جمر. اندفع نحو سبع ظلامي عملاق كان يمزق رماة الدلتا، وبضربة سريعة ودقيقة قطع أرجل السبع، ثم قفز بخفة فوق ظهره المغطى بالدخان، وغرز سيفه بكل قوته في عنق السبع حتى سقط الوحش يصرخ صرخة الموت ويتلاشى كالدخان. رفع مرنبتاح سيفه وسط الغبار وصاح بصوت مدوٍّ أشعل الحماس في قلوب رجاله:"لأجل أبي رمسيس العظيم! لأجل أرض ا

  • سيد الرماد والضوء   126

    وقف الإله ست في مكانه، شامخاً كالجبل الأبدي وسط الرمال المتطايرة، ثم انفجرت من حنجرته السبعية ضحكة مدوية، غاشمة، ملأت أركان الكون كله وأخرست حتى صوت الرياح العاتية. لم تكن ضحكة خوف أو قلق، بل كانت ضحكة سعيدة، فرحة، وشرهة للقتال إلى أبعد الحدود. كانت عيناه الناريتان تضيئان بوهج أحمر مرعب، وأنيابه الحادة تبرز من تحت شفتيه في ابتسامة وحشية مخيفة.لقد كان ست يحب القتال والصدام أكثر من أي شيء آخر في الوجود، ومواجهة إلهين قويين مثل بعل وعنات في وقت واحد وفي معركة مكشوفة، كانت بالنسبة له متعة كبرى لا تُضاهى، وفرصة ليطلق العنان لجبروته الذي لا يعرف القيود.رفع ست صولجانه الرعدي المعوج نحو السماء، وصاح بصوت زلزل الجبال الشمالية وأحدث شروخاً في صخور التلال:"أخيراً... أخيراً جاءني تحدٍّ حقيقي يليق بقوتي وجوعي للدماء! تعالَ إليّ يا بعل الجبان الذي يختبئ خلف زوجته... وتعالَي أنتِ أيضاً يا عنات بنصالك المسمومة! اليوم سأعید تلقينكما الدرس، وأذكركما بالدم والنار لماذا أنا، وليس غيري، سيد الصحراء الأوحد، وملك الرعد، وإله الدمار الغاشم الذي لا يُقهر!"وفي تلك اللحظة بالذات، بدأت الملحمة الإلهية الحقيق

  • سيد الرماد والضوء   125

    كان بعل يعرف في أعماق نفسه، وبتجاربه القديمة المريرة، أنه لا قبل له بمواجهة ست منفرداً في ساحة مفتوحة؛ فقوة ست لا تُقاس بالمعايير العادية، وغضبه الحارق لا يمكن لأي إله أن يطفئه، ووحشيته الحربية تفوق كل آلهة الممالك الأخرى. انخفض كبرياء بعل، وهمس لنفسه بصوت مرتجف ومذعور وهو يتراجع للخلف:"لا... ليس الآن... ليس هذا الكائن المرعب... كيف جاء إلى هنا وتركت سفينة رع؟!"ثم، وفي حالة من اليأس المطلق والخوف من الموت الوشيك، رفع بعل صوته القوي نحو السماء وصرخ بتعويذة نداء قديمة ومقدسة استنجاداً بشريكته:"عنات! يا زوجتي ونصل حربي! تعالي إليّ سريعاً... ساعديني قبل أن يسحقني سيد الصحراء!"الفصل الثالث: مذبحة الوحوش واتحاد الجيشينوفي ذات الوقت، لم تكن وحوش ست الأسطورية تنتظر الأوامر؛ بل كانت تلك السباع البرية العملاقة ذات العيون النارية المتوهجة والآذان المستقيمة — وحوش الشا الخالدة — تندفع بغضب جامح ولا يُوصف نحو صفوف الأعداء. وانقضت وحوش الشا بقوة وبدأت تفتك بوحوش بعل الظلامية في مجزرة مروعة غطت الرمال.تحت الضربات النارية لسباع الصحراء، تحولت المعركة بين الوحوش إلى مذبحة حقيقية من طرف واحد؛ حيث

Weitere Kapitel
Entdecke und lies gute Romane kostenlos
Kostenloser Zugriff auf zahlreiche Romane in der GoodNovel-App. Lade deine Lieblingsbücher herunter und lies jederzeit und überall.
Bücher in der App kostenlos lesen
CODE SCANNEN, UM IN DER APP ZU LESEN
DMCA.com Protection Status