Share

160

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-07-16 18:34:19

تلاشت الضوضاء الصاخبة من حولهما، وصار إيقاع الطبول يتردد في أذني سى اوزير كنبضات قلبه المضطربة التي توشك أن تخرج من بين أضلعه. كانت ساحة المعبد قد تحولت إلى فضاء ملتهب بالمشاعر، حيث اختلطت رائحة البخور الممزوجة بعبير الأبدية مع أنفاس الراقصين التي تتصاعد في هواء الليل الرطب. وسط هذا الحشد المهيب، بدت أناتيرا كأنها كائن من نور استلّته السماء لتضعه وسط عالم من الحجر والتقاليد الصارمة.

اقتربت الأميرة الشمالية منه بخطوات بدت وكأنها تطفو فوق الأرض، وعندما أصبحت في مواجهته، انحنت برأسها قليلاً لتوارِي نظراتها الخجولة، ورفعت يدها لترتب خصلة من شعرها الأسود الذي داعبه النسيم. قالت بصوت منخفض، يملؤه التردد والرقة التي تأسر القلوب، وكأنها تخشى من وقع كلماتها على مسامعه:

"يا سيدي الأمير... كلما اقتربتُ من عالمكم، أشعر برهبة تلامس روحي. لا أدري إن كان هذا العيد هو السبب، أم أن السحر الذي يملأ المكان يجعل قلبي لا يستقر على حال. قل لي، أليس من الطبيعي أن تشعر النفس ببعض الاضطراب في مثل هذه اللحظات؟ أخبرني، هل وجودي بجانبك يبعث في نفسك شيئاً من هذا الهدوء... أم أنني مجرد ضيفة أثقلت عليك بحضوري؟"

سرت في جسد سى اوزير قشعريرة دافئة، وكأن كلماتها قد لامست وتراً حساساً في أعماق قلبه المنهك. كان في جوفه بركان من الشغف والاضطراب، يرغب في أن يطلق لروحه العنان ليخبرها أنها صارت محور وجوده، وأن صورتها تطارد أحلامه وأيقظته من سكون كهنوته إلى عالم من الجنون. لكن، وكأن تقاليد الكهنوت الصارمة والتعاليم الرمسيسية القديمة كانت تحيط به كسياج منيع، أطبق فكيه بإحكام. نظر إليها، وكانت نظراته تحمل مزيجاً غريباً من الحنان الذي لا يريد إظهاره، والالتزام الذي يثقل كاهله، وأجاب بنبرة هادئة، يغلفها الوقار الذي يغلبه التردد:

"أنتِ يا أناتيرا، تظنين أن الأعياد والطقوس هي أوقات للبوح بما يختلج في الصدور، لكن في عرفنا، هي أوقاتٌ للخشوع أمام الآلهة. اضطرابكِ الذي تصفينه، ربما هو انعكاسٌ لروحكِ الغريبة عن هذه الأرض التي لا تزال تستكشف أسرارها. أما عني، فقلبي مشغولٌ بواجباتٍ قدسية تفرض عليّ أن أكون حارساً لا مستمعاً لأحاسيس قد تضلل صاحبها. إنني أرى فيكِ ضيفةً عزيزة، وأحاول أن أؤدي واجبي تجاهكِ كما تقتضي المروءة، ولكن لا تظني أن في قلبي متسعاً لأحاديث تتجاوز حدود العقل ومقتضيات العيد. أنا أخشى عليكِ من أن تغرقي في خيالاتٍ لا واقع لها هنا في مصر."

تراجعت أناتيرا خطوة إلى الوراء، وقد ومض في عينيها ألمٌ رقيق، وكأن كلماته قد أصابتها بشيءٍ من الحيرة البريئة. لم تجب على الفور، بل ظلت تنظر إليه بنظرات تحمل مزيجاً من الرجاء والخجل، ثم مالت بجسدها قليلاً، تاركة عطرها يغلف أنفاسه، وقالت بصوت متهدج:

"أنا لا أبحث عن خيالات يا سيدي، بل أبحث عن يقينٍ يطمئن قلبي الذي بات غريباً عني. قسوتك في الحديث لا تليق بنبلِ أفعالك التي رأيتها، ولكنني أتفهم.. أتفهم أن الواجب هو سيد القوم هنا. هل تخشى أن تعترف بأن الروح قد تتوق لأمورٍ لا تدركها الأبصار؟ أنا لا أطلب منك شيئاً سوى أن تعتبرني أكثر من مجرد ابنة مملكةٍ فقدت هويتها. إنني أرى فيك طمأنينةً لم أجدها في صلواتي، فهل هذا أيضاً خيالٌ يجب أن أطرده من فكري؟"

شعر سى اوزير وكأن جداراً كان يبنيه حول نفسه قد بدأ يتصدع. كان يود لو يمسك بيديها، ويخبرها أن كل نبضة في قلبه تنطق باسمها، لكنه، وبجهدٍ جبار، حاول أن يغلف مشاعره بغطاء من الرصانة، رغم أن صوته خانه قليلاً:

"ما تصفينه ليس خيالاً، بل ربما يكون سوء فهمٍ لمقام الأمراء. نحن يا أناتيرا، نعيش في عالمٍ تسبق فيه الحقيقةُ العاطفةَ، والواجبُ يتقدم على الأمنيات. وجودكِ هنا، في هذا الاحتفال، هو أمرٌ أرحب به لأنني مسؤولٌ عن رعايتك، ولكن ليس لأسبابٍ تتعدى كوني أميراً في معبدٍ يحترم الضيوف. لا تبحثي عن يقينٍ في كلمات رجلٍ يعيش حياته بين النصوص والطقوس؛ فأنا لا أملك ترف الانشغال بما تصفينه بـ 'الطمأنينة'. ابحثي عن ذلك في روحكِ، بعيداً عن رجلٍ حسم أمره بأن يكون خادماً لماعت لا عبداً لقلبه."

كانت الكلمات تجرح لسانه كما تجرح قلبها، وكان يرى الحزن في عينيها الذي يحاول عقله إنكاره. استمرت الموسيقى في التحول إلى إيقاعات أكثر انسيابية، وبدأ الراقصون يدورون حولهما في دوامة من الجمال. شعرت أناتيرا أن الأمير يصارع شيئاً ما في داخله، وأن هذا الجفاء ليس إلا قناعاً لقلبٍ يشتعل. ابتسمت ابتسامة خجولة، ثم قالت وهي تضع يدها ببطء وبتردد على طرف ردائه:

"أنا لا أفهم لماذا تصرّ على بناء هذه الجدران بيننا، فالمشاعرُ مثل النيل؛ لا يمكن لأحدٍ أن يوقف جريانها مهما بنى من سدود. ورغم كلماتك التي تبدو باردة كالحجر، فإنني أشعر بدفءٍ في نظراتك ينقضُ كل ما قلته. لا بأس يا أميري، سأظل أنتظر حتى ينهار هذا الجدار، ففي نهاية المطاف، كل القلاع تسقط أمام قوة الحق، والحق هو ما أشعر به اتجاهك، حتى لو رفض لسانك النطق به."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   218

    خطى سى اوزير خطوة واثقة إلى الأمام، مستنداً بيده اليسرى على مقبض سيفه البرونزي العريض، بينما لامست يده اليمنى حجر القلادة النجمية التي بثت في عروقه طاقة جافة وحازمة. نظر إلى حكام الأقاليم بعينين تقدحان بالفطنة والصرامة القيادية، وتحدث بصوت رصين تردد صداه بقوة: "إن ولاءكم هو صمام الأمان لميزان ماعت، غير أن المرحلة القادمة تتطلب تحولاً شاملاً في التدابير الميدانية. لن نكتفي بمراقبة الحدود من بعيد؛ بل سنقيم نقاط ارتكاز دائمة لفرسان الطليعة في كل ممر جبلي وحصن مائي، مع تسيير دوريات استطلاع يومية مشتركة تربط بين الأقاليم الشمالية والجنوبية. كما سيتم تطبيق نظام تفتيش دقيق لكافة القوافل التجارية والبضائع الواردة، لضمان خلوها من أي طلاسم محرمة أو عناصر استخباراتية معادية."تطلعت تفنوت نحو الجمع بنظرة نافذة، وأضافت بصوت قاطع يفيض بالحكمة والتدبير الإداري: "وستتولى فرق الحرس الملكي الإشراف المباشر على مراجعة سجلات الموانئ والمخازن في كافة الأقاليم، بالتنسيق مع حكام المقاطعات. لن يُسمح بوجود أي نشاط خارج عن سلطة الدولة، وسنعمل على توفير الدعم اللوجستي الكامل لكل إقليم يلتزم بالمعايير الأمنية الص

  • سيد الرماد والضوء   217

    انضم الكاهن الأكبر خع ام واست إلى مجلسهما في المقصورة المظللة عند طرف الساحة، يحمل في يده لفائف بردي مطوية ومختومة بالشمع المقدس. كان وجهه يحمل وقار السنين وعمق المعرفة الروحية التي صانت كمت عبر العصور. بسط خع ام واست إحدى اللفائف على الطاولة الحجرية وقال بصوت هادئ ورصين: "لقد أتم كهنة المعبد فحص كافة المقاصير والسراديب السفلية في الكرنك والأقصر، وأكدت الطقوس التطهيرية زوال أي أثر للترددات الأثيرية المظلمة التي حاولت قوى الفوضى غرسها في أرضنا. غير أن النيران التي اشتعلت في قلادة الإله 'ست' أثناء المعركة تشير إلى أن قوى البرزخ قد تراجعت لتتحصن وراء الحدود الغربية البعيدة، ما يستوجب بقاء التميمة النجمية على صدرك يا بني كدرع دائم لحفظ التوازن وحراسة وعيك."نظر سى اوزير إلى والده الكاهن الأكبر وأومأ برأسه تأكيداً لحديثه: "ستظل هذه التميمة حصني الدائم يا أبتاه، كما ستظل تعاليمكما سراجاً ينير طريقي في حماية هذا العرش. لن نترك ثغرة واحدة في جدار كمت، وسنواجه كل مكر بإرادة أمضى من البرونز."ابتسمت تفنوت برضا وثقة، ثم أشارت إلى حراسها بالاستعداد لمرافقة الوفد نحو قاعة العرش الكبرى، حيث كان الف

  • سيد الرماد والضوء   216

    تتابعت الأيام على مدينة طيبة العظمى في أعقاب معركة وادي الملوك، لتشهد العاصمة الفرعونية نهضة عسكرية وتنظيمية غير مسبوقة بقيادة الأمير سى اوزير. لم يكن النصر الساحق على قوى الكسوف مدعاة للاسترخاء أو الركون إلى الدعة، بل تحول إلى نقطة انطلاق لإعادة صياغة المنظومة الدفاعية والأمنية لمملكة كمت بأسرها، استعداداً لأي ارتدادات سياسية قد يفتعلها حلفاء الفوضى على التخوم الحدودية.مع انبثاق أولى خيوط الفجر فوق صفحة مياه النيل الهادئة، كانت ساحات التدريب التابعة لمعبد الكرنك وثكنات الجيش الإمبراطوري تضج بالحركة الدؤوبة وأصوات الجند. اعتاد سى اوزير أن يبدأ نهاره بالإشراف الميداني المباشر على تشكيلات الفرسان، متوشحاً بمئزره الكتاني الملكي المقسّى، بينما تتربع قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن فوق صدره بثبات مهيب. كان حجر العقيق الأحمر الناري يتوسط التميمة كقلب نابض بالحماية، تغطي أطرافه المصقولة الندبة الداكنة تماماً، فتحجب كل أثر للعين المفتوحة التي طالما حاول السحر الأسود استغلالها كنقطة اختراق لوعيه.كانت حرارة القلادة النجمية تسري في جسده كشريان من النار الهادئة، تمنحه صفاءً ذه

  • سيد الرماد والضوء   215

    انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً

  • سيد الرماد والضوء   214

    انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال

  • سيد الرماد والضوء   213

    أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status