LOGINتلاشت الضوضاء الصاخبة من حولهما، وصار إيقاع الطبول يتردد في أذني سى اوزير كنبضات قلبه المضطربة التي توشك أن تخرج من بين أضلعه. كانت ساحة المعبد قد تحولت إلى فضاء ملتهب بالمشاعر، حيث اختلطت رائحة البخور الممزوجة بعبير الأبدية مع أنفاس الراقصين التي تتصاعد في هواء الليل الرطب. وسط هذا الحشد المهيب، بدت أناتيرا كأنها كائن من نور استلّته السماء لتضعه وسط عالم من الحجر والتقاليد الصارمة.
اقتربت الأميرة الشمالية منه بخطوات بدت وكأنها تطفو فوق الأرض، وعندما أصبحت في مواجهته، انحنت برأسها قليلاً لتوارِي نظراتها الخجولة، ورفعت يدها لترتب خصلة من شعرها الأسود الذي داعبه النسيم. قالت بصوت منخفض، يملؤه التردد والرقة التي تأسر القلوب، وكأنها تخشى من وقع كلماتها على مسامعه: "يا سيدي الأمير... كلما اقتربتُ من عالمكم، أشعر برهبة تلامس روحي. لا أدري إن كان هذا العيد هو السبب، أم أن السحر الذي يملأ المكان يجعل قلبي لا يستقر على حال. قل لي، أليس من الطبيعي أن تشعر النفس ببعض الاضطراب في مثل هذه اللحظات؟ أخبرني، هل وجودي بجانبك يبعث في نفسك شيئاً من هذا الهدوء... أم أنني مجرد ضيفة أثقلت عليك بحضوري؟" سرت في جسد سى اوزير قشعريرة دافئة، وكأن كلماتها قد لامست وتراً حساساً في أعماق قلبه المنهك. كان في جوفه بركان من الشغف والاضطراب، يرغب في أن يطلق لروحه العنان ليخبرها أنها صارت محور وجوده، وأن صورتها تطارد أحلامه وأيقظته من سكون كهنوته إلى عالم من الجنون. لكن، وكأن تقاليد الكهنوت الصارمة والتعاليم الرمسيسية القديمة كانت تحيط به كسياج منيع، أطبق فكيه بإحكام. نظر إليها، وكانت نظراته تحمل مزيجاً غريباً من الحنان الذي لا يريد إظهاره، والالتزام الذي يثقل كاهله، وأجاب بنبرة هادئة، يغلفها الوقار الذي يغلبه التردد: "أنتِ يا أناتيرا، تظنين أن الأعياد والطقوس هي أوقات للبوح بما يختلج في الصدور، لكن في عرفنا، هي أوقاتٌ للخشوع أمام الآلهة. اضطرابكِ الذي تصفينه، ربما هو انعكاسٌ لروحكِ الغريبة عن هذه الأرض التي لا تزال تستكشف أسرارها. أما عني، فقلبي مشغولٌ بواجباتٍ قدسية تفرض عليّ أن أكون حارساً لا مستمعاً لأحاسيس قد تضلل صاحبها. إنني أرى فيكِ ضيفةً عزيزة، وأحاول أن أؤدي واجبي تجاهكِ كما تقتضي المروءة، ولكن لا تظني أن في قلبي متسعاً لأحاديث تتجاوز حدود العقل ومقتضيات العيد. أنا أخشى عليكِ من أن تغرقي في خيالاتٍ لا واقع لها هنا في مصر." تراجعت أناتيرا خطوة إلى الوراء، وقد ومض في عينيها ألمٌ رقيق، وكأن كلماته قد أصابتها بشيءٍ من الحيرة البريئة. لم تجب على الفور، بل ظلت تنظر إليه بنظرات تحمل مزيجاً من الرجاء والخجل، ثم مالت بجسدها قليلاً، تاركة عطرها يغلف أنفاسه، وقالت بصوت متهدج: "أنا لا أبحث عن خيالات يا سيدي، بل أبحث عن يقينٍ يطمئن قلبي الذي بات غريباً عني. قسوتك في الحديث لا تليق بنبلِ أفعالك التي رأيتها، ولكنني أتفهم.. أتفهم أن الواجب هو سيد القوم هنا. هل تخشى أن تعترف بأن الروح قد تتوق لأمورٍ لا تدركها الأبصار؟ أنا لا أطلب منك شيئاً سوى أن تعتبرني أكثر من مجرد ابنة مملكةٍ فقدت هويتها. إنني أرى فيك طمأنينةً لم أجدها في صلواتي، فهل هذا أيضاً خيالٌ يجب أن أطرده من فكري؟" شعر سى اوزير وكأن جداراً كان يبنيه حول نفسه قد بدأ يتصدع. كان يود لو يمسك بيديها، ويخبرها أن كل نبضة في قلبه تنطق باسمها، لكنه، وبجهدٍ جبار، حاول أن يغلف مشاعره بغطاء من الرصانة، رغم أن صوته خانه قليلاً: "ما تصفينه ليس خيالاً، بل ربما يكون سوء فهمٍ لمقام الأمراء. نحن يا أناتيرا، نعيش في عالمٍ تسبق فيه الحقيقةُ العاطفةَ، والواجبُ يتقدم على الأمنيات. وجودكِ هنا، في هذا الاحتفال، هو أمرٌ أرحب به لأنني مسؤولٌ عن رعايتك، ولكن ليس لأسبابٍ تتعدى كوني أميراً في معبدٍ يحترم الضيوف. لا تبحثي عن يقينٍ في كلمات رجلٍ يعيش حياته بين النصوص والطقوس؛ فأنا لا أملك ترف الانشغال بما تصفينه بـ 'الطمأنينة'. ابحثي عن ذلك في روحكِ، بعيداً عن رجلٍ حسم أمره بأن يكون خادماً لماعت لا عبداً لقلبه." كانت الكلمات تجرح لسانه كما تجرح قلبها، وكان يرى الحزن في عينيها الذي يحاول عقله إنكاره. استمرت الموسيقى في التحول إلى إيقاعات أكثر انسيابية، وبدأ الراقصون يدورون حولهما في دوامة من الجمال. شعرت أناتيرا أن الأمير يصارع شيئاً ما في داخله، وأن هذا الجفاء ليس إلا قناعاً لقلبٍ يشتعل. ابتسمت ابتسامة خجولة، ثم قالت وهي تضع يدها ببطء وبتردد على طرف ردائه: "أنا لا أفهم لماذا تصرّ على بناء هذه الجدران بيننا، فالمشاعرُ مثل النيل؛ لا يمكن لأحدٍ أن يوقف جريانها مهما بنى من سدود. ورغم كلماتك التي تبدو باردة كالحجر، فإنني أشعر بدفءٍ في نظراتك ينقضُ كل ما قلته. لا بأس يا أميري، سأظل أنتظر حتى ينهار هذا الجدار، ففي نهاية المطاف، كل القلاع تسقط أمام قوة الحق، والحق هو ما أشعر به اتجاهك، حتى لو رفض لسانك النطق به."تسمرت "تفنوت" في مدخل الغرفة، واتسعت عيناها بذهولٍ لم تعهده قط، وكأن الزمن توقف داخل تلك الغرفة الصغيرة التي تفوح برائحة الأعشاب الطبية وعبقٍ غامضٍ ينبعث من جسد "أناتيرا". كان المشهد أمامها لا يحتاج إلى تفسيرٍ مطول؛ ابنها البار، الذي لطالما كان مثالاً للرزانة والوقار، يقف أمامها كمن أُلقي في أتونِ نار، جسده العاري العلوي يلمع بعرقٍ كثيف، وأنفاسه تتلاحق كأنما خرج لتوّه من معركةٍ ضارية، بينما ترقد الفتاة الغريبة على فراشه، مغطاةً بقطعةٍ لا تكاد تستر مفاتن جسدها الأسطوري. شعرت تفنوت برعشةٍ تسري في جسدها، فالمشهدُ لم يكن مجرد حادثة، بل كان صدمةً لكل المبادئ التي ربت عليها سلالة رمسيس. في تلك اللحظة الحرجة، كان دخول "تفنوت" بمثابة صاعقةٍ أيقظت "سى اوزير" من غيبوبة الحواس التي كادت تودي بعقله. أدرك الأمير أن جسده قد خانه، وأن حالته الفاضحة أمام والدته لا يمكن السكوت عنها. تسارعت ضربات قلبه، ليس من الشهوة هذه المرة، بل من هول الموقف. سارع بالنهوض، وحاول بيدا مرتعشتين أن يشد الغطاء أكثر على "أناتيرا" ليحجب عنها نظرات أمه، واندفع بكلماتٍ متسارعة، صوته يتهدج بالارتباك: "أمي! ارجوكِ.. لا تسيئي
لم يعرف سي اوزير ماذا يفعل هل ينادى على الحراس ليحملوها للداخل ويستدعى الطبيب لكن كيف وهى عاريه هكذا ام يحملها هو للداخل ويداويها بنفسه لكن ايضا كيف فعندما تفيق وهى على هذا الحال وهى عاريه تماما بجسدها الاسطورى سيكون الموقف محرج لم ينتظر كثيرا وحملها واسرع الى غرفتها ووضعها على سريره دون ان يراه احدا ثم هرع الى الخارج ليحضر الاعشاب اللازمه ليداويها وندهوالى احد الحراس ليذهب الى غرفة ابيه ليستدعى امه بخصوص امر ما ولم يشأ ان يجعله عاجل حتى لا يثير التساؤلات في هذا الوقت المتاخر ثم عاد الى غرفته ومعه الاعشاب واناتيرا لم تكن تعلم انه استدعى والدته وبدا كانها فرصه لتختلى به وحدها دخل سي اوزير غرفته ونظر اليها والى جسدها الفاتن ثم قام بتغطيه جسدها بغطاء ثم صنع دواء من تلك الاعشاب كانت الغرفة غارقة في هدوءٍ مشوبٍ بالتوتر، لا يقطعه سوى صوت الأنفاس المتلاحقة لـ "سى اوزير" الذي كان يراقب "أناتيرا" وهي تستعيد وعيها. كانت الفتاة مستلقية على فراشه، وقد ألقى عليها غطاءً كتانياً خفيفاً، لكن حركة جسدها المضطربة جعلت الغطاء يرتخي قليلاً، كاشفاً عن رقة ملامحها التي بدأت تستعيد حيويتها. كان الأمير يغالب
لم يعد "سى اوزير" قادراً على تحمل الصمت المريب، فبعد أن تأخر ظهور طيفها على السطح، انقشع قناع الانبهار ليحل محله رعبٌ وجوديٌّ جمد الدماء في عروقه. في لحظةٍ خاطفة، تلاشت كل الحكمة الكهنوتية، ولم يبقَ سوى غريزة الرجل الذي يرى معبودته تبتلعها الغياهب. اندفع من شرفته كالسهم المنطلق، وبقفزةٍ بهلوانية اخترق هواء الليل، لترتطم قدماه ببرودة مياه النيل التي شعرت وكأنها سكاكين تغرز في جسده. لم يكترث لعمق النهر أو لظلام قاعه؛ كان يغوص بجنون، وعيناه الفيروزيتان تمسحان القاع ببحثٍ محموم. وفجأة، رأى طيفاً شاحباً يغوص ببطءٍ نحو القاع السحيق، وكأن قوةً خفية تجذبها إلى الأسفل. زفر في الماء زفرةً مكتومة، واندفع نحوها بكل ما أوتي من قوة بدنية اكتسبها من سنوات تدريبه وقوته البدنية التى توارثها من ابيه وجده رمسيس العظيم . وما إن وصلت يده إلى معصمها، حتى جذبها بقوةٍ نحو صدره، وشعر ببرودة جسدها التي صدمت كل ذرةٍ في كيانه. بدأ في الصعود بكل ما لديه من طاقة، والماء يضغط على رئتيه، لكنه لم يكترث، كان هدفه الوحيد هو ملامسة الهواء الذي تحتاجه. خرج من الماء كغريقٍ يلفظ أنفاسه الأخيرة، حاملاً جسدها الذي بدا كت
مع استمرار المشهد، بدأت الحركات تصبح أكثر غرابة في عيني "سى اوزير". "أناتيرا" لم تكن تسبح بالمعنى المتعارف عليه، بل كانت تندمج مع الماء بشكلٍ مريب. كانت حركاتها انسيابية إلى درجةٍ تفوق قدرة أي سباحٍ مهر. غاصت تحت السطح، وبقيت مدة طويلة، مما أثار دهشة الأمير، لكنه ظل يبتسم بضعف، معتقداً أنها تختبر قدرتها على البقاء تحت الماء، أو أنها تمارس نوعاً من التدريب الذي تعلمته في بلاد الشمال الباردة. كان يراقب السطح وهو يضطرب، ينتظر خروجها وهي تضحك أو تمسح الماء عن وجهها. كانت الابتسامة لا تزال مرتسمة على شفتيه، لكنها كانت ابتسامة ممزوجة بالتوتر الخفي. لم يشعر بالخوف، بل شعر بنوع من الإعجاب بقدرتها على التكيف مع هذا العنصر المتغير. كان يرى في ذلك الغوص رغبةً في الانفصال عن العالم الخارجي، تماماً كما كان يفعل هو عندما يتأمل النجوم في ليالي السكون. أحس الأمير بأنها كانت تتلاعب بالزمن، وبالماء، وحتى بوعيه هو. كل حركةٍ تقوم بها كانت تثير فيه فضولاً لا يرتوي. "أين تذهبين يا أناتيرا؟ وماذا ترين في تلك الأعماق التي لا أراها؟" كان يتساءل في عقله، دون أن يصدر أي صوت. ظلت غائبة لفترة أطول، وهنا بدأت شجا
ساد الصمت المطلق أرجاء المعبد، ولم يقطعه سوى خرير مياه النيل الهادئ الذي ينساب ببطء وكأنه يحمل أسرار العصور القديمة. كان "سى اوزير" واقفاً في شرفته العالية، يراقب المشهد وكأنه مسحور بتعويذة قديمة لا تملك عيناه الفيروزيتان الفكاك منها. كانت ليلة مقمرة، حيث بدا ضوء البدر وكأنه يسكب الفضة السائلة فوق سطح النهر، محولاً المياه إلى بساط متلألئ يعكس هيبة السماء. في تلك اللحظة، ظهر طيف "أناتيرا" من شرفتها المقابلة، وبدت كأنها حورية خرجت لتوها من قصص الخيال التي كان يقرؤها في صباه. لم تكن مجرد فتاة، بل كانت تجسيداً للرقة والغموض. كانت تتحرك بتناغم شديد، وكل حركة من حركاتها كانت تزيد من حدة الاضطراب الذي يغلي في صدره. كان الأمير يراقبها وهي تتجول في شرفتها، يرى كيف يداعب النسيم ثوبها الحريري الشفاف، وكيف ينساب شعرها الأسود الطويل على كتفيها كأنه ليلٌ سرمدي. لم يكن "سى اوزير" يراها كطالبةٍ في المعبد، بل كان يراها كأعجوبةٍ إلهية تفوق منطق الكهنة. كان يتابع تفاصيل جسدها الممشوق تحت ضوء القمر، يرى انحناءات خصرها، وبروز صدرها، وتلك الرشاقة التي لا تكاد تلمس الأرض. وفي تلك اللحظة، اتخذت "أناتيرا" قر
انصرف الأمير "سى اوزير" من قاعة المشورة بخطوات متباطئة، مثقلة بعبء الكلمات التي نطق بها أمام والده وعمه. كان يترك خلفه نظراتهما المتفحصة ليغرق مجدداً في دوامة أفكاره، بينما اتجه قلبه وعقله نحو المهام الكهنوتية التي تنتظره في أروقة معبد "بتاح"، في محاولةٍ يائسة لاستعادة توازنه المفقود. على الجانب الآخر، لم تجد الأميرة "تفنوت" أيّ وسيلة للهدوء بعد لقائها المريب مع "أناتيرا". كانت تمشي في الممرات الفسيحة، وقد تلبّستها حالة من اليقظة الشديدة التي لا تفارق الكاهنات اللواتي خبرن أسرار الغيب. بمجرد أن رأت زوجها "خع إم واست" في جناحه الخاص، يراجع بعض اللفائف البردية التي تخص طقوس الحماية الكبرى، دخلت عليه بملامح تنبئ بأن في صدرها حديثاً لا يحتمل التأجيل. اقتربت منه، ووضعت يدها على اللفيفة التي كان يقرؤها، وقالت بصوت خافت لكنه مشحون بالإصرار: "يا زوجي، لا تظن أنني جئت لأشغل وقتك بحديث العيد وما جرى فيه. قلبي لا يزال يرتجف، وهناك شعورٌ بارد يغلف روحي كلما اقتربتُ من تلك الفتاة الشمالية. لقد طلبتُ من الكاهن 'حور-محب' أن يراقبها، لكنني أعلم أن هذا لا يكفي. أنت يا خع إم واست، تمتلك من القدرات م