LOGINسكن ليل طيبة الهادئ، وألقت أسرار معبد الكرنك ظلالها الثقيلة الموحشة على أروقة المكان المظلمة. في القبو السفلي، حيث تتجمع الرهبة والصمت المطبق بين الجدران الحجرية الضخمة والرموز الفرعونية القديمة المنقوشة بعناية فائقة، وقف الكاهن الأكبر "خايموآست" بكامل وقاره وهيبته، يستعد لإيقاد "نور تحوت"—ذلك اللهب المقدس الأبدي الذي يُستخدم لكشف خبايا النفوس ومعرفة الحقيقة المطلقة دون زيغ أو خداع. وقفت زوجته "تفنوت" بجانبه، وعيناها مليئتان بالترقب والشك الذي لا يهدأ، بينما وقف ابنهما الشاب "سى اوزير" قبالتهما على بعد خطوات، يصارع قلقاً شديداً يكاد يمزق قلبه إرباً، عاجزاً عن حماية الفتاة التي استحوذت على تفكيره وأفقدته صوابه.
وفجأة، كسر سكون المكان صوت انفتحاب باب القبو الثقيل ببطء، وخطت "أناتيرا" إلى الداخل بخطوات ثابتة وهادئة، كأنها تمشي في حديقة قصرها الوضياء وليست في محاكمة غامضة لمصيرها. كانت ترتدي ثوباً أبيض بسيطاً، وملامح وجهها كانت هادئة تماماً، خالية من أي خوف أو تردد. وقف "خايموآست" أمامها مباشرة، ورفع يده البطيئة لتشتعل شعلة زرقاء خافتة ومخيفة في الإناء الحجري العتيق، معلنة رسمياً بدء الاختبار الرهيب. قال "خايموآست" بصوت عميق ونابع من قاع التاريخ، يتردد صداه بين الجدران الحجرية: "لقد حان الوقت يا ابنة الشمال. تقدمي نحو النور المقدس، ودعيه يكشف لنا من أنتِ حقاً، وما تخفيه حنايا صدركِ." نظرت "أناتيرا" إلى الشعلة الزرقاء بعينين تلمعان بذكاء حاد، وابتسمت ابتسامة خفيفة وواثقة لا يدرك سرها أحد سواها، وقالت بصوت هادئ يملؤه الثبات: "أنا جاهزة يا مولاي الكاهن. تقدمت إليكم بمحض إرادتي لأنني لا أملك ما أخفيه، ولعل هذا النور يريح عقولكم المتشككة بي." لكن قبل أن تتحرك خطوة واحدة، كانت قد أعدت حيلتها الكبرى بذكاء شديد ودقة متناهية؛ فهي تعلم تماماً أن هذا النور الإلهي يكشف خبايا البشر الضعفاء لا الكائنات الحية الخالدة أو الآلهة المتخفية. وبدلاً من أن تواجه النور بقوتها الحقيقية وتفضح أمرها، قررت أن تخدعه بطريقة أقدم وأكثر دهاءً: "صنع ذاكرة بشرية وهمية متكاملة". باستخدام قدراتها الخفية الفريدة، نسجت أناتيرا حول نفسها ستارة محكمة من الوهم، وخلقت في أعماق روحها قصة بشرية مؤلمة لفتاة هربت من ويلات الحرب والدمار في الشمال البعيد لتلجأ إلى ضفاف النيل بحثاً عن الأمان والسكينة. لم تكن مجرد كذبة عادية تلقى على اللسان، بل كانت ذكريات حقيقية في تفاصيلها، تنبض بالدموع الحقيقية، والخوف الدفين، والضياع البشري الصادق. فلو لامسها نور تحوت، فلن يجد أمامه سوى صدى روح فتاة مسكينة ومكسورة القلب. تقدمت "أناتيرا" بخطوات بطيئة ومتزنة، ووقفت مباشرة أمام الشعلة الزرقاء التي بدأت تتوهج وتمد ألسنتها الباردة نحو صدرها. في تلك اللحظة الحرجة، ارتعش "سى اوزير" في مكانه ولم يستطع كتمان خوفه، فصاح بصوت مهتز ومحذر: "أبي.. ارجوك! ترفق بها، إنها مجرد فتاة ضعيفة ولا تتحمل قسوة هذا الاختبار!" التفتت "تفنوت" نحو ابنها بغضب مكتوم، وقالت بحدة وهي تشير بيديها نحو الفتاة: "اصمت يا سى اوزير! لا تتدخل الآن.. دعنا نرى ما سيظهره النور. إن كانت صادقة كما تزعم، فلن يصيبها سوى الخير، وإن كانت تخفي شراً، فلينكشف أمرها أمام أعيننا!" ردت "أناتيرا" بهدوء قاتل ومستفز لتفنوت، وهي تنظر إليها بثقة: "دعيه يتكلم يا مولاتي الأميرة.. إن الخائف حقاً هو من يشك في حقيقة نفسه، أما أنا فواثقة بما أقوله." وبمجرد أن انتهت من جملتها، غمر النور الأزرق جسد "أناتيرا" بالكامل، وتغلغل في أعماق كيانها المزعوم، فبدت كأنها تحترق من الداخل بنار الحقيقة المطلقة. انحبست أنفاس تفنوت تماماً، ووضعت يدها على فخذه متوترة، بينما أغلق سى اوزير عينيه من شدة الرعب. لكن، ويا للمفاجأة الكبرى التي لم تكن في الحسبان، لم يحدث أي انفجار مدمر، ولم يرتد النور بأي أذى أو شر. بدلاً من ذلك، بدأت تنعكس على جدران القبو الحجرية حكاية بصرية مؤثرة لفتاة هاربة تائهة في الصحراء القاحلة، لياليها الباردة والقاسية، ودموعها الحارة على عائلتها المفقودة. استجابت طاقة النور لتلك المشاعر الصادقة والمؤثرة التي صاغتها ببراعة، وانحسرت ألسنة اللهب تدريجياً لتعود إلى خمودها الهادئ والضعيف، كأن شيئاً لم يكن. ساد الصمت التام في أرجاء القبو. وقف "خايموآست" مذهولاً وعيناه تتدليان في حيرة بالغة، بينما فتحت "تفنوت" فمها غير مصدقة لما ترتسمه عيناها؛ فالنور لم يظهر سوى براءة مطلقة وقصة إنسانية محزنة ومفجوعة. أما "سى اوزير"، فتنفس الصعداء بعمق شديد، وشعر أن جبلاً عظيماً قد انزاح فجأة عن صدره، فابتسم باطمئنان خفي. التفتت أناتيرا نحوهم ببطء، وبدت على وجهها علامات التعب الإنساني البسيط والإرهاق المصطنع، وقالت بصوت ضعيف يقطر انكساراً وبراءة: "هل ارتحت الآن يا مولاي الكاهن؟ هل اطمأن قلبك يا أميرة طيبة؟ أم أنك ما زلت تشككين في أنني فتاة ضائعة تبحث فقط عن الأمان والعيش بسلام في أرضكم الطيبة؟" لم تستطع تفنوت ابتلاع ما حدث، فتقدمت خطوة نحوها وقالت بصوت متحشرج بالشك: "كيف.. كيف يعقل هذا؟ لا يمكن أن تكوني بهذه البراءة المطلقة! لابد أن هناك خدعة ما.." قاطعها "خايموآست" بوقاره المعهود، وهو يرفع يده ليوقف زوجته عن الكلام، وقال بصوت حكيم وثابت: "حسبك يا تفنوت.. لقد تحدث نور تحوت، والنور لا ينطق إلا بالحق. إن كانت الفتاة كما أظهرت الاختبارات، فليس لدينا الحق في اتهامها ظلمأ. ضيفتنا آمنة معنا، ولتنصرف لتستريح، فقد انتهى أمر هذه الليلة." انحنت "أناتيرا" برأسها باحترام أمام الكاهن الأكبر، ورمشت بعينيها في اتجاه سى اوزير بنظرة مليئة بالمعاني الخفية، قبل أن تستدير وتغادر القبو بخطوات واثقة، تاركة خلفها عائلة متخبطة بين الشك واليقينسكن ليل طيبة الهادئ، وألقت أسرار معبد الكرنك ظلالها الثقيلة الموحشة على أروقة المكان المظلمة. في القبو السفلي، حيث تتجمع الرهبة والصمت المطبق بين الجدران الحجرية الضخمة والرموز الفرعونية القديمة المنقوشة بعناية فائقة، وقف الكاهن الأكبر "خايموآست" بكامل وقاره وهيبته، يستعد لإيقاد "نور تحوت"—ذلك اللهب المقدس الأبدي الذي يُستخدم لكشف خبايا النفوس ومعرفة الحقيقة المطلقة دون زيغ أو خداع. وقفت زوجته "تفنوت" بجانبه، وعيناها مليئتان بالترقب والشك الذي لا يهدأ، بينما وقف ابنهما الشاب "سى اوزير" قبالتهما على بعد خطوات، يصارع قلقاً شديداً يكاد يمزق قلبه إرباً، عاجزاً عن حماية الفتاة التي استحوذت على تفكيره وأفقدته صوابه. وفجأة، كسر سكون المكان صوت انفتحاب باب القبو الثقيل ببطء، وخطت "أناتيرا" إلى الداخل بخطوات ثابتة وهادئة، كأنها تمشي في حديقة قصرها الوضياء وليست في محاكمة غامضة لمصيرها. كانت ترتدي ثوباً أبيض بسيطاً، وملامح وجهها كانت هادئة تماماً، خالية من أي خوف أو تردد. وقف "خايموآست" أمامها مباشرة، ورفع يده البطيئة لتشتعل شعلة زرقاء خافتة ومخيفة في الإناء الحجري العتيق، معلنة رسمياً بدء الا
تردد صدى صوت "خايموآست" في أرجاء الغرفة وكأنه حكمٌ نهائي صدر من محكمة الأبدية. ساد صمتٌ ثقيل، وتجمدت عينا "سى اوزير" في مكانه، وشعر كأن دماءه قد توقفت في عروقه. "نور تحوت"! الكلمة وحدها كانت كفيلة بأن تبث الرعب في نفوس الكهنة أنفسهم؛ فهو اختبارٌ إلهي قديم لا يقتصر على كشف الأكاذيب البشرية فحسب، بل يغوص في أعماق الروح ليهشم أي ستارٍ خفي، وإن كانت "أناتيرا" تخفي خلف ملامحها البشرية كيانًا إلهيًا، فإن ذلك النور سيكشف حقيقتها بلا محالة، وربما يحرقها أو يرتد بسلطانٍ مهلك على من يستدعيه. أما "أناتيرا"، فلم ترتجف لها رموش، ولم تفقد ذلك الهدوء الساحر الذي يلفها. ظلت واقفة بوقارٍ تام، وابتسمت ابتسامة خفيفة تكاد لا تُرى، وكأنها لا تهاب ذلك النور المزعوم، بل كأنها تنتظره بفارغ الصبر لتثبت لهم تفوقها. قالت بصوت هادئ ومستقر، وكأنها تتحدث عن نزهة عابرة لا عن اختبار لمصيرها: "نور تحوت؟ ليكن يا مولاي. إن كان هذا سيطفئ نار الشك في قلب الأميرة، ويمنحك أنت الطمأنينة، فأنا مستعدة. لا خوف على من لا يملك ما يخفيه." نظرت "تفنوت" إليها بشكٍ أعمق، ولم تكن راضية عن هذا الثبات المريب؛ فهي تعرف تمام المعرفة أن
التفتت "تفنوت" إلى ابنها "سى اوزير"، وقد اشتعلت في عينيها نيران الغضب والأمومة الخائفة، لترد بصوت قاطع لا يحتمل الجدال: "أنا لا أحاكم أحداً يا سى اوزير، أنا أدافع عن بيتي ومستقبلك الذي تكاد تضيعه أمام عيني! أنت لا تدرك بعد أبعاد ما تحاول هذه الفتاة فعله." أما "أناتيرا"، فلم تزدها حدة تفنوت إلا ثباتاً وغموضاً؛ فقد تملصت برفق من قبضة تفنوت، وعدلت طيات ثوبها ببطء متعمد، وارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، أشبه بتحدٍ صامت يعلم تماماً كيف يحرك خيوط اللعبة دون أن تتسخ يداه. نظرت إلى سى اوزير نظرة خاطفة حملت الكثير من المعاني، قبل أن توجه حديثها إلى تفنوت بنبرة هادئة ومتزنة: "مولاتي الأميرة، لكِ كل الحق في أن تخافي على ابنك، فهو ليس مجرد شاب عادٍ، بل هو كاهن وقائد ينتظره شأن عظيم. ولكن اعلمي أنني لم أأتِ إلى طيبة لأكون سبباً في هدم ما تبنونه. إن كانت شكوكي تؤذيكِ إلى هذا الحد، فبإمكانكِ أن تأمري بحبسي، أو طردي من المعبد في هذه اللحظة بالذات، فلن أدافع عن نفسي أكثر من ذلك." تدخل سى اوزير سريعاً، وقد ضاقت به السبل وهو يرى الموقف يتأزم بين امرأتين تمسكان بتلابيب روحه وعقله، فقال بصوت حازم خفيض:
بعد أن اطمأنت "تفنوت" على استقرار حالة "أناتيرا" داخل جناحها، ووضعتها في فراشها بعد أن غطتها بعناية، نظرت إليها للحظةٍ أخيرة بنظراتٍ تحمل مزيجاً من الشك والريبة. قالت بصوتٍ هادئ ولكن يحمل تحذيراً مبطناً: "استريحي الآن يا ابنتي، فجسدكِ لا يزال يرتجف من أثر برودة النيل. سنكمل حديثنا غداً عندما يصفو الذهن وتستعيدين كامل قوتكِ." لم تنتظر رداً، بل استدارت بخطواتٍ ملكية وخرجت من الغرفة، متجهة مباشرة نحو جناح ابنها "سى اوزير". وصلت إلى باب غرفته، وطرقت عليه طرقاتٍ سريعة ومضطربة. فُتح الباب ليظهر "سى اوزير" بوجهٍ شاحبٍ لا يزال يحمل آثار الانفعال، وبمجرد أن رآها حتى أفسح لها المجال لتدخل. بمجرد أن أغلقت الباب خلفها، لم تنتظر تفنوت حتى يلتقطا أنفاسهما؛ فقد كان القلق ينهش قلبها، وبدأت تسير في الغرفة جيئة وذهاباً. قالت بصوتٍ منخفض ولكن مشحون بالتوتر: "سى اوزير.. كن صريحاً معي، ألا تجد في هذه الليلة ما يثير الريبة؟ أشعر وكأن كل ما جرى أشبه بتمثيليةٍ متقنة! المشهد بكامله، من خروجها للنيل، إلى غرقها، إلى توقيت ظهورك في الشرفة.. كل هذا غريبٌ جداً ولا يمت للصدفة بصلة." حاول "سى اوزير" أن يتماسك، رغ
مع إشراقة شمس اليوم التالي، ألقى الصباح بأضوائه الذهبية على أروقة المعبد الكرنكي، لكن الهدوء الذي ساد المكان كان هدوءاً يسبق العاصفة. لم يذق "سى اوزير" طعم النوم طوال الليل؛ فقد ظل جالساً في غرفته، يصارع أفكاره المتضاربة وصوت تحذيرات والدته الذي لم يفارق أذنيه. في الجناح المجاور، كانت "أناتيرا" تستيقظ على نغمات النهار الجديدة، واضعتاً ساقاً فوق ساق، وعلى شفتيها ابتسامة نصر خفية؛ فهي تعلم جيداً أن جدران حصن الأمير قد بدأت تتصدع، وأن تفنوت، رغم كل توجسها، لن تستطيع إيقاف ما تم التخطيط له بدقة محكمة. في تمام الساعة العاشرة، وقفت "تفنوت" أمام باب جناح "أناتيرا"، وبعزيمة امرأة لا تقبل أنصاف الحلول، دفعت الباب وخلت عليها دون استئذان. كانت "أناتيرا" تجلس بهدوء على حافة الفراش، ترتدي ثوباً أبيض بسيطاً، وبدت في كامل وعيها وصفائها، وكأن ليلة أمس بقاعها ومخاطرها لم تكن سوى حلم عابر. تفنوت (بنبرة حادة وواثقة، وهي تقف في منتصف الغرفة وتكتف يديها): "صباح الخير يا أناتيرا. أرى أنك استعدت عافيتك سريعاً، وهذا أمر جيد، لأن لدي الكثير من الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات قاطعة اليوم، بعيداً عن تبريرات لي
تسمرت "تفنوت" في مدخل الغرفة، واتسعت عيناها بذهولٍ لم تعهده قط، وكأن الزمن توقف داخل تلك الغرفة الصغيرة التي تفوح برائحة الأعشاب الطبية وعبقٍ غامضٍ ينبعث من جسد "أناتيرا". كان المشهد أمامها لا يحتاج إلى تفسيرٍ مطول؛ ابنها البار، الذي لطالما كان مثالاً للرزانة والوقار، يقف أمامها كمن أُلقي في أتونِ نار، جسده العاري العلوي يلمع بعرقٍ كثيف، وأنفاسه تتلاحق كأنما خرج لتوّه من معركةٍ ضارية، بينما ترقد الفتاة الغريبة على فراشه، مغطاةً بقطعةٍ لا تكاد تستر مفاتن جسدها الأسطوري. شعرت تفنوت برعشةٍ تسري في جسدها، فالمشهدُ لم يكن مجرد حادثة، بل كان صدمةً لكل المبادئ التي ربت عليها سلالة رمسيس. في تلك اللحظة الحرجة، كان دخول "تفنوت" بمثابة صاعقةٍ أيقظت "سى اوزير" من غيبوبة الحواس التي كادت تودي بعقله. أدرك الأمير أن جسده قد خانه، وأن حالته الفاضحة أمام والدته لا يمكن السكوت عنها. تسارعت ضربات قلبه، ليس من الشهوة هذه المرة، بل من هول الموقف. سارع بالنهوض، وحاول بيدا مرتعشتين أن يشد الغطاء أكثر على "أناتيرا" ليحجب عنها نظرات أمه، واندفع بكلماتٍ متسارعة، صوته يتهدج بالارتباك: "أمي! ارجوكِ.. لا تسيئي