LOGINتردد صدى صوت "خايموآست" في أرجاء الغرفة وكأنه حكمٌ نهائي صدر من محكمة الأبدية. ساد صمتٌ ثقيل، وتجمدت عينا "سى اوزير" في مكانه، وشعر كأن دماءه قد توقفت في عروقه. "نور تحوت"! الكلمة وحدها كانت كفيلة بأن تبث الرعب في نفوس الكهنة أنفسهم؛ فهو اختبارٌ إلهي قديم لا يقتصر على كشف الأكاذيب البشرية فحسب، بل يغوص في أعماق الروح ليهشم أي ستارٍ خفي، وإن كانت "أناتيرا" تخفي خلف ملامحها البشرية كيانًا إلهيًا، فإن ذلك النور سيكشف حقيقتها بلا محالة، وربما يحرقها أو يرتد بسلطانٍ مهلك على من يستدعيه.
أما "أناتيرا"، فلم ترتجف لها رموش، ولم تفقد ذلك الهدوء الساحر الذي يلفها. ظلت واقفة بوقارٍ تام، وابتسمت ابتسامة خفيفة تكاد لا تُرى، وكأنها لا تهاب ذلك النور المزعوم، بل كأنها تنتظره بفارغ الصبر لتثبت لهم تفوقها. قالت بصوت هادئ ومستقر، وكأنها تتحدث عن نزهة عابرة لا عن اختبار لمصيرها: "نور تحوت؟ ليكن يا مولاي. إن كان هذا سيطفئ نار الشك في قلب الأميرة، ويمنحك أنت الطمأنينة، فأنا مستعدة. لا خوف على من لا يملك ما يخفيه." نظرت "تفنوت" إليها بشكٍ أعمق، ولم تكن راضية عن هذا الثبات المريب؛ فهي تعرف تمام المعرفة أن البشر العاديين يرتجفون لمجرد سماع اسم هذا الاختبار، فما بالك بمن يقف أمامه بكل هذه الثقة؟ التفتت تفنوت نحو زوجها وقالت بصوت مشحون بالتحذير: "يا خايموآست.. أخشى أن يكون هذا الاختبار ساحقاً أكثر مما تتصور. هذه الفتاة ليست عادية، وثباتها هذا ينذر بشر ططويل." رفع خايموآست يده ليقاطع زوجته بوقار، وقال وعيناه لا تزالان مثبتتين على أناتيرا: "الحقيقة لا تخشى النور يا تفنوت، ومن يحمل براءةً لا يرهبه قبو تحوت. السعة والقدرة لمن أثبت العكس." ثم استدار بخطوات بطيئة وثابتة نحو الباب، وأردف بصوت آمر: "عند منتصف الليل، حيث يسود السكون التام وتلتقي نجوم السماء بأرض الأسرار، سيكون اللقاء في القبو السفلي للمعبد. كُن مستعدًا يا سى اوزير لتشهد بنفسك ما ستسفر عنه ليلتنا." غادر خايموآست الغرفة بخطوات رزينة، وتبعته تفنوت وهي ترمق أناتيرا بنظرة أخيرة تحمل وعيداً صامتاً. بقي سى اوزير واقفاً في مكانه، عاجزاً عن الحراك. عندما خلت الغرفة إلا منهما، اقترب ببطء من أناتيرا، وقد بدا على وجهه شحوب القلق والخوف الحقيقي. همس بصوت يتهدج: "أنتِ لا تدرين ما تفعلين.. نور تحوت ليس لعبة يا أناتيرا! إنه يكشف خبايا النفوس، وربما.. ربما يدمركِ تماماً إن كنتِ تخفين شيئاً.. لماذا وافقتِ بهذه السهولة؟ لماذا لا تهربين الآن؟ سأساعدكِ على الخروج من المعبد قبل منتصف الليل!" رفعت أناتيرا بصرها إليه، واقتربت منه خطوة واحدة، حتى أصبحت تشعر بحرارة أنفاسه المضطربة. مدت يدها الرقيقة ولامست أطراف أصابعه الباردة، وقالت بصوت هادئ كالنسيم العليل، لكنه يحمل في طياته سحراً يزلزل القلوب: "تهرب يا سى اوزير؟ وهل يهرب المرء من قدره؟ لا تخف عليّ.. دع نور تحوت يسطع الليلة، ودع جدران القبو تشهد من أنا حقاً. ربما في ذلك النور، سترى أخيراً الحقيقة التي طالما عمَت بصيرتك." سحبته كلماتها إلى عالم آخر، وتركته في حيرةٍ مدمرة بين طاعته لأبيه، وخوفه على الفتاة التي سكنت روحه، وبين شعور خفي يخبره أن منتصف هذه الليلة لن يحمل مجرد اختبار، بل سيكسر أقفال الزمن ويغير وجه طيبة إلى الأبد. كانت اناتيرا تعرف انه ربما يحين ذلك الوقت الذي يبدأو فيها الشك تجاههاسكن ليل طيبة الهادئ، وألقت أسرار معبد الكرنك ظلالها الثقيلة الموحشة على أروقة المكان المظلمة. في القبو السفلي، حيث تتجمع الرهبة والصمت المطبق بين الجدران الحجرية الضخمة والرموز الفرعونية القديمة المنقوشة بعناية فائقة، وقف الكاهن الأكبر "خايموآست" بكامل وقاره وهيبته، يستعد لإيقاد "نور تحوت"—ذلك اللهب المقدس الأبدي الذي يُستخدم لكشف خبايا النفوس ومعرفة الحقيقة المطلقة دون زيغ أو خداع. وقفت زوجته "تفنوت" بجانبه، وعيناها مليئتان بالترقب والشك الذي لا يهدأ، بينما وقف ابنهما الشاب "سى اوزير" قبالتهما على بعد خطوات، يصارع قلقاً شديداً يكاد يمزق قلبه إرباً، عاجزاً عن حماية الفتاة التي استحوذت على تفكيره وأفقدته صوابه. وفجأة، كسر سكون المكان صوت انفتحاب باب القبو الثقيل ببطء، وخطت "أناتيرا" إلى الداخل بخطوات ثابتة وهادئة، كأنها تمشي في حديقة قصرها الوضياء وليست في محاكمة غامضة لمصيرها. كانت ترتدي ثوباً أبيض بسيطاً، وملامح وجهها كانت هادئة تماماً، خالية من أي خوف أو تردد. وقف "خايموآست" أمامها مباشرة، ورفع يده البطيئة لتشتعل شعلة زرقاء خافتة ومخيفة في الإناء الحجري العتيق، معلنة رسمياً بدء الا
تردد صدى صوت "خايموآست" في أرجاء الغرفة وكأنه حكمٌ نهائي صدر من محكمة الأبدية. ساد صمتٌ ثقيل، وتجمدت عينا "سى اوزير" في مكانه، وشعر كأن دماءه قد توقفت في عروقه. "نور تحوت"! الكلمة وحدها كانت كفيلة بأن تبث الرعب في نفوس الكهنة أنفسهم؛ فهو اختبارٌ إلهي قديم لا يقتصر على كشف الأكاذيب البشرية فحسب، بل يغوص في أعماق الروح ليهشم أي ستارٍ خفي، وإن كانت "أناتيرا" تخفي خلف ملامحها البشرية كيانًا إلهيًا، فإن ذلك النور سيكشف حقيقتها بلا محالة، وربما يحرقها أو يرتد بسلطانٍ مهلك على من يستدعيه. أما "أناتيرا"، فلم ترتجف لها رموش، ولم تفقد ذلك الهدوء الساحر الذي يلفها. ظلت واقفة بوقارٍ تام، وابتسمت ابتسامة خفيفة تكاد لا تُرى، وكأنها لا تهاب ذلك النور المزعوم، بل كأنها تنتظره بفارغ الصبر لتثبت لهم تفوقها. قالت بصوت هادئ ومستقر، وكأنها تتحدث عن نزهة عابرة لا عن اختبار لمصيرها: "نور تحوت؟ ليكن يا مولاي. إن كان هذا سيطفئ نار الشك في قلب الأميرة، ويمنحك أنت الطمأنينة، فأنا مستعدة. لا خوف على من لا يملك ما يخفيه." نظرت "تفنوت" إليها بشكٍ أعمق، ولم تكن راضية عن هذا الثبات المريب؛ فهي تعرف تمام المعرفة أن
التفتت "تفنوت" إلى ابنها "سى اوزير"، وقد اشتعلت في عينيها نيران الغضب والأمومة الخائفة، لترد بصوت قاطع لا يحتمل الجدال: "أنا لا أحاكم أحداً يا سى اوزير، أنا أدافع عن بيتي ومستقبلك الذي تكاد تضيعه أمام عيني! أنت لا تدرك بعد أبعاد ما تحاول هذه الفتاة فعله." أما "أناتيرا"، فلم تزدها حدة تفنوت إلا ثباتاً وغموضاً؛ فقد تملصت برفق من قبضة تفنوت، وعدلت طيات ثوبها ببطء متعمد، وارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، أشبه بتحدٍ صامت يعلم تماماً كيف يحرك خيوط اللعبة دون أن تتسخ يداه. نظرت إلى سى اوزير نظرة خاطفة حملت الكثير من المعاني، قبل أن توجه حديثها إلى تفنوت بنبرة هادئة ومتزنة: "مولاتي الأميرة، لكِ كل الحق في أن تخافي على ابنك، فهو ليس مجرد شاب عادٍ، بل هو كاهن وقائد ينتظره شأن عظيم. ولكن اعلمي أنني لم أأتِ إلى طيبة لأكون سبباً في هدم ما تبنونه. إن كانت شكوكي تؤذيكِ إلى هذا الحد، فبإمكانكِ أن تأمري بحبسي، أو طردي من المعبد في هذه اللحظة بالذات، فلن أدافع عن نفسي أكثر من ذلك." تدخل سى اوزير سريعاً، وقد ضاقت به السبل وهو يرى الموقف يتأزم بين امرأتين تمسكان بتلابيب روحه وعقله، فقال بصوت حازم خفيض:
بعد أن اطمأنت "تفنوت" على استقرار حالة "أناتيرا" داخل جناحها، ووضعتها في فراشها بعد أن غطتها بعناية، نظرت إليها للحظةٍ أخيرة بنظراتٍ تحمل مزيجاً من الشك والريبة. قالت بصوتٍ هادئ ولكن يحمل تحذيراً مبطناً: "استريحي الآن يا ابنتي، فجسدكِ لا يزال يرتجف من أثر برودة النيل. سنكمل حديثنا غداً عندما يصفو الذهن وتستعيدين كامل قوتكِ." لم تنتظر رداً، بل استدارت بخطواتٍ ملكية وخرجت من الغرفة، متجهة مباشرة نحو جناح ابنها "سى اوزير". وصلت إلى باب غرفته، وطرقت عليه طرقاتٍ سريعة ومضطربة. فُتح الباب ليظهر "سى اوزير" بوجهٍ شاحبٍ لا يزال يحمل آثار الانفعال، وبمجرد أن رآها حتى أفسح لها المجال لتدخل. بمجرد أن أغلقت الباب خلفها، لم تنتظر تفنوت حتى يلتقطا أنفاسهما؛ فقد كان القلق ينهش قلبها، وبدأت تسير في الغرفة جيئة وذهاباً. قالت بصوتٍ منخفض ولكن مشحون بالتوتر: "سى اوزير.. كن صريحاً معي، ألا تجد في هذه الليلة ما يثير الريبة؟ أشعر وكأن كل ما جرى أشبه بتمثيليةٍ متقنة! المشهد بكامله، من خروجها للنيل، إلى غرقها، إلى توقيت ظهورك في الشرفة.. كل هذا غريبٌ جداً ولا يمت للصدفة بصلة." حاول "سى اوزير" أن يتماسك، رغ
مع إشراقة شمس اليوم التالي، ألقى الصباح بأضوائه الذهبية على أروقة المعبد الكرنكي، لكن الهدوء الذي ساد المكان كان هدوءاً يسبق العاصفة. لم يذق "سى اوزير" طعم النوم طوال الليل؛ فقد ظل جالساً في غرفته، يصارع أفكاره المتضاربة وصوت تحذيرات والدته الذي لم يفارق أذنيه. في الجناح المجاور، كانت "أناتيرا" تستيقظ على نغمات النهار الجديدة، واضعتاً ساقاً فوق ساق، وعلى شفتيها ابتسامة نصر خفية؛ فهي تعلم جيداً أن جدران حصن الأمير قد بدأت تتصدع، وأن تفنوت، رغم كل توجسها، لن تستطيع إيقاف ما تم التخطيط له بدقة محكمة. في تمام الساعة العاشرة، وقفت "تفنوت" أمام باب جناح "أناتيرا"، وبعزيمة امرأة لا تقبل أنصاف الحلول، دفعت الباب وخلت عليها دون استئذان. كانت "أناتيرا" تجلس بهدوء على حافة الفراش، ترتدي ثوباً أبيض بسيطاً، وبدت في كامل وعيها وصفائها، وكأن ليلة أمس بقاعها ومخاطرها لم تكن سوى حلم عابر. تفنوت (بنبرة حادة وواثقة، وهي تقف في منتصف الغرفة وتكتف يديها): "صباح الخير يا أناتيرا. أرى أنك استعدت عافيتك سريعاً، وهذا أمر جيد، لأن لدي الكثير من الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات قاطعة اليوم، بعيداً عن تبريرات لي
تسمرت "تفنوت" في مدخل الغرفة، واتسعت عيناها بذهولٍ لم تعهده قط، وكأن الزمن توقف داخل تلك الغرفة الصغيرة التي تفوح برائحة الأعشاب الطبية وعبقٍ غامضٍ ينبعث من جسد "أناتيرا". كان المشهد أمامها لا يحتاج إلى تفسيرٍ مطول؛ ابنها البار، الذي لطالما كان مثالاً للرزانة والوقار، يقف أمامها كمن أُلقي في أتونِ نار، جسده العاري العلوي يلمع بعرقٍ كثيف، وأنفاسه تتلاحق كأنما خرج لتوّه من معركةٍ ضارية، بينما ترقد الفتاة الغريبة على فراشه، مغطاةً بقطعةٍ لا تكاد تستر مفاتن جسدها الأسطوري. شعرت تفنوت برعشةٍ تسري في جسدها، فالمشهدُ لم يكن مجرد حادثة، بل كان صدمةً لكل المبادئ التي ربت عليها سلالة رمسيس. في تلك اللحظة الحرجة، كان دخول "تفنوت" بمثابة صاعقةٍ أيقظت "سى اوزير" من غيبوبة الحواس التي كادت تودي بعقله. أدرك الأمير أن جسده قد خانه، وأن حالته الفاضحة أمام والدته لا يمكن السكوت عنها. تسارعت ضربات قلبه، ليس من الشهوة هذه المرة، بل من هول الموقف. سارع بالنهوض، وحاول بيدا مرتعشتين أن يشد الغطاء أكثر على "أناتيرا" ليحجب عنها نظرات أمه، واندفع بكلماتٍ متسارعة، صوته يتهدج بالارتباك: "أمي! ارجوكِ.. لا تسيئي