Share

176

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-07-28 14:57:42

خارج أروقة القبو المظلمة، كانت نسائم الليل الرطبة تتسلل عبر الممرات الرخامية للمعبد، لكنها لم تكن كافية لتبريد جمر التوتر بين الشخوص. اختفت "أناتيرا" في ظلال الممرات الطويلة اتجاه جناحها الخاص، تاركة خلفها أثراً يسحر القلوب ويثير الريبة في آن واحد.

وقف "سى اوزير" عند ناصية الممر المؤدي إلى حدائق المعبد الخارجية، يتنفس الهواء العليل بعمق، وكأنه يطرد بقايا الخوف الذي استبد به أثناء الطقس. وفي لحظة صمت، أقبلت عليه "تفنوت" بخطوات سريعة وحثيثة، تتطاير أطراف رداءها مع حركة جسدها المتوتر، حتى وقفت أمامه مباشرة، تحجب عنه ضوء القمر.

قالت "تفنوت" بصوت خفيض ونبرة حادة كالسيف:

"أتبتسم يا سى اوزير؟ أتظن أن الأزمة قد انتهت لأن والدك انخدع بالصورة التي رسمها اللهب؟"

تنهد "سى اوزير" وضيق عينيه بضيق، قائلاً:

"أمي، أرجوكِ! لقد أقسم والدي بنور تحوت، والنور كشف حقيقتها أمام الكهنة جميعاً. هي ليست إلا فتاة مسكينة ذاقت ويلات الحرب في الشمال. لماذا تتشبثين بالشك والظنون إلى هذا الحد؟"

اقتربت تفنوت منه خطوة أخرى، ووضعت يدها على صدره بثقل أم تخشى على ولدها الهلاك، وقالت بلهجة مفعمة بالمرارة:

"لأن عين المرأة لا تخطئ عين امرأة أخرى يا بني! النور أظهر ذاكرة، نعم.. لكن السحر الحقيقي لا يحارب الحقائق، بل ينسج حكايات يشتهي العقل تصديقها! تلك الفتاة دخلت هذا القصر كالظلمة التي تتسلل قبل العاصفة، وأنت تغرق في هواها بلا طوق نجاة."

رد "سى اوزير" بنبرة أعلى قليلاً، محاولاً إظهار الحسم:

"إنها ضيفتنا وتحت حمايتي وحماية المعبد، ولن أسمح بإهانتها أو ملاحقتها بعد اليوم. إن كنتِ تشكين في حكم والدي أو طقوس المعبد، فهذا شأنكِ وحده!"

استدار سى اوزير غاضباً وتركها واقفة في الممر، تاركاً إياها تصارع هواجسها، وتوجه بخطوات حثيثة نحو الجناح الشمالي للمعبد—حيث تقيم أناتيرا.

في جناحها، كانت الشموع المعطرة بزيوت اللوتس تلقي بظلال دافئة وناعمة على الجدران المغطاة بالكتان. لم تكن أناتيرا تبدو كمحاربة منتصرة ولا كفتاة خائفة؛ بل كانت تجلس أمام مرآة برونزية مصقولة، تملس شعرها الفاحم ببطء شديد، وابتسامة خفيفة وساخرة ترتسم على شفتيها الإلهيتين.

طرق سى اوزير الباب بمهابة، ثم دفعه ببطء ودخل:

"أناتيرا.. هل أنتِ بخير؟"

التفتت إليه ببطء، وجمعت مشاعر الانكسار والبراءة على وجهها في خفة ساحرة، وقالت بصوت همسي متهدج:

"مولاي سى اوزير.. لم أستطع النوم. ما زال هول الطقس يرتعد في أوصالي. لقد خفتُ ألا يصدقني والداك، أن أُرمى في السجن أو أُنفى إلى الصحراء وأنا لا أملك حيلة ولا سنداً."

خطا سى اوزير نحوها بعاطفة جياشة، وجلس على ركبتيه بالقرب منها، متناولاً يدها الرقيقة بين يديه بثبات:

"لا تخافي بعد اليوم يا أناتيرا. لقد شهد الحق لكِ، ولن يمسكِ سوء وأنا حكيم هذه الأرض وسيدها القادم. والدتي قاسية بحكم حذرها، لكن والدي الكاهن الأكبر أعلن براءتكِ أمام الجميع."

نظرت إلى عينيه برفق، وغاصت بعينيها الفيروزيتين في عمق روح المتطلعة إليه، ورفعت يدها الأخرى لتلامس وجنته بلمسة دافئة جعلت دقات قلبه تتسارع بشكل جنوني:

"أنا لا أخشى الكهنة ولا أخشى الاختبارات يا سى اوزير.. كل ما أخشاه هو أن تفقد ثقتك بي، أو أن تتسلل الريبة إلى قلبك الصادق هذا. لو خسرت حمايتك وقربك، فلن يبقى لي سبب للحياة في هذه الديار."

غرق "سى اوزير" في طوفان مشاعره، وانحنى يقبل يدها بحرارة، قائلاً:

"أقسم لكِ بآلهة طيبة ونيلها العظيم، لن يتخلى عنكِ سى اوزير أبداً، وسأكون لكِ الحصن والأمان مهما كانت الأثمان."

في تلك اللحظة، وفي عتمة الجناح الدافئة، امتزجت مشاعر الحماية الإنسانية بالدهاء الإلهي الماكر. كانت أناتيرا تدرك أنها لم تنجُ فقط من طقس تحوت، بل أسقطت القلعة الأخيرة في دفاعات الأمير الشاب، ممهدة الطريق لخطوتها القادمة التي ستغير موازين القوى في المعبد بأكمله.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   215

    انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً

  • سيد الرماد والضوء   214

    انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال

  • سيد الرماد والضوء   213

    أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،

  • سيد الرماد والضوء   212

    انقشعت أطياف الليل الثقيل والغائم عن سماء مدينة طيبة العظمى لتكشف عن بزوغ فجر مشحون بأقصى درجات الاستنفار العسكري والتأهب الروحي، وذلك في أعقاب انتهاء جلسة الاستجلاء الكهنوتية الحارقة في المقاصير السفلية لمعبد الكرنك. لم تكن اعترافات رئيس المشعوذين المقبوض عليه بشأن ليلة الكسوف المرتقبة بعد دورتين كاملتين للقمر مجرد نذير عابر يمر مرور الكرام، بل كانت بمثابة إعلان النفير العام الذي أطلق شرارة التعبئة الشاملة والقصوى في كافة أركان القصر الملكي، وثكنات الجيش الإمبراطوري، وحرم المعابد الكبرى الممتدة على ضفتي نهر النيل الخالد من أقصى الشمال إلى أطراف الجنوب.في الجناح الشرقي للقيادة العسكرية العليا، وهو بهو رحب شُيدت أعمدته الضخمة من حجر الجرانيت الأحمر المصقول وعُلقت على جدرانه الشاهقة دروع البرونز اللامعة ورايات الصقر المجنح الذهبية، اجتمع الأمير سى اوزير بكبار قادة الفرسان، وأمراء الألوية الحربية، ورؤساء فرق الرماة، بحضور مهيب من الفرعون مرنبتاح والملكة تفنوت. كانت الطاولة الجرانيتية الكبرى التي تتوسط البهو تكتظ بخرائط جلدية مدبوغة بعناية فائقة، رُسمت عليها التضاريس الجبلية والوعرة لحدو

  • سيد الرماد والضوء   210

    انحدرت درجات السلم الجرانيتي المؤدية إلى مقاصير التحقيق السفلية في ظلمات معبد الكرنك، حيث كان الهواء يزداد برودة وثقلاً مع كل خطوة يخطوها الأمير سى اوزير بجانب والده الكاهن الأكبر خع ام واست وأمه تفنوت. كانت المشاعل المثبتة على الجدران الصخرية ترسل ألسنة لهب مضطربة بفعل التيارات الهوائية الباردة المتسربة من دهاليز الأرض، لتلقي بظلال طويلة راقصة تشبه أطياف الكيانات السفلية المحبوسة في نقوش التطهير الفرعونية المحفورة على الحجارة.كانت رائحة المر المحروق، والبخور الجاوي، وحشائش الحرمل تملأ الأروقة السفلية لتشكل سداً روحانياً منيعاً ضد السحر الأسود. تقدم سى اوزير بخطوات ثابتة ومهيبة، وصوت صليل سيفه البرونزي يتردد في الممر كإيقاع حربي صارم، بينما كانت قلادة الإله "ست" تستقر بثقلها المهيب فوق صدره العاري، تطلق نبضات حرارية خفيفة ومتصلة تحمي وعيه وتكتم أي صدى للأطياف المتربصة في عتمة المقاصير.وصلا إلى قاعة الاستجلاء الكبرى، وهي غرفة دائرية منحوتة في باطن الصخر تحيط بها أربعة أعمدة بازلتية نُقشت عليها تعاويذ ميزان ماعت وسيف الانتقام. في منتصف القاعة، كان رئيس المشعوذين مقيداً بسلاسل برونزية

  • سيد الرماد والضوء   209

    انسابت ظلال المساء الأولى متسللة كالأفاعي بين ثنايا الجناح الملكي، محملة ببرودة صحراوية خفيفة كسرت الجو اللاهب لنهار "طيبة" العصيب. لم يكن الصمت المخيم على المقاصير الملكية سكون راحة أو دعة، بل كان هدوءاً ثقيلاً يئن بصدى التوترات الجيو-سياسية والروحية العاصفة التي باتت تهدد بتفكيك ميزان "ماعت" وإسقاط عرش كمت في أتون الفوضى.في مجلس إدارة شؤون العرش المصغر، حيث تتداخل خطوط السحر بصرامة الحكم، جلس الأمير سى اوزير بجانب أمه تفنوت وأبيه الكاهن الأكبر خع ام واست. كانت الطاولة الحجرية المصنوعة من الجرانيت الأسود تكتظ بخرائط أقاليم مصر الجنوبية وبرديات التقارير الاستخباراتية الواردة من عيون العرش في حواضر الشام وأطراف النوبة، تحكي عن تحركات مريبة وفتن تشتعل في الخفاء.كان سى اوزير يرتدي رداءه الكتاني الملكي الفاخر، وتتربع قلادة الإله "ست" فوق صدره العاري بثقلها النجمي المهيب. كانت التميمة تطلق ضوءاً قرمزيًا خافتاً يتناغم مع ضربات قلبه الم

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status