Share

194

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-08-03 00:20:01

اقترب الفرعون مرنبتاح من سى اوزير، وجثو على ركبة واحدة بجانبه. وضع يده القوية على كتف الأمير الشاب وقال بصوت يحمل دفء الجد رمسيس وحزمه: "قم يا سى اوزير.. مصر تحتاج إلى فرسانها، ولا وقت لدينا للضعف. يجب أن تتطهر روحك وجسدك فوراً قبل أن تبدأ الفتن في البلاط وتنتهز الفئات الخبيثة هذا التوتر."

وفي المعبد الأرضي، استعاد سى اوزير أنفاسه تدريجياً وبدأ يجلس بمساعدة أمه. كانت عيناه تشتعلان بمزيج من الندم والغضب، والندبة السوداء المحفورة فوق قلبه على شكل عين مفتوحة تفرز حرارة خفيفة تذكره بالتأليف السحري الذي ربطه بأناتيرا.

تنفس سى اوزير بحدة وقال بصوت أكثر وضوحاً: "يا مولاي الفرعون.. يا أبي.. لقد كنت غافلاً، وسقطت في فخ الشغف والدلال الذي نسجته أناتيرا. كنت أظنها حباً خادشاً للروح، لكنها كانت سماً يجرني إلى القاع. أقسم بأجدادي، وباسم الإله ست الذي أنقذ جسدي، سأكرس حياتي لتطهير هذا العار وإعادة التوازن لماعت."

ابتسم مرنبتاح ابتسامة صارمة وقال: "هكذا يتكلم أبناء رمسيس! سنغلق أبواب القصر ونبدأ طقوس الحماية الملكية."

التفت الفرعون إلى كبار الكهنة الواقفين عند الباب وأمرهم بصوت جهوري: "أغلقوا أبواب طيبة! لا يخرج أحد ولا يدخل غريب دون أذني. خع ام واست، خذ ابنك إلى مقصورة الإلهة حتحور لتطهير جراحه الروحية بأسرع وقت. وتفنوت، أعدي الجوارح والحراسة الملكية، فالبلاط يمتلئ بالجواسيس والعيون."

أومأ خع ام واست رأسه إيجاباً: "أمرك يا مولاي. سنبدأ طقوس التطهير فوراً، لكن يجب أن نكون حذرين؛ فالأثر الذي تركته أناتيرا على صدر سى اوزير ليس مجرد ندبة.. إنه خيط أثيري يربط بين وعيهما."

توجّه خع ام واست وتفنوت بالأمير الشاب نحو مقصورة حتحور الداخلية، حيث تفوح رائحة اللبان الجاوي وزهر اللوتس. وهناك، انشقت الستار المخملية عن طيف نوارني مشرق؛ تجسيد خافت للإلهة حتحور، إلهة الحب والجمال والحماية.

همست حتحور بصوت ناعم كعزف القيثارة يتردد في أذن تفنوت: "يا تفنوت.. يا أم الأمير.. لا تبكي على ولدك، فإن الحب الحقيقي هو الدرع الوحيد الذي لا يثقبه سحر أناتيرا. إن الكيان الشرير لم يُدمر، بل طُرِد إلى الفراغ البرزخي. وفي أعماق ذلك الفراغ، تغوص أناتيرا الآن في عذاب أزلي، لكن روحهما المربوطة بالندبة ستلتقي في الأحلام."

سألتها تفنوت بلهفة واضطراب: "وهل ستؤذيه في أحلامه يا مولايتي حتحور؟ هل ستسحب روحه مجدداً؟"

أجابت حتحور بابتسامة غامضة ودافئة: "القدر ينسج خيوطه بأناقة غريبة يا تفنوت. في الظلمات، ستدرك أناتيرا معاني الألم البشري لأول مرة، وستشعر بالدفء الذي ذاقته في صدر سى اوزير. الطريق أمامكم طويل مليء بالمعارك والروحانيات، لكن البذرة التي غُرِست في العتمة قد تنبت يوماً زهرة نادرة.. حافظي على قلب ولدك ناصعاً."

تلاشى طيف حتحور، واحتضنت تفنوت رأس ابنها الذي بدا ينام نائماً عميقاً تحت تأثير البخور المقدس.

ولكن، في أعماق نومه، لم يكن سى اوزير يرتاح. كان وعيه يطوف في فضاء رمادي لا نهاية له، يسوده صمت جليلي. وفجأة، تجسدت أمامه هيئة أناتيرا. لم تكن في صورتها المألوفة كوحش كامل، بل كانت تتأرجح بين دلالها البشري الساحر وبين شظايا الظلمة التي تحترق في جسدها.

كانت تئن بألم وهي تقترب منه خطوة بخطوة، والدموع السوداء تتساقط من عينيها المحترقتين: "سى اوزير... أخرجني من هذا الفراغ... إن البرد يأكل روحي..."

تقدم نحوها سى اوزير بيده الممسكة بسيف من ضوء، ونظر إلى الندبة في صدرها التي تتوهج بالتزامن مع الندبة التي فوق قلبه. قال بصوت متهدج يمزج بين الكراهية ولوعة الذكرى: "أنت خدعتني يا أناتيرا.. استخدمت الشغف سلاحاً لتدنيس عرش أجدادي!"

رفعت رأسها ونظرت إلى عينيه برغبة وحزن دفين، وهمست بصوت يحمل صدى خيانتها وحاجتها الفريدة إليه: "لقد كان تكليفاً من الظلمة... لكن العاطفة التي لمستها في أحضانك لم تكن كذباً... سأعود يا سى اوزير! سأعود ليس لأملك العرش... بل لأستعيدك أنت!"

وفجأة، امتدت يد مظلمة من أعماق الفراغ لتسحبها إلى الخلف بعيداً عنه، بينما كانت صرخاتها تتردد في أذن الأمير!

استيقظ سى اوزير فجأة وهو ينتفض على السرير الحجري في المعبد، يلهث بشدة والعرق يغطي جسده، بينما كانت الندبة على صدره تشع بوهج أحمر ناري في ظلام المقصورة، وخع ام واست وتفنوت ينظران إليه بوجل شديد، متسائلين عما رآه في أطياف البرزخ!

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   218

    خطى سى اوزير خطوة واثقة إلى الأمام، مستنداً بيده اليسرى على مقبض سيفه البرونزي العريض، بينما لامست يده اليمنى حجر القلادة النجمية التي بثت في عروقه طاقة جافة وحازمة. نظر إلى حكام الأقاليم بعينين تقدحان بالفطنة والصرامة القيادية، وتحدث بصوت رصين تردد صداه بقوة: "إن ولاءكم هو صمام الأمان لميزان ماعت، غير أن المرحلة القادمة تتطلب تحولاً شاملاً في التدابير الميدانية. لن نكتفي بمراقبة الحدود من بعيد؛ بل سنقيم نقاط ارتكاز دائمة لفرسان الطليعة في كل ممر جبلي وحصن مائي، مع تسيير دوريات استطلاع يومية مشتركة تربط بين الأقاليم الشمالية والجنوبية. كما سيتم تطبيق نظام تفتيش دقيق لكافة القوافل التجارية والبضائع الواردة، لضمان خلوها من أي طلاسم محرمة أو عناصر استخباراتية معادية."تطلعت تفنوت نحو الجمع بنظرة نافذة، وأضافت بصوت قاطع يفيض بالحكمة والتدبير الإداري: "وستتولى فرق الحرس الملكي الإشراف المباشر على مراجعة سجلات الموانئ والمخازن في كافة الأقاليم، بالتنسيق مع حكام المقاطعات. لن يُسمح بوجود أي نشاط خارج عن سلطة الدولة، وسنعمل على توفير الدعم اللوجستي الكامل لكل إقليم يلتزم بالمعايير الأمنية الص

  • سيد الرماد والضوء   217

    انضم الكاهن الأكبر خع ام واست إلى مجلسهما في المقصورة المظللة عند طرف الساحة، يحمل في يده لفائف بردي مطوية ومختومة بالشمع المقدس. كان وجهه يحمل وقار السنين وعمق المعرفة الروحية التي صانت كمت عبر العصور. بسط خع ام واست إحدى اللفائف على الطاولة الحجرية وقال بصوت هادئ ورصين: "لقد أتم كهنة المعبد فحص كافة المقاصير والسراديب السفلية في الكرنك والأقصر، وأكدت الطقوس التطهيرية زوال أي أثر للترددات الأثيرية المظلمة التي حاولت قوى الفوضى غرسها في أرضنا. غير أن النيران التي اشتعلت في قلادة الإله 'ست' أثناء المعركة تشير إلى أن قوى البرزخ قد تراجعت لتتحصن وراء الحدود الغربية البعيدة، ما يستوجب بقاء التميمة النجمية على صدرك يا بني كدرع دائم لحفظ التوازن وحراسة وعيك."نظر سى اوزير إلى والده الكاهن الأكبر وأومأ برأسه تأكيداً لحديثه: "ستظل هذه التميمة حصني الدائم يا أبتاه، كما ستظل تعاليمكما سراجاً ينير طريقي في حماية هذا العرش. لن نترك ثغرة واحدة في جدار كمت، وسنواجه كل مكر بإرادة أمضى من البرونز."ابتسمت تفنوت برضا وثقة، ثم أشارت إلى حراسها بالاستعداد لمرافقة الوفد نحو قاعة العرش الكبرى، حيث كان الف

  • سيد الرماد والضوء   216

    تتابعت الأيام على مدينة طيبة العظمى في أعقاب معركة وادي الملوك، لتشهد العاصمة الفرعونية نهضة عسكرية وتنظيمية غير مسبوقة بقيادة الأمير سى اوزير. لم يكن النصر الساحق على قوى الكسوف مدعاة للاسترخاء أو الركون إلى الدعة، بل تحول إلى نقطة انطلاق لإعادة صياغة المنظومة الدفاعية والأمنية لمملكة كمت بأسرها، استعداداً لأي ارتدادات سياسية قد يفتعلها حلفاء الفوضى على التخوم الحدودية.مع انبثاق أولى خيوط الفجر فوق صفحة مياه النيل الهادئة، كانت ساحات التدريب التابعة لمعبد الكرنك وثكنات الجيش الإمبراطوري تضج بالحركة الدؤوبة وأصوات الجند. اعتاد سى اوزير أن يبدأ نهاره بالإشراف الميداني المباشر على تشكيلات الفرسان، متوشحاً بمئزره الكتاني الملكي المقسّى، بينما تتربع قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن فوق صدره بثبات مهيب. كان حجر العقيق الأحمر الناري يتوسط التميمة كقلب نابض بالحماية، تغطي أطرافه المصقولة الندبة الداكنة تماماً، فتحجب كل أثر للعين المفتوحة التي طالما حاول السحر الأسود استغلالها كنقطة اختراق لوعيه.كانت حرارة القلادة النجمية تسري في جسده كشريان من النار الهادئة، تمنحه صفاءً ذه

  • سيد الرماد والضوء   215

    انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً

  • سيد الرماد والضوء   214

    انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال

  • سيد الرماد والضوء   213

    أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status