INICIAR SESIÓNعودة للوقت الحالي...
زفرت فرح بحنق من ذلك المتعجرف المغرور، الذي كانت تتمنى لو أنها لم تقابله أبدًا في حياتها، لكنها كانت تودّ أن تحمي شقيقتها من براثن أخيه، وقد جاءت زياراتها له بنتائجها المرجوّة؛ فبعد ذلك اللقاء، لم تسمع جنة تتحدث مع ذلك الشاب أبدًا، وقد بدت ملامحها ذابلة حزينة، فرجّحت أن ذلك المغرور أجبر أخاه على الابتعاد عنها، وقد كان الندم يقرضها من الداخل، والألم يعصف بها لرؤية شقيقتها على ذلك الحال.
شعرت وكأنها السيدة القبيحة التي تحاول منع سندريلا من الذهاب إلى الحفل!
لكن ذلك كان أفضل لشقيقتها من مغامرة خاسرة مع شابٍ مستهتر مثل حازم،
دخلت غرفتها وقد قررت أن تُنهي ذلك اليوم الممل بالنوم، علّ الغد يأتي حاملًا الفرح بين طيّاته.
******
الثانية عشرة بعد منتصف الليل، وأغلب الوسائد تفوح منها رائحة الدموع؛ فمنهم من يبكي على فراقٍ أُجبر عليه قسرًا، ومنهم من يبكي على غائبٍ سرقته الحياة عنوة، وأصعبهم مَن يبكي ندمًا على فقدان ما لا يمكن تعويضه، حتى لو بكى مائة عام.
*****
كانت جنة تحتضن وسادتها التي غَرِقت في سيلٍ من الدموع التي لا تهدأ أبدًا، وكأن أنهار العالم بأسره سُكِبت في عينيها، فهذا هو حالها منذ أسبوع مضى؛ تجلس وحيدة في غرفتها، لا تشعر بشيء من حولها، وكأنها تودّ لو تختفي فيها إلى الأبد، كما أنها ترفض محاولات شقيقتها للتحدث إليها، وتشعر بالامتنان لها لأنها لم تضغط عليها... ولكن، هل ستصمت طويلًا؟
رجفة قوية ضربت أنحاء جسدها وهي تتخيل أن تُصارح شقيقتها بجُرمها الذي لا تدري كيف اقترفته في حق نفسها أولًا، ازداد بكاؤها، وخرجت من جوفها شهقة قوية تحكي حجم الوجع الذي ينخر عظامها.
وفجأة، خطر في بالها شيء قد يُريحها قليلًا؛ فهبت من مكانها وتوجهت إلى المرحاض بأرجل مرتجفة، وأخذت تتوضأ بتروٍ، وكأنها تزيل عن روحها قذارة ذلك العشق الذي كان كالإعصار أطاح بحياتها ودمرها تمامًا، وبعد دقائق كانت تصلّي بخشوع، ودموعها تنساب على خديها، لا تملك القدرة على إيقافها، ولا تدري ماذا تقول، فقط كل ما كانت تهمس به حين لامست جبهتها الأرض الصلبة:
ـ يا رب، سامحني يا رب.
ظلت تردد تلك العبارة كثيرًا، وكأنها لا تعرف غيرها، كانت كل ما تحتاجه في هذه الحياة؛ كي تستطيع مواجهة ما هو قادم، وبعد دقائق أنهت صلاتها وما إن همّت بخلع ثوب الصلاة، حتى سمعت اهتزاز هاتفها، فتوجهت إليه بخطى ثقيلة لترى اسم المتصل، وحينها سقط قلبها من شدة الذعر، وتجمدت في مكانها حتى هدأ اهتزاز الهاتف، عندها استطاعت أن تطلق زفرة قوية من أعماقها، ثم جلست بتعب على السرير خلفها، لكن الهاتف عاد للاهتزاز مرة أخرى، وهذه المرة كانت رسالة نصية.
فنهضت وفتحتها بأيدٍ مرتجفة، وما إن قرأت محتواها حتى خرجت منها شهقة فزعة..
ـ أنا قدام الباب، لو منزلتيش تقابليني دلوقت هعملك فضيحة قدام الناس كلها.
ارتعش جسدها بالكامل من هذا التهديد الصريح لهذا الوقح الذي كانت عاشقة له حد النخاع والآن تتمنى لو أنها لم تلتقِ به أبدًا، عاد اهتزاز الهاتف مرة أخرى، فهبت من مكانها وقامت بالضغط على زر الإجابة وقبل أن تتفوه بكلمة واحدة، جاءها صوته الغاضب:
ـ أنا مستنيكِ قدام الباب تحت، دقيقة وألاقيكِ قدامي وإلا هنفذ اللي قولته في الرسالة.
أجابته بارتجاف ودموعها تسري على خديها:
ـ حازم أنت مجنون! أنت عارف الساعة كام دلوقت؟
حازم بصياح:
ـ تكون زي ما تكون، قولت لك انزلي دلوقت حالًا.
ارتعبت من لهجته الغريبة كليًا عليه، فقالت بلهفة:
ـ طب أرجوك وطي صوتك، وأنا هنزلك حالًا.
أغلقت الهاتف، وتوجهت نحو باب الغرفة بحذرٍ شديد، ثم ألقت نظرة نحو غرفة شقيقتها والندم يكاد يفتك بقلبها، أعادت أنظارها إلى الباب أمامها، وبخطى ثقيلة سارت لملاقاة ذلك المجنون، فتحت الباب برفق؛ فقد كان الجو باردًا والمطر على وشك الهطول، فاحتضنت وشاحها أكثر وهي تتلفت حولها، إلى أن وقعت عيناها على ذلك الذي كان ينتظرها بجانب الطريق، توجهت إليه، وما إن همّت بالكلام، حتى اقتادتها يداه بسرعة، وأجلسها في المقعد المجاور للسائق دون أن ينبس بكلمة، وما إن جلس بجانبها، حتى انطلق بالسيارة بأقصى سرعة، عندها جنّ جنونها، فصرخت بغضب:
ـ أنتَ مجنون؟ أنت واخدني ورايح على فين؟
كان موجهًا نظراته إلى الطريق أمامه وهو يقول بنبرة قوية:
ـ هنهرب من هنا.
كانت تغط في نوم عميق حين أخذ الهاتف يرن دون انقطاع، فتململت في نومتها والتفتت إلى النافذة فوجدت الخيوط الأولى لشروق الشمس تلون السماء، فالتفتت تجاه الهاتف لرؤية من المتصل، لتجده يرن من جديد، فأجابت بنعاس:
ـ ألو.
المتصل:
ـ آنسة فرح عمران؟
ـ أيوة، أنت مين؟
ـ احنا بنكلمك من مستشفى (..) أخت حضرتك عملت حادثة وحالتها خطر.
لا تعلم كم من الوقت مر عليها وهي جالسة أمام تلك الغرفة، تنتظر خروج الطبيب ليُطمئِنها على شقيقتها فهي منذ علمت بهذا الخبر المشؤوم الذي لم تُصدقه من البداية وجدت نفسها تلقائيًا تتجه إلى غرفتها في محاولة منها لتكذيب ما سمعته أذناها ولكنها وجدتها خاوية فسقط قلبها رعبًا من أن يُصيبها مكروه ولا تعلم كيف ارتدت ملابسها وهرولت إلى هنا لمعرفة ماذا حدث.
قاطع شرودها خروج الطبيب الذي هرولت إليه قائلة بلهفة من بين دموعها:
ـ طمني يا دكتور، أختي عاملة إيه؟
الطبيب بعملية:
ـ متقلقيش، المدام بخير، شويه جروح وكسور لكن هتبقى كويسة بإذن الله.
سقطت كلمته فوق رأسها كمطرقة قوية في حين أخذ عقلها يردد جملته بغير تصديق:
ـ المدام!
كل الأشياء التي تمنّيتها لم أحصل عليها، وبالمقابل رفضت كل الأشياء التي أرادتني، وهكذا استمرت معاناتي مع الحياة ولا أدري إلى أين يأخُذني طريقي؟ ولكني أتلهف لنهاية سعيدة لم تكن يومًا في الحسبان.
****
مهما بلغت قوتك وصلابتك يومًا ما ستجد نفسك بحاجة إلى الهرب من كل شيء، هكذا كانت تشعر وهي تسير بذلك الرواق الذي بدا طويًلا ولا ينتهي كمعاناتها تمامًا، فلطالما اختبرت الحياة صبرها بأقسى الطرق بداية من خسارتها لوالدتها في عمر التاسعة عشرة وتوليها أمر العناية بطفلة صغيرة لم تتجاوز العاشرة من عمرها ومرض والدها الذي لم يكن يتحمل فراق زوجته وظل يُنازِع في الحياة حتى لحق بها بعد سبعة أعوام قضاها بين أروقة المستشفيات وهي خلفه تُسانده بكل لحظات مرضه وتعتني بشقيقتها الصغيرة دون كلل، لتتوالى الصعاب حين أجبرتها الحياة على التخلي عن حلمها بعد أن اجتازت السنه الأولى من كلية الطب بتفوق لتجد أن أحوالهم المادية والعائلية لا تسمح لها بالاستمرار بها واضطرت إلى تحويل أوراقها لكلية التجارة والتي لا تتطلب حضورًا مستمرًا ولا أموالًا كثيرة وهذا أحزن والدها كثيرًا ولكنها كانت تتظاهر أمامه بأنها لا تهتم وأن هذا الأفضل لها، واستمر الحال حتى استرد الخالق أمانته وتركها والدها تواجه مصاعب الحياة وحدها، وقد كانت شقيقتها بعمر المراهقة مما جعلها تُثابِر وتُجاهِد حتى حصلت على عمل في إحدى الشركات الكبيرة وباجتهادها وبرغم كل العراقيل والصعوبات التي واجهتها إلا أن
ها استطاعت أن تُثبِت أقدامها وتثبت نفسها في العمل
كان عندك حق.صمتت لبرهة قبل أن تقول بنبرة خافتة:ـ هو عامل إيه دلوقت؟أخذ نفسًا طويلًا فشعرت بأنه يجاهد حتى يخرج الكلمات من بين شفتيه؛ حين قال بجمود:ـ ادعيله.لم تنظر إليه، فقد كانت تشعر بأنها عارية تقف على رمال متحركة ولا تملك سوى الدعاء الذي لا يقدر على ذلك القدر المظلم سواه؛ لذا رددت بصوت خفيض ولكنه مسموع: ـ اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكني أسألك اللطف فيه.وجد نفسه لا إراديًا يردد ذلك الدعاء ولكن بداخله، فقد كان لأول مرة بحياته يقف عاجزًا مُكبلًا بقيود القدر الذي وضع شقيقه الأصغر قاب قوسين أو أدنى من مفارقة الحياة.فوضعه خطر للغاية، هكذا أخبرهم الطبيب وهو لم يستطع الانتظار بالداخل فقط شعر بالاختناق وبالضعف الذي لا يليق به خاصةً وأنه الداعم الرئيسي لعائلته؛ لذا ترك شقيقته ووالدته وبجانبهم سليم أخاه الأصغر في الدخل وخرج إلى الهواء الطلق عله يستطيع التنفس وإخراج شحنات ألمه بلفائف سجائره التي تناثرت أسفل قدميه بإهمال، فشكلت صورة من يرى عددها يُجزِم بأن هذا الشخص حتمًا يُريد الانتحار.ـ معرفتش اللي حصل ده حصل ازاي؟لا تعلم لمَ خرج هذا السؤال السخيف من فمها، فما حدث لا يكن شيئًا هام
واستمرت الحياة تارة هادئة وتارة صاخبة؛ حتى ظنت بأنها ابتسمت لها أخيرًا حين تعرفت على «حسام الصاوي»، كان زميلها في العمل وقد التقت به بعد أن انتقل من فرع الشركة في مدينة الإسكندرية للعمل في الفرع بالقاهرة، وقد سرق فؤادها فور أن وقعت عيناها عليه وقد وقع في حبها هو الآخر، وظنت بأنها أخيرًا وجدت طريق السعادة حين طلب منها أن يتقدم لخطبتها وبالفعل تمت الخطبة، وقد كانت في قمة سعادتها معه، فقد كان كالحلم: وسيمًا، لبقًا، ذا بنيةٍ قوية، متوسط الطول، بشوش الوجه، وذا حس فكاهي، كان يهون عليها الكثير ويدعمها بكل الطرق واستمرت الحياة الوردية بينهما لبضعة أشهر ولكن دائمًا تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن وفجأة تغير كل شيء حين جاءته ترقية والتي تتطلب السفر للعمل في فرع الشركة بالخارج وقد طلب منها حسام الزواج والسفر معه ولكنها كانت مُكبلة بواجبها تجاه شقيقتها، التي لم يكن لها أحد في هذه الحياة سواها، وهكذا وجدت نفسها في مواجهة صعبة وضعها بها حسام الذي اتهمها بأنها لا تحبه ولا تفكر في مستقبلهما ولم تنفع محاولاتها في التأثير عليه وإقناعه بحبها له؛ لذا اضطرت أن تأخذ جانب شقيقتها في النهاية فهي أبدًا لن تتخل
عودة للوقت الحالي...زفرت فرح بحنق من ذلك المتعجرف المغرور، الذي كانت تتمنى لو أنها لم تقابله أبدًا في حياتها، لكنها كانت تودّ أن تحمي شقيقتها من براثن أخيه، وقد جاءت زياراتها له بنتائجها المرجوّة؛ فبعد ذلك اللقاء، لم تسمع جنة تتحدث مع ذلك الشاب أبدًا، وقد بدت ملامحها ذابلة حزينة، فرجّحت أن ذلك المغرور أجبر أخاه على الابتعاد عنها، وقد كان الندم يقرضها من الداخل، والألم يعصف بها لرؤية شقيقتها على ذلك الحال.شعرت وكأنها السيدة القبيحة التي تحاول منع سندريلا من الذهاب إلى الحفل!لكن ذلك كان أفضل لشقيقتها من مغامرة خاسرة مع شابٍ مستهتر مثل حازم،دخلت غرفتها وقد قررت أن تُنهي ذلك اليوم الممل بالنوم، علّ الغد يأتي حاملًا الفرح بين طيّاته.******الثانية عشرة بعد منتصف الليل، وأغلب الوسائد تفوح منها رائحة الدموع؛ فمنهم من يبكي على فراقٍ أُجبر عليه قسرًا، ومنهم من يبكي على غائبٍ سرقته الحياة عنوة، وأصعبهم مَن يبكي ندمًا على فقدان ما لا يمكن تعويضه، حتى لو بكى مائة عام.*****كانت جنة تحتضن وسادتها التي غَرِقت في سيلٍ من الدموع التي لا تهدأ أبدًا، وكأن أنهار العالم بأسره سُكِبت في عينيها، فهذا
ـ واضح إنها صغيره فعلًا، أقدر أعرف إيه سبب رفضك لعلاقتهم؟ناظرته وهي تشعر بالغضب من ملامحه الجامدة والتي لا يبدو عليها أي شيء ولهجته الباردة وكأنها تخبره عن أحوال الطقس ولكنها تجاهلت ذلك كله وقالت بلهجة جافة:ـ عشان أخوك مش مناسب لأختي.سالم بتهكم:ـ حازم الوزان مش مناسب لأختك!شعرت فرح بالمعنى المبطن لكلماته، فقالت مؤكدة على كل حرف تفوهت به: ـ بالظبط كدا.لاحت ابتسامة ساخرة على شفتيه قبل أن يقول بتسلية: ـ طب ما تقولي الكلام ده ليها، جاية تقوليهولي ليه؟!شعرت فرح بالتسلية في حديثه؛ لذا قالت بجفاء:ـ ما هو لو الموضوع بالبساطة دي أكيد مكنتش هتعب نفسي وأجي أقابلك وأطلب منك تبعده عنها، وخصوصًا إني طلبت منه ده وهو ملتزمش بوعده معايا.سالم باستهجان:ـ أنتِ بتشوفيه؟ذلك الرجل كان يُثير بداخلها شعورًا عارمًا بالحنق، لا تعلم سببه، ولكنها أرادت أن تعكّر صفو ملامحه الجامدة؛ لذا قالت بهدوءٍ وتشَفٍ:ـ شفته مرة واحدة لما كان جاي يطلب إيدها مني.بالفعل وكما توقعت تغيرت كل ملامحه واختفت نظراته الساخرة ورأت بعضًا من الدهشة الممزوجة بالغضب الذي جعله يقول بهسيس خشن: ـ يطلبها منك!فرح بتأكيد:ـ آه جه
في مثل هذا الوقت من العام الماضي، في إحدى ليالي كانون الباردة، هُزِمت إحداهن أمام كلمات دافئة اغتالت برودة قلبها، فأذابته وأضرمت النيرانَ في أوردتها، والتي سرعان ما أخمدتها لوعة الفراق، لتترك خلفها بقايا حطامِ امرأة أقسمت على نُكران العشق طيلة حياتها.***كلما كانت ذاكرة الإنسان قوية، كانت حياته أصعب بكثير، وفي قانون العقل، كل الأشياء قابلة للنسيان، عدا الشيء الوحيد الذي تود نسيانه.أخرجت تنهيدة حارة من جوفها وهي تقف أمام شرفة مطبخها تُراقب نزول المطر، الذي كان ينهمر بشدة في الخارج، كان ذلك المنظر من أهم مسببات السعادة في حياتها، والآن أصبح لا يجلب لها سوى التعاسة، الممزوجة بألمٍ قاتلٍ يستقر في منتصف قلبها، الذي، وبعد مرور أربع سنوات على فاجعته الكبرى، ما زال ينتفض وجعًا حين يتحسس أيّ شيء ولو كان بسيطًا، يُعيد إليه ذكرياته الرائعة، المشبعة بمرارةٍ قاتلة، ما زالت عالقة في حلقها حتى الآن.أخيرًا، استطاعت أن تتخلص من سطوة ذلك العذاب الذي كان يتجلى بوضوحٍ في عينيها ثم أغلقت الستار وتوجهت إلى الثلاجة التي تتوسط ذلك المطبخ المستدير، المترف إلى حدٍ ما، وقامت بإخراج ما تحتاجه لإعداد وجبة طعام