LOGINكان عندك حق.
صمتت لبرهة قبل أن تقول بنبرة خافتة:
ـ هو عامل إيه دلوقت؟
أخذ نفسًا طويلًا فشعرت بأنه يجاهد حتى يخرج الكلمات من بين شفتيه؛ حين قال بجمود:
ـ ادعيله.
لم تنظر إليه، فقد كانت تشعر بأنها عارية تقف على رمال متحركة ولا تملك سوى الدعاء الذي لا يقدر على ذلك القدر المظلم سواه؛ لذا رددت بصوت خفيض ولكنه مسموع:
ـ اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكني أسألك اللطف فيه.
وجد نفسه لا إراديًا يردد ذلك الدعاء ولكن بداخله، فقد كان لأول مرة بحياته يقف عاجزًا مُكبلًا بقيود القدر الذي وضع شقيقه الأصغر قاب قوسين أو أدنى من مفارقة الحياة.
فوضعه خطر للغاية، هكذا أخبرهم الطبيب وهو لم يستطع الانتظار بالداخل فقط شعر بالاختناق وبالضعف الذي لا يليق به خاصةً وأنه الداعم الرئيسي لعائلته؛ لذا ترك شقيقته ووالدته وبجانبهم سليم أخاه الأصغر في الدخل وخرج إلى الهواء الطلق عله يستطيع التنفس وإخراج شحنات ألمه بلفائف سجائره التي تناثرت أسفل قدميه بإهمال، فشكلت صورة من يرى عددها يُجزِم بأن هذا الشخص حتمًا يُريد الانتحار.
ـ معرفتش اللي حصل ده حصل ازاي؟
لا تعلم لمَ خرج هذا السؤال السخيف من فمها، فما حدث لا يكن شيئًا هامًا أمام عواقبه، ولكنها أرادت قطع الصمت القائم حتى تهرب من الأحاديث التي تدور بعقلها وتقوده إلى الجنون.
ـ لا، بس هعرف.
كانت إجابة قاطعة كلهجته ولكن ما بعدها كان يحمل الوعيد في طياته أو هكذا شعرت حتى جاءها صوته صلبًا تشوبه بعض الخشونة حين قال:
ـ أختك عامله إيه؟
كانت تود لو تصرخ بالإجابة التي كانت تمزق قلبها إلى أشلاء ولكنها كتمت بكائها الذي كان يهدد بالانفجار وابتلعت غصة مريرة قبل أن تقول بنبرة ثابتة:
ـ الحمد لله.
الحمد لله هي الكلمة المُعبرة دائمًا عن الحال مهما بلغ سوءه ولكن دائمًا هناك يقين راسخ بقلب المؤمن يُخبره بأن ذلك القدر الذي اختاره الله له ليس إلا خيرًا مهما حوى من الصعاب والأزمات؛ لذا أغمضت عينيها ورددت بقلبها:
ـ الحمد لله الذي لا يُحمد على مكروه سواه.
ما إن أنهت جملتها حتى اخترق مسامعها صوت صراخ وعويل قادم من الداخل انتفض على إثره هو الآخر وردد بقلب مرتعب:
ـ حلا!
بلمح البصر وجدته يهرول للداخل ودونًا عنها أخذتها قدماها خلفه حتى تفاجأت من هذا المشهد المرعب حين وجدت فتاة بعمر أختها أو ربما أصغر قليلًا وهي تنوح وتنتحب وبجانبها رجل آخر يحتضنها وقد كان هو الآخر في حالة من الانهيار الصامت الذي تجلى في عينيه اللتين تناظرها بصدمة وضياع؛ حينها توقفت غير قادرة على التقدم خطوة واحدة فقد وقعت الصدمة عليها هي الأخرى فجمدتها بمكانها خاصةً عندما وجدته يسقط على الكرسي خلفه بضعف غريب يتنافى تمامًا مع حدة ملامحه وشموخه السابق الذي كان يحيط به وتبددت تلك الهالة من الهيبة التي تحيط به وتحولت إلى ضعف كبير فهي عندما شاهدته أول مرة كانت تعلم أن عمره أربعون عامًا وقد بدا أصغر بكثير أما مظهره الآن يوحي بأنه قد تجاوز السبعين من عمره.
ألم الفقد قادر على سحق الإنسان بين طياته وإنهاك الروح للحد الذي يجعلها كثوبٍ مُهلهلٍ تبعثرت خيوطه؛ حتى إن كل فلسفة العالم لا تستطيع إصلاحه ولا مواساة إنسان عما فقد، فلا بكاء ينفع ولا صراخ يشفع، والصمت مُميت والبوح ليس بكلمات تُقال؛ بل يشبه تفتت الجبال.
شعرت بنغزة كبيرة في صدرها والتي أخذها جرًا إلى غرفة شقيقتها بقلب لهيف، ففتحت الباب بقوة مندفعة إلى السرير الذي تستلقي عليه جنة، التي ما إن شاهدتها حتى التمعت عيناها الباكية وهمت بالحديث لتتفاجأ بفرح تحتضنها بقوة لم تتوقعها ويدها تشدّ من عناقها بكل ما أوتيت من حب وضعف وخوف، فهي صغيرتها التي ربتها واعتنت بها طوال حياتها، وإن كان خطأها جسيمًا بل مروعًا فهي لا تستطيع سوى أن تحمد ربها على نجاتها.
أخذت جنة هي الأخرى تشدّ من عناق فرح وهي تبكي بقوة وداخلها ينتفض تزامنًا مع شهقاتها التي تردد صداها في أنحاء الغرفة التي شهدت على شتى أنواع المشاعر في تلك اللحظة؛ فقد كان الندم والاعتذار من جانب جنة، والخوف والغضب من جانب فرح، وقد كان الألم شعور مشترك بينهما؛ لذا طال العناق لدقائق حتى أفرغت الفتاتان ما بجوفهما من مشاعر، وكانت أول المنسحبين فرح التي كانت تحني رأسها بتعب، فامتدت يد جنة تحت ذقنها ترفع رأسها إليها، وهي تقول بنبرة بها الكثير من الاعتذار والندم:
ـ الله يخليكِ متوطيش راسك كدا أبدًا، أنا معملتش حاجة في الحرام، حازم جوزي.
لوهلة لمع بريق الأمل بعينيها ما إن سمعت حديث شقيقتها، فخرجت الكلمات مرتجفة من بين شفتيها وهي تقول بترقب:
- جوزك!
اهتزت نظرات جنة للحظة قبل أن تقول بتوتر:
ـ آه جوزي، احنا اتجوزنا عرفي، بس الورقتين معايا في البيت وهو بيحبني أوي وعمره ما هيتخلى عني أنا واثقة من ده، والله هو طلب مني نعمل كدا عشان نضغط عليكِ وعلى أهله عشان توافقوا على جوازنا، ولو مش مصدقاني هخليه يقولك كدا بنفسه.
قالت جملتها الأخيرة بلهفة بعدما لمحت تلك النظرة المنكسرة في عين شقيقتها واختفاء تلك اللمعة التي ظهرت عندما ذكرت زواجها منه.
كانت كالغريق الذي وجد زورق النجاة بعد انقلاب سفينته في بحر هائج والذي اتضح بعد ذلك بأنه زورق مثقوب قابل للغرق في أي لحظة، هذا كان حالها عندما سمعت جملتها عن ذلك الزواج العرفي الذي لن يعترف به أحد خاصةً بعد وفاة حازم فانطفأ شعاع الأمل من عينيها وشعرت بالشفقة على حالها ما إن تعلم بما حدث ونظرًا لعذاب شقيقتها الظاهر جليًا على محياها وإصابتها العضوية والنفسية آثرت تأجيل الحديث لحين أن تستعيد صحتها وكذلك لتستطيع التفكير بهدوء في تلك الكارثة التي بدت وكأنها حلقة مغلقة لا مخرج منها أبدًا.
ـ نامي دلوقت ولما تصحي نبقى نتكلم.
هكذا خرج صوتها جافًا به بحة بكاء مكتوم، لم يحن وقته الآن، فحاولت جنة الحديث لتوقفها كلماتها الصارمة حين قالت:
- قلت لك نامي دلوقت وبعدين نبقى نتكلم.
ابتلعت حروفها وهي تنظر إلى شقيقتها، التي بدا ثوب القسوة جديدًا كليًّا عليها، وقد آلمها ذلك كثيرًا، لكنها داخليًّا تعترف بأنها تستحق أسوأ من ذلك، وأن الموت هو الجزاء الذي تستحقه على جُرمٍ أقحمها فيه غباؤها وانسياقها خلف قلبها.
كانت ليلة طويلة على الجميع، لم ينم فيها أحد سوى جنة، التي أعطاها الطبيب مهدّئًا ليخفف عنها ذلك الألم الشديد في ذراعها المكسور، وتلك الكدمات التي انتشرت في أماكن متفرقة من جسدها.
لكنه لم يستطع أن يحمي روحَها المعذبة، ولا قلبَها المكدوم؛ فقد تمكّنت منها الكوابيس وأيقظتها مرّاتٍ كثيرة وهي تنتفض صارخة لتتلقّفها يد فرح، التي كان عذابُها كبيرًا إلى الحد الذي منع
ها من النوم ومن البكاء ومن أي شيء يريحها
كان عندك حق.صمتت لبرهة قبل أن تقول بنبرة خافتة:ـ هو عامل إيه دلوقت؟أخذ نفسًا طويلًا فشعرت بأنه يجاهد حتى يخرج الكلمات من بين شفتيه؛ حين قال بجمود:ـ ادعيله.لم تنظر إليه، فقد كانت تشعر بأنها عارية تقف على رمال متحركة ولا تملك سوى الدعاء الذي لا يقدر على ذلك القدر المظلم سواه؛ لذا رددت بصوت خفيض ولكنه مسموع: ـ اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكني أسألك اللطف فيه.وجد نفسه لا إراديًا يردد ذلك الدعاء ولكن بداخله، فقد كان لأول مرة بحياته يقف عاجزًا مُكبلًا بقيود القدر الذي وضع شقيقه الأصغر قاب قوسين أو أدنى من مفارقة الحياة.فوضعه خطر للغاية، هكذا أخبرهم الطبيب وهو لم يستطع الانتظار بالداخل فقط شعر بالاختناق وبالضعف الذي لا يليق به خاصةً وأنه الداعم الرئيسي لعائلته؛ لذا ترك شقيقته ووالدته وبجانبهم سليم أخاه الأصغر في الدخل وخرج إلى الهواء الطلق عله يستطيع التنفس وإخراج شحنات ألمه بلفائف سجائره التي تناثرت أسفل قدميه بإهمال، فشكلت صورة من يرى عددها يُجزِم بأن هذا الشخص حتمًا يُريد الانتحار.ـ معرفتش اللي حصل ده حصل ازاي؟لا تعلم لمَ خرج هذا السؤال السخيف من فمها، فما حدث لا يكن شيئًا هام
واستمرت الحياة تارة هادئة وتارة صاخبة؛ حتى ظنت بأنها ابتسمت لها أخيرًا حين تعرفت على «حسام الصاوي»، كان زميلها في العمل وقد التقت به بعد أن انتقل من فرع الشركة في مدينة الإسكندرية للعمل في الفرع بالقاهرة، وقد سرق فؤادها فور أن وقعت عيناها عليه وقد وقع في حبها هو الآخر، وظنت بأنها أخيرًا وجدت طريق السعادة حين طلب منها أن يتقدم لخطبتها وبالفعل تمت الخطبة، وقد كانت في قمة سعادتها معه، فقد كان كالحلم: وسيمًا، لبقًا، ذا بنيةٍ قوية، متوسط الطول، بشوش الوجه، وذا حس فكاهي، كان يهون عليها الكثير ويدعمها بكل الطرق واستمرت الحياة الوردية بينهما لبضعة أشهر ولكن دائمًا تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن وفجأة تغير كل شيء حين جاءته ترقية والتي تتطلب السفر للعمل في فرع الشركة بالخارج وقد طلب منها حسام الزواج والسفر معه ولكنها كانت مُكبلة بواجبها تجاه شقيقتها، التي لم يكن لها أحد في هذه الحياة سواها، وهكذا وجدت نفسها في مواجهة صعبة وضعها بها حسام الذي اتهمها بأنها لا تحبه ولا تفكر في مستقبلهما ولم تنفع محاولاتها في التأثير عليه وإقناعه بحبها له؛ لذا اضطرت أن تأخذ جانب شقيقتها في النهاية فهي أبدًا لن تتخل
عودة للوقت الحالي...زفرت فرح بحنق من ذلك المتعجرف المغرور، الذي كانت تتمنى لو أنها لم تقابله أبدًا في حياتها، لكنها كانت تودّ أن تحمي شقيقتها من براثن أخيه، وقد جاءت زياراتها له بنتائجها المرجوّة؛ فبعد ذلك اللقاء، لم تسمع جنة تتحدث مع ذلك الشاب أبدًا، وقد بدت ملامحها ذابلة حزينة، فرجّحت أن ذلك المغرور أجبر أخاه على الابتعاد عنها، وقد كان الندم يقرضها من الداخل، والألم يعصف بها لرؤية شقيقتها على ذلك الحال.شعرت وكأنها السيدة القبيحة التي تحاول منع سندريلا من الذهاب إلى الحفل!لكن ذلك كان أفضل لشقيقتها من مغامرة خاسرة مع شابٍ مستهتر مثل حازم،دخلت غرفتها وقد قررت أن تُنهي ذلك اليوم الممل بالنوم، علّ الغد يأتي حاملًا الفرح بين طيّاته.******الثانية عشرة بعد منتصف الليل، وأغلب الوسائد تفوح منها رائحة الدموع؛ فمنهم من يبكي على فراقٍ أُجبر عليه قسرًا، ومنهم من يبكي على غائبٍ سرقته الحياة عنوة، وأصعبهم مَن يبكي ندمًا على فقدان ما لا يمكن تعويضه، حتى لو بكى مائة عام.*****كانت جنة تحتضن وسادتها التي غَرِقت في سيلٍ من الدموع التي لا تهدأ أبدًا، وكأن أنهار العالم بأسره سُكِبت في عينيها، فهذا
ـ واضح إنها صغيره فعلًا، أقدر أعرف إيه سبب رفضك لعلاقتهم؟ناظرته وهي تشعر بالغضب من ملامحه الجامدة والتي لا يبدو عليها أي شيء ولهجته الباردة وكأنها تخبره عن أحوال الطقس ولكنها تجاهلت ذلك كله وقالت بلهجة جافة:ـ عشان أخوك مش مناسب لأختي.سالم بتهكم:ـ حازم الوزان مش مناسب لأختك!شعرت فرح بالمعنى المبطن لكلماته، فقالت مؤكدة على كل حرف تفوهت به: ـ بالظبط كدا.لاحت ابتسامة ساخرة على شفتيه قبل أن يقول بتسلية: ـ طب ما تقولي الكلام ده ليها، جاية تقوليهولي ليه؟!شعرت فرح بالتسلية في حديثه؛ لذا قالت بجفاء:ـ ما هو لو الموضوع بالبساطة دي أكيد مكنتش هتعب نفسي وأجي أقابلك وأطلب منك تبعده عنها، وخصوصًا إني طلبت منه ده وهو ملتزمش بوعده معايا.سالم باستهجان:ـ أنتِ بتشوفيه؟ذلك الرجل كان يُثير بداخلها شعورًا عارمًا بالحنق، لا تعلم سببه، ولكنها أرادت أن تعكّر صفو ملامحه الجامدة؛ لذا قالت بهدوءٍ وتشَفٍ:ـ شفته مرة واحدة لما كان جاي يطلب إيدها مني.بالفعل وكما توقعت تغيرت كل ملامحه واختفت نظراته الساخرة ورأت بعضًا من الدهشة الممزوجة بالغضب الذي جعله يقول بهسيس خشن: ـ يطلبها منك!فرح بتأكيد:ـ آه جه
في مثل هذا الوقت من العام الماضي، في إحدى ليالي كانون الباردة، هُزِمت إحداهن أمام كلمات دافئة اغتالت برودة قلبها، فأذابته وأضرمت النيرانَ في أوردتها، والتي سرعان ما أخمدتها لوعة الفراق، لتترك خلفها بقايا حطامِ امرأة أقسمت على نُكران العشق طيلة حياتها.***كلما كانت ذاكرة الإنسان قوية، كانت حياته أصعب بكثير، وفي قانون العقل، كل الأشياء قابلة للنسيان، عدا الشيء الوحيد الذي تود نسيانه.أخرجت تنهيدة حارة من جوفها وهي تقف أمام شرفة مطبخها تُراقب نزول المطر، الذي كان ينهمر بشدة في الخارج، كان ذلك المنظر من أهم مسببات السعادة في حياتها، والآن أصبح لا يجلب لها سوى التعاسة، الممزوجة بألمٍ قاتلٍ يستقر في منتصف قلبها، الذي، وبعد مرور أربع سنوات على فاجعته الكبرى، ما زال ينتفض وجعًا حين يتحسس أيّ شيء ولو كان بسيطًا، يُعيد إليه ذكرياته الرائعة، المشبعة بمرارةٍ قاتلة، ما زالت عالقة في حلقها حتى الآن.أخيرًا، استطاعت أن تتخلص من سطوة ذلك العذاب الذي كان يتجلى بوضوحٍ في عينيها ثم أغلقت الستار وتوجهت إلى الثلاجة التي تتوسط ذلك المطبخ المستدير، المترف إلى حدٍ ما، وقامت بإخراج ما تحتاجه لإعداد وجبة طعام