Home / الآخر / قطار منتصف الليل. / الفصل السادس: نور

Share

الفصل السادس: نور

Author: أيه
last update publish date: 2026-09-11 03:40:46

لم يستطع نوح النوم بعد ما رآه في غرفة المراقبة.

ظل واقفًا في الممر، وظهره ملاصق لجدار القطار، بينما كانت الجملة الأخيرة التي سمعها من الرجل ذي المعطف الأسود تتكرر في رأسه:

«أبوك حاول ينقذك قبل عشرين سنة... لكنه فشل.»

نظر إلى نور.

كانت واقفة أمام النافذة، تراقب الظلام خارج القطار.

قال نوح:

— من عشر سنين... إنتِ كنتِ هنا.

لم تجب.

— وكنتِ مع أبويا.

ظلت صامتة.

اقترب منها.

— عايز أعرف الحقيقة كلها.

قالت بهدوء:

— الحقيقة ممكن تكون أسوأ من اللي شوفته.

— مش فارق.

التفتت إليه.

كانت عيناها ممتلئتين بالخوف.

— أبوك كان عارف إن القطار هيظهر تاني.

— وإنتِ كنتِ عارفة؟

— أيوه.

— وليه ما قولتيليش؟

خفضت رأسها.

— لأني كنت خايفة.

ضحك نوح بمرارة.

— خايفة مني؟

— خايفة عليك.

سكت لحظة.

ثم قال:

— احكي.

جلست نور على أحد المقاعد.

وبعد تردد طويل بدأت تتكلم.

— من عشر سنين، كنت راجعة من شغلي متأخر. كانت الساعة تقريبًا اتناشر بالليل. المحطة كانت مقفولة، زي دلوقتي.

توقفت للحظة.

— سمعت صوت قطار.

نظر إليها نوح.

— ودخلتي؟

— لأ.

هزت رأسها.

— القطار وقف قدامي، والأبواب اتفتحت. سمعت صوت بنت صغيرة بتناديني باسمي.

— اسمك؟

— نور.

— والقطار عرف اسمك؟

— أيوه.

ارتجفت أصابعها.

— كنت عايزة أمشي، لكني شفت حاجة جوه.

— إيه؟

— رجل.

— مين؟

نظرت إليه مباشرة.

— أبوك.

تجمد نوح.

— مستحيل.

— كان واقف جوه القطار.

— أبويا كان مختفي من عشرين سنة وقتها!

— عارفة.

— يبقى إزاي؟

— ما كانش شكله زي شخص عاش عشرين سنة زيادة.

صمت نوح.

— كان بنفس عمره تقريبًا وقت اختفائه.

ابتلع ريقه.

— وبعدين؟

— دخلت القطار.

— ليه؟

— عشان أعرف إذا كان هو فعلًا.

خفضت صوتها.

— لكنه اختفى قدامي.

— إزاي؟

— الأبواب اتقفلت، ولما فتحت تاني... ما كانش موجود.

ظل نوح ينظر إليها.

ثم سأل:

— والركاب؟

— كانوا سبعة.

— نفس الليلة؟

أومأت.

— كل واحد فيهم كان شايل تذكرة باسمه. وكل واحد كان شايف حاجة مختلفة.

— إيه اللي حصل لهم؟

— ماتوا.

ساد الصمت.

— واحد واحد؟

— أيوه.

— وإنتِ؟

نظرت إلى يديها.

— أنا الوحيدة اللي خرجت.

— إزاي؟

لم تجب فورًا.

ثم قالت:

— القطار سمح لي.

شعر نوح بقشعريرة.

— سمح لك؟

— أيوه.

— ليه؟

رفعت عينيها.

— قالوا لي إن حريتي ليها تمن.

— مين قال؟

— صوت من القطار.

— وإيه التمن؟

صمتت.

— نور!

قالت بصوت مكسور:

— كان لازم أساعده.

— أساعد مين؟

— القطار.

تراجع نوح خطوة.

— إزاي؟

— كان عايزني أجيب له أشخاصًا آخرين.

حدق فيها.

— وإنتِ عملتي كده؟

أغلقت عينيها.

— لا.

— متكدبيش.

— ما عملتش.

ثم بدأت دموعها تنزل.

— حاولت أهرب. لكن كل ليلة كنت أشوف القطار في أحلامي. وكل مرة كان يظهر فيه شخص جديد.

— مين؟

فتحت عينيها.

— إنت.

تجمد نوح.

— أنا؟

أومأت.

— في البداية ما كنتش أعرف مين الشخص اللي بيظهر لي. بعدين شفت صورة ليك.

— منين؟

— في غرفة المراقبة.

نظر نوح نحو الباب.

— يعني القطار كان بيراقبني؟

— من سنين.

ثم اقتربت منه.

— الرسالة اللي وصلتك... أنا وصلتني واحدة زيها.

— مكتوب فيها إيه؟

قالت:

— «عودي إلى حيث بدأتِ... وخذي الراكب الأخير معك.»

شعر نوح بالبرد.

— الراكب الأخير كان أنا.

— أيوه.

صمت الاثنان.

ثم قال نوح:

— يبقى إنتِ السبب إني هنا.

هزت رأسها بسرعة.

— لا! أنا حاولت أحذرك.

— لكنك كنتِ تعرفين.

— كنت شاكّة.

— شاكّة؟

— ما كنتش متأكدة إن القطار يقصدك أنت.

اقترب نوح منها بغضب.

— وإمتى اتأكدتي؟

نظرت إلى التذكرة السوداء في يده.

— لما شفت الرقم.

— 1/8؟

أومأت.

— الرقم الأول دا مش ترتيب ركوبك يا نوح.

سكت.

— ده عدد الرحلات اللي القطار اختارك فيها.

اتسعت عيناه.

— إيه؟

قالت نور:

— دي مش أول مرة القطار يحاول ياخدك.

فجأة...

توقفت عجلات القطار.

صرير حاد مزّق الصمت.

ثم انطفأت الأنوار.

ومن مكبر الصوت جاء صوت الرجل ذو المعطف الأسود:

— الراكب الحقيقي استيقظ.

ارتفعت أنفاس نور.

ثم ظهر ضوء خافت في نهاية العربة.

كان الرجل واقفًا هناك.

لكن هذه المرة...

رفع يده وأشار إلى نوح.

وقال:

— حان وقت أن تعرف لماذا اختفى والدك.

ثم أُغلقت أبواب العربة بينه وبينهما.

وبدأ القطار يتحرك من جديد.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • قطار منتصف الليل.   الفضل الثلاثون:الراكب الأخير.

    لم يتحرك نوح. ظل واقفًا في منتصف الطريق، يحدق في الضوءين الأسودين اللذين ظهرا في نهاية المدينة. كان يسمع صوت القطار يقترب. لكن المدينة أمامه كانت خالية. لا سيارات. لا أشخاص. لا أصوات. فقط صفير بعيد يتكرر كل عدة ثوانٍ. رفع هاتفه مرة أخرى. الصورة ما زالت أمامه. نور داخل القطار. وخلفها المقعد رقم 9. اقترب نوح من الصورة. ثم لاحظ شيئًا لم يره في المرة الأولى. كانت نور تنظر إلى الكاميرا. وعلى الزجاج بجانبها كتبت كلمة واحدة: «اهرب.» وفجأة انطفأ الهاتف. ثم عاد للعمل. لكن الصورة تغيرت. لم تعد نور موجودة. كان المقعد فارغًا. والشخص الجالس على المقعد رقم 9 أصبح واضحًا. كان رجلًا عجوزًا. وجهه مليء بالندوب. وفي يده تذكرة سوداء. على التذكرة اسم: يوسف مراد. همس نوح: — بابا؟ ثم جاءه صوت من خلفه: — متجريش. استدار. كان سليم واقفًا وسط الطريق. لكن نوح كان متأكدًا أنه اختفى داخل القطار. — إنت مت؟ ابتسم سليم. — السؤال ده ملوش معنى هنا. اقترب نوح منه. — فين نور؟ — في القطار. — والقطار فين؟ أشار سليم إلى المدينة. — هنا. نظر نوح إلى الشوارع. وفجأة بدأت النوافذ تضي

  • قطار منتصف الليل.   الفصل التاسع وعشرون:آخر محطه.

    10... 9... 8... كانت الأرقام تظهر على زجاج العربة، وكل رقم يجعل قلب نوح يخفق بعنف أكبر. أمامه وقفت مريم. وعلى الجانب الآخر وقف يوسف. كلاهما يحمل مسدسًا. قال الرجل ذو المعطف الأسود: — اختار واحدًا فقط. نظر نوح إلى أمه. — أنتِ أمي فعلًا؟ قالت مريم: — أيوه. ثم نظر إلى يوسف. — وأنت؟ أجاب يوسف: — أنا أبوك. ضحك أول نوح من خلفهما. — الاتنين بيكدبوا. استدار نوح نحوه. — وأنت اسكت! قال أول نوح: — لو قتلت واحد منهم، القطار هيسمح لك بالخروج. — ولو رفضت؟ ابتسم. — هيموتوا الاتنين. 7... بدأت العربة تهتز. صرخت مريم: — نوح، اسمعني! القطار مش عايز تختار بيني وبين يوسف. — أمال عايز إيه؟ — عايزك تصدق إنك محتاج تختار. نظر إليها نوح. — مش فاهم. قالت: — طول الرحلة بيحطك قدام اختيارات مستحيلة. يخليك تقتل شخص عشان تنقذ شخصًا آخر. ثم نظرت إلى الرجل ذي المعطف الأسود. — لأنه بيتغذى على القرار نفسه. قال يوسف: — نوح، متسمعش لها! صرخت مريم: — يوسف! أطلق يوسف رصاصة. سقطت مريم على الأرض. صرخ نوح: — أمي! ركض نحوها. لكن عندما وصل إليها، لم يجد دمًا. وجد جسدًا فارغًا. كا

  • قطار منتصف الليل.   الفصل الثامن وعشرون:نور والقاتل.

    انفتحت أبواب العربة كلها في اللحظة نفسها. صدر صوت معدني مرعب، ثم اندفع هواء بارد إلى الداخل، يحمل معه رائحة الدم والصدأ. ظل نوح واقفًا في المنتصف، والمسدس في يده. أمامه كانت نور الثالثة. ملابسها ملطخة بالدماء، والسكين في يدها ترتجف. خلفها وقفت نور الأولى. وبجانب النافذة كانت نور الثانية التي ظنوا أنها اختفت. أما سليم، فكان يحدق في نور الثالثة بصدمة. قال: — مستحيل. ابتسمت نور الثالثة. — ليه؟ مش مصدق إني رجعت؟ قال سليم: — أنتِ ماتّي. ضحكت. — كلنا موتنا هنا. صرخ نوح: — كفاية! رفع المسدس نحوها. — مين أنتِ؟ نظرت إليه. — أنا نور. — عندي ثلاث نور! واحدة فيهم لازم تكون الحقيقية! قالت نور الثالثة: — الحقيقة مش دايمًا شخص واحد. ثم رفعت السكين. — أحيانًا الحقيقة تكون جريمة. تقدم نوح خطوة. — إنتِ قلتي إنك قتلتي سليم. — أيوه. نظر نوح إلى سليم. — ليه؟ قالت: — لأنه كان هيقتلك. تجمد سليم. — أنا كنت بحاول أنقذه! — كنت بتحاول تنقذه بالطريقة اللي تخليه يكره نفسه. — مش فاهمة حاجة! صرخت نور الثالثة: — لأنك ما تعرفش مين أنت أصلًا! سكت الجميع. اقتربت نور الثالثة من

  • قطار منتصف الليل.   الفصل السابع وعشرون:الدم علي المقاعد.

    لم يتحرك نوح. كان المسدس في يده، لكنه لم يعد يعرف إلى من يوجهه. أمامه وقف يوسف، وخلفه سليم، وفي منتصف العربة كان أول نوح يراقب الجميع بابتسامة غامضة. قال سليم: — أبوك هو اللي قتل أمك. صرخ يوسف: — اسكت يا سليم! — ليه؟ خايف يعرف؟ تقدم سليم خطوة. — عشرين سنة وإنت بتخبي الحقيقة. كفاية. نظر نوح إلى والده. — قول لي إنه بيكدب. لم يجب يوسف. قال نوح: — قول! رفع يوسف رأسه. — أنا قتلتها. تجمد نوح. سقط المسدس من يده. — إيه؟ — أنا قتلت أمك. جلس نوح على المقعد، عاجزًا عن الوقوف. قال يوسف: — لكني ما كنتش عايز أقتلها. ضحك سليم بمرارة. — دايمًا عندك عذر. صرخ يوسف: — كنت بحاول أنقذ أولادي! — فقتلت أمهم؟ — القطار كان هيقتلهم كلهم! ساد الصمت. ثم سأل نوح: — إزاي قتلتها؟ اقترب يوسف منه. — أمك حاولت تدمّر القطار. — وأنا ساعدتها. — لكن الجهاز كان مربوطًا بحياتها. أغمض يوسف عينيه. — لما دمرت الجهاز... بدأت تموت. قال نوح: — وأنت عملت إيه؟ — أطلقت عليها النار. شهق نوح. — ليه؟ — لأنها كانت بتتألم. رفع يوسف عينيه. — طلبت مني أقتلها. ساد صمت طويل. لكن سليم صرخ: — ك

  • قطار منتصف الليل.   الفصل السادس وعشرون:من قتل أبي؟.

    كانت مريم تقف أمام نوح عند باب العربة. حية. هادئة. تبتسم له وكأن عشرين عامًا لم تمر. لكن نوح لم يستطع الاقتراب منها. قال بصوت مرتجف: — أنتِ... أمي؟ رفعت مريم يدها. — تعالى يا ابني. تراجع نوح. — أمي ماتت. اختفت ابتسامتها. — مين قال لك؟ — أبويا. ضحكت مريم بسخرية. — يوسف؟ ثم نظرت إلى نهاية العربة. — يوسف كذب عليك. ظهر أول نوح من خلف أحد المقاعد. قال: — متصدقهاش. استدارت مريم نحوه. — أنت بالذات اسكت. ثم نظرت إلى نوح. — هو مش ابني. قال نوح: — وأنتِ مين؟ اقتربت مريم. — أنا المرأة اللي حاولت تنقذك. — من القطار؟ — من يوسف. تجمد نوح. — أبويا كان بيحاول يقتلني؟ — مش أنت. توقفت أمامه. — كان بيحاول يقتل أخوك. نظر نوح إلى أول نوح. ثم إلى مريم. — ليه؟ قالت: — لأن يوسف عرف إن واحد منكم مش إنسان. ساد الصمت. ثم سأل نوح: — مين؟ لم تجب. فجأة انطفأت الأنوار. وسُمع صوت ارتطام قوي في سقف القطار. ثم صوت خطوات فوق العربة. اقتربت مريم من نوح. — هو وصل. — مين؟ — قاتل أبوك. ظهر ظل عند باب العربة. ثم انفتح الباب ببطء. دخل رجل يحمل مسدسًا. لم يكن سليم. كان

  • قطار منتصف الليل.   الفصل الخامس وعشرون:الليله الاولي.

    وقف نوح في الممر، وعيناه مثبتتان على نور التي تحمل سكين سليم. كان الرقم 7 لا يزال ظاهرًا تحت قدميها. أما الرقم 8 الذي كان تحت نور الأخرى، فقد اختفى معها. قال نوح: — فين نور التانية؟ لم تجبه. رفع مسدسه. — سألتك... فين نور؟ ابتسمت نور رقم سبعة ابتسامة غريبة. — مش كل اللي يختفي بيموت. — وإنتِ مين؟ — نور. — نور الحقيقية؟ اقتربت منه ببطء. — السؤال ده بقى ممل. ثم رفعت السكين. — الأهم... إنت مين؟ تراجع نوح. — أنا نوح. ضحكت. — متأكد؟ قبل أن يجيب، انطلقت صفارة القطار. اهتز الممر بعنف. بدأت الأبواب المعدنية تغلق واحدًا تلو الآخر. صرخت نور: — لازم نرجع للعربة! ركض نوح خلفها. عندما دخلا العربة، وجد نوح أن الركاب الذين كانوا معه اختفوا. كريم. ليلى. سارة. عادل. الممرضة. حتى الشاب النحيف. لم يبقَ أحد. كانت المقاعد فارغة. إلا مقعدًا واحدًا. المقعد رقم 8. وعليه رجل يجلس في الظلام. رفع رأسه ببطء. كان أول نوح. قال: — أخيرًا رجعت. وجه نوح مسدسه نحوه. — فين الركاب؟ — ماتوا. — مين قتلهم؟ نظر أول نوح إلى نور. — هي. التفت نوح إليها. — نور؟ قالت فورًا: — بي

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status