Masukقبل أن نبدأ. هذه ليست قصة حب. هذا تحذير. في ربيع عام 2023، عثرت السلطات التركية على تسع جثث مدفونة في أقبية قصر مهجور على ضفاف البوسفور. كل الضحايا كانوا من النساء. كل واحدة منهن حملت علامات تعذيب مماثلة. وتقاطع تحليل الحمض النووي في النهاية على شيء واحد: جميع الضحايا تعرضن للقتل على يد شخص واحد. أو هكذا اعتقدت السلطات. الحقيقة كانت أكثر تعقيدًا. وأكثر ظلمة. وأكثر إيلامًا لأي إنسان يؤمن بالعدالة. هذه الرواية لا تستند إلى قصة حقيقية بالكامل. لكنها قد تكون حقيقية غدًا. لأن الشر لا يحتاج إلى سبب ليكون. يحتاج فقط إلى شخص يظن أنه يفعل الخير. هناك نوعان من الأشخاص في هذا العالم: الذين يصدقون أن الجميع طيبون حتى يثبت العكس. والذين يعرفون أن الجميع أشرار، لكنهم ينتظرون اللحظة المناسبة ليظهروا ذلك. غزل كانت من النوع الأول. روان كانت النوع الثاني. ومراد كان يحاول أن يكون في المنتصف، وهو أخطر مكان على الإطلاق. حكاية تبدأ بالنهاية في العادة، تبدأ القصص من البداية. لكن هذه القصة مختلفة. هذه القصة تبدأ من النهاية. لأنه بحلول الوقت الذي تقرأ فيه هذه السطور، تكون غزل قد قتلت بالفعل. أو ماتت. أو أصبحت شيئًا بين الاثنين. ليس المهم ما حدث بالضبط. المهم لماذا حدث. وهذا ما ستحتاج إلى قراءة بقية الرواية لتعرفه. كلمة قبل البدء هذه الرواية تحتوي على مشاهد عنف نفسي وجسدي قد تكون مزعجة لبعض القراء. هذه الرواية تحتوي على شخصيات لا تستحق الحب، لكنك ستحبها رغمًا عنك. هذه الرواية لا تقدم إجابات سهلة. بل تقدم أسئلة صعبة: هل يمكن لرجل أن يحب امرأتين في نفس الوقت؟ هل يمكن لامرأة بريئة أن تصبح قاتلة؟ هل يمكن للشر أن يولد من الحب؟ اقرأ إن كنت تجرؤ على معرفة الإجابات. لكن لا تقل أنني لم أحذرك.
Lihat lebih banyakكانت الشمس تغرب خلف مباني إسطنبول القديمة، تلقي بظلالها الذهبية على الشوارع الضيقة في حي «فاتح». كانت رائحة الخبز الطازج تتصاعد من المخبز القريب، مختلطةً برائحة القهوة التركية من المقهى الذي لم يتغير منذ خمسين عامًا.
هنا، حيث لا أحد يبحث عن المجد ولا أحد يطمع في الثراء، كانت «غزل» تعيش حياتها البسيطة. كانت تجلس على كرسي خشبي في شرفة منزلها المتواضع، تمسك بقطعة قماش مطرزة بعناية. أصابعها النحيلة كانت تحيك الغرز تلو الأخرى بنظام بدا أشبه بطقوس مقدسة. كانت الابتسامة لا تفارق شفتيها الورديتين، حتى وهي تغيب في أحلام لا تمت لهذا الواقع بصلة. «غزل، أختي!» صوت فاطمة جارتها أيقظها من شرودها. نظرت إلى الأسفل فرأت صديقتها تلوح بيدها حاملةً طبقًا مغطى. «تعالي إلى الأعلى»، ردت غزل بصوتها الدافئ الذي يشبه الناي في هدوئه. صعدت فاطمة الدرج الحلزوني الخارجي، وهي تلهث قليلاً. كان وجهها المستدير يتوهج بالحماس. «أمي عملت الكنافة، وقالت لازم تجربيها بالجبنة الجديدة اللي اشتراها من السوق.» «الله يخليكم لبعض، روح أمك الطيبة.» ضحكت غزل وهي تفتح الغطاء وتتنفس رائحة الكنافة الدافئة. عيناها البنيتان الواسعتان لمعتا بطفولة لم تفارقها رغم العشرين ربيعًا التي عاشتها. جلست فاطمة بالقرب منها، تتمعن في ملامح صديقتها. هذا الوجه… كان مختلفًا عن كل الوجوه التي تعرفها. الملامح الناعمة، البشرة الحنطية النقية، العيون الكبيرة التي تشبه عيون الغزلان تمامًا، والشعر الأسود الطويل الذي كان ينسدل على كتفيها كشلال من حرير. «أتعلمين يا غزل؟» قالت فاطمة بعد صمت قصير. «لو لم أكن أعرف والدتك منذ الطفولة، لكنت أقسمت أنكِ لستِ من هذا العالم. أنتِ جميلة جدًا، بشكل… مختلف.» ضربت غزل على ذراعها بخفة. «توقفي عن هرائك المعتاد يا فاطمة.» «أنا جادة! أنتِ مثل شخصيات الأفلام القديمة. مثل تلك الممثلات الإيطاليات في الأفلام الأبيض والأسود.» شردت غزل قليلاً. «ربما هذا هو العيب يا فاطمة. الناس في هذا الحي يعرفونني كابنة ميسرة أرملة الخياطة التي ماتت قبل خمس سنوات. الأجمل هنا يا صديقتي هي القلوب الطيبة، لا الوجوه الحسنة.» حاولت فاطمة إخفاء نظرة الشفقة التي تلمعت في عينيها. كانت تعرف حياة غزل جيدًا: تعمل خياطة كما كانت والدتها، تعيش على القليل، وتملأ وحدتها بسماع القرآن والكتب الصوتية عن فلسفة الحياة. ليس لديها أي أقارب غير خال بعيد لا يعرف عنوانه أحد. لا تملك مالًا يدخر، ولا حلمًا كبيرًا سوى أن تحافظ على هذا المنزل الصغير الذي أورثتها إياه والدتها. «ألا تتمنين أحيانًا… شيئًا آخر؟» سألت فاطمة بحذر. «مثل ماذا؟» «مثل… الحب مثلاً؟ زوج غني يأخذكِ من هذه الحياة إلى عالم آخر؟» ضحكة خفيفة ارتفعت من غزل، ثم توقفت فجأة عندما رأت نظرة فاطمة الجادة. «أنظر حولي يا فاطمة. هل ترين أي رجل غني يمر من هنا؟» أشارت بذقنها إلى الشارع الأسفلت الذي بالكاد يتسع لسيارة واحدة. «ليس هذا هو مكتوبي. ومكتوبي… سيكون بسيطًا مثلي، وأقسم لك أنني سأكون سعيدة به وببيت صغير يشبه بيتي هذا، وأطفال نسمع ضحكاتهم في الصباح الباكر.» تنهدت فاطمة. «لو كان الرجال يعرفون أنهم يبحثون عن الذهب والحجارة الكريمة بينما الجوهرة الحقيقية تجلس هنا وحدها في حي منسي…» قاطعتها ضحكة غزل مرة أخرى، وهذه المرة كانت أعمق. «حسناً، دعينا من هذا الكلام. أخبريني عن خطبتك الجديدة. ما زلتِ لم تخبريني كيف تقبل طارق الزواج بكِ بعد كل هذه السنوات من الرفض!» انطلقت فاطمة في سرد قصتها، وغاصت غزل في تفاصيل حياة صديقتها كما لو كانت تعيشها بنفسها. هكذا كانت دائمًا، تعطي من قلبها لكل من حولها، تعيش أفراحهم وأحزانهم كأنها أحزانها. لم تكن تعلم أن عيونًا أخرى كانت تراقبها من بعيد.الساعة كانت الحادية عشرة ليلًا عندما أوقفت السيارة أمام بيت غزل. كان الحي نائمًا بالفعل. الشوارع مظلمة تمامًا، باستثناء ضوء أحد المصابيح القديمة الذي كان يرمش كعين متعبة تحاول البقاء مستيقظة. نزل مراد أولاً، وفتح باب السيارة لغزل. خرجت، وكانت ترتجف قليلًا—ليس من البرد، بل من كل شيء. «شكرًا لهذه الليلة»، قالت. «لن أنساها أبدًا.» «ولا أنا.» وقفا أمام الباب الخشبي. بينهما مسافة ذراعين، لكن التوتر كان كثيفًا كالضباب في ليالي الشتاء. رفعت غزل عينيها إليه. نظرت إلى عينيه الخضراوين، ثم إلى شفتيه، ثم عادت إلى عينيه. كانت تراه بوضوح الآن تحت ضوء المصباح الخافت. رأت التجاعيد الصغيرة حول عينيه—ليست تجاعيد كبر، بل تجاعيد قلق. رأت الندبة الصغيرة على ذقنه، التي لم ينتبه إليها من قبل. رأت شعره الداكن المنسدل قليلًا على جبينه، مما جعله يبدو أصغر سنًا. ورأت أيضًا الحزن في عينيه. حزنًا عميقًا، قديمًا، كأنه يحمل جثثًا لا يريد أن يريها لأحد. «مراد …»، همست. «نعم.» «من أنت حقًا؟» لم يجب. فقط مد يده، ولمس خدها. كانت يده دافئة، حنونة، مختلفة تمامًا عن أي لمسة شعرت بها من قبل. أغمضت
«روايات تاريخية»، قال بدلًا من ذلك. «خصوصًا عن العثمانيين.» كذب آخر. لكن هذه المرة، كان يكذب ليس ليحمي خطته، بل ليبدو أكثر إنسانية في عينيها. «أنا أحب قصص العثمانيين أيضًا», قالت، وعيناها تلمعان. «قصة السلطانة كوسم مثلًا. امرأة حكمت إمبراطورية من خلف الستائر. قوية جدًا، لكن نهايتها كانت حزينة.» «كيف تعرفين أنها كانت قوية؟» سأل، في تحدٍ خفيف. «ربما كانت مجرد امرأة طموحة استغلت ضعف الرجال حولها.» نظرت إليه غزل نظرة طويلة، وكأنها تقرأ شيئًا وراء كلماته. «هل تتحدث عن كوسم، أم عن نفسك؟» سألت بهدوء. اصطدمت كلماتها به كالصاعقة. للحظة، شعر وكأنها اخترقت جداره، ورأت ما بداخله: رجلًا يستغل ضعف امرأة—روان—ويخطط لاستغلال ضعف أخرى. «أنا لا أعرف ما …» قاطعته بضحكة خفيفة. «أنا أمزح فقط. لا تأخذ كل شيء بجدية يا مراد.» لكنه عرف أنها لم تكن تمزح. وعرفت هي أيضًا أنه عرف. كان هناك لحظة صمت طويلة، مليئة بما لم يُقل. ثم، وكأن القدر تدخل لإنقاذه من هذا الموقف المحرج، رن هاتفه. نظر إلى الشاشة. رسالة من رقم لا يعرفه. فتحها. كانت الصورة مروعة. صورة لغزل—ليس غزل التي كانت تجلس أمامه،
في نفس الوقت، على بعد كيلومترات من هناك، كانت روان واقفة أمام إحدى شاشات المراقبة في غرفتها السرية. كانت ترتدي ثوب نومها الحريري الأبيض، وشعرها منسدلًا على كتفيها بشكل فوضوي. في يدها اليمنى، كانت تحمل كأس نبيذ أحمر—نبيذ غليظ، قاتم اللون، يشبه الدم تقريبًا. في يدها اليسرى، كانت تمسك بسكين المطبخ الصغير الذي أخرجته من درجها السري. الشاشة كانت تعرض صورة حية من كاميرا خفية زرعها مراد في زاوية المطعم—كاميرا صغيرة جدًا بحجم رأس الدبوس، لدرجة أن حتى فريق الأمن لم يكتشفها. كانت ترى كل شيء: الطاولة البيضاء، الشمعتان، الشمبانيا، و … مراد يضحك. توقف تدفق الهواء في رئتيها للحظة. لم تره يضحك هكذا منذ سنوات. ليس معها على الأقل. ضحكاته معها كانت دائمًا مصطنعة، مرتجفة، كشخص يضحك ليتجنب الصفعة. لكن مع هذه الفتاة القذرة، ابنة الخياطة اليتيمة، كان يضحك وكأنه لا يملك همًا في الدنيا. قبضت روان على السكين بقوة، لدرجة أن نصلها الحاد بدأ يقطع جلد راحة يدها. قطرة دم حمراء زاهية تسللت من بين أصابعها، ونزلت ببطء على فستانها الأبيض كإشارة حمراء على علم الاستسلام. لم تشعر بالألم. لقد تجاوزت الشع
«هل أنتِ بخير؟» سألها مراد، محاولًا كسر الصمت. «نعم». ابتسمت، لكن الابتسامة كانت مرتجفة. «هذا كله … كثير عليّ. لا أعرف كيف أشرح ذلك.» «لا تشرحي شيئًا. فقط عيشي اللحظة». كان هذا سهلاً بالنسبة له ليقوله. هو الذي عاش آلاف اللحظات الفاخرة، الذي اعتاد على عالم الذهب والحرير. لكن بالنسبة لغزل، كل ثانية كانت تُسجل في ذاكرتها كما لو كانت فيلمًا لن يُعرض أبدًا مرة أخرى. سألته فجأة: «لماذا تفعل هذا؟» نظر إليها. «ماذا تقصدين؟» «أقصد … أنت. رجل مثلك.» أشارت بيدها إلى السيارة، إلى ملابسه، إلى الورود. «وأنا. فتاة تعيش في حي لا يعرف أحد بوجوده تقريبًا. لماذا تريد قضاء وقت معي؟» هذا هو السؤال الذي كان يخشاه. لأنه كان يعرف أن أي إجابة ستمثل جزءًا من الحقيقة، وأن قول الحقيقة مستحيل. «لأنك تختلفين»، قال بعد صمت قصير. «مختلفة عن ماذا؟» «عن كل من قابلتهم». لم يكن هذا كذبًا. بل ربما كان أكثر ما قاله صدقًا حتى الآن. لكنه كذب بالحذف، لأنه لم يخبرها كيف تختلف. لم يخبرها أنها تشبه زوجته المريضة. لم يخبرها أنها كانت نسخة طبق الأصل من امرأة تقتل الناس لأنها تشعر بالملل. لكن غزل سمعت فقط م





