Share

أنا... حمير

Author: sbarda
last update publish date: 2026-07-04 23:06:06

في صباحٍ باردٍ ومظلم، داخل بيت الحرفة التي اعتادت أن تحيط به بهدوئها الصامت، لكن هذا اليوم لم يكن كبقية الأيام. عند دخوله، تسلل إلى ذهنه شعورٌ غريب يتداخل مع رائحة الحديد المحترق ودخان العمل الذي يتصاعد برائحة التاريخ والجهد. كان بيت العمل مكانًا مليئًا بالغموض والتناقض؛ فمن جهة، تكسوها ظلال الماضي وأصوات المطارق الثقيلة، ومن جهة أخرى، يحكمها سكون عميق يتحدث بلغة لا يفهمها إلا قلبه.

في البداية، بدا له أن كل شيء في هذا المكان مُبهم؛ الأركان المظلمة تُخفي أسرارًا قد لا يُمكن للعيان اكتشافها، والأصوات الخافتة تُسرد حكايات عن زمن مضى. جلس في زاوية بعيدة بعيدًا عن أنظار الآخرين، يُراقب الرجل الذي يعمل هناك بتركيزٍ وفضولٍ خافت. كان جسده يتحرك ببطء، وكأن كل حركة وكل نبضة قلب تروي قصةً من قصص السكون والصمت.

مع مرور الوقت، بدأ يُغيّر نظرة نفسه إلى المكان؛ فقد أدرك أن المكان ليس مجرد موقعٍ للعمل، بل هي مسرحٌ لمشاعرٍ معقدة تتداخل فيها الآهات مع الصمت المبهم. لم يعد يفكر في سؤال "لماذا أنا هنا؟"، بل اعتمد على تلك الحياة الثابتة التي يوفرها له مكانٌ لا يعرف سوى الصمت والتأمل. كان ينشغل بالترقب، يهرب في ساعات طويلة من النوم المتقطع، وكانت أحلامه تحمل رسائل غامضة عن قصص قديمة تُنتظر من يُعيد سردها.

وفي اليوم التالي، حينما انشر الظلام عباءته على المكان، بدا أن الزمن توقف عن الجري كما هو حال العالم الخارجي. كان الرجل الذي يعمل دون كلل أو ملل يتحرك وكأنه جزءٌ من هذا الزمن الخفي، لا يطرح أسئلة ولا يُعبر عن قلقه، بل ينساب في صمتٍ عميق يشبه الحديد ذاته. بينما كان يتأمل عن كثب حركات الرجل، كان قلبه يستمع بإصرارٍ إلى ترددات صوته، إلى دقة ضربات المطرقة على سطح الحديد التي كانت تعزف لحنًا قديمًا يذكره بذكرياتٍ ربما لم يُعشها بعد.

في نهاية ذلك اليوم، عندما تخطت الدموع  ودخل الظلام المطلق في أرجاء المكان، بدأ يشعر بأن له جذورًا هنا بين تلك الجدران القديمة، وكأن المكان أصبح مسكنه الروحي. جلس في تلك الزاوية التي طالما كانت ملاذًا له، ويخاطب عينيه بإمعان، حتى التقت نظره بنظرة الرجل الذي كان يشكل قطعة الحديد بيده بحرفية. كانت تلك النظرة بدايةٌ لصمتٍ مشحون بالغموض؛ نظرة تحمل بين طياتها فضولاً شديدًا وتلميحًا لسرّ عميقٍ لا يمكن التعبير عنه بالكلمات.

في داخل نفسه، همس بصوتٍ خافت، لا تكاد آذانه تلتقطه:

"أريد أن أخبره بشيء… لكنني لا أعلم كيف!"

كانت الكلمات تتراقص داخل ذهنه، محاصرة بين جبروت الشعور والارتباك الذي سيطر على كيانه، كما لو كان يكتشف ذاته للمرة الأولى، كما لو أنه يرى انعكاس روحه في مرآةٍ قديمة. استجمع شجاعته، أغمض عينيه للحظة، ثم انطلقت الكلمات سريعًا من لسانه:

"أنا… حمير.

خرجت الكلمات ببساطةٍ من أعماق وجوده، دون تردد أو حضورٍ مفرط؛ كانت مجرد إعلانٍ عن الذات، شعورٌ خاطف، لكنه حمل في طياته دفءً وانفراجًا خفيفًا لعاصفةٍ داخلية منقلقة. في تلك اللحظة، لاحظ الرجل العامل بتأنٍ تلك البادرة الصغيرة، فابتسم ابتسامةً فاترةً تُعبِّر عن قبول صامت وارتياحٍ غير معلن، وكأن تلك الابتسامة كانت لغةً تُفهم دون كلمة.

وبعد تلك اللحظة التي كبُر فيها الصمت، انحنت الأصوات بهدوء لتحدث:

                                                             وانا يادع" 

"هل تحتاج شيئًا؟"

فوجئ حمير بسماع تلك الكلمات المرتبة في نغم هادئ، صوت يُعبِّر عن استفسار غير مباشر، عن احتياجٍ ربما كان مجرد سؤال عن وجوده. لم يكن يتوقع هذا الحوار القصير؛ إذ كانت الأيام السابقة تمضي دون أن يكسر الرجل عباب الصمت الذي كان يفصل بينهما. إلا أن إجابة حمير كانت بليغة في بساطتها:

"لا… فقط… سأبقى هنا."

عاد يادع إلى عمله، مبتسمًا بلطف معبرًا عن نوعٍ من الارتباط الجديد الذي بدأ يتشكل بينهما. بينما كان حمير يراقب يدي الرجل التي تشق الحديد بأدواتها، استطاع أن يستشعر شيئًا مختلفًا؛ شعورًا بالدفء اللطيف، وإحساسًا خفيفًا بالأمان في هذا المكان الموحش الذي كان يحتضن بين جدرانه قصصًا منسية.

مع مرور اللحظات، تحوّل الصمت إلى لغةٍ مشتركة تفوق الكلام؛ بدأ التواصل بينهما يكتسب أبعادًا تتجاوز اللفظ، حيث تحولت كل حركة وكل نظرة إلى إشاراتٍ معبرة عن فهمٍ عميق لمكنونات النفس. كانت تلك اللحظة بمثابة انطلاقةٍ لطريق مجهول، طريق يرتسم فيه مستقبلٌ جديد لم يعرفه أيٌ منهما من قبل، طريق يقوم على تلاحم الأرواح رغم الفوارق الدقيقة بين الكلمات والصمت.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • محارب ولد من رماد    وجهان للحقيقة

    كان البيت هادئًا من الخارج.لكن الهدوء الذي يحيط به لم يكن يشبه الطمأنينة، بل كان يشبه الصمت الذي يسبق كلمة ثقيلة.جدرانه العالية تعزل ضجيج المدينة، وأروقته الواسعة لا يُسمع فيها إلا وقع الأقدام الخافتة، وحركة الخدم الذين يسيرون بحذر، كأن لكل خطوة مكانًا لا يجوز تجاوزه.في إحدى الغرف المطلة على المدينة، وقف كرب بن ذو هدد عند الشرفة.كانت يداه خلف ظهره، وعيناه تتجولان في الأزقة الممتدة أسفل القصر.من هناك، بدت المدينة كلها أصغر مما هي عليه.الأسواق.البيوت.والناس الذين يتحركون كأنهم نقاط صغيرة لا تنتهي.ظل يراقبها بصمت طويل، كأنه لا ينظر إلى المدينة، بل إلى شيء أبعد منها.انفتح الباب بهدوء.دخل أحد الخدم، وانحنى احترامًا.وقال بصوت منخفض:"سيدي... نزار في الخارج."لم يلتفت كرب مباشرة.ظل صامتًا لحظة، ثم قال بهدوء لا يتغير:"أدخله."انحنى الخادم مرة أخرى، ثم انسحب.بعد لحظات، دخل نزار.كانت خطواته ثابتة، لا يسرع ولا يتباطأ.توقف أمام والده، محافظًا على هدوئه.لم يكن متوترًا.لكنه لم يكن مرتاحًا أيضًا.كان يعلم أن استدعاء والده له لا يأتي بلا سبب.ساد صمت قصير بينهما.ثم قال كرب، دون أن

  • محارب ولد من رماد    أثر الشك

    مرّت أيامٌ قليلة منذ حادثة السوق.وعادت الحياة إلى ظاهرها المعتاد، كأن المدينة قررت أن تبتلع ما حدث وتمضي دون أن تلتفت إليه.في دار الحرفة، بقي كل شيء كما هو؛ النار تشتعل منذ الصباح، والحديد يتوهج فوق الجمر، والمطرقة تهبط على السندان بإيقاع ثابت لا يملّ، حتى إن الشرر المتطاير بدا وكأنه جزء من هذا المكان منذ زمن بعيد.كان يادع يعمل بصمته المعتاد، لا يكثر الكلام، ولا يلتفت إلا لما بين يديه، بينما تتردد أصوات الطرق في أرجاء الدار، فتغطي على كل شيء آخر.أما الناس في الخارج، فكانوا يسيرون في طرقاتهم كما اعتادوا، يحمل كل واحد منهم همّه ورزقه، يتبادلون الأحاديث والبيع والشراء، وكأن شيئًا لم يقع في ذلك السوق قبل أيام.لكن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة لحمير.حاول أن ينسى.وفي كل مرة أقنع نفسه بأن الحادثة انتهت، وجدها تعود إليه من جديد، دون أن يدري كيف.كان كلام يادع ما يزال عالقًا في ذهنه."ابتعد عنه."لم تكن الجملة طويلة، لكنها خرجت من معلمه بيقين لم يعتد أن يسمعه منه إلا في الأمور التي لا تقبل الجدل.ولهذا السبب تحديدًا، لم يستطع أن يخرجها من رأسه.كلما تذكر وجه نزار، عادت تلك الكلمات لتقف بينه

  • محارب ولد من رماد    ظل النفوذ

    لم يكن الصباح في دار آل هدد يشبه صباحات المدينة في أسواقها.فالزمن هنا لا يُقاس بطلوع الشمس أو ميلانها، بل بما يُتخذ من قرارات داخل الجدران العالية، وما يُقال في المجالس المغلقة.كان نزار واقفًا عند أحد النوافذ المطلة على المدينة.من هناك بدت الأزقة والأسواق كأنها طبقات متراكبة من حركة لا تهدأ، بشر يتحركون في انتظام غير مرئي، كأنهم أجزاء من نظام أوسع لا يُرى.لم يكن ينظر بإعجاب، ولا بنفور.كان يراقب فقط.دخل أحد الخدم، وانحنى قليلًا.قال بصوت خافت:"سيدي، والدك في المجلس."لم يُجب نزار، لكنه تحرك في هدوء.كان سيره ثابتًا، كأن المكان اعتاد وجوده، أو كأن خطاه جزء من بنية البيت نفسه.في المجلس الداخلي، كان كرب بن ذو هدد جالسًا في صدر المكان.لم يكن يحتاج إلى رفع صوته.فمجرد حضوره كان يكفي لفرض الصمت.وحوله جلس رجال من العائلة، تختلف ملامحهم، لكن يجمعهم أمر واحد: انتظار الكلمة التي لا تُرد.دخل نزار.ساد الصمت لحظة قصيرة.رفع كرب عينيه إليه.قال:"لقد تأخرت."أجاب نزار بهدوء:"لم يكن هناك ما يدعو إلى العجلة."ابتسامة خفيفة ظهرت على وجه كرب، لكنها خلت من الدفء.قال:"في هذا البيت، ليست الع

  • محارب ولد من رماد    ظل آل هدد

    عاد حمير من السوق.غير أنّ دخوله هذه المرّة لم يكن دخول عائدٍ من يومٍ عادي، بل كان كمن يعود وفي صدره ثِقلُ طريقٍ لم يُمشَ بالجسد وحده، بل مُشِيَ به بالاضطراب والتردّد وكثرة ما يُكتم.كان يمشي ببطء، كأنّ الأرض تحت قدميه فقدت اتفاقها القديم مع الخطى، وكتفاه مائلان كجدارٍ أنهكه حمل ما لا يُرى. أمّا عيناه، فكانتا زائغتين، لا تستقرّان على شيء، كأنّهما تبحثان عن معنى ضاع في زحام ما حدث، ثم لم تجداه.دفع الباب ودخل الورشة.في الداخل، كان يادع بن ذي لزن منهمكًا في عمله كعادته، والمطرقة تهبط على الحديد بإيقاعٍ ثابت، منتظم، كأنّها لا تعرف خارج هذا الإيقاع شيئًا، وكأنّ العالم خارج الورشة مجرّد تفصيل لا يستحق الالتفات.حين دخل حمير، لم يرفع يادع رأسه مباشرة.استمرّ في الطرق.ضربة…ثم ضربة أخرى…ثم توقّف.ارتفعت المطرقة ببطء، وتوقّف الصوت كما لو أنّ الحديد نفسه أصغى.رفع رأسه.وقال بصوتٍ هادئ، خالٍ من التعجّل:"ماذا حدث؟"فتح حمير فمه، لكن الكلمات تردّدت عند حافّة لسانه، ثم عادت أدراجها كأنها تخشى الخروج.أغلق فمه.وصمت.لم يتغيّر وجه يادع، ولم يعلّق، بل أعاد النظر إلى عمله، ثم أعاد المطرقة إلى ال

  • محارب ولد من رماد    ظل السلطة

    لم يكن نزار يحب الضجيج.ولهذا كان يقف عند النافذة كلما ضاق صدره.من هناك، كانت المدينة تبدو أصغر مما هي عليه في الأسفل؛ الأسواق، والأزقة، والناس يتحركون كأنهم أجزاء من نظام واحد لا يتوقف.في الخلفية، كان صوت الرجال يتحدثون عن التجارة، والقوافل، والأسعار، والعبيد.لم يكن ذلك جديدًا عليه.لكنه لم يكن مريحًا.في السوق، كان يسير كعادته، يتفقد ما أوكله إليه والده.ثم توقفت خطواته.تجمّع الناس.التفت.ثم رأى حمير.كان في عينيه شيء مختلف.لم يكن غضبًا فحسب.بل شيء أعمق، متراكمًا منذ زمن.ثم وقعت الضربة.ثم السقوط.ثم النهوض من جديد رغم كل شيء.حوّل نزار نظره إلى الرجل الآخر.التاجر.لم تعجبه ملامحه.كان ينظر إلى ما يحدث وكأنه أمر مألوف لا يستحق الاهتمام.وفي تلك اللحظة، اتخذ قراره.تقدّم نحوه.ووضع يده على كتفه.وقال:"توقف."التفت الرجل بسرعة.ثم تبدلت ملامحه على الفور."سيدي نزار..."صمت لحظة.ثم قال نزار:"اتركه."ارتبك الرجل.وقال:"سيدي، لم أقصد الإساءة، لقد كان يثير اضطرابًا في السوق، وأنا فقط..."قاطعه نزار:"قلت: اتركه."توقف الرجل.ثم أُطلق حمير من قبضة الرجال.كان حمير يحدق بصمت.و

  • محارب ولد من رماد    وجه من رماد

    كان السوق مكتظًّا كعادته، تتداخل فيه الأصوات حتى تغدو كتلة واحدة من ضجيجٍ بلا ملامح. الباعة ينادون، والخطوات تتسارع، والغبار يعلو في الهواء كطبقة ثقيلة تخنق المكان.لكن حمير لم يكن حاضرًا فيه حقًا.كان واقفًا بجسده فقط، بينما شيء داخله بدأ يتصدّع بصمت.عيناه معلّقتان برجل عند طرف العربة. رجل يضحك بخفّة، يعدّ نقوده كأن الحياة صفقة سهلة لا تترك أثرًا خلفها.ابتسامة مألوفة… أكثر مما ينبغي.ثم حدث الانكسار.لم يكن صوتًا ولا حركة، بل شيء انفتح في داخله، كأن بابًا دُفن طويلًا قرّر أن يُفتح دون إذن.تغيّر صدره فجأة، وكأن الهواء صار أثقل من أن يُسحب.وغبار…لكن ليس غبار السوق.شيء أقدم، يضغط من الداخل بدل أن يهبط من الخارج.وصوت واحد، حادّ، قاطع:"اقتلوه."لم تكن جملة، بل أمر قديم ما زال أثره يعمل حتى اللحظة.وفي اللحظة نفسها، لم يعد يرى الرجل أمامه.انفتح المشهد داخله بلا استئذان.طفل في زاوية ضيّقة.واقف بلا حركة.لا يهرب، لا يصرخ، فقط ينظر.نظرة لا تشبه الخوف… بل تشبه محاولة حفظ كل شيء قبل أن يُمحى.ثم جسد يُسحب.خطوات خشنة.وأصوات لا تتكلم بقدر ما تُصدر أحكامًا."هذا هو.""خذوه."كأن الإن

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status