Home / التاريخ الافتراضي / محارب ولد من رماد / ذلك الذي لا اعرفه... لكنه يشبهني

Share

ذلك الذي لا اعرفه... لكنه يشبهني

Author: sbarda
last update publish date: 2026-07-04 19:25:21

كانت الشمس في كبد السماء، تنفث لهيبها فوق الرمال الصفراء، حتى بدا الأفق كأنه يتراقص من شدة الحرّ. القافلة تسير بخطًى وئيدة، تصدر عنها أصوات الأقدام الثقيلة، وصرير العجلات الخشبية وهي تجر الصناديق الكبيرة المغطاة بالقماش المشدود. الهواء حارٌ وجاف، يعبُر الأرض كأنّه يلهث.

كان الرجل يسير بجوار إحدى العربات، عيناه ثابتتان على الطريق، لكن فكره كان سابحًا في مكان آخر. ملامحه ساكنة، لكنها تخفي خلفها اضطرابًا دفينًا، إحساسًا غريبًا ظلّ يلاحقه منذ أن بدأ الرحيل.

قبل ذلك بعدّة أيام، وفي جنح المساء حين يغدو الظل أطول من صاحبه، كانت أزقة المدينة تبتلع خطوات طفل يركض بخوف. قدماه الحافيتان تضربان الأرض الرملية، وصدره يعلو ويهبط بأنفاسٍ متقطّعة. كان يسير نحو أقصى المدينة، نحو الأطراف البعيدة، هاربًا من شيء لا يُذكر، لكنه يسكن نظراته المرتجفة.

عبر الأزقة الضيقة، وانزلق بين الحيطان العتيقة، حتى وجد نفسه عند سورٍ قديمٍ من الخشب، تتراكم خلفه عربات متهالكة، وصناديق متراكمة لم يُعرها أحدٌ اهتمامًا. تسلّل بينها بصمت، واختار واحدًا منها، واندسّ داخله كما يندسّ السرّ في سواد الليل. أغلق على نفسه غطاءً من الخيش، وسكنت أنفاسه في أعماق الخوف.

لم يره أحد. أو لعلّ من رآه لم يعبأ بأمره.

ثم، ومن بين الضجيج الخافت للقافلة، علا صوت خشن:

– "مهلًا! ما هذا؟! طفل فوق الصناديق!"

اندفع أحد الرجال نحو الأعلى، وأمسك بصبي كان مستلقيًا بين الأخشاب. جذبه بقسوة كما يُسحب الشيء المسروق، وإذا بالصبي يترنح في قبضته. كان هزيل الجسد، تغطيه طبقة من التراب، وعيناه نصف مغلقتين كأنهما ما ذاقتا نومًا مطمئنًا منذ دهر.

وقف الرجل، وتجمد في مكانه.

وقعت عيناه على الصبي، وتلبسه شعورٌ مبهم… كأنّ في ملامح ذلك الوجه ما يشعل ومضة في ذاكرته. شيء عالق بين الحلم والواقع. تلك العينان… لقد رأيتهما من قبل… لكن أين؟

كأن شبحًا قديمًا مرّ بخاطره، كأن الصرخات التي سمعها يومًا ما عادت تهمس في أذنه، والمكان الضائع من ذهنه بدأ ينكشف شيئًا فشيئًا. مشهد مزدحم، رجال، صياح، دماء، وطفل يحدّق في ساحةٍ موحشة… لا… لا أدري… لعلها أوهام.

قال الرجل، وهو يقبض على ذراع الصبي كمن يملك قطعة من المتاع:

– "كان مختبئًا داخل أحد الصناديق. يبدو عبدًا هاربًا، سأبيعه في أول سوق أمرّ به، خيرٌ من أن أطعمه دون نفع."

اقترب الرجل، ولم تزل نظراته معلّقة بالفتى. ما زال ذلك الشعور الثقيل في صدره، ذلك الصمت الذي يصرخ من أعماقه.

قال بصوتٍ هادئ، لكنه قاطع لا يقبل جدالًا:

– "اتركه… سأشتريه منك."

حدّق فيه الرجل بدهشة، ثم لمعت في عينيه شرارة الطمع:

– "هاه؟ تريده؟ حسنًا، خمسة قطع فضة، وخذه."

أخرج الرجل كيسًا صغيرًا من على خصره، ومدّ يده بهدوء، دون أن ينطق بكلمة. ناوله القطع الفضية، ثم التفت نحو الصبي ومدّ يده الأخرى.

تردد الصبي قليلًا، عيناه تضطربان بين الخوف والرجاء، ثم اقترب بخطًى مرتجفة. وضع الرجل يده على كتفه، فشعر برجفةٍ خافتةٍ تسري في جسده هو، لا جسد الصبي فقط.

لماذا أشعر أني أعرفه؟ أن هذا القدر لم يكن مصادفة؟

لم ينطق الرجل بشيء، لكنه سار بجانبه، فيما كان الصبي يخطو بصمت، كأن الأرض لم تعد تعرف صوت قدميه.

السماء فوقهم كانت خاوية، والصحراء من حولهم تمتدّ بلا نهاية. وفي داخل كلٍّ منهما، سكونٌ ينبئ بعاصفة لم تأتِ بعد.

---

مضت القافلة تشقُّ عباب الصحراء كأفعى عظيمة تنهكها الشمس، وتلفحها الرياح الحارقة. الرمال كانت كالبحر المائج، تبتلع الخطى، وتُثقل الأجساد. وخلف كل نَفَسٍ يُلفَظ، كانت تنهيدة تعب تُخفيها الكرامة.

كان الطفل يسير بصمت إلى جوار الرجل، لا ينبس بكلمة، ولا يشتكي. خطواته صغيرة، لكنّه كان يحاول أن يواكب مشية الرجل رغم تعبه وجوعه. أحيانًا يترنح، وأحيانًا يرفع رأسه نحو السماء كمن يبحث عن رحمةٍ لا تنزل.

الرجل، بعينيه الحادتين ووجهه الصامت، كان يرمقه بين الفينة والأخرى. لم يسأله عن شيء، ولم يجبره على الحديث. كان فقط يمشي بقربه، كظلٍ لا يخذل.

مرت عليهم أيامٌ ثلاث، لم تكن الطريق فيها رحيمة. نهارهم نار، وليلهم ريحٌ قارصة وزمهرير. كانوا يأكلون القليل، ويشربون من قرب الماء ما يكفي بالكاد لإبقاء الروح في الجسد. كان الطفل ينام تحت عجلات العربة، متكورًا على نفسه كجروٍ صغير، والرجل لا يبعد عنه كثيرًا، يوقظه إن طال نومه، ويمد له كسرة خبز إن نسي نفسه جوعًا.

وذات مساء، حين بدأت الشمس تميل نحو المغيب، لاح في الأفق ظلُّ جدران طينية، وأبراج صغيرة ترتفع من قلب الأرض كأنها تنهض من سباتٍ طويل.

– "ها قد وصلنا."

قالها أحد رجال القافلة، بصوت خافت أنهكه الطريق، فارتفعت الهمسات بين المسافرين، وعلت أنفاس الراحة.

أما الطفل، فقد وقف مذهولًا، ينظر نحو المدينة القادمة كأنها حلم، كأنها أرضٌ أخرى غير تلك التي عرفها. عينيه حمراوان من وهج الرمال، قدماه ملتهبتان، لكنّه ظل يسير… يسير في صمت، إلى جوار من لا يعرفه، لكنه أنقذه.

وحين عبروا بوابة المدينة، كانت الشمس تلفظ أنفاسها الأخيرة خلف الكثبان، وكان الرجل يخطو بثباتٍ نحو داره، والطفل الصغير يتبعه كمن لا يملك في الدنيا سوى هذا الرجل الصامت.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • محارب ولد من رماد    وجهان للحقيقة

    كان البيت هادئًا من الخارج.لكن الهدوء الذي يحيط به لم يكن يشبه الطمأنينة، بل كان يشبه الصمت الذي يسبق كلمة ثقيلة.جدرانه العالية تعزل ضجيج المدينة، وأروقته الواسعة لا يُسمع فيها إلا وقع الأقدام الخافتة، وحركة الخدم الذين يسيرون بحذر، كأن لكل خطوة مكانًا لا يجوز تجاوزه.في إحدى الغرف المطلة على المدينة، وقف كرب بن ذو هدد عند الشرفة.كانت يداه خلف ظهره، وعيناه تتجولان في الأزقة الممتدة أسفل القصر.من هناك، بدت المدينة كلها أصغر مما هي عليه.الأسواق.البيوت.والناس الذين يتحركون كأنهم نقاط صغيرة لا تنتهي.ظل يراقبها بصمت طويل، كأنه لا ينظر إلى المدينة، بل إلى شيء أبعد منها.انفتح الباب بهدوء.دخل أحد الخدم، وانحنى احترامًا.وقال بصوت منخفض:"سيدي... نزار في الخارج."لم يلتفت كرب مباشرة.ظل صامتًا لحظة، ثم قال بهدوء لا يتغير:"أدخله."انحنى الخادم مرة أخرى، ثم انسحب.بعد لحظات، دخل نزار.كانت خطواته ثابتة، لا يسرع ولا يتباطأ.توقف أمام والده، محافظًا على هدوئه.لم يكن متوترًا.لكنه لم يكن مرتاحًا أيضًا.كان يعلم أن استدعاء والده له لا يأتي بلا سبب.ساد صمت قصير بينهما.ثم قال كرب، دون أن

  • محارب ولد من رماد    أثر الشك

    مرّت أيامٌ قليلة منذ حادثة السوق.وعادت الحياة إلى ظاهرها المعتاد، كأن المدينة قررت أن تبتلع ما حدث وتمضي دون أن تلتفت إليه.في دار الحرفة، بقي كل شيء كما هو؛ النار تشتعل منذ الصباح، والحديد يتوهج فوق الجمر، والمطرقة تهبط على السندان بإيقاع ثابت لا يملّ، حتى إن الشرر المتطاير بدا وكأنه جزء من هذا المكان منذ زمن بعيد.كان يادع يعمل بصمته المعتاد، لا يكثر الكلام، ولا يلتفت إلا لما بين يديه، بينما تتردد أصوات الطرق في أرجاء الدار، فتغطي على كل شيء آخر.أما الناس في الخارج، فكانوا يسيرون في طرقاتهم كما اعتادوا، يحمل كل واحد منهم همّه ورزقه، يتبادلون الأحاديث والبيع والشراء، وكأن شيئًا لم يقع في ذلك السوق قبل أيام.لكن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة لحمير.حاول أن ينسى.وفي كل مرة أقنع نفسه بأن الحادثة انتهت، وجدها تعود إليه من جديد، دون أن يدري كيف.كان كلام يادع ما يزال عالقًا في ذهنه."ابتعد عنه."لم تكن الجملة طويلة، لكنها خرجت من معلمه بيقين لم يعتد أن يسمعه منه إلا في الأمور التي لا تقبل الجدل.ولهذا السبب تحديدًا، لم يستطع أن يخرجها من رأسه.كلما تذكر وجه نزار، عادت تلك الكلمات لتقف بينه

  • محارب ولد من رماد    ظل النفوذ

    لم يكن الصباح في دار آل هدد يشبه صباحات المدينة في أسواقها.فالزمن هنا لا يُقاس بطلوع الشمس أو ميلانها، بل بما يُتخذ من قرارات داخل الجدران العالية، وما يُقال في المجالس المغلقة.كان نزار واقفًا عند أحد النوافذ المطلة على المدينة.من هناك بدت الأزقة والأسواق كأنها طبقات متراكبة من حركة لا تهدأ، بشر يتحركون في انتظام غير مرئي، كأنهم أجزاء من نظام أوسع لا يُرى.لم يكن ينظر بإعجاب، ولا بنفور.كان يراقب فقط.دخل أحد الخدم، وانحنى قليلًا.قال بصوت خافت:"سيدي، والدك في المجلس."لم يُجب نزار، لكنه تحرك في هدوء.كان سيره ثابتًا، كأن المكان اعتاد وجوده، أو كأن خطاه جزء من بنية البيت نفسه.في المجلس الداخلي، كان كرب بن ذو هدد جالسًا في صدر المكان.لم يكن يحتاج إلى رفع صوته.فمجرد حضوره كان يكفي لفرض الصمت.وحوله جلس رجال من العائلة، تختلف ملامحهم، لكن يجمعهم أمر واحد: انتظار الكلمة التي لا تُرد.دخل نزار.ساد الصمت لحظة قصيرة.رفع كرب عينيه إليه.قال:"لقد تأخرت."أجاب نزار بهدوء:"لم يكن هناك ما يدعو إلى العجلة."ابتسامة خفيفة ظهرت على وجه كرب، لكنها خلت من الدفء.قال:"في هذا البيت، ليست الع

  • محارب ولد من رماد    ظل آل هدد

    عاد حمير من السوق.غير أنّ دخوله هذه المرّة لم يكن دخول عائدٍ من يومٍ عادي، بل كان كمن يعود وفي صدره ثِقلُ طريقٍ لم يُمشَ بالجسد وحده، بل مُشِيَ به بالاضطراب والتردّد وكثرة ما يُكتم.كان يمشي ببطء، كأنّ الأرض تحت قدميه فقدت اتفاقها القديم مع الخطى، وكتفاه مائلان كجدارٍ أنهكه حمل ما لا يُرى. أمّا عيناه، فكانتا زائغتين، لا تستقرّان على شيء، كأنّهما تبحثان عن معنى ضاع في زحام ما حدث، ثم لم تجداه.دفع الباب ودخل الورشة.في الداخل، كان يادع بن ذي لزن منهمكًا في عمله كعادته، والمطرقة تهبط على الحديد بإيقاعٍ ثابت، منتظم، كأنّها لا تعرف خارج هذا الإيقاع شيئًا، وكأنّ العالم خارج الورشة مجرّد تفصيل لا يستحق الالتفات.حين دخل حمير، لم يرفع يادع رأسه مباشرة.استمرّ في الطرق.ضربة…ثم ضربة أخرى…ثم توقّف.ارتفعت المطرقة ببطء، وتوقّف الصوت كما لو أنّ الحديد نفسه أصغى.رفع رأسه.وقال بصوتٍ هادئ، خالٍ من التعجّل:"ماذا حدث؟"فتح حمير فمه، لكن الكلمات تردّدت عند حافّة لسانه، ثم عادت أدراجها كأنها تخشى الخروج.أغلق فمه.وصمت.لم يتغيّر وجه يادع، ولم يعلّق، بل أعاد النظر إلى عمله، ثم أعاد المطرقة إلى ال

  • محارب ولد من رماد    ظل السلطة

    لم يكن نزار يحب الضجيج.ولهذا كان يقف عند النافذة كلما ضاق صدره.من هناك، كانت المدينة تبدو أصغر مما هي عليه في الأسفل؛ الأسواق، والأزقة، والناس يتحركون كأنهم أجزاء من نظام واحد لا يتوقف.في الخلفية، كان صوت الرجال يتحدثون عن التجارة، والقوافل، والأسعار، والعبيد.لم يكن ذلك جديدًا عليه.لكنه لم يكن مريحًا.في السوق، كان يسير كعادته، يتفقد ما أوكله إليه والده.ثم توقفت خطواته.تجمّع الناس.التفت.ثم رأى حمير.كان في عينيه شيء مختلف.لم يكن غضبًا فحسب.بل شيء أعمق، متراكمًا منذ زمن.ثم وقعت الضربة.ثم السقوط.ثم النهوض من جديد رغم كل شيء.حوّل نزار نظره إلى الرجل الآخر.التاجر.لم تعجبه ملامحه.كان ينظر إلى ما يحدث وكأنه أمر مألوف لا يستحق الاهتمام.وفي تلك اللحظة، اتخذ قراره.تقدّم نحوه.ووضع يده على كتفه.وقال:"توقف."التفت الرجل بسرعة.ثم تبدلت ملامحه على الفور."سيدي نزار..."صمت لحظة.ثم قال نزار:"اتركه."ارتبك الرجل.وقال:"سيدي، لم أقصد الإساءة، لقد كان يثير اضطرابًا في السوق، وأنا فقط..."قاطعه نزار:"قلت: اتركه."توقف الرجل.ثم أُطلق حمير من قبضة الرجال.كان حمير يحدق بصمت.و

  • محارب ولد من رماد    وجه من رماد

    كان السوق مكتظًّا كعادته، تتداخل فيه الأصوات حتى تغدو كتلة واحدة من ضجيجٍ بلا ملامح. الباعة ينادون، والخطوات تتسارع، والغبار يعلو في الهواء كطبقة ثقيلة تخنق المكان.لكن حمير لم يكن حاضرًا فيه حقًا.كان واقفًا بجسده فقط، بينما شيء داخله بدأ يتصدّع بصمت.عيناه معلّقتان برجل عند طرف العربة. رجل يضحك بخفّة، يعدّ نقوده كأن الحياة صفقة سهلة لا تترك أثرًا خلفها.ابتسامة مألوفة… أكثر مما ينبغي.ثم حدث الانكسار.لم يكن صوتًا ولا حركة، بل شيء انفتح في داخله، كأن بابًا دُفن طويلًا قرّر أن يُفتح دون إذن.تغيّر صدره فجأة، وكأن الهواء صار أثقل من أن يُسحب.وغبار…لكن ليس غبار السوق.شيء أقدم، يضغط من الداخل بدل أن يهبط من الخارج.وصوت واحد، حادّ، قاطع:"اقتلوه."لم تكن جملة، بل أمر قديم ما زال أثره يعمل حتى اللحظة.وفي اللحظة نفسها، لم يعد يرى الرجل أمامه.انفتح المشهد داخله بلا استئذان.طفل في زاوية ضيّقة.واقف بلا حركة.لا يهرب، لا يصرخ، فقط ينظر.نظرة لا تشبه الخوف… بل تشبه محاولة حفظ كل شيء قبل أن يُمحى.ثم جسد يُسحب.خطوات خشنة.وأصوات لا تتكلم بقدر ما تُصدر أحكامًا."هذا هو.""خذوه."كأن الإن

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status