Home / التاريخ الافتراضي / ميزانُ المَجْد / الفصل الأول: الحبل والذاكرة

Share

الفصل الأول: الحبل والذاكرة

last update publish date: 2026-07-23 23:20:07

سلا، منتصف يوليوز 1830

لم يكن ثمة ألمٌ في البداية، بل ثِقَل. ثِقَلٌ غريبٌ يشدُّ الرقبةَ إلى الأسفل، وصوتٌ بعيدٌ يشبه أزيزَ خليةِ نحلٍ يملأُ الرأس.

ثم، فجأة، انفجر كلُّ شيء نوراً وأصواتاً متداخلة: صفيرُ سيارةٍ في شارعٍ لا وجودَ له هنا، ضجيجُ اجتماعٍ في مكتبٍ زجاجيٍّ، صوتُ نشرةِ أخبارٍ تتحدثُ عن سنةٍ لم تأتِ بعد بمئتي عام. ذاكرةٌ كاملة، بكل تفاصيلها الصغيرة والكبيرة، انصبَّت دفعةً واحدةً في جمجمةٍ لم تكن معتادةً على استيعابها.

فتح عينيه.

لم يكن السقفُ الذي رآه سقفَ شقته في الرباط، ولا كان الجدارُ الذي أمامه جداراً من الجبس المصبوغ. كان حجراً خشناً، معتَّقاً، تتسللُ من شقوقه خيوطُ ضوءٍ رماديٍّ خافت. ورائحةٌ... رائحةٌ لم يشمَّها من قبل: خشبٌ رطب، ملحُ بحرٍ قديم، ودخانُ زيتٍ محروق.

ثم أدرك الثِّقَلَ حول رقبته.

رفع يداً لم تكن يده — أصابعُ نحيلة، جلدٌ ناعمٌ لم يخشوشن بعد، يدُ صبيٍّ لا يدُ رجل — ولمس الحبل. لم يفكر. لم يكن هناك وقتٌ للتفكير. شدَّ العقدةَ بأصابعَ ترتجف، مرةً، ثم مرة، حتى ارتخت، وسقط على أرضيةٍ خشبيةٍ صلبة وهو يسعل سعالاً يمزّق الحلق.

بقي على الأرض دقائق طويلة، يتنفس، فقط يتنفس، بينما عقلان يتصارعان داخل جمجمةٍ واحدة: عقلٌ يعرف "الرباط" و"2026" و"شركات" و"محركات بحث"، وعقلٌ آخر، أخفت صوتاً لكنه أعمق جذوراً، يعرف اسم هذا المكان: "سَلا"، ويعرف اسمه هو: "إدريس بن الطاهر"، ابن السادسة عشرة، آخر ورثة بيت "آل الطاهر" التجاري العريق — البيت الذي كان اسمه يعني الأمانة والثراء قبل أن يصبح، خلال سنتين فقط، مرادفاً للخراب.

جلس إدريس — أو الكائن الذي أصبح إدريس الآن — مستنداً إلى صندوقٍ خشبيٍّ قديم، وحاول أن يرتّب ما بين يديه من فوضى.

"كنت أقرأ عن هذا الرجل قبل أن أنام"، فكّر. "كنت أقرأ عن سلا، عن سنة 1830، عن سقوط الجزائر... كيف..."

توقف الفكر فجأة، واتسعت عيناه.

سقوط الجزائر.

لم يكن هذا مجرد سطرٍ في كتابٍ تاريخي بعد الآن. كان خبراً وشيكاً، ربما وصل بالفعل، ربما يتردد الآن في مقاهي الميناء وأسواق سلا وهو لا يعلم. خبرٌ سيغيّر كل شيء — ليس فوراً، بل ببطء، على مدى عقود، حتى يصل المغرب كله إلى نهايةٍ يعرفها هو وحده بين كل من يمشون على هذه الأرض: 1912. الحماية. النهاية.

"أربعة وثمانون عاماً،" همس بصوتٍ لم يعتد عليه بعد — صوتُ فتى، حادٌّ، لم يكتمل بعد. "عندي أربعة وثمانون عاماً... إن كان هذا حقيقياً."

ثم فكّر، بمرارةٍ لم يتوقعها: "وعندي ستة عشر عاماً فقط من عمر هذا الجسد. كيف يُفترض بصبيٍّ في هذا السن أن يُصدَّق، أن يُسمَع، أن يُحترم؟"

صوتُ طرقٍ خفيفٍ على الباب الخشبي قطع تأمله.

"سيدي إدريس؟" — صوتُ شابٍّ، قلِق. "سمعتُ صوت سقوط. هل أنت بخير؟"

نظر إدريس نحو الباب، ثم نحو الحبلَ الملقى على الأرض بجانبه، ثم نحو يديه الصغيرتين اللتين لا تزالان ترتجفان.

لم يكن هناك وقتٌ للانهيار. ذاكرةُ الفتى البائس أعطته اسم الصوت: عمر، الخادم الوحيد المتبقي له بعد أن باع كل شيء آخر — بل بعد أن بِيع كل شيء آخر من تحته، دون أن يفهم كيف ولا لماذا.

مسح إدريس عينيه بكمّ الجلباب الخشن، ودفع الحبلَ بقدمه تحت الصندوق بحركةٍ سريعة، ثم قال بصوتٍ حاول أن يجعله ثابتاً:

"أنا بخير يا عمر. ادخل."

فُتح الباب، ودخل شابٌّ نحيلٌ يكبر إدريس بأربع أو خمس سنوات، حاملاً قنديلاً صغيراً رغم أن الصباح كان قد بدأ يتسلل من النافذة. توقف عند العتبة، ونظر إلى سيده الصغير بقلق واضح — الوجه شاحب، العينان محمرّتان، والجسد النحيل يرتجف رغم دفء الصيف.

"سيدي، أنت... لم تنم الليلة الماضية، أليس كذلك؟ سمعت خطواتك حتى الفجر."

نظر إدريس إلى عمر طويلاً، وكأنه يراه لأول مرة — يرى فيه، فجأة، ليس مجرد خادمٍ أكبر منه سناً ورثه مع الديون، بل أول إنسانٍ سيحتاج أن يثق به في هذا العالم الجديد.

"عمر،" قال أخيراً، وقد بدأ صوته يستعيد بعض ثباته رغم حداثته، "كم بقي لدينا من المال؟"

تردد عمر، وبدا عليه أنه يزن كلماته أمام صبيٍّ لم يعد يعرف كيف يخاطبه. "لا شيء تقريباً يا سيدي. غداً يأتي عمّك، الحاج قدور، ليأخذ آخر ما تبقى من الصوف سداداً لما يقول إنه دَينٌ عليك."

توقف إدريس عند كلمة "عمّك"، وشعر بشيءٍ يتحرك في أعماق ذاكرة الفتى الأصلية — شيءٌ غامض، مؤلم، لم يتضح بعد. صورةٌ باهتة لرجلٍ يبتسم ابتسامةً لا تصل إلى عينيه.

"وما الذي يقوله عمّي بالضبط عن دفاتر أبي؟" سأل إدريس بحذر، محاولاً أن ينتزع من ذاكرة الجسد ما استطاع.

نظر عمر إليه بذهول، وكأن السؤال نفسه غريبٌ عن سيده المعتاد. "سيدي... أنت من طلب مني ألا نتحدث عن هذا الموضوع منذ أن... منذ أن اختفى والدك رحمه الله في تلك الرحلة البحرية قبل سنتين. الحاج قدور يقول إن أباك ترك ديوناً كثيرة أخفاها عنكم، وإنه هو من ينقذ اسم العائلة بتصفية ما تبقى."

"اختفى"، لاحظ إدريس الكلمة الدقيقة. لم يقل عمر "غرق" أو "مات"، بل "اختفى".

"عمر،" قال إدريس ببطء، وعيناه تلمعان بجدّيةٍ لم يعتدها عمر من فتى في السادسة عشرة، "هل وُجدت جثة أبي يوماً؟"

اتسعت عينا عمر، وارتجفت يده حتى كاد القنديل يسقط منها. "لماذا تسأل عن هذا الآن يا سيدي، بعد كل هذا الوقت؟"

لم يجب إدريس مباشرة. نهض بصعوبة، متكئاً على الصندوق الذي يخفي تحته حبلاً لم يعد له وجود، وتجه نحو النافذة الصغيرة، ينظر إلى سماء سلا الرمادية التي بدأت الشمس تخترقها.

"لأن شيئاً تغيّر بداخلي الليلة يا عمر،" قال أخيراً، بصوتٍ حمل ثقل رجلٍ عاش عمراً كاملاً في ليلةٍ واحدة. "أحضر لي ورقةً وحبراً. ثم أخبرني كل ما تعرفه عن رحلة أبي الأخيرة، وعن كل اتفاقٍ عقده عمّي مع أي قنصلٍ أجنبيٍّ في هذه المدينة."

توقف فجأة، وكأنه تذكّر شيئاً، والتفت نحو عمر بجدّيةٍ لم يعتدها منه: "وأخبرني أيضاً: هل وصلت إلى الميناء أخبارٌ من الجزائر مؤخراً؟"

نظر إليه عمر بحيرةٍ واضحة، وكأن السؤال جاء من عالمٍ آخر لا يمتّ لهمومهما بصلة. "الجزائر؟ لماذا تسأل عن هذا الآن يا سيدي، ونحن غارقون في ديننا؟ سمعت شيئاً من بحّارةِ الميناء أمس، نعم... يقولون إن الفرنسيين أنزلوا جيشاً هناك منذ أسابيع. لكن ما علاقة هذا بنا؟ نحن في سلا، والجزائر بعيدة."

ابتسم إدريس ابتسامةً لم يفهم عمر معناها، ابتسامةَ فتىً يحمل عقل رجلٍ رأى نهايات لم تحدث بعد.

"ليست بعيدة كما تظن يا عمر،" قال دون أن يلتفت عن النافذة. "ولا أظن أن اختفاء أبي بعيدٌ عن هذا أيضاً. كل شيءٍ في هذه المدينة مرتبطٌ بخيوطٍ لا يراها إلا من يعرف أين ينظر."

صمت لحظة، ثم أضاف بصوتٍ أخفض، وكأنه يعد نفسه لا عمر:

"وأنا، من اليوم، سأنظر."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ميزانُ المَجْد   الفصل السابع والثلاثون: سؤالٌ لا يريد إدريس أن يطرحه

    المستودع — منتصف مارس 1832كان إدريس يراجع دفاتره وحيداً ذلك المساء، حين توقف فجأة، قلمه معلّقٌ في الهواء، وفكرةٌ بدأت تتشكل ببطء، مزعجة، لم يستطع طردها بسهولة.كان قد سمع، قبل أيام، من حديثٍ عابر بين تجّار السوق، تفاصيل غامضة عن "شروطٍ خاصة" فرضها السلطان على القنصل الإسباني المقيم في سلا. لم يكن قد أولى الأمر اهتماماً كبيراً وقتها، مشغولاً بأزمة الصوف. لكن الآن، وحيداً في صمت المستودع، عاد السؤال يطرق ذهنه بإلحاح: "لماذا لا أتذكر شيئاً عن هذا في كل ما قرأتُه عن تاريخ المغرب في حياتي الأخرى؟"لم يكن هذا سؤالاً بسيطاً. كان إدريس، بذاكرته من عالمٍ آخر، قد قرأ بشغفٍ حقيقي عن هذه الحقبة بالذات — سياسة السلطان عبد الرحمن الحذرة، معاهداته، مواقفه من الأزمة الجزائرية. كيف يمكن أن يفوته تفصيلٌ كهذا: قنصلٌ أوروبيٌّ يُمنح إقامةً استثنائية في مدينةٍ تجارية بشروطٍ تتضمن انفتاحاً معرفياً غير مسبوق؟جلس إدريس طويلاً، يفكر بجدية في احتمالين لا ثالث لهما، كما فكّر فيهما مراراً في لحظات شكٍّ مشابهة منذ استيقاظه في هذا الجسد."الاحتمال الأول،" فكّر بمحاولة تهدئة نفسه، "أن معرفتي التاريخية، مهما بدت وا

  • ميزانُ المَجْد   الفصل السادس والثلاثون: ذاكرة المهندس

    المستودع — مساء يومٍ هادئ، فبراير 1832بعد نجاح العربة المحسّنة، جلس إدريس وحيداً تلك الليلة، يراجع رسوماته المتناثرة على الطاولة، وسمح لنفسه، للمرة الأولى منذ زمنٍ طويل، أن يستحضر بوضوحٍ كامل ذاكرة حياته الأولى — لا كصورٍ متناثرة يستخدمها عند الحاجة، بل كسيرةٍ متكاملة يتأملها بهدوء.لم يكن مجرد "مهندسٍ" غامض كما فكّر في نفسه أحياناً بتبسيطٍ مفرط. كان قد قضى خمساً وعشرين سنة كاملة من حياته الأولى مهندساً ميكانيكياً متخصصاً في تصميم الآلات الصناعية، بدأ حياته المهنية في خطوط إنتاج مصانع النسيج، يراقب عن قرب كل ترسٍ وكل عمودٍ ناقلٍ للحركة، قبل أن يتدرج ليصبح، في العقد الأخير من حياته تلك، مديراً لمصنعٍ كامل، مسؤولاً عن كل تفصيلٍ من تفاصيل الإنتاج والصيانة والتطوير.وسط كل ذلك، كان شغفه الحقيقي، خارج ساعات العمل، ينصبّ على أمرين بدآ يبدوان له الآن، بعد كل ما حدث، وكأنهما تدريبٌ مسبق لمصيرٍ لم يكن يعرف أنه ينتظره: تاريخ المغرب، وقراءته المتعمقة عن الثورة الصناعية الأوروبية، تلك اللحظة التي حوّلت أوروبا من قارةٍ زراعية إلى قوةٍ صناعية سحقت، ببطءٍ ثم بسرعة، كل من لم يواكبها."لم أكن أحفظ تص

  • ميزانُ المَجْد   الفصل الخامس والثلاثون: عجلاتٌ لا تنكسر

    طريق الأطلس — يناير 1832عاد سعيد من رحلته الشهرية إلى قرية آيت الجبل بخبرٍ محبط: عربةٌ من عرباتهم الثلاث انكسر محورها في منتصف الطريق الجبلي الوعر، واضطر الرجال لنقل حمولتها على ظهور البغال يدوياً حتى أقرب نقطة إصلاح، مضيّعين يومين كاملين."هذه المرة الثالثة في شهرين يا سيدي،" قال سعيد بإحباطٍ واضح. "العربات التي نشتريها من نجاري سلا مصممة لطرق المدينة المستوية، لا لهذه الدروب الجبلية الوعرة."جلس إدريس يفكر في المشكلة تلك الليلة، وشعر بشيءٍ يوقظ فيه جزءاً من ذاكرته القديمة لم يستخدمه كثيراً منذ استقر في هذا العالم — لم يكن هذا سؤالاً تجارياً أو استراتيجياً، بل سؤالاً هندسياً بحتاً، من النوع الذي كان يحبه المهندس بداخله قبل أن يصبح تاجراً ومقاوماً اقتصادياً."محاور العربات التقليدية جامدة تماماً،" فكّر، وهو يرسم مخططاً بسيطاً على ورقة. "كل صدمةٍ من الطريق الوعرة تنتقل مباشرة إلى المحور، حتى ينكسر عاجلاً أم آجلاً. لو استطعنا امتصاص جزءٍ من تلك الصدمات..."تذكّر مبدأً بسيطاً من ذاكرته الهندسية: نظام تعليقٍ بدائي، ليس بالنابض الفولاذي المعقد الذي سيُخترع لاحقاً بعقود، بل بشيءٍ أبسط بكثي

  • ميزانُ المَجْد   الفصل الرابع والثلاثون: صدى لا يُسمع

    المستودع — يناير 1832مرّت شهورٌ ثلاثة دون أي ردٍّ على رسالة إدريس. لم ييأس تماماً، لكنه شعر، مع كل أسبوعٍ يمر بصمت، بثقل شكٍّ متزايد يتسلل إلى يقينه الأول.جاء الرد أخيراً، في مطلع يناير 1832، لا من كاتب الديوان نفسه، بل من كاتبٍ مساعدٍ أدنى مرتبة، برسالةٍ قصيرة ومقتضبة، مكتوبة بخط رسميٍّ باردٍ لا يحمل أي أثرٍ شخصي:"وصلت ملاحظاتكم بخصوص الشأن التلمساني إلى من يهمه الأمر. يُشكر اهتمامكم بمصالح الأمة. الشؤون السياسية والعسكرية من اختصاص أهلها، وفقاً لحكمة مولانا نصره الله. وفقكم الله في تجارتكم."قرأ إدريس الرسالة مرتين، ثلاث مرات، محاولاً أن يجد فيها ولو إشارةً واحدة تدل على أن أحداً قرأ محتواها الفعلي بجدية، لا مجرد تصنيفها ضمن "رسائل عامة من رعايا يهتمون بالشأن العام" وأرشفتها دون قراءةٍ حقيقية.لم يجد شيئاً. كانت رسالة رفضٍ مهذب، من النوع الذي يُرسَل لعشرات الرسائل المشابهة كل شهر، دون أي تمييزٍ حقيقي لمحتواها.جلس إدريس وحيداً طويلاً، يحدّق في الورقة، وشعر بشيءٍ لم يشعر به من قبل بهذا الوضوح منذ استيقاظه في هذا الجسد: إحساسٌ حقيقيٌّ بالحجم الهائل للمسافة بينه وبين أي تأثيرٍ فعلي

  • ميزانُ المَجْد   الفصل الثالث والثلاثون: أخبارٌ من الشرق

    بيت الحاج إبراهيم — أوائل نوفمبر 1831جاء إدريس في زيارته الأسبوعية المعتادة، ليجد الحاج إبراهيم منشغلاً بقراءة رسالةٍ طويلة وصلته للتو من أحد معارفه القدامى في طنجة، وجهه يحمل قلقاً لم يعتد إدريس رؤيته عليه بهذا الوضوح."أخبارٌ من الشرق يا بني،" قال الحاج إبراهيم دون مقدماتٍ، وأشار له بالجلوس. "أخبار قد تهمّك، بحكم كل ما تحمله من اهتمامٍ بمصير هذه البلاد."استمع إدريس بتركيزٍ تام بينما شرح له الحاج إبراهيم، بخبرته الطويلة في قراءة الأخبار السياسية عبر شبكته التجارية، تفاصيل ما كان يحدث في الشرق: أهل تلمسان والغرب الجزائري أرسلوا وفوداً لمبايعة السلطان مولاي عبد الرحمن منذ أشهر، طلباً لحمايته من الفرنسيين، وقد عيّن السلطان ابن أخيه مولاي علي حاكماً هناك."لكن الآن،" أكمل الحاج إبراهيم بقلق، "تصلني أخبار أن فرنسا بدأت تحتج بشدة على هذا التدخل المغربي، وأن القنصل الفرنسي في طنجة يهدد بعواقب وخيمة إن استمر السلطان في دعم تلمسان بهذا الشكل المباشر."شعر إدريس بثقل التاريخ يتحرك أمامه، حياً وواقعياً، لا مجرد سطورٍ في كتابٍ قرأه يوماً في حياةٍ أخرى بعيدة. عرف، بذاكرته من عالمه القادم، أن هذ

  • ميزانُ المَجْد   الفصل الثاني والثلاثون: سنتان لحلمٍ لم يُولد بعد

    بيت الحاج إبراهيم — أواخر أكتوبر 1831استقبلت أمينة مولاي رشيد بنفسها هذه المرة، بحضور أبيها كشاهدٍ صامت، في الفناء المفروش بالزليج الأزرق. جلس الشاب بوقارٍ يليق بمكانته، ينتظر جوابها بصبر رجلٍ واثقٍ من نفسه دون غرور."مولاي رشيد،" بدأت أمينة، بصوتٍ ثابت لا يخلو من احترامٍ صادق، "عرضك يشرّفني حقاً، ولستُ أبالغ حين أقول إني لم ألتقِ برجلٍ يوازيك علماً وأدباً منذ زمنٍ طويل."انحنى مولاي رشيد برأسه شكراً، منتظراً بقية الجملة التي شعر بترددها القادم."لكني أطلب منك أمراً قد يبدو غريباً،" أكملت أمينة. "أطلب مهلة سنتين، قبل أن أعطيك جواباً نهائياً."اتسعت عينا مولاي رشيد بمفاجأةٍ مهذبة. "سنتان؟ هذا وقتٌ طويل يا آنسة أمينة. هل لي أن أسأل عن السبب؟"نظرت إليه أمينة بصدقٍ مباشر، دون مراوغة. "لأني، يا مولاي رشيد، أشعر أن هناك شيئاً يجب أن أحققه بنفسي أولاً، هنا في سلا، قبل أن أربط حياتي بأي رجل، مهما بلغت قيمته. لا أريد أن أدخل زواجاً وأنا لا أزال أشعر أن جزءاً مني لم يكتمل بعد.""وما هذا الشيء الذي تريدين تحقيقه؟" سأل بفضولٍ حقيقي، لا اعتراض.ابتسمت أمينة ابتسامةً حالمة، كأنها تكشف سراً حملته

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status