Beranda / التاريخ الافتراضي / ميزانُ المَجْد / الفصل الثامن: لصٌّ يخدم قضية لا يعرف أنه يخدمها

Share

الفصل الثامن: لصٌّ يخدم قضية لا يعرف أنه يخدمها

last update Tanggal publikasi: 2026-07-24 19:54:57

مستودع آل الطاهر القديم — منتصف ليل 18 يوليوز 1830 (تتمة)

لم يكن الطيب وحده.

قبل أن يستطيع إدريس أو عمر التحرك، امتلأ مدخل الغرفة الضيقة بضوء مشاعل، وظهر خلف الطيب رجلان ضخمان، من رجال حراسة أبيه المعروفين في الحي، بوجوهٍ لا تحمل أي تردد.

"لا تتعبا نفسيكما بالمقاومة،" قال الطيب بهدوءٍ بارد، وهو يدخل الغرفة الضيقة بخطواتٍ واثقة، عيناه تفحصان المكان بسرعةٍ محترفة — الطاولة، اللفافات المفتوحة، الصندوق الحديدي المقفل. "لم آتِ لأؤذيكما. أتيتُ فقط لآخذ ما يخصّني بالحق."

"يخصّك؟!" انفجر إدريس أخيراً، والغضب يكسر للحظة كل حكمته المكتسبة. "هذه أوراق أبي! ملكي أنا، لا ملكك!"

نظر إليه الطيب بنظرةٍ لا تخلو من شيءٍ يشبه التعاطف الحقيقي، وهو ما أربك إدريس أكثر من أي عداء متوقع.

"أبوك،" قال الطيب ببطء، وهو يجمع اللفافات بيدٍ حذرة كمن يحترم ما يحمله رغم أنه يسرقه، "كان صديق أبي قبل أن يصبح خصمه على التجارة. وكان، صدقني، أذكى من أبي بكثير. لكن الذكاء وحده لا يكفي يا ابن عمي، إن لم يملك صاحبه القوة ليحميه."

أشار بحركة رأسٍ للحارسين، فتقدم أحدهما بأدواتٍ حديدية بسيطة، وبدأ يعمل على قفل الصندوق الحديدي بصبرٍ محترف.

"أنت لا تفهم،" قال إدريس، محاولاً أن يجد طريقاً آخر غير المواجهة الجسدية الخاسرة سلفاً. "هذه ليست مجرد أفكار تجارية، هذه—"

"هذه فكرة تعاضدٍ بين التجار لمواجهة جشع القناصل،" قاطعه الطيب بهدوء، وكأنه قرأ الورقة الأولى بالفعل من مجرد لمحة. "أعرف يا ابن عمي. وأعرف أنها فكرةٌ ممتازة، أفضل بكثير مما توصّل إليه أبي في عشرين سنة من التجارة. ولهذا بالضبط سآخذها."

انفتح الصندوق أخيراً بصريرٍ معدنيّ حاد، وانحنى الطيب لينظر بداخله. لم يكن هناك ذهبٌ ولا مجوهرات كما توقع إدريس ربما في أعماقه — فقط المزيد من الأوراق، وخريطةٌ مرسومة بعناية لموانئ صغيرة على الساحل بين سلا والصويرة، ودفترٌ صغيرٌ مليء بأسماء وأرقام، يبدو أنه سجلٌّ لتجارٍ محليين مستعدين — أو ممكن إقناعهم — للانضمام لمشروع "التعاضد" الذي بدأه الطاهر بن يوسف سراً.

أخذ الطيب كل شيء بهدوء، دون عجلة، ثم التفت أخيراً نحو إدريس، وقد بدت عليه، للحظة، نظرة تشبه الاحترام أكثر مما تشبه الانتصار.

"استمع إليّ جيداً يا ابن عمي،" قال بصوتٍ خفيض، بعيداً عن مسامع الحارسين، "أنا لا أفعل هذا لأني أكرهك، رغم أني لا أحبك أيضاً. أفعل هذا لأني أرى في هذه الأوراق فرصةً حقيقية لضرب هؤلاء الأجانب الذين يسرقون خيرات بلادنا أمام أعيننا، وأنا أملك ما لا تملكه أنت الآن: المال، والنفوذ، والرجال لأنفذها بسرعة. أنت صبيٌّ بلا شيء. أما أنا فلديّ كل ما يلزم لتحويل حلم أبيك إلى واقع، غداً لا بعد سنوات."

شعر إدريس بغضبٍ يحرق صدره، لكنه — بجزءٍ آخر منه، الجزء الذي يفكر كمهندسٍ ورجل استراتيجية أكثر من فتىً مسلوب — أدرك شيئاً غريباً في تلك اللحظة بالذات: الطيب لم يكن يكذب. كان صادقاً تماماً في دافعه. وإن كانت هذه الأفكار البسيطة — تعاونية تجار، شبكة موانئ صغيرة — ستُطبَّق فعلاً، ولو بيدٍ ليست يده، ولو بلا فضلٍ يُنسب له، فإن ضربةً حقيقية ستُوجَّه لمصالح القناصل الأوروبيين في هذه المدينة عاجلاً، لا آجلاً.

"دعه يأخذها،" فكّر إدريس بمرارةٍ ممزوجة بشيءٍ يشبه الرضا الخفي. "أفكار أبي بسيطة، بذرةٌ فقط لما أحمله أنا في ذهني. ما أخطط له أنا أكبر من نول نسيجٍ محسّن، وأكبر بكثير من تعاونية تجارية بدائية. دع الطيب يظن أنه سرق كنزي الحقيقي. لن يعرف أبداً أن الكنز الحقيقي لا يزال هنا،" فكّر وهو يضع يده بلا وعي على جبهته، "في هذا الرأس الذي لن يقدر أحدٌ أن يسلبه مني."

قبل أن يغادر، توقف الطيب عند الباب، والتفت نحو إدريس نظرة أخيرة، أطول من اللازم.

"شيءٌ آخر،" قال بنبرةٍ أكثر حذراً هذه المرة. "لا تظنّني غافلاً عنك يا ابن عمي. رجلٌ في السادسة عشرة لا يواجه أباه هكذا، ولا يجد طريقه إلى مستودعٍ سريٍّ منسي منذ سنتين بمحض الصدفة. هناك شيءٌ فيك تغيّر، ولا أعرف بعد ما هو. لكني سأعرف."

ثم أضاف، بابتسامةٍ باردة قبل أن يختفي في الظلام مع رجاله: "سأترك من يراقبك من الآن فصاعداً. ليس عداءً يا إدريس... بل فضولاً. رجلٌ مثلي لا يحب الألغاز التي تبقى دون حل."

بعد أن غادر الطيب ورجاله، بقي إدريس وعمر في الغرفة الفارغة الآن إلا من الطاولة الخشبية العارية، في صمتٍ ثقيل.

"سيدي،" قال عمر أخيراً، بصوتٍ يحمل قلقاً حقيقياً، "لقد أخذ كل شيء. كل ما وجدناه."

نظر إدريس إلى الغرفة الفارغة، ثم ابتسم ابتسامةً غريبة جعلت عمر يتساءل، للحظة، إن كان سيده قد فقد صوابه من هول الصدمة.

"دعه يأخذ ما أخذ يا عمر،" قال أخيراً. "فليبنِ الطيب تعاونيته، وليضغط بها على القناصل كما يشاء. كل ضربةٍ يوجهها لهم، حتى لو لم يعرف هو ولا أحد غيره أنني من زرع بذرتها الأولى بشكل غير مباشر، هي ضربةٌ تخدم ما أريده أنا في النهاية."

توقف، ونظر إلى يديه الصغيرتين في ضوء القنديل الخافت.

"الحقيقة يا عمر، أن ما يملكه الطيب من مالٍ ونفوذ لن يقترب أبداً مما أحمله أنا هنا،" أشار إلى رأسه، "وسيأتي يومٌ يدرك فيه ذلك بنفسه. لكن حتى ذلك اليوم، سأدعه يظن أنه الأذكى في هذه اللعبة."

اليوم التالي — منزل الحاج إبراهيم

في صباح اليوم التالي، وبينما كان إدريس لا يزال يعيد ترتيب أفكاره بعد أحداث الليلة الفائتة، جاءته دعوةٌ غير متوقعة من الحاج إبراهيم لتناول طعام الإفطار في بيته — دعوةٌ حملها خادمٌ صغير مع رسالةٍ مختصرة تقول فقط: "لديّ ما يستحق أن نتحدث عنه."

حين وصل إدريس، وجد الحاج إبراهيم جالساً في فناء بيته الصغير المفروش بالزليج الأزرق، وبجانبه، تجلس أمينة، تصبّ الشاي بحركاتٍ رشيقة هادئة، شعرها مغطى بوشاحٍ فاتح اللون يزيد من إشراق وجهها الذي — لاحظ إدريس فجأة، وكأنه يراها لأول مرة بعيون المهندس البالغ لا بعيون الفتى الصغير — كان يحمل جمالاً هادئاً، من ذلك النوع الذي لا يحتاج إلى زخرفةٍ ليُرى، جمالاً امتزج بذكاءٍ لامعٍ في عينيها كلما رفعت نظرها.

طرد إدريس الفكرة بسرعة من ذهنه، محرجاً منها دون أن يفهم تماماً لماذا. "لستُ هنا لهذا،" ذكّر نفسه بحزم. "عندي حربٌ لأخوضها، لا وقت لمثل هذه الأفكار."

لم يلحظ، وهو منشغلٌ بطرد أفكاره الخاصة، أن أمينة نفسها كانت قد رفعت عينيها نحوه للحظة أطول من اللازم، قبل أن تعود بسرعة إلى صبّ الشاي، وخدٌّ يحمل احمراراً خفيفاً لم تفهم هي نفسها مصدره تماماً.

"تفضل بالجلوس يا بني،" قال الحاج إبراهيم، غير ملتفتٍ لتلك اللحظة الصامتة العابرة بين الشابّين. "عندي أخبارٌ سمعتها هذا الصباح، وأظنها تخصّك بشكلٍ مباشر: يبدو أن الطيب بن قدور بدأ فجأة، ومنذ الفجر، يرسل رسلاً لعددٍ من كبار تجار المدينة، يدعوهم لاجتماعٍ عاجل."

نظر إدريس إليه بتمعّن، وشعر بابتسامةٍ خفية تتشكل على شفتيه رغم نفسه.

"اجتماعٌ لتأسيس تعاونيةٍ تجارية، ربما؟" سأل.

اتسعت عينا الحاج إبراهيم بدهشة. "كيف عرفت هذا بالضبط يا بني؟"

نظر إدريس إلى فنجان الشاي أمامه، وابتسامته تزداد اتساعاً، بينما فكّر بصمت: "لأن هذه، يا سيدي الحاج، كانت فكرة أبي. والآن، أصبحت — دون أن يدري — فكرتي أنا أيضاً."

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • ميزانُ المَجْد   الفصل السابع والثلاثون: سؤالٌ لا يريد إدريس أن يطرحه

    المستودع — منتصف مارس 1832كان إدريس يراجع دفاتره وحيداً ذلك المساء، حين توقف فجأة، قلمه معلّقٌ في الهواء، وفكرةٌ بدأت تتشكل ببطء، مزعجة، لم يستطع طردها بسهولة.كان قد سمع، قبل أيام، من حديثٍ عابر بين تجّار السوق، تفاصيل غامضة عن "شروطٍ خاصة" فرضها السلطان على القنصل الإسباني المقيم في سلا. لم يكن قد أولى الأمر اهتماماً كبيراً وقتها، مشغولاً بأزمة الصوف. لكن الآن، وحيداً في صمت المستودع، عاد السؤال يطرق ذهنه بإلحاح: "لماذا لا أتذكر شيئاً عن هذا في كل ما قرأتُه عن تاريخ المغرب في حياتي الأخرى؟"لم يكن هذا سؤالاً بسيطاً. كان إدريس، بذاكرته من عالمٍ آخر، قد قرأ بشغفٍ حقيقي عن هذه الحقبة بالذات — سياسة السلطان عبد الرحمن الحذرة، معاهداته، مواقفه من الأزمة الجزائرية. كيف يمكن أن يفوته تفصيلٌ كهذا: قنصلٌ أوروبيٌّ يُمنح إقامةً استثنائية في مدينةٍ تجارية بشروطٍ تتضمن انفتاحاً معرفياً غير مسبوق؟جلس إدريس طويلاً، يفكر بجدية في احتمالين لا ثالث لهما، كما فكّر فيهما مراراً في لحظات شكٍّ مشابهة منذ استيقاظه في هذا الجسد."الاحتمال الأول،" فكّر بمحاولة تهدئة نفسه، "أن معرفتي التاريخية، مهما بدت وا

  • ميزانُ المَجْد   الفصل السادس والثلاثون: ذاكرة المهندس

    المستودع — مساء يومٍ هادئ، فبراير 1832بعد نجاح العربة المحسّنة، جلس إدريس وحيداً تلك الليلة، يراجع رسوماته المتناثرة على الطاولة، وسمح لنفسه، للمرة الأولى منذ زمنٍ طويل، أن يستحضر بوضوحٍ كامل ذاكرة حياته الأولى — لا كصورٍ متناثرة يستخدمها عند الحاجة، بل كسيرةٍ متكاملة يتأملها بهدوء.لم يكن مجرد "مهندسٍ" غامض كما فكّر في نفسه أحياناً بتبسيطٍ مفرط. كان قد قضى خمساً وعشرين سنة كاملة من حياته الأولى مهندساً ميكانيكياً متخصصاً في تصميم الآلات الصناعية، بدأ حياته المهنية في خطوط إنتاج مصانع النسيج، يراقب عن قرب كل ترسٍ وكل عمودٍ ناقلٍ للحركة، قبل أن يتدرج ليصبح، في العقد الأخير من حياته تلك، مديراً لمصنعٍ كامل، مسؤولاً عن كل تفصيلٍ من تفاصيل الإنتاج والصيانة والتطوير.وسط كل ذلك، كان شغفه الحقيقي، خارج ساعات العمل، ينصبّ على أمرين بدآ يبدوان له الآن، بعد كل ما حدث، وكأنهما تدريبٌ مسبق لمصيرٍ لم يكن يعرف أنه ينتظره: تاريخ المغرب، وقراءته المتعمقة عن الثورة الصناعية الأوروبية، تلك اللحظة التي حوّلت أوروبا من قارةٍ زراعية إلى قوةٍ صناعية سحقت، ببطءٍ ثم بسرعة، كل من لم يواكبها."لم أكن أحفظ تص

  • ميزانُ المَجْد   الفصل الخامس والثلاثون: عجلاتٌ لا تنكسر

    طريق الأطلس — يناير 1832عاد سعيد من رحلته الشهرية إلى قرية آيت الجبل بخبرٍ محبط: عربةٌ من عرباتهم الثلاث انكسر محورها في منتصف الطريق الجبلي الوعر، واضطر الرجال لنقل حمولتها على ظهور البغال يدوياً حتى أقرب نقطة إصلاح، مضيّعين يومين كاملين."هذه المرة الثالثة في شهرين يا سيدي،" قال سعيد بإحباطٍ واضح. "العربات التي نشتريها من نجاري سلا مصممة لطرق المدينة المستوية، لا لهذه الدروب الجبلية الوعرة."جلس إدريس يفكر في المشكلة تلك الليلة، وشعر بشيءٍ يوقظ فيه جزءاً من ذاكرته القديمة لم يستخدمه كثيراً منذ استقر في هذا العالم — لم يكن هذا سؤالاً تجارياً أو استراتيجياً، بل سؤالاً هندسياً بحتاً، من النوع الذي كان يحبه المهندس بداخله قبل أن يصبح تاجراً ومقاوماً اقتصادياً."محاور العربات التقليدية جامدة تماماً،" فكّر، وهو يرسم مخططاً بسيطاً على ورقة. "كل صدمةٍ من الطريق الوعرة تنتقل مباشرة إلى المحور، حتى ينكسر عاجلاً أم آجلاً. لو استطعنا امتصاص جزءٍ من تلك الصدمات..."تذكّر مبدأً بسيطاً من ذاكرته الهندسية: نظام تعليقٍ بدائي، ليس بالنابض الفولاذي المعقد الذي سيُخترع لاحقاً بعقود، بل بشيءٍ أبسط بكثي

  • ميزانُ المَجْد   الفصل الرابع والثلاثون: صدى لا يُسمع

    المستودع — يناير 1832مرّت شهورٌ ثلاثة دون أي ردٍّ على رسالة إدريس. لم ييأس تماماً، لكنه شعر، مع كل أسبوعٍ يمر بصمت، بثقل شكٍّ متزايد يتسلل إلى يقينه الأول.جاء الرد أخيراً، في مطلع يناير 1832، لا من كاتب الديوان نفسه، بل من كاتبٍ مساعدٍ أدنى مرتبة، برسالةٍ قصيرة ومقتضبة، مكتوبة بخط رسميٍّ باردٍ لا يحمل أي أثرٍ شخصي:"وصلت ملاحظاتكم بخصوص الشأن التلمساني إلى من يهمه الأمر. يُشكر اهتمامكم بمصالح الأمة. الشؤون السياسية والعسكرية من اختصاص أهلها، وفقاً لحكمة مولانا نصره الله. وفقكم الله في تجارتكم."قرأ إدريس الرسالة مرتين، ثلاث مرات، محاولاً أن يجد فيها ولو إشارةً واحدة تدل على أن أحداً قرأ محتواها الفعلي بجدية، لا مجرد تصنيفها ضمن "رسائل عامة من رعايا يهتمون بالشأن العام" وأرشفتها دون قراءةٍ حقيقية.لم يجد شيئاً. كانت رسالة رفضٍ مهذب، من النوع الذي يُرسَل لعشرات الرسائل المشابهة كل شهر، دون أي تمييزٍ حقيقي لمحتواها.جلس إدريس وحيداً طويلاً، يحدّق في الورقة، وشعر بشيءٍ لم يشعر به من قبل بهذا الوضوح منذ استيقاظه في هذا الجسد: إحساسٌ حقيقيٌّ بالحجم الهائل للمسافة بينه وبين أي تأثيرٍ فعلي

  • ميزانُ المَجْد   الفصل الثالث والثلاثون: أخبارٌ من الشرق

    بيت الحاج إبراهيم — أوائل نوفمبر 1831جاء إدريس في زيارته الأسبوعية المعتادة، ليجد الحاج إبراهيم منشغلاً بقراءة رسالةٍ طويلة وصلته للتو من أحد معارفه القدامى في طنجة، وجهه يحمل قلقاً لم يعتد إدريس رؤيته عليه بهذا الوضوح."أخبارٌ من الشرق يا بني،" قال الحاج إبراهيم دون مقدماتٍ، وأشار له بالجلوس. "أخبار قد تهمّك، بحكم كل ما تحمله من اهتمامٍ بمصير هذه البلاد."استمع إدريس بتركيزٍ تام بينما شرح له الحاج إبراهيم، بخبرته الطويلة في قراءة الأخبار السياسية عبر شبكته التجارية، تفاصيل ما كان يحدث في الشرق: أهل تلمسان والغرب الجزائري أرسلوا وفوداً لمبايعة السلطان مولاي عبد الرحمن منذ أشهر، طلباً لحمايته من الفرنسيين، وقد عيّن السلطان ابن أخيه مولاي علي حاكماً هناك."لكن الآن،" أكمل الحاج إبراهيم بقلق، "تصلني أخبار أن فرنسا بدأت تحتج بشدة على هذا التدخل المغربي، وأن القنصل الفرنسي في طنجة يهدد بعواقب وخيمة إن استمر السلطان في دعم تلمسان بهذا الشكل المباشر."شعر إدريس بثقل التاريخ يتحرك أمامه، حياً وواقعياً، لا مجرد سطورٍ في كتابٍ قرأه يوماً في حياةٍ أخرى بعيدة. عرف، بذاكرته من عالمه القادم، أن هذ

  • ميزانُ المَجْد   الفصل الثاني والثلاثون: سنتان لحلمٍ لم يُولد بعد

    بيت الحاج إبراهيم — أواخر أكتوبر 1831استقبلت أمينة مولاي رشيد بنفسها هذه المرة، بحضور أبيها كشاهدٍ صامت، في الفناء المفروش بالزليج الأزرق. جلس الشاب بوقارٍ يليق بمكانته، ينتظر جوابها بصبر رجلٍ واثقٍ من نفسه دون غرور."مولاي رشيد،" بدأت أمينة، بصوتٍ ثابت لا يخلو من احترامٍ صادق، "عرضك يشرّفني حقاً، ولستُ أبالغ حين أقول إني لم ألتقِ برجلٍ يوازيك علماً وأدباً منذ زمنٍ طويل."انحنى مولاي رشيد برأسه شكراً، منتظراً بقية الجملة التي شعر بترددها القادم."لكني أطلب منك أمراً قد يبدو غريباً،" أكملت أمينة. "أطلب مهلة سنتين، قبل أن أعطيك جواباً نهائياً."اتسعت عينا مولاي رشيد بمفاجأةٍ مهذبة. "سنتان؟ هذا وقتٌ طويل يا آنسة أمينة. هل لي أن أسأل عن السبب؟"نظرت إليه أمينة بصدقٍ مباشر، دون مراوغة. "لأني، يا مولاي رشيد، أشعر أن هناك شيئاً يجب أن أحققه بنفسي أولاً، هنا في سلا، قبل أن أربط حياتي بأي رجل، مهما بلغت قيمته. لا أريد أن أدخل زواجاً وأنا لا أزال أشعر أن جزءاً مني لم يكتمل بعد.""وما هذا الشيء الذي تريدين تحقيقه؟" سأل بفضولٍ حقيقي، لا اعتراض.ابتسمت أمينة ابتسامةً حالمة، كأنها تكشف سراً حملته

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status