تاج من نار

تاج من نار

last updateLast Updated : 2026-10-24
By:  HaniUpdated just now
Language: Arab
goodnovel12goodnovel
Not enough ratings
20Chapters
12views
Read
Add to library

Share:  

Report
Overview
Catalog
SCAN CODE TO READ ON APP

حين تسقط أسوار «ماري» تحت سنابك خيل الملك فهد، لا تخسر الأميرة زمرد معركةً فحسب، بل تخسر حريتها أيضًا. فالسلام الذي يشتريه أبوها السلطان بدماء جنوده لا يكتمل إلا بقيدٍ من نسب: أن تغدو ابنته زوجةً للمنتصر. تُساق زمرد إلى قصر «آشور» عروسًا في ثوبٍ من حرير وقلبٍ من حجر، فتكتشف أن الملك الذي طالب بيدها لم يطلب زوجة، بل أراد جارية تُزيّن مجلسه وتُذكّر الجميع بمن ينتصر ومن ينحني. يُجرّدها من خدمها، ويُقدّمها على موائده كما تُقدّم الغنائم، ويحصي عليها أنفاسها. لكنّ زمرد ابنة سلطان، ولم تُخلق لتنحني. تدبّر الحيلة تلو الحيلة: قافلةً تتسلل في جوف الليل، ورسالةً تعبر الصحراء، وزورقًا يشقّ دجلة تحت ضوء القمر. وفي كل مرة تتحطم خطتها عند عتبة النجاح، ويدفع الثمن غيرُها. وإلى جوارها دائمًا ظلٌّ صامت لا يفارقها: أيهم، حارسها الأمين الذي رافقها من أرض أبيها، يحمل سيفه كما يحمل سرّه. وبين محاولة هروبٍ فاشلة وأخرى أشدّ فشلًا، يتغير شيء خفيّ بين الأميرة وحارسها؛ نظرةٌ تطول، ويدٌ تمتد لتضمّد جرحًا، وكلمةٌ لا تُقال. وحين تُغلق كل الأبواب، تجد زمرد نفسها أمام الحقيقة المرّة التي تهرب منها: لا مفرّ من آشور إلا بزوال من يحكمها. ومع كل خطوةٍ في هذا الدرب الوعر تتبدّل ملامح زمرد: من أميرةٍ تظن أن السيف وحده يصنع الملوك، إلى امرأةٍ تدرك أن الصبر قد يكون أمضى منه، وأن الولاء الصادق أندر من الذهب. في هذه الرواية صراعٌ بين العرش والقلب، وبين الحيلة والقسوة، وبين أقدم المدن وأعتى الأسوار؛ من ضفاف الفرات حيث تقوم «ماري»، إلى ردهات «آشور» و«نينوى» حيث تُدبَّر المكائد همسًا. كل فصلٍ يطرح سؤالًا جديدًا: إلى أي حدٍّ تذهب امرأةٌ مقهورة لتستعيد اسمها؟ وهل يُغتفر الدم حين يكون الباب الأخير؟ أحداثٌ سريعة، وخياناتٌ مفاجئة، وحبٌّ يتشكّل ببطء بين نظرةٍ وجرح.

View More

Chapter 1

الفصل الأول: سقوط ماري

وقفت زمرد فوق السور الشرقي لمدينة «ماري»، والريح تعبث بطرف وشاحها الأخضر، وعيناها معلّقتان بالأفق الذي اسودّ فجأة. لم يكن غيمًا ذلك الذي يزحف نحو المدينة، بل غبارُ آلاف الحوافر وهي تدكّ الأرض على ضفاف الفرات.

قال أيهم، وقد وقف خلفها بخطوتين كعادته: «يا مولاتي، الأفضل أن تنزلي إلى القصر. السهام لا تعرف الأميرات.»

التفتت إليه بحدّة: «وأبي؟ أيعرف الملك أن يختبئ؟ سأبقى حتى أرى ما يصنعه رجالنا.»

لم يجادلها. كان في الثالثة والعشرين، عريض المنكبين، في وجهه سمرةُ من أطال الوقوف تحت الشمس، وفي عينيه رزانةٌ لا تناسب سنّه. أحنى رأسه قليلًا وتقدّم ليسدّ بجسده جهة الرماة.

من علوّ السور بدت ماري كما عرفتها منذ طفولتها: بيوتٌ طينية متلاصقة تنحدر نحو النهر، ومعبدٌ ذو مدرجاتٍ يلمع في الشمس، وسوقٌ تعلو منه أصوات الباعة قبل أن يخرسهم الذعر. وعلى مقربةٍ منها كان الرماة يشدّون أوتار أقواسهم بأصابع ترتعش، وفتىً لا يتجاوز الخامسة عشرة يمسح العرق عن جبينه ويحاول أن يبتسم لرفيقه. سمعت قائدًا يصيح بالرجال أن يثبتوا في أماكنهم، لكنّ صوته بدا واهنًا. وتذكّرت أن أباها وعد هؤلاء الصبية بأن الجدران العالية ستحميهم، وأن الوعود تُختبر عادةً في أول ساعةٍ من القتال.

دوّت أبواق الآشوريين فارتجّ الحجر تحت قدميها. انفتحت صفوفهم عن فارسٍ يمتطي جوادًا أدهم، تعلو رأسه خوذةٌ مذهّبة، وتتدلى من كتفيه عباءةٌ قانية كأنها جرحٌ مفتوح. همس أحد الجنود بذعر: «إنه فهد... ملك آشور بنفسه.»

رفع الفارس يده، فانطلقت الأسهم كالجراد. صرخ القادة على السور، وسقط الجنود يتدحرجون، وتناثر الدم على الحجارة الصفراء. أمسك أيهم بذراع زمرد وسحبها إلى الخلف في اللحظة التي اخترق فيها سهمٌ موضع رأسها وانغرس في الخشب.

قالت وأنفاسها تتقطع: «لقد... أنقذتني.»

«لم أفعل سوى واجبي. والآن انزلي، أرجوك.»

هذه المرة أطاعت، لا لأنها خافت، بل لأنها رأت ما لم تحتمل رؤيته: أبواب المدينة الغربية تتهاوى تحت كبشٍ خشبيّ ضخم، وجنودها يتراجعون بلا نظام.

ركضت في الأزقة بين النساء الباكيات والأطفال المذعورين، ودخلت قاعة العرش لتجد أباها السلطان واقفًا بدرعه الملطخة، تسيل من كتفه خيطُ دمٍ قانٍ، وحوله قادته الباقون ينظرون إلى الأرض.

صاح بها: «زمرد! ما الذي أتى بك؟»

«جئتُ لأرى كيف تسقط مملكتنا يا أبي.»

أغمض السلطان عينيه كمن تلقّى طعنة جديدة. قال بصوتٍ خفيض: «الجناح الأيمن انهار. أرسلتُ نجدةً إلى «إبلا» ولم يصلني ردّ. ربما غدروا بنا.»

اقترب منه القائد «حمدان الكبير»، شيخٌ أبيض اللحية مشقوق الجبين، وقال: «مولاي، الأبواب سقطت. أمامنا ساعةٌ واحدة قبل أن تُباد المدينة عن آخرها. إما أن نستسلم الآن، وإما أن نموت جميعًا على عتبة القصر.»

حدّق السلطان في ابنته ثم في الرجال. لم يكن يريد أن يرى النساء يُساقن أسيرات، ولا الأطفال تحت الحوافر. ارتجفت لحيته الرمادية وهو يقول: «ارفعوا الراية البيضاء.»

انتفضت زمرد: «لا! يمكننا الصمود في القلعة العليا. لدينا مؤونةٌ تكفي شهرًا.»

«ولدينا خمسمئة جندي فقط يا ابنتي، وهم ألفان وخمسمئة. اللعنة على غروري الذي ظنّ أننا نقوى عليهم.»

حين رُفعت الراية البيضاء فوق برج القصر، ساد صمتٌ ثقيل، ثم دوّى هتافُ الآشوريين من الخارج كالرعد. أمسكت زمرد بحافة العمود الحجري حتى ابيضّت أصابعها، وارتجفت شفتاها وهي تكتم صرخة.

لم يمضِ وقتٌ طويل حتى فُتحت أبواب القاعة بعنف، ودخل ثلاثون جنديًا بدروعٍ سوداء، يتقدمهم رجلٌ طويل القامة، واسع الكتفين، حليق الذقن إلا من لحيةٍ قصيرة مشذبة. نزع خوذته المذهّبة ورماها إلى مرافقٍ له، فبدا وجهه صارمًا وسيمًا قاسيَ الملامح، وعيناه كعيني صقرٍ يعاين فريسته.

قال بصوتٍ هادئ مخيف: «أنت إذن السلطان صاحب ماري.»

رفع السلطان رأسه رغم الدم الذي يسيل من كتفه: «وأنت فهد بن ناصر، ملك آشور. جئتَ بجيشك إلى أرضٍ لم تُسِئ إليك.»

ابتسم فهد ابتسامةً باردة: «لقد أسأتَ إليّ حين حميتَ قبائل التمرد التي تغزو تخومي. وأنا لا أنسى.»

مرّت نظرته بالحاضرين كمن يعدّ بضاعة، ثم استقرّت على زمرد. ظلّ بصره عليها لحظةً أطول من اللائق، ثم التفت إلى السلطان وقال: «من هذه؟»

خطت زمرد خطوةً إلى الأمام قبل أن يجيب أبوها، وقالت بصوتٍ أقسى مما شعرت به: «أنا زمرد بنت سلطان، وريثة هذا العرش.»

ضحك فهد ضحكةً قصيرة جافة، وتقدّم نحوها حتى صارت المسافة بينهما قدمين. تفحّص وجهها المرفوع، وشعرها الأسود المنسدل، وعينيها الخضراوين اللتين سمّاها أبوها باسمهما. ثم قال بصوتٍ خفيض لا يسمعه سواها:

«لهذا الاسم وقعٌ جميل... سنرى كم يبقى جميلًا حين تتعلمين الطاعة.»

شعرت بدمها يغلي في عروقها. رفعت يدها لتصفعه، لكن يدًا قوية أمسكت بمعصمها من الخلف. كان أيهم، وقد انسلّ إلى جانبها بلا صوت، يهمس: «لا يا مولاتي. ليس الآن.»

ابتسم فهد وهو ينظر إلى يد الحارس: «حارسٌ وفيّ، يعرف متى يوقف سيدته عن حماقتها. احتفظوا به. قد أحتاجه.»

ثم استدار إلى السلطان، وكانت تلك الكلمة التي ستغيّر حياتها كلها على وشك أن تُقال.

Expand
Next Chapter
Download

Latest chapter

More Chapters
No Comments
20 Chapters
الفصل الأول: سقوط ماري
وقفت زمرد فوق السور الشرقي لمدينة «ماري»، والريح تعبث بطرف وشاحها الأخضر، وعيناها معلّقتان بالأفق الذي اسودّ فجأة. لم يكن غيمًا ذلك الذي يزحف نحو المدينة، بل غبارُ آلاف الحوافر وهي تدكّ الأرض على ضفاف الفرات.قال أيهم، وقد وقف خلفها بخطوتين كعادته: «يا مولاتي، الأفضل أن تنزلي إلى القصر. السهام لا تعرف الأميرات.»التفتت إليه بحدّة: «وأبي؟ أيعرف الملك أن يختبئ؟ سأبقى حتى أرى ما يصنعه رجالنا.»لم يجادلها. كان في الثالثة والعشرين، عريض المنكبين، في وجهه سمرةُ من أطال الوقوف تحت الشمس، وفي عينيه رزانةٌ لا تناسب سنّه. أحنى رأسه قليلًا وتقدّم ليسدّ بجسده جهة الرماة.من علوّ السور بدت ماري كما عرفتها منذ طفولتها: بيوتٌ طينية متلاصقة تنحدر نحو النهر، ومعبدٌ ذو مدرجاتٍ يلمع في الشمس، وسوقٌ تعلو منه أصوات الباعة قبل أن يخرسهم الذعر. وعلى مقربةٍ منها كان الرماة يشدّون أوتار أقواسهم بأصابع ترتعش، وفتىً لا يتجاوز الخامسة عشرة يمسح العرق عن جبينه ويحاول أن يبتسم لرفيقه. سمعت قائدًا يصيح بالرجال أن يثبتوا في أماكنهم، لكنّ صوته بدا واهنًا. وتذكّرت أن أباها وعد هؤلاء الصبية بأن الجدران العالية ستحميهم،
last updateLast Updated : 2026-10-17
Read more
الفصل الثاني: ثمن السلام
جلس الملك فهد على عرش ماري كأنه وُلد عليه، وساق إليه جنوده الأسرى والقادة صفًّا بعد صف. أما السلطان فقد أُجلس على مقعدٍ خشبي متواضع، وجُرّد من سيفه ومن تاجه، فبدا في ثوبه الملطخ رجلًا هرمًا لا ملكًا.قال فهد وهو يعبث بخاتمٍ ثقيل في إصبعه: «لدي عرضٌ واحد، يا سلطان، وأنصحك بألا تنفعل قبل أن تسمعه. أستطيع أن أحرق ماري عن بكرة أبيها، وأن أبيع نساءها في أسواق نينوى. وأستطيع أيضًا أن أرحل غدًا بجيشي وأترك لك عرشك.»رفع السلطان عينيه المتعبتين: «وما ثمن الخيار الثاني؟»«رابطة نسب.» نطقها فهد ببساطة من يطلب كأس ماء. «أريد ابنتك زوجةً لي. إن ربطتني بك صلة الدم فلن تجرؤ على التمرد، ولن أُضطر إلى غزو أرضك كل عامين.»تجمّد الهواء في القاعة. سمعت زمرد صوت قلبها يضرب أضلاعها كطبل حربٍ، وشعرت بالأرض تميد تحتها. صاحت: «أبي! لا تجب!»نظر إليها السلطان نظرةً طويلة امتزج فيها الحبُّ بالخجل بالفزع، ثم أغمض عينيه وقال: «أمهلني حتى الفجر.»«لك الليلة.» نهض فهد وهو يضحك. «ولكن لا تُطل التفكير. صبري ينفد قبل نبيذي.»حين خلت القاعة إلا من الأب وابنته وحارسها الواقف عند الباب، انفجرت زمرد: «أتُسلمني إلى ذلك ال
last updateLast Updated : 2026-10-17
Read more
الفصل الثالث: القافلة إلى آشور
انطلق موكب العروس صباحًا من بوابة ماري الشمالية، وكان أشبه بجنازةٍ منه بزفاف. تقدّمه الفرسان الآشوريون بدروعهم السود، وتبعتهم عربةٌ مغطاة بستائر قرمزية جلست فيها زمرد وحيدةً، وحولها صناديق الدمقس والحليّ التي أعدها أبوها مهرًا لها.سمعت من خلف الستار وقع حوافر أيهم وهو يسير بمحاذاة العربة، فشدّت قلبها قليلًا. كان وجوده المستقر مرساةً صغيرة وسط العاصفة.في اليوم الثالث، عند وادٍ ضيق تحيطه الصخور، رفعت الستار قليلًا وهمست: «أيهم.»اقترب بجواده: «نعم يا مولاتي.»«كم رجلًا حولنا؟»«مئتا فارس آشوري في المقدمة، وثلاثون خلف العربة. ونحن ثلاثة فقط من ماري: أنا، وخادمتك نهى، وسائس الخيل.»«لا يكفي للقتال.»«ولا للفرار.» قالها بنبرةٍ تجمع التحذير والفهم. «أعرف ما يدور في رأسك، لكن لا تتعجلي. حين نصل إلى المدينة سنعرف مداخلها ومخارجها، وحينها نقرّر.»ابتسمت رغمًا عنها: «وهل تظن أنني أفكر بالفرار؟»«أظنك تفكرين بالمستحيل، وأنا أراهن على أنك ستفعلين أي شيء تفكرين به.»سارت القافلة أيامًا بين تلالٍ جرداء وقرى طينية يخرج أهلها لمشاهدة الموكب بعيونٍ خاوية. وفي إحدى القرى اقتربت امرأةٌ هزيلة من العربة
last updateLast Updated : 2026-10-17
Read more
الفصل الرابع: عرس بلا فرح
أُقيم العرس في الليلة السابعة بعد وصولها، في قاعةٍ تتسع لألف مدعو، تصطف فيها الموائد الذهبية وتتدلى من سقفها مصابيحُ زيتٍ تلقي ظلالًا راقصة على الجدران المنقوشة.جلست زمرد على كرسيٍّ مرتفع بجوار الملك، تلتف حولها طبقاتٌ من الحرير الأحمر وتُثقل عنقها قلادة ذهب. لم يسمح لها فهد باصطحاب نهى، فقد أُلحقت بخدمة المطبخ، وأحاطت بالعروس وصيفاتٌ آشوريات يتهامسن بلغةٍ لا تفهمها كلها.راحت عيناها تتجولان بين الوجوه: أمراءٌ بلحىً مجدولة تلمع فيها خيوط الفضة، وقادةٌ تفوح منهم رائحة العرق والخمر، ونساءٌ كُسيت أعناقهن بالعقيق ينظرن إليها بفضولٍ يمازجه الشماتة. وفي ركنٍ بعيد وقف الكاتب سنحاريب يدوّن شيئًا على لوحٍ طيني، ويرفع عينيه بين الحين والآخر نحوها كمن يسجّل تاريخًا لا يريد أن يفوته حرف.مال الملك نحوها وهو يرفع كأسه: «ابتسمي. إنهم يرقبونك.»«لا أبتسم لمن لا أحب.»«ولا تحتاجين إلى الحب. تحتاجين إلى الطاعة.» ثم رفع صوته للحضور: «أيها الأشراف! هذه ابنة السلطان، وقد وهبتني إياها ماري عربون ولاء. فلنشرب نخب الانتصار!»دوّت القاعة بالتصفيق. وأحسّت زمرد بكل صدى كأنه سوطٌ على جلدها.جاء الطعام تباعًا:
last updateLast Updated : 2026-10-17
Read more
الفصل الخامس: أسوار من حجر
في صباح اليوم التالي أبلغتها وصيفةٌ عجوز، تُدعى «شمخة»، بنبرةٍ جافة أن الملك أصدر أوامره الجديدة: لن تغادر الجناح إلا بإذنه، ولن تزورها امرأةٌ من أهل ماري، وستتناول طعامها وحدها.قالت زمرد وهي تمسك بالقضبان: «ومن يخبر أبي بأنني أُعامَل كسجينة؟»هزّت شمخة كتفيها: «الملك لا يعاقب إلا الجاحدين. فإن لزمتِ الأدب نعمتِ بالحرية بعد حين.»«أي أدبٍ هذا الذي تعنين؟»«الصمت والامتثال.» ثم أضافت بصوتٍ خافت وهي تتأكد من خلو الممر: «وإن شئتِ نصيحة امرأةٍ خبرت القصر ثلاثين عامًا: لا تُظهري كرهك فهو وقودٌ له.»نظرت زمرد إلى العجوز بتمعّن. كانت عيناها الرماديتان تحملان حزنًا قديمًا، فخمّنت أن في الحكاية ما هو أعمق. سألت: «أكان له زوجاتٌ قبلي؟»«واحدة. ماتت بعد عام.» أجابت شمخة بسرعة وأمسكت بصينية الطعام وخرجت.حين خرجت العجوز، جرّبت زمرد قضبان النافذة واحدًا واحدًا، تهزّها بكلتا يديها وتضغط عليها بكتفها، فلم يتزحزح منها شيء. تأملت الشمس وهي تنتقل على الأرض، وسجّلت أن الضوء يبلغ زاوية السرير عند الظهيرة، وأن جرس المعبد يرنّ مرتين قبل أن يتبدل الحرس. كانت تعلم أن أحدًا لا يهرب من مكانٍ يجهل تفاصيله، فقر
last updateLast Updated : 2026-10-17
Read more
الفصل السادس: ثمن المحاولة
لم تتحرك شمخة. حدّقت في زمرد ثم في العربة ثم في السماء المظلمة، وقالت بصوتٍ مرتعش: «لقد عشتُ هنا ثلاثين عامًا. ورأيتُ زوجته الأولى تحاول ما تحاولين. هل تعرفين ما حلّ بها؟»«لا.»«ضُربت في الساحة العامة حتى فقدت الوعي، ثم ماتت بالحمى بعد شهرٍ في هذه الغرفة نفسها.»شحب وجه زمرد. أخذت نهى بيدها وشدّتها نحو العربة، لكن العجوز حدّقت فيها بتوسل: «لا أستطيع منعكِ، ولا أستطيع تركك. فلا تنسي أن الذي يتبع ظلكِ مستعدٌّ للموت.»وقبل أن تردّ زمرد، دوّت صرخة من الأعلى: «المخالفة! المخالفة! الأميرة هاربة!»انكشف الفناء في لحظة بمشاعل الحرس، وتحرّك جنودٌ بدروع سوداء نحو العربة. صرخت نهى وانطلقت تركض، فاعترضها حارسٌ وألقى بها على الأرض. أما زمرد فحاولت الفرار نحو الباب الخلفي، لكن ذراعين قويتين التفّتا حول خصرها من الخلف.رأت وجه قائد الحرس «ماهر» الأسمر، وقد ارتسمت عليه ابتسامةُ المنتصر: «حاولتِ الهرب يا مولاتي؟ الملك سيسرّ جدًا.»عرفت بعد لحظة أن الحارس الذي أمسك بها هو نفسه الذي كان يتثاءب أمام بابها قبل ساعات، فأدركت أن النوم الذي ظنّته غفلةً كان تمثيلًا، وأن الشبكة التي ظنّت أنها تتسلل من بين خيو
last updateLast Updated : 2026-10-17
Read more
الفصل السابع: يدٌ تضمّد
مرّ أسبوع قبل أن تُسمح لزمرد برؤية أيهم. كان يقيم في ثكنة الحرس الخلفية، في غرفةٍ ضيقة مظلمة لا تدخلها الشمس. وحين فُتح الباب أخيرًا بإذنٍ من الملك، وجدته جالسًا على حصيرةٍ يشدّ شريطًا من القماش حول صدره.وقفت عند العتبة مترددة. بدا وجهه أنحل، وعيناه غائرتان، لكن ابتسامةً خافتة ارتسمت حين رآها. قال: «لا تقفي هناك كالتمثال. ادخلي.»كانت الغرفة تفوح برائحة العرق والدم الجاف والخل، وفي جدارها كوّةٌ صغيرة لا تتسع لكفّ، يتسلل منها شعاعٌ شاحب. على الأرض بجواره وعاءٌ من الماء الآسن ورغيفٌ يابس لم يمسّه. سمعته يسعل سعالًا مكتومًا كي لا تسمعه، وأحسّت بحرارة الخجل تصعد إلى وجهها لأنها اشتكت يومًا من وثارة سريرها الحريري.دخلت وجلست قبالته على صندوقٍ خشبي. كان في يدها وعاءٌ صغير من الخزف يحمل مرهمًا أعدّته نهى من الأعشاب وزيت الزيتون. مدّته نحوه دون أن تنظر في عينيه: «سمحوا لي بإحضار هذا.»«شكرًا.»«لا تشكرني.» كان صوتها يرتجف. «لا أستطيع أن أصدق ما فعلتَه. لماذا؟»هزّ كتفيه بصعوبةٍ فتألم: «لأن الجلدات كانت ستُحصي أنفاس نهى العجوز لو لم أتدخل. ولأن النظر إليك وأنتِ تشاهدين كان أصعب عليّ من الجلد
last updateLast Updated : 2026-10-17
Read more
الفصل الثامن: نهر دجلة
انطلق الموكب الملكي إلى نينوى على ضفاف نهر دجلة، في عشرات المراكب والعربات. جلست زمرد في مقصورةٍ خشبية على متن سفينةٍ ملكية عريضة، يحيط بها ستارٌ من الدمقس الأزرق، وقد وُضع على بابها حارسان.أيهم، الذي تماثل للشفاء جزئيًّا، سار على ضفة النهر مع فرقة الخيّالة. كانت خطواته أبطأ مما اعتادت، لكنه لم يتخلف.كانت زمرد تنظر من نافذتها إلى الضفاف المتعاقبة: بساتين نخيلٍ كثيفة، ورعاةً يسقون قطعانهم عند الماء، وصبيةً عراةً يركضون خلف السفن ويلوّحون. تأملت سرعة التيار وقدّرت أن السباحة فيه ممكنة لمن يحسنها، لكنها لم تتعلمها إلا في برك قصر أبيها الهادئة. وفي اليوم الأول جاءها أيهم بحجة تفقد الحراسة وقال دون أن يلتفت: «النهر يخدع من يستخف به. إن فكّرتِ في شيءٍ فأخبريني قبل أن تفعليه.» أومأت وهي تكذب بعينيها.في الليلة الثانية، حين رست السفن عند قريةٍ صغيرة، تسللت نهى مجددًا إلى جناحها. كانت لا تزال شاحبة من أثر الجلد، لكن عينيها اتقدتا بالإصرار: «سيدتي، عرفتُ أن في القرية تاجرًا من «حلب» يغادر عند الفجر نحو الغرب. ويقبل بنقلك إن دفعتِ له.»«بماذا أدفع؟»فتحت نهى كفها عن سوارٍ ذهبي: «هذا من جهاز عر
last updateLast Updated : 2026-10-21
Read more
الفصل التاسع: رسالة إلى ماري
وصل الموكب إلى نينوى بعد ثلاثة أيام، فاستُقبل بالدفوف والأعلام. لكن زمرد لم تخرج من المقصورة الملكية إلا مقيدةً بسلسلةٍ رفيعة من الذهب، علّقها فهد بيده في معصمها كأنها حلية، وقال هامسًا: «حتى لا تضلّي الطريق.»وضعت في جناحٍ جديد بقصر نينوى الأوسع، وأُحيط الباب بستة حراس. أما أيهم فقد أُودع السجن لخمسة أيام، ثم أُفرج عنه بأمرٍ غريب من فهد: أن يظل ملازمًا لها، لا من باب الرحمة، بل ليكون عبرةً حيةً لها: كل خطأ منها تدفع ثمنه من يحبّها.كان قصر نينوى أضخم من قصر آشور وأشدّ بذخًا؛ جدرانه مكسوّة بنقوشٍ بارزة تصوّر الملوك وهم يصطادون الأسود ويدوسون رؤوس الأعداء، وفي كل ممرٍّ تماثيل لثيرانٍ برؤوس بشرية تحدّق في الداخلين بعينين من حجر. مشت زمرد بين هذه الصور وهي ترى فيها ما ينتظرها: أميرةً مقيّدة إلى عربة المنتصر، منقوشة بإتقان ليتفرج عليها ألف عام.في الأسبوع الأول من الإقامة، حاولت زمرد أن تجد وسيلةً لإرسال رسالةٍ إلى أبيها. جمعت قطعة جلد رقيقة، وكتبت عليها بدمٍ استخرجته من إصبعها بدل الحبر، بلغتها الأم القديمة التي لا يتقنها حراس آشور:«أبي، أنا حيّة لكنني أسيرة. أرسل إليّ عهدًا بأنك ستحمي
last updateLast Updated : 2026-10-21
Read more
الفصل العاشر: المحاولة الأخيرة
انتظرت زمرد شهرًا كاملًا قبل أن تتحرك. وخلال ذلك الشهر، بدّلت أسلوبها كلّيًّا؛ فصارت تبتسم لفهد في الاجتماعات، وتترجم بدقة، وتقدّم له نصائح ذكية في مفاوضاتٍ مع الوفود، حتى بدأ يظن أن العناد انطفأ فيها. حتى إنه أمر بإزالة السلسلة الذهبية من معصمها، وخفّف الحراسة على بابها إلى اثنين.لكنها كانت تدوّن في عقلها كل شيء: مواعيد الحراسة، وأسماء الحراس، وعادات القصر، وطرق الجدول الذي يخترق حديقة القصر الخلفية ويصبّ في دجلة.وكانت تختبر ولاء الحراس بحذر: تترك قطعةً ذهبية في الممر كأنها سقطت منها، وتراقب من ينحني ليلتقطها ومن يتجاهلها. جمعت بذلك قائمةً قصيرة بالرجال الذين يُشترون بالمعدن، ومنهم الخادم الذي سيترك لها الباب المهجور مفتوحًا.في الليلة المحددة، كانت المدينة تحتفل بعيد الحصاد، والشوارع تعجّ بالمشاعل والمغنين، والقصر شبه خالٍ من أهله إلا الحراس. أخبرت أيهم بالخطة بين ثنايا زيارةٍ عابرة: «في منتصف الليل، عند الجدول. جوادان في الإسطبل الشرقي. سنخرج من الباب المهجور خلف الحديقة.»تردّد وهو يجيب: «ماهر يتربص بنا منذ مدة. لا أثق بهذا التوقيت.»«لا يوجد توقيتٌ أفضل. الجميع منشغل بالاحتفال.
last updateLast Updated : 2026-10-21
Read more
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status